أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - باسل يونس - فيروز... وطني الأخير














المزيد.....

فيروز... وطني الأخير


باسل يونس

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 08:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لطالما اعتبرت فيروز أكثر من مجرد مطربة. لم تكن بالنسبة إلي صوتا جميلا يرافق الصباح أو أغنيات نستعيدها حين نشتاق إلى الماضي؛ كانت شيئا من هويتنا، وذاكرة تسكننا من دون أن نستدعيها، وجسرا خفيا يصل الإنسان بالأرض التي جاء منها، وبالحياة التي تركها خلفه. لكنني لم أكن أتوقع أن يأتي يوم أكتشف فيه أن فيروز، التي طالما كانت جزءا من وطني، ستصبح وطني الأخير.
فيروز هي تاج الفجر وعفة الشروق. حين يبدأ صوتها، أشعر كأن النهار لا يطلع من وراء الجبال فحسب، بل يطلع أيضا من أعماق الروح. ثمة فرح هادئ يتسلل إلى القلب، وطاقة خفية تجعل الحياة أقل ثقلا، وتمنح الصباح معنى يتجاوز بدايته ونهايته. معها، لا يكون الضوء مجرد شمس تشرق، بل وعدا صغيرا بأن في العالم ما يستحق أن ننهض من أجله، وأن الجمال، مهما ضاقت بنا الأيام، ما زال قادرا على إنقاذ شيء في داخلنا.
وحين أستمع إليها، تتسع الأغنية أمامي حتى تصبح أرضا كاملة. أرى الجبال وهي تعانق الغيم، والبحر وهو يمتد إلى الأفق، والحقول التي تنتظر مواسم الزرع والحصاد، والأشجار التي تثقلها ثمار التين والرمان والزيتون. أرى الحواكير والرعش، والزواريب الضيقة، والبيوت التي تتكئ على سفوح الجبال، والضيعة التي تعرف وجوه أهلها وتحتفظ بأسرارهم. أستعيد حكايات ستي الختيارة، وضحكات الأطفال، ودفء الجلسات، وصوت الحياة وهي تمضي ببساطتها وألفتها. وفي كلمات فيروز وأغنياتها، تعود إلي أصداء الزينو الزينو، والدلعونا والميجانا، وتلك التفاصيل التي لا تحتاج إلى شرح لمن عاشها، لأنها محفورة في الوجدان مثل رائحة التراب بعد المطر.
وحين يحل المغيب، وتنسحب الشمس خلف الجبال، وتغمر الظلال الحقول والبيوت، أشعر بأنني أقف أمام مشهد أعرفه، حتى لو لم أعد قادرا على بلوغه. كأن صوت فيروز يفتح بابا إلى مكان لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل تصنعه الذاكرة والعاطفة والتفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه. ولهذا لا أسمعها فأستعيد أغنية فحسب؛ إنني أستعيد حياة كاملة، أو ربما أستعيد الصورة التي كنت أتمنى أن تبقى عليها الحياة.
هذه هي ثقافة بلاد الشام التي تتجاوز الحدود السياسية. فيروز لبنانية، لكن عالمها مألوف لي كما هو مألوف لكثير من السوريين؛ فالجبال والبحر والزرع والحصاد وحكايات الجدات وأغنيات الفرح ليست ملكا لبلد دون آخر. إنها ذاكرة مشتركة نسجتها الأرض، وصقلتها العادات، وحفظتها حياة الناس عبر الأجيال. هناك، في هذه التفاصيل، أشعر بأننا كنا أقرب إلى بعضنا مما أرادت السياسة أن تقنعنا، وأن ما يجمعنا أعمق من الخلافات والانقسامات التي مزقت بلداننا.
كنت أريد وطنا يتغير كي يصبح جديرا بأبنائه؛ دولة مدنية علمانية وديمقراطية، تحترم الجميع، وتصون كرامة الإنسان وحريته، ولا تجعل انتماءه أو معتقده سببا للخوف أو التمييز. كنا نريد أن نشفي الوطن من مرضه، وأن نفتح نوافذه للحرية والحياة. لكن أكثر ما يؤلمني اليوم هو ذلك الشعور بأننا لم نفقد نظاما سياسيا فحسب، بل ابتعدنا عن الحلم بوطن يجمعنا، وعن المستقبل الذي تمنينا أن نبنيه معا.
ربما لهذا أعود إلى فيروز. لا لأهرب من الماضي إلى ماض آخر، ولا لأستعيد زمنا بكل ما كان فيه، بل لأبحث عن تلك الحياة التي أحببتها، وعن وطن لم يكن يوما مجرد سلطة أو حدود، بل أرضا وذاكرة وثقافة وناساً، وحلما بالحرية والكرامة. في صوتها أجد شيئا من ذلك كله، وأشعر للحظات أن ما فقدته لم يختف تماما، وأنه ما زال يعيش في الأغنيات، ينتظر من يصغي إليه.
لكن الأغنية تنتهي، ويعود الحاضر بثقله. عندها أدرك أن فيروز لا تستطيع أن تعيد إلي وطنا، لكنها تمنحني مكانا أحمله في داخلي، وأعود إليه كلما ضاقت المسافة بين الحنين والألم.
لقد مات الوطن الذي حلمت به، وبقيت فيروز. بقيت تاج الفجر وعفة الشروق، وبقي في صوتها بحرنا وجبالنا وحقولنا وحكاياتنا، وبقيت صورة الحياة التي أردناها: حياة تتسع للجميع، ويكون فيها الإنسان حرا، والأرض بيتا لا منفى.
ولعل أقسى ما في الحكاية أنني لم أعد أستمع إلى فيروز لأبدأ نهاري فحسب، بل لأتذكر أن لي وطنا أحببته، وأنني ما زلت أشتاق إليه. وحين لا أجد طريقا إليه، أذهب إلى صوتها؛ فهناك، ولو لوقت أغنية، أشعر أنني عدت إلى البيت.



#باسل_يونس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح سوء التقدير أخطر من الحرب
- كيف تحاول واشنطن تحويل الشرق الأوسط من منطقة تحتاج إلى الحما ...
- الوطن الذي مات في داخلي
- ماذا لو كانت المعركة في اليمن… ليست عن اليمن أصلًا؟
- علي الطاهر... حين يتم تحويل الورقة اللبنانية الى إيرانية...
- من هرمز إلى باب المندب... هل يجري ترتيب المنطقة من تحت الطاو ...
- سوريا في قلب إعادة ترتيب الإقليم: من يدير الخيوط؟
- حروبٌ تُخاض في العلن... وخرائط تُرسم في الخفاء
- الشرق الأوسط لا يحتاج إلى استبدال إيران بتركيا... بل إلى إنه ...


المزيد.....




- شاهد ترامب يتهرب من الإجابة عند سؤاله عما إن كان سيدعم فانس ...
- أمطار -غير مسبوقة- تغمر جزيرة كورسيكا الفرنسية في البحر الأب ...
- ترامب: -الكراهية- بين زيلينسكي وبوتين هي سبب عدم انتهاء الحر ...
- الناتو في مهمة جديدة بالبحر الأسود بعد هجمات على سفن تجارية ...
- حبوب جديدة تحقق نتائج واعدة في علاج الصلع الذكوري في 6 أشهر ...
- نجما -حريم السلطان- يشعلان الأجواء في مصر
- روبيو يتوقع حضور لافروف قمة وزراء خارجية مجموعة العشرين في أ ...
- استطلاع: معظم الروس يؤيدون فرض قيود على استخدام الأطفال للشب ...
- -سمك لبن تمر هندي-.. نائب مصري يعرض ثغرات نظام البكالوريا ال ...
- عضلات مفتولة وجلطة مقبلة.. الطريقة الأسرع للوصول إلى العناية ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - باسل يونس - فيروز... وطني الأخير