أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عمر عزيم - تحليل رواية «محاولة بقاء» من منظور سوسيولوجي















المزيد.....

تحليل رواية «محاولة بقاء» من منظور سوسيولوجي


عمر عزيم
طالب

(Omar Azime)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 10:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تمهيد منهجي

تتناول رواية «محاولة بقاء» للحسين افقير، الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2019 عن دار تسراس للنشر والتوزيع، مسار عمر بونظيف، وهو شاب يفقد والديه ويجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة العمل الهش، والبطالة، والإيجار، والوحدة، والمهانة الاجتماعية. ولا تنحصر قيمة الرواية في حكاية فردية عن شخص تعصف به الظروف، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة المجتمع الذي يجعل البقاء مرتبطًا بامتلاك المال، والعمل، والسند العائلي، والعلاقات الاجتماعية.

يعتمد هذا التحليل على السوسيولوجيا الأدبية؛ أي على قراءة الشخصيات والأحداث بوصفها تمثيلات لعلاقات اجتماعية ومؤسسات وقيم وصراعات، مع الانتباه إلى أن الرواية لا تقدم دراسة إحصائية للمجتمع، بل تبني واقعًا تخييليًا يكشف بعض آلياته. ومن ثمّ، فإن عمر ليس مجرد شخصية منعزلة، بل هو نتاج تفاعل بين الفقر، وفقدان الأسرة، وضعف التعليم، وسوق العمل غير المستقر، والرقابة الاجتماعية، وضيق فرص الارتقاء.

أولًا: ملخص المسار الحكائي ودلالته الاجتماعية

تبدأ الرواية من لحظة دفن عمر لأمه، بعد أن صار بلا أب ولا أم ولا أخ. كان الوالدان يوفران له حدًا أدنى من الحماية، رغم أنهما لم يتركا له ثروة أو تعليمًا أو مهنة. وبعد وفاة الأم، يفقد عمر السند المادي والعاطفي معًا؛ إذ كانت أمه خادمة في البيوت، تعمل لتؤدي الإيجار وتضمن له الطعام والملبس (الفصل الأول، ص. 7؛ الفصل الحادي عشر، ص. 73–77).

يلتحق عمر، بمساعدة صديقه عصام، بورشة بناء. يمثّل العمل بالنسبة إليه بابًا اضطراريًا للبقاء، لا اختيارًا مهنيًا نابعًا من رغبة أو تأهيل. يتعرض في الورشة للسخرية والإهانة، لكنه يتعلم تدريجيًا الخضوع لمنطقها: طاعة الرؤساء، تنفيذ الأوامر، وتجنب التمرد، لأن فقدان العمل يعني فقدان الطعام والسكن (الفصل الثاني، ص. 17؛ الفصل الثالث، ص. 18–22).

غير أن تجربة العمل لا تنتهي بالاندماج الكامل؛ فعمر يكتشف التفاوت بينه وبين زملائه القدامى، ويشعر بالنقص أمام أصدقاء الدراسة الذين حصلوا على شهادات ووظائف أفضل. ثم يتحول غضبه إلى خطاب تحريضي ضد رئيس الورشة، فتندلع حالة من التوتر والتمرد، وينتهي الأمر بطرده (الفصول السابع والثامن، ص. 40–48 تقريبًا).

بعد الطرد، يدخل عمر مرحلة البطالة والتسكع والقلق من الإيجار. يقصد مكتب الإنعاش الوطني، لكنه يصطدم بالانتظار والوساطة والبيروقراطية. ومع تزايد الضغط، ينزلق إلى الشرب ثم إلى سرقة دراجة، ويعيش بعد ذلك تحت وطأة الخوف والذنب والوصمة. وتنتهي الرواية دون حل نهائي؛ إذ تتحسن حالته المالية مؤقتًا، لكن وعيه يظل محاصرًا بالخوف من انكشاف السرقة وبالشك في الآخرين (الفصلان الثالث عشر والسادس عشر، ص. 84–108).

ثانيًا: البنية الطبقية والفقر بوصفهما بنية لا عيبًا فرديًا

تقدم الرواية الفقر باعتباره وضعًا اجتماعيًا مركبًا، لا نتيجة كسل فردي فقط. فعمر لا يملك إرثًا، ولا حرفة، ولا شبكة حماية أسرية، ولا مؤهلًا دراسيًا يتيح له دخول سوق عمل مستقر. لذلك لا يبدو اختياره لورشة البناء حرًا بالمعنى الكامل، بل هو استجابة مباشرة لحاجات الإيجار والطعام.

تظهر البنية الطبقية في المقارنة بين عمر وأصدقاء طفولته: بعضهم التحق بالجندية، وبعضهم تعلم حرفة، وبعضهم هاجر إلى أوروبا، بينما بقي عمر في وضع متعثر (الفصل الأول، ص. 9). كما تظهر في المقارنة بين العمال اليدويين وأصدقاء الدراسة الذين يرتدون البدلات وربطات العنق ويشغلون وظائف تليق بشهاداتهم. هذا المشهد ينتج إحساسًا بـ الحرمان النسبي: عمر لا يقارن نفسه بالأغنياء فقط، بل بأشخاص كانوا قريبين منه ثم تجاوزوه اجتماعيًا.

واللافت أن الرواية تربط الطبقة بالموارد الموروثة. فوالد عمر كان شريفًا ومقاومًا ووطنيًا، لكنه لم يترك عقارات أو أموالًا؛ ولذلك لا تتحول أخلاقه إلى رأسمال مادي يحمي ابنه. هنا تطرح الرواية مفارقة اجتماعية حادة: قد يكون الشرف والقناعة مصدر تقدير رمزي، لكنهما لا يضمنان السكن أو العمل أو الاستقرار (الفصل الثالث عشر، ص. 84–85). وبذلك تُظهر الرواية الفارق بين الرأسمال الأخلاقي والرأسمال الاقتصادي.

ثالثًا: العمل الهش والانضباط وعلاقات السلطة

تُبنى ورشة البناء على هرم واضح: صاحب الورشة، ورئيس الورشة، والمكلّفون، ثم البنّاؤون. تنتقل الأوامر من الأعلى إلى الأسفل، بينما يتحمل العمال التعب والمخاطر. يصرح عصام لعمر بأن عليه أن ينصت إلى الرؤساء وينصاع لأوامرهم، وإلا فلا مكان له بينهم؛ وهذه العبارة تلخص منطق العمل الهش: الطاعة شرط للاستمرار (الفصل الثاني، ص. 17).

لا تُمارس السلطة في الورشة عبر الأجر وحده، بل عبر الإهانة والمراقبة والسب والتهديد بالطرد. ويشعر عمر بأن نسخة بطاقته الوطنية الموجودة لدى المكلّف تقيده، بما يوحي بأن العامل لا يبيع جهده فقط، بل يدخل في علاقة تبعية تجعل حركته محدودة. أما رئيس الورشة الجديد فيمارس سلطة انضباطية تقوم على المراقبة المستمرة، وتسريع العمل، ومحاسبة العمال على البطء.

توضح الرواية أن مصلحة العمال ليست دائمًا متطابقة مع مصلحة الورشة؛ فاكتمال المشروع قد يعني انتهاء الحاجة إلى العمال وانقطاع مصدر رزقهم. لذلك لا يهتم بعضهم بسرعة إنجاز الأشغال، لأن استمرار العمل، ولو في ظروف سيئة، يظل أفضل من البطالة. هذا التوتر يجسد صراعًا بين منطق الإنتاج ومنطق البقاء.

ومن منظور ماركسي، يمكن قراءة الورشة باعتبارها فضاءً يلتقي فيه مالك وسائل العمل بعمال لا يملكون سوى قوة عملهم. لكن الرواية لا تحول هذا الصراع إلى وعي طبقي منظم؛ إذ يبقى تمرد عمر فرديًا وانفعاليًا، وتظل قدرة العمال على المقاومة محدودة بسبب الزوجة والأبناء والإيجار والخوف من التشرد (الفصل السابع، ص. 40–41).

رابعًا: من الاحتجاج إلى الانضباط الذاتي

يمر عمر بتحول مهم. في البداية يقبل العمل صامتًا رغم الإهانة، ثم يبدأ في تعبئة العمال ضد رئيس الورشة، مستفيدًا من شعورهم بالكبت والاحتقار. غير أن خطابه لا يقود إلى تنظيم جماعي أو تفاوض، بل إلى فوضى وسباب وتصعيد ينتهي بطرده. وهنا تكشف الرواية محدودية الاحتجاج حين لا تدعمه قيادة جماعية أو نقابة أو حماية قانونية.

بعد الطرد، لا يعود عمر يرى نفسه فاعلًا قادرًا على تغيير الواقع، بل شخصًا مطاردًا بالقدر والبطالة والإيجار. يتحول الغضب الخارجي تدريجيًا إلى خوف داخلي. وحتى حين يحصل على المال لاحقًا، لا يستعيد أمنه النفسي؛ إذ يظل يلتفت وراءه ويتوجس من الناس خشية أن يكونوا قد عرفوا سرقته (الفصل السادس عشر، ص. 105–108). بذلك تنتقل السلطة من رئيس الورشة إلى داخل الشخصية نفسها: يصبح عمر رقيبًا على ذاته.

خامسًا: الأسرة وشبكات الحماية الاجتماعية

تظهر الأسرة في الرواية باعتبارها مؤسسة حماية أساسية، لكن غيابها يعرّي الفرد أمام السوق والمجتمع. كانت الأم تؤدي الإيجار وتوفر الطعام والملبس وتقوم بوظيفة الرعاية، بينما كانت الجارة الضاوية تمثل سندًا اجتماعيًا إضافيًا؛ تساعد الأم وتعتني بعمر وتخفف عنه أعباء الحياة. بعد وفاة الاثنتين، يفقد عمر ليس الأشخاص فقط، بل شبكة التضامن التي كانت تمنحه مكانًا في العالم.

تكشف الرواية كذلك أن الدعم الاجتماعي غير الرسمي قد يكون أهم من المؤسسات الرسمية. فالجار، والصديق، وصاحب المقهى، والصدقة، والعزاء، كلها أشكال من التكافل، لكنها متقطعة وغير كافية لتأمين مستقبل مستقر. وعندما تتغير ملكية الغرفة وينكشف الوجه الصارم لأبناء الضاوية، يتحول السكن من فضاء حماية إلى مصدر تهديد بالطرد (الفصل الخامس عشر، ص. 97–99).

أما الأم، فتظهر بوصفها عاملة فقيرة تقوم بعمل منزلي غير مرئي اجتماعيًا. فهي تعيل ابنها عبر جهد عضلي متواصل، لكن هذا العمل لا يتحول إلى أمان اقتصادي أو تقاعد أو إرث. ومن ثمّ، تطرح الرواية مسألة تأنيث الفقر والعمل غير المحمي، حتى إن السرد يقدم شرف الأم وقناعتها بوصفهما تعويضًا رمزيًا عن غياب الاعتراف المادي.

سادسًا: الرجولة والعمل والكرامة

تربط الشخصيات الرجولة بالعمل اليدوي والقدرة على إعالة النفس. يكرر الحسين وعصام أن الرجل هو من يعمل بذراعيه، وأن العيب في الجلوس لا في العمل (الفصل الرابع، ص. 24–25). يحمل هذا الخطاب قيمة إيجابية لأنه يرفض احتقار العمل اليدوي، لكنه يحمل أيضًا عبئًا معياريًا: يصبح العاطل متهمًا ضمنيًا بالضعف أو العجز، حتى عندما تكون البطالة ناتجة عن نقص الفرص.

يتأرجح عمر بين كرامة العمل وإذلاله. فهو يرفض مد اليد ويعدّ العمل الشريف وسيلة للنجاة، لكنه يتعرض في الورشة للاحتقار والسب. لذلك لا تكمن المشكلة في العمل نفسه، بل في شروطه وعلاقات السلطة داخله. كما أن سرقة الدراجة تمنحه مالًا مؤقتًا، لكنها تسلبه جزءًا من صورته الأخلاقية عن نفسه؛ فيحاول تبرير السرقة باعتبارها نتيجة للضائقة، لا تعبيرًا عن طبيعته.

سابعًا: التعليم والرأسمال الثقافي والحراك الاجتماعي

تستحضر الرواية أصدقاء عمر الذين أكملوا دراستهم وحصلوا على وظائف، في مقابل شخصيته التي خرجت من المدرسة مبكرًا. لا يظهر التعليم بوصفه ضمانًا مطلقًا للنجاح، لكنه يظل موردًا مهمًا للتمايز الاجتماعي. ووفق مفهوم بورديو، يفتقد عمر إلى قدر كافٍ من الرأسمال الثقافي الذي يسمح له بتقديم نفسه في المؤسسات الرسمية أو الوصول إلى وظائف أفضل.

يتجسد ذلك في مشهد مكتب الإنعاش الوطني. يدخل عمر المكان متهيبًا، يقارن زخارف المكتب وغرفة السكرتيرة بغرفته المتواضعة، ويشعر بالغربة أمام اللغة والإجراءات والتراتبية. حتى كلمة «سيدي» التي توجهها إليه السكرتيرة تمنحه نشوة عابرة، لأنها تعيد إليه اعترافًا اجتماعيًا حُرم منه في الورشة. غير أن هذا الاعتراف لا يتحول إلى حق فعلي في العمل؛ فالغياب الإداري يؤجل مطلبه إلى اليوم التالي (الفصل الثالث عشر، ص. 87–88).

ثامنًا: الدين والثقافة الشعبية كآليات معنى وتسكين

تستند الشخصيات إلى الدين والأمثال الشعبية لتفسير الألم وتحمل الفقر. تتكرر عبارات مثل «كل نفس ذائقة الموت»، و«الأرزاق بيد الله»، و«الدرهم الأبيض ينفع في اليوم الأسود». تؤدي هذه العبارات وظيفة مزدوجة: فهي تمنح عمر معنى وقدرة على الاحتمال، لكنها قد تحول الأزمة الاجتماعية إلى امتحان قدري فردي، فتخفف مساءلة المؤسسات والسلطات.

ومع ذلك، لا تقدم الرواية الدين بوصفه أداة قمع فقط. فالدعاء والصدقة وزيارة القبور والرحمة بالوالدين تشكل لغة للتضامن والوفاء. لكن الخطاب الديني قد يتقاطع أحيانًا مع رقابة أخلاقية على النساء، كما يظهر في تذكر عمر خطبة المسجد عن المرأة التي ترفع صوتها. هنا تكشف الرواية كيف يمكن للخطاب الديني الشعبي أن يعيد إنتاج بعض التصورات الأبوية، حتى داخل شخصية تعاني هي نفسها من التهميش.

تاسعًا: المدينة والمقهى والغابة بوصفها فضاءات اجتماعية

تنتظم الرواية في فضاءات متباينة. فالورشة فضاء العمل والمراقبة والصراع؛ والمقهى فضاء الاعتراف والتنفيس وتبادل الأخبار؛ والغرفة فضاء الوحدة والتهديد بالطرد؛ والمقبرة فضاء الذاكرة والحداد؛ أما مكتب الإنعاش فهو فضاء المؤسسة والانتظار.

يحتل المقهى موقعًا مركزيًا في حياة عمر. فيه يلتقي عصام والحسين، ويتبادل الرجال تجارب العمل والهجرة والغلاء والصحة. إنه أشبه بمؤسسة اجتماعية غير رسمية ينتج فيها الأفراد ثقافتهم اليومية. لكنه لا يمنح حلولًا عملية؛ فالكلام يخفف الألم، لكنه لا يوفر عملًا أو سكنًا.

أما الغابة، فتتحول إلى فضاء هامشي للهروب من الرقابة، حيث يشرب عمر وعصام الخمر الرخيصة ويرقصان بعيدًا عن أعين المجتمع. غير أن هذا الهروب مؤقت، وسرعان ما يعود عمر إلى الشوارع والمخاوف والشرطة والإيجار. وبذلك تتنقل الشخصية بين فضاءات لا يستقر فيها أي انتماء كامل.

عاشرًا: اللغة والازدواج الاجتماعي

تستخدم الرواية العربية الفصحى في السرد، والدارجة المغربية في الحوار. هذا التداخل ليس مجرد اختيار أسلوبي؛ إنه يعكس ازدواجًا بين لغة الوصف والتأمل ولغة الحياة اليومية. فالفصحى تمنح الأحداث إطارًا تأمليًا، بينما تمنح الدارجة الشخصيات موقعها الجغرافي والطبقي والثقافي.

كما تكشف الألفاظ عن علاقات القوة: «سير تخدم»، و«شد الفأس»، و«بغيت نتقيد»، و«ما تفرطش في الخدمة». الأوامر تأتي من الأعلى، والرجاء يأتي من الأسفل. وفي المقابل، يحاول عمر استعادة القوة من خلال الخطابة والتحريض، إلا أن لغته لا تملك سندًا مؤسسيًا، ولذلك تتحول إلى غضب قابل للانكسار.

حادي عشر: الهامش والوصمة والانحراف

لا يولد عمر مجرمًا؛ بل يتحول تدريجيًا من شاب عاطل إلى شخص يشرب ويسرق تحت ضغط الفقر والوحدة وانسداد الأفق. لا يعني ذلك تبرئة السرقة أخلاقيًا أو قانونيًا، بل يوضح أن السلوك المنحرف قد يتشكل داخل بنية اجتماعية تضيق فيها الخيارات. يبرر عمر سرقته بمقارنة نفسه بمن يأكلون أموال اليتامى أو لا يزكون، وهي محاولة لإعادة بناء صورة أخلاقية لنفسه بعد خرق القانون (الفصل السادس عشر، ص. 107–108).

تظهر الوصمة في الألفاظ التي تطلق عليه، وفي السخرية من عمله وشكله وحياته، ثم في خوفه من أن يصبح موضوعًا لأحاديث الناس. وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم الوصم عند إرفنغ غوفمان: لا يعود الفرد يواجه الفعل وحده، بل يواجه الهوية الاجتماعية التي قد تلصق به بعد الفعل. لذلك يختبئ عمر في المقاهي، ويغير مساره، ويراقب وجوه الناس، وكأنه يعيش داخل محكمة اجتماعية دائمة.

ثاني عشر: رسالة الرواية وحدودها النقدية

تتمثل رسالة الرواية الأساسية في أن البقاء ليس فعلًا فرديًا خالصًا. فالفرد يحتاج إلى الأسرة، والعمل المستقر، والتعليم، والسكن، والمؤسسات العادلة، وشبكات التضامن. حين تنهار هذه الدعائم، يصبح الإنسان معرضًا للمهانة والانحراف والقلق، حتى لو كان مسالمًا ومتمسكًا بقيم الشرف.

تنجح الرواية في كشف تفاصيل الحياة اليومية للفئات الهشة: أجر العامل، كلفة الإيجار، الطعام الرخيص، المقهى، انتظار العمل، الخوف من الطرد، والهجرة بوصفها حلمًا مشروطًا بالمال. كما تمنح السرد مساحة للدارجة والحكم الشعبية، فتجعل المجتمع حاضرًا في لغته ومخياله.

لكن الرواية تميل أحيانًا إلى تفسير الأزمات من خلال القدر والحظ والأخلاق الفردية أكثر من تحليل السياسات والمؤسسات الاقتصادية. كما أن الاحتجاج العمالي يظهر في صورة تحريض وفوضى، لا في صورة تنظيم أو تفاوض أو عمل جماعي مستدام. وهذه الحدود لا تلغي القيمة الاجتماعية للنص، لكنها توضح أن الرواية تُدين البؤس أساسًا من خلال أثره النفسي والأخلاقي في الفرد.

خاتمة

تكشف «محاولة بقاء» مجتمعًا يجعل الإنسان الهش مسؤولًا عن إنقاذ نفسه في ظروف لا يملك أدوات التحكم فيها. عمر بونظيف ضحية فقدان الأسرة، وضعف التعليم، والعمل غير المحمي، والبطالة، وأزمة السكن، لكنه ليس شخصية سلبية تمامًا؛ فهو يحاول العمل، والاحتجاج، والبحث عن مورد، وحماية كرامته. غير أن محاولاته تظل فردية ومجزأة، ولذلك تنتهي إلى مزيد من العزلة والقلق. ومن منظور سوسيولوجي، تقول الرواية إن الجريمة والاغتراب لا يمكن فهمهما بعيدًا عن بنية الحرمان، وإن الكرامة لا يضمنها الخطاب الأخلاقي وحده، بل تحتاج إلى شروط اجتماعية ومؤسساتية تجعل العمل والسكن والتعليم والاعتراف حقوقًا فعلية لا امتيازات عابرة.

الخلاصة المركزة: الرواية ليست حكاية سقوط عمر وحده، بل حكاية مجتمع يترك أفراده في مواجهة الفقر والبطالة والوحدة، ثم يحاسبهم على نتائج هذا الإهمال. عنوانها «محاولة بقاء» يلخص وضع الإنسان الهش الذي لا يطلب الثراء، بل يسعى فقط إلى لقمة العيش، وأجرة الغرفة، ومكان يحميه من التشرد والمهانة.

بيانات الرواية المعتمدة

- الحسين افقير، محاولة بقاء، رواية، دار تسراس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2019.

- أرقام الصفحات الواردة في التحليل تشير إلى ترقيم صفحات النسخة الرقمية المرفقة، وقد تختلف قليلًا عن ترقيم الطبعة الورقية.

- التحليل مبني على النص المرفق كاملًا، ولا يهدف إلى استبدال القراءة المباشرة للرواية أو تقديم حكم نهائي وحيد عليها.

إعداد: تحليل سوسيولوجي للنص الروائي المرفق

تاريخ الإعداد: 23 سبتمبر 2026



#عمر_عزيم (هاشتاغ)       Omar_Azime#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاربة سوسيولوجية لرواية محاولة بقاء للكاتب الحسين افقير
- انتصار للطبقة الكادحة ونقد للاستغلال الرأسمالي في رواية محاو ...
- تحليل رواية «الأسود يليق بك» لأحلام مستغانمي
- محاولة بقاء للكاتب الحسين افقير قراءة نقدية
- البؤساء حين يصبح القانون أقل إنسانية من المجرم
- تحليل رواية -الريح الشتوية- للكاتب مبارك ربيع
- تحليل رواية -اللصيلصون في قصر المتعة- للكاتب عادل أوتنيل
- تحليل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح
- تحليل خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف
- صراع الكرامة والبقاء في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين اف ...
- الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير
- ملخص رواية محاولة بقاء
- ملخص رواية «بقايا صور» لحنا مينه
- تحليل رواية خان الخليلي
- ملخص رواية قواعد العشق الأربعون لأليف شافاق


المزيد.....




- قاتلا مع روسيا.. زيلينسكي يكشف مصير جنديين كوريين شماليين أُ ...
- زيلينسكي يحذّر روسيا: سنجعل الشتاء مؤلماً لكم أيضاً
- رئيس وزراء إسبانيا يدعو لإصلاح مجلس الأمن وإلغاء حق -الفيتو- ...
- قاضٍ أمريكي يأمر إدارة ترامب بإعادة دخول شبكتي CNN وMS NOW و ...
- ضربات ليلية استهدفت مواقع في عدة مناطق أوكرانية منها كييف وأ ...
- بحجم فيل.. العثور على هيكل عظمي لوحيد القرن السيبيري
- روسيا تختبر مركباتها الفضائية الجديدة خريف العام الجاري
- روسيا بصدد تطوير لقاح جديد ضد التهاب الدماغ المنقول بالقراد ...
- باحثون يطورون جسيمات نانوية قابلة للحقن تعيد الضوء إلى الشبك ...
- دعوى في فرنسا ضد الجيش الإسرائيلي


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عمر عزيم - تحليل رواية «محاولة بقاء» من منظور سوسيولوجي