أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر عزيم - صراع الكرامة والبقاء في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير















المزيد.....

صراع الكرامة والبقاء في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير


عمر عزيم
طالب

(Omar Azime)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:49
المحور: الادب والفن
    


تتكون رواية «محاولة بقاء» للحسين أفقير من ستة عشر فصلًا، ترصد من خلالها التحول التدريجي في حياة عمر بونظيف، منذ لحظة وفاة أمه إلى أن يجد نفسه مضطرًا إلى السرقة بحثًا عن المال. ولا تقدم الرواية هذا التحول باعتباره سقوطًا مفاجئًا أو نتيجة لشر متأصل في شخصية عمر، بل تجعله نتيجة لمسار طويل من الفقدان والبطالة والحرمان والضغط النفسي. فكل فصل يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة المعاناة، حتى يصبح البقاء بالنسبة إلى عمر صراعًا بين حاجته إلى الكرامة وضغط الواقع الاجتماعي.

تبدأ الرواية بمشهد دفن الأم، وهو المشهد الذي يشكل نقطة الانطلاق في حياة عمر الجديدة. لم يكن موتها فقدانًا عاطفيًا فقط، بل كان انهيارًا لآخر دعامة تحميه من قسوة الحياة. فقد سبق أن فقد أباه، ولم يكن له أخ أو قريب قادر على مساعدته. كما أنه لم يتعلم حرفة أو مهنة، لأنه عاش في أسرة كانت توفر له حاجاته، فكبر وهو يعتقد أن النعيم سيستمر إلى الأبد. لذلك يبدو عمر بعد وفاة أمه كأنه خرج من عالم محمي إلى عالم لا يعرف قوانينه. يسأل نفسه كيف سيواجه الحياة، وكيف سيكسب قوته، وما العمل الذي يستطيع القيام به، لكنه لا يجد جوابًا واضحًا.

في الفصل الثاني يلجأ عمر إلى المقهى، وكأنه يحاول العودة إلى عاداته القديمة والتظاهر بأن شيئًا لم يتغير. غير أن المقهى يتحول إلى فضاء للتأمل والشرود، لا إلى مكان للراحة. يجلس عمر ويراقب رواده، ثم يستعيد ذكريات الطفولة والمدرسة والأصدقاء. وهو يرى أن كثيرًا من الشباب الذين يشبهونه في البطالة لا يعانون مثل معاناته، لأن آباءهم ما زالوا يوفرون لهم الحماية والمال. وهنا يظهر البعد الطبقي في الرواية بوضوح؛ فالفشل لا تكون نتائجه واحدة بالنسبة إلى الجميع. يستطيع الشاب المحمي بعائلته أن يضيع وقته، أما عمر فإن فقدان العمل يعني اقترابه من الجوع والمهانة.

بعد ذلك يحاول عمر أن يخرج من حالة العجز، فيتوجه إلى ورشة للبناء تقع خارج المدينة. يمثل هذا الانتقال بداية جديدة في حياته، لأنه يترك المقهى والذكريات ويتجه إلى العمل الحقيقي. يكتشف هناك عالم العمال، حيث يبدأ اليوم قبل شروق الشمس، ويتجمع الرجال حول بائع الشاي، ثم ينصرف كل واحد إلى مهمته. يواجه عمر التعب والسخرية ومضايقات العمال، لكنه يصبر ويتمكن تدريجيًا من التكيف. ولا يعود العمل بالنسبة إليه وسيلة للحصول على المال فقط، بل يصبح مصدرًا للكرامة والانتماء. فعندما يعمل بعرق جبينه يشعر بأنه استعاد جزءًا من قيمته، وأنه قادر على أن يعيش مثل الآخرين.

تظهر في الفصول التالية أهمية الأجر والاستقرار في حياة العامل الفقير. فالأيام تصبح أخف على عمر بمجرد أن يشتغل، وتختفي عنه بعض أفكار البطالة والضياع. لكنه يكتشف أن هذا الاستقرار هش، لأن مصير العمال مرتبط بقرارات أصحاب العمل والمسؤولين. يأتي رئيس جديد للورشة، ويبدأ في فرض نظام صارم ومراقبة العمال وتهديد المتهاونين. لا يرفض عمر العمل، لكنه يرفض الإهانة والسلطة التي تعامل العامل كأنه مجرد أداة. ومن هنا يبدأ الصراع بين العمال ورئيس الورشة، وهو صراع يكشف التفاوت بين من يملكون سلطة إصدار الأوامر ومن لا يملكون سوى أجسادهم ووقت عملهم.

يتحول عمر في هذه المرحلة من عامل يبحث عن رزقه إلى شخص يتحدث باسم العمال. يخطب فيهم، ويحثهم على عدم قبول السب والإهانة، ويطالبهم بالحفاظ على كرامتهم. في هذا التحول جانب إيجابي، لأن عمر يكتشف أن مشكلته ليست فردية، وأن العمال يشتركون في الإحساس بالقهر. لكنه لا يمتلك وعيًا منظمًا أو تصورًا واضحًا لطريقة مواجهة السلطة. لذلك تنقلب خطاباته إلى تحريض وانفعال، ويبدأ العمال في السخرية من رئيس الورشة ومجادلته. لم يعد الصراع مرتبطًا فقط بتحسين ظروف العمل، بل أصبح مواجهة مباشرة تزيد التوتر داخل الورشة.

تؤدي هذه المواجهة في النهاية إلى طرد عمر من العمل. وهنا يعود إلى النقطة التي حاول تجاوزها، لكنه يعود إليها أكثر غضبًا ووعيًا بالظلم. يصبح بلا أجر وبلا مصدر للعيش، ويشعر أن كل محاولة منه للاستقرار تنتهي بالفشل. يحاول إقناع نفسه بأنه قادر على البدء من جديد، لكنه لا يملك حرفة ثابتة أو مالًا أو سندًا عائليًا. وتكشف الرواية من خلال هذه المرحلة هشاشة حياة العامل؛ ففقدان العمل لا يعني فقدان الراتب فقط، بل يعني أيضًا فقدان الروتين والاحترام والشعور بالانتماء.

بعد الطرد يتسع غضب عمر، فيبدأ في كراهية الأغنياء وتمني موتهم. هذا الشعور لا يأتي من وعي سياسي متكامل، بل من المقارنة القاسية بين حياته وحياة من يملكون المال. يرى أن بعض الناس يستطيعون ارتكاب الأخطاء دون أن يجوعوا، بينما يمكن لخطأ واحد في حياة الفقير أن يدفعه إلى الانهيار. كما تعود إليه ذكريات أمه وأبيه، فيشعر بأنه أصبح وحيدًا في عالم لا يرحم. ويتحول الشارع إلى فضاء للتسكع ومراقبة الناس والنساء، وإلى مكان تظهر فيه رغباته المكبوتة وأفكاره المضطربة.

تأتي زيارته إلى قبر والديه في الذكرى الأربعينية لوفاة أمه كاستراحة قصيرة من هذا الانهيار. يقف أمام القبر، يقرأ الفاتحة، ويتذكر العبارات التي كان يسمعها في حياته السابقة. كما يوزع بعض المال على المتسولين، وكأنه يحاول أن يحافظ على صورته القديمة أمام نفسه. غير أن الصدقة لا تغير واقعه، بل تكشف مفارقة مؤلمة؛ فهو يمنح الآخرين من المال الذي يحتاج إليه، بينما يقترب هو نفسه من الفقر. وتظهر في هذا الفصل بقايا الضمير والرحمة داخل شخصيته، قبل أن يعود مرة أخرى إلى حياة التوتر والضياع.

في الفصل الثاني عشر يحاول عمر الهروب من واقعه عبر الطعام والخمر والسجائر. يدعو عصام إلى العشاء، ثم يشتريان زجاجة ويتوجهان إلى الغابة. يشعر عمر بالسعادة لأنه استطاع أن ينفق المال وأن يمنح صديقه لحظة فرح، لكن هذه السعادة مؤقتة. فالمتعة هنا ليست حلًا للمشكلة، بل وسيلة لنسيانها. وبعد انتهاء السهرة يعود عمر إلى واقعه أكثر فراغًا، لأن الخمر لا تمنحه عملًا ولا أمانًا ولا مستقبلًا.

تزداد أزمته في الفصل الثالث عشر عندما يبدأ المال الذي ادخره في النفاد. يبحث عن عمل في مكتب الإنعاش الوطني، ويتذكر أهمية التوفير، لكنه يدرك أن الندم لا يعيد ما ضاع. يصبح المستقبل في نظره مجهولًا ومخيفًا، ويشعر أن المجتمع أغلق أبوابه أمامه. وفي الفصل الرابع عشر يتحول هذا الشعور إلى شك دائم في الناس. يرى الحياة غابة، ويعتقد أن الجميع يراقبونه ويضمرون له الشر. لم يعد عمر يثق بالمجتمع، لأن الفقر جعله يرى العلاقات من خلال الخيانة والمصلحة والاحتقار.

يأتي الفصل الخامس عشر بوصفه مرحلة نفسية تسبق الجريمة. يلاحظ عصام أن عمر لم يعد ذلك الشخص المرح، فقد حل الغضب محل الدعابة، وأصبح حديثه متقطعًا وذهنه مشتتًا. صمته ليس هدوءًا، بل امتلاء بالخوف والرغبة في الانتقام. وفي الفصل الأخير تتحسن حالته المالية بعد السرقة، فيشتري ملابس جديدة ويدفع إيجار غرفته، لكنه لا يشعر بالأمان. يلتفت خلفه في كل مكان، ويظن أن الناس يعرفون جريمته. لقد نال المال، لكنه فقد الطمأنينة.

تؤكد نهاية الرواية أن السرقة لم تحرر عمر من الفقر، بل نقلته إلى نوع آخر من العبودية، هو عبودية الخوف والشك. يحاول أن يبرر فعلته بالحديث عن الأغنياء الذين يأكلون أموال اليتامى، لكنه لا يستطيع أن يلغي مسؤوليته. وهنا تكمن قوة الرواية؛ فهي لا تبرئ عمر ولا تدينه بصورة سطحية، بل تضعه داخل ظروفه الاجتماعية والنفسية. لقد كان يريد العمل والكرامة، لكنه وجد نفسه في مجتمع لا يوفر له الاستقرار. ولذلك فإن «محاولة بقاء» ليست قصة لص فقط، بل قصة إنسان حاصرته الحاجة حتى أصبح الاختيار بين الجوع والخطيئة.



#عمر_عزيم (هاشتاغ)       Omar_Azime#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصراع الطبقي في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير
- ملخص رواية محاولة بقاء
- ملخص رواية «بقايا صور» لحنا مينه
- تحليل رواية خان الخليلي
- ملخص رواية قواعد العشق الأربعون لأليف شافاق


المزيد.....




- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
- التعليم العالي: السينما والفنون والتراث تواصل إثراء فعاليات ...
- التعليم العالي: اليوم الموعد النهائي لتسجيل رغبات طلاب الشها ...
- أفلام الحروب تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينمائ ...
- يروي الإبادة بعيون طفلة.. فيلم -غزة 13- في مهرجان تورنتو الس ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر عزيم - صراع الكرامة والبقاء في رواية «محاولة بقاء» للكاتب الحسين افقير