أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عمر عزيم - الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير















المزيد.....

الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير


عمر عزيم
طالب

(Omar Azime)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 08:13
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء»

تتناول رواية «محاولة بقاء» للحسين أفقير الصراع الطبقي من خلال حياة عمر بونظيف، وهو شاب يجد نفسه بعد وفاة أمه في مواجهة الفقر والبطالة والحرمان. ولا يظهر الصراع الطبقي في الرواية على شكل مواجهة مباشرة بين طبقتين اجتماعيتين متصارعتين، بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي التفاوت بين من يملك وسائل العيش ومن حُرم منها، وبين من يستطيع أن يخطط لمستقبله ومن لا يملك سوى البحث عن لقمة اليوم. ولهذا فإن مأساة عمر ليست مأساة فردية فقط، بل نتيجة لوضع اجتماعي واقتصادي يجعل البقاء امتيازًا لا يتاح للجميع بالدرجة نفسها.

ينتمي عمر في بداية حياته إلى أسرة ميسورة نسبيًا، فقد عاش في بيت يوفر له الطعام والحنان والحماية. لكنه لم يكتسب حرفة أو تعليمًا يساعده على الاستقلال، لأنه نشأ وهو يظن أن النعيم الذي يحيط به سيستمر دائمًا. كان الأب والأم يمثلان بالنسبة إليه مصدر الأمان، ولم يشعر بالحاجة إلى مواجهة الحياة بجدية. غير أن موت الأب ثم الأم أسقط هذا الأمان فجأة، وكشف أن المكانة الاجتماعية لا تكون ثابتة إذا لم يسندها العمل أو العلم أو المال. بمجرد أن فقد عمر أسرته، وجد نفسه في أسفل السلم الاجتماعي، عاجزًا عن مواجهة أبسط احتياجات الحياة.

تتضح الطبقية في الرواية من خلال العلاقة بين المال والعمل والكرامة. يرفض عمر الاستجداء، لأنه يرى في مد اليد إهانة، ويتذكر نصائح أبيه التي كانت تحثه على العمل في ورشات البناء أو التجارة. لكن المجتمع الذي يطالبه بالعمل لا يوفر له عملًا مستقرًا. يبحث عمر عن فرصة، ويتردد على المؤسسات، ويمضي وقته في الشوارع والمقاهي، لكن الأبواب تظل مغلقة أمامه. وهنا تكشف الرواية تناقضًا أساسيًا: الفقراء يُحاسَبون على بطالتهم، مع أن البطالة ليست دائمًا نتيجة للكسل، بل قد تكون نتيجة لغياب الفرص وغياب التأهيل وانسداد الطريق أمامهم.

يمثل عمر فئة من الشباب الذين لا يملكون رأس المال ولا المهارة ولا العلاقات التي تمكنهم من تحسين أوضاعهم. فهو لا يستطيع تأسيس مشروع، ولا يملك شهادة تؤهله لوظيفة، ولا يملك عائلة قادرة على الإنفاق عليه إلى ما لا نهاية. وحتى أصدقاؤه تفرقت بهم السبل؛ فمنهم من التحق بالجندية، ومنهم من تعلم حرفة، ومنهم من هاجر إلى أوروبا. أما عمر فبقي عالقًا في مكانه، يراقب نجاح الآخرين دون أن يمتلك الوسيلة التي تمكنه من اللحاق بهم. وهكذا يصبح الفارق بينه وبين أقرانه فرقًا طبقيًا بقدر ما هو فرق فردي، لأن بعضهم حصل على فرصة أو دعم أو طريق واضح، بينما حُرم هو من ذلك.

وتظهر الطبقة الميسورة في الرواية بصورة غير مباشرة، من خلال أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن الجوع والحاجة. عمر ينظر إلى بعض رواد المقهى، ويرى أنهم فاشلون أو عاطلون، لكن وجود آبائهم يحميهم من نتائج فشلهم. يستطيع هؤلاء أن يضيعوا الوقت أو يرتكبوا الأخطاء، لأن الأسرة تضمن لهم الطعام والمسكن والمال. أما عمر فلا يملك هذا الامتياز. خطؤه قد يقوده إلى الجوع، وتأخره في العثور على عمل قد يدفعه إلى الانحراف. إن الفرق بينه وبين هؤلاء لا يكمن في الرغبة وحدها، بل في وجود شبكة حماية اجتماعية تحيط بهم ولا تحيط به.

كما تكشف الرواية عن طبقية أخرى داخل المجتمع، تتمثل في نظرة الناس إلى الفقراء. فالناس يعزون عمر عند وفاة أمه، ويرددون عبارات الصبر والرضا، لكن هذه المواساة لا تتحول إلى مساعدة حقيقية. إنهم يعترفون بمأساته عاطفيًا، ثم يتركونه يواجه مصيره وحده. وبعد ذلك، عندما يقع في السرقة، يصبح موضوعًا للأحكام والإدانة. هنا تنتقد الرواية مجتمعًا يتعاطف مع الفقير ما دام ضعيفًا وصامتًا، لكنه يرفضه عندما يحاول انتزاع حقه بطريقة غير مشروعة. لا يبرر النص السرقة، لكنه يلفت الانتباه إلى الظروف التي صنعتها، وإلى أن الحكم على الجريمة لا ينبغي أن ينفصل عن تحليل أسبابها.

تبلغ الطبقية ذروتها عندما يسرق عمر الدراجة النارية. فالسرقة تمثل انتقاله من موقع المحروم إلى موقع المعتدي، لكنها لا تعني أنه أصبح من طبقة المال أو امتلك قوة حقيقية. هو لا يسرق بحثًا عن الثراء أو الترف، بل بدافع الحاجة والاختناق. لذلك تبدو الجريمة في الرواية محاولة يائسة للعبور من الهامش إلى الحد الأدنى من الحياة. غير أن هذا العبور لا يحقق له التحرر، بل يزيد خوفه وقلقه وشعوره بالذنب. فالفقير حين يخرج عن القانون لا يصبح قويًا، بل يضيف إلى فقره خوفًا جديدًا، بينما يستطيع أصحاب النفوذ والمال ارتكاب أشكال أخرى من الظلم دون أن تظهر أفعالهم دائمًا في صورة جريمة واضحة.

يحاول عمر تبرير سرقته بالقول إن من يأكل أموال اليتامى أو يحرم الفقراء من حقوقهم أحق بالإدانة. وهذا التبرير يكشف وعيًا طبقيًا بدأ يتشكل داخله. لقد أدرك أن المجتمع لا يعاقب جميع أشكال الاستغلال بالطريقة نفسها. فاللص الصغير يظهر أمام الناس بوصفه مجرمًا واضحًا، بينما قد يمر استغلال الفقراء أو احتكار المال أو حرمان المحتاجين من حقوقهم في صورة قانونية أو مقبولة اجتماعيًا. ومن خلال هذا الوعي، يقترب عمر من فهم أن الظلم ليس فعلًا فرديًا فقط، بل نظامًا اجتماعيًا يسمح لبعض الناس بالعيش في الأمان، ويدفع آخرين إلى المخاطرة بحريتهم من أجل البقاء.

ومع ذلك، لا تقدم الرواية عمر بوصفه بطلًا ثوريًا أو قائدًا لتمرد طبقي. فهو لا يملك مشروعًا لتغيير المجتمع، ولا ينظم احتجاجًا، ولا يواجه الأغنياء مواجهة مباشرة. صراعه طبقي داخلي ويومي، يبدأ من الإحساس بالإقصاء وينتهي بمحاولة الحصول على المال بأي وسيلة. وهذا ما يمنح الرواية طابعها الواقعي؛ فمعظم المهمشين لا يملكون القدرة على الثورة، وإنما يحاولون تدبير يومهم، ويتنقلون بين الأمل واليأس، وبين الرغبة في الكرامة والخضوع لشروط الحاجة.

وتظهر المدينة في الرواية بوصفها فضاءً غير عادل. فهي تمنح فرصًا للبعض وتلفظ البعض الآخر. المقاهي والشوارع والمؤسسات لا توفر لعمر اندماجًا حقيقيًا، بل تزيد شعوره بأنه غريب عن العالم. حتى أصدقاؤه يمثلون مسارات اجتماعية مختلفة، لأن بعضهم وجد طريقًا للعمل أو الهجرة، بينما ظل هو عالقًا في البطالة. إن المدينة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل صورة لنظام اجتماعي يوزع الحظوظ بصورة غير متساوية.

في النهاية، يتجسد الصراع الطبقي في «محاولة بقاء» في الصراع بين من يملكون وسائل العيش ومن يملكون حاجتهم فقط، وبين من يستطيعون ارتكاب الفشل بأمان ومن يدفعون ثمن كل خطأ، وبين من يطالبون الفقير بالأخلاق ومن لا يمنحونه شروط الحياة الكريمة. عمر مسؤول عن السرقة، لكن مسؤوليته لا تلغي مسؤولية المجتمع الذي تركه بلا تعليم ولا عمل ولا سند. ومن هنا تكمن قوة الرواية؛ فهي لا تقدم الفقر عذرًا مطلقًا، ولا تقدم القانون حلًا كافيًا، بل تجعل القارئ يرى أن الجريمة قد تكون أحيانًا النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التهميش. إن محاولة عمر للبقاء تكشف أن الصراع الطبقي لا يحدث دائمًا في الشوارع بالمظاهرات والمواجهات، بل قد يحدث داخل نفس الإنسان، حين يضطر إلى الاختيار بين كرامته وحاجته، وبين القانون وغريزة البقاء.



#عمر_عزيم (هاشتاغ)       Omar_Azime#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملخص رواية محاولة بقاء
- ملخص رواية «بقايا صور» لحنا مينه
- تحليل رواية خان الخليلي
- ملخص رواية قواعد العشق الأربعون لأليف شافاق


المزيد.....




- وصول الرئيس الصيني إلى نيودلهي للمشاركة في قمة -بريكس-
- نيودلهي تعد مفاجأة لبوتين.. دمى ماتريوشكا من الشوكولاتة (صور ...
- مخيم الطويلة في السودان يستقبل 193 عائلة جديدة
- الصحفي الشهير كارلسون: موسكو أفضل بكثير من نيويورك
- آثار أقدام عمرها 65 مليون سنة تكشف حقيقة غير متوقعة عن ديناص ...
- بعد حصولهم على فدية.. قراصنة يفرجون عن سفينة تجارية اختطفت ق ...
- ترامب يكسر تابوهات الدبلوماسية.. اعتراف ينقل لعبة التجسس من ...
- بيان مصري جديد دعما للرياض بعد استهداف خط النفط السعودي
- النيجر: بعد إحباط التمرد... تعيين رئيس جديد لأركان القوات ال ...
- الطفلة كارما ضحية والدها ومأساة تهز مصر


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عمر عزيم - الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير