أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - باسل يونس - الوطن الذي مات في داخلي














المزيد.....

الوطن الذي مات في داخلي


باسل يونس

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 00:07
المحور: قضايا ثقافية
    


أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان، ليس أن يخسر وطنه، بل أن يكتشف، بعد عمرٍ من الانتماء، أنّ الوطن الذي حمله في داخله ربما لم يكن موجوداً كما تخيّله يوماً.

أن تمضي سنوات عمرك وأنت تحاول أن ترى الناس بوصفهم بشراً، لا طوائف، وأن تؤمن بأنّ ما يجمعهم أكبر ممّا يفرّقهم، وأن ترفض الكراهية حتى حين تصبح سهلة، وتتمسّك بحلمٍ يبدو لك بديهياً: أن يكون الوطن بيتاً للجميع، لا غنيمةً لفئة، ولا امتداداً لهوية ضيّقة، ولا ساحةً لتصفية حسابات التاريخ.

ثم تأتي لحظاتٌ ما، فتضع كلّ ما آمنت به أمامك، وتجعلك تتساءل إن كنت طوال تلك السنوات تعيش الحقيقة، أم تعيش الحلم الذي تمنّيت أن يكون حقيقة.

ليس الوجع في أن يختلف الناس معك، ولا حتى في أن يخيّبوا ظنّك؛ الوجع أن تكتشف، وسط كلّ هذا الصخب، كم كان هشّاً ذلك الحلم الذي منحتَه عمرك، وكم كان سهلاً أن تتراجع فكرة الوطن أمام غريزة الجماعة، وأن يصمت صوت الإنسان حين يرتفع صوت الطائفة، وأن تصبح المبادئ عبئاً حين تتعارض مع مصالح الحشود ومخاوفها وأحقادها.

عندها، لا تشعر فقط بأنّك فقدت وطناً، بل بأنّ شيئاً في ذاكرتك قد انكسر. تصبح السنوات التي عشتها وأنت تؤمن بالانتماء موضع سؤال، وتغدو الكلمات التي ردّدتها بثقة، كالمواطنة والعيش المشترك والكرامة، كأنّها آتية من عالمٍ آخر؛ عالمٍ كنت تظنّ أنّك تعيش فيه، قبل أن تكتشف كم كانت المسافة بعيدة بين ما حلمت به وما كان يتشكّل في الواقع.

والمؤلم أنّك لا تستطيع ببساطة أن تتخلّى عن كلّ ما آمنت به، ولا أن تتراجع عن قناعاتٍ رافقتك طوال عمرك، فقط لأنّ الواقع خذلك. لكنّك، في المقابل، لم تعد قادراً على النظر إلى الأشياء بالبراءة نفسها، ولا على ترديد الكلمات ذاتها بالثقة القديمة. شيءٌ ما تغيّر في داخلك، شيءٌ لا تعيده الشعارات، ولا تصلحه الخطب، ولا تستطيع السنوات أن تمحوه بسهولة.

وربما تكون الخيانة الأشدّ قسوةً ليست تلك التي يرتكبها وطنٌ بحقّ أبنائه، بل تلك التي يرتكبها الواقع بحقّ الصورة التي صنعناها عن الوطن في أعماقنا.

فكيف يمكن للإنسان أن يستعيد انتماءه القديم بعدما رأى ما رأى؟ وكيف يمكنه أن يواصل الإيمان بحلمٍ لم يعد متأكداً إن كان الآخرون قد آمنوا به يوماً، أم أنّه كان وحده مَن يمنحه كلّ هذا المعنى؟

لا أعرف إن كان الوطن قد خانني، أم أنّني تأخّرت كثيراً في اكتشاف المسافة بين الوطن الذي حلمت به، والوطن الذي يريده الناس لأنفسهم.

لكنّني أعرف أنّ بعض الخيبات لا تجعلك تكره المكان، بقدر ما تجعلك عاجزاً عن النظر إليه بالعينين نفسيهما. وأنّ الغربة ليست دائماً مسافةً تقاس بالكيلومترات، فقد تبدأ في اللحظة التي تشعر فيها بأنّك لم تعد تنتمي إلى المعنى الذي عشت عمرك تدافع عنه.

ربما لم أخسر وطني حين ابتعدت عنه، بل خسرته حين اكتشفت أنّ الوطن الذي آمنت به طوال عمري لم يكن يسكن في الأرض، بل في داخلي…

وأنّ بعض الأوطان لا تسقط حين تنهار، بل حين يسقط آخر ما تبقّى منها فينا.



#باسل_يونس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا لو كانت المعركة في اليمن… ليست عن اليمن أصلًا؟
- علي الطاهر... حين يتم تحويل الورقة اللبنانية الى إيرانية...
- من هرمز إلى باب المندب... هل يجري ترتيب المنطقة من تحت الطاو ...
- سوريا في قلب إعادة ترتيب الإقليم: من يدير الخيوط؟
- حروبٌ تُخاض في العلن... وخرائط تُرسم في الخفاء
- الشرق الأوسط لا يحتاج إلى استبدال إيران بتركيا... بل إلى إنه ...


المزيد.....




- السعودية.. هجوم على مطار الملك فهد واعتراض مسيّرة في المنطقة ...
- اتصال هاتفي بين وزيري خارجية السعودية وإيران.. ماذا بحثا؟
- بيل غيتس يحذر من -مفاجآت غير سارة- في الأمن السيبراني بسبب ا ...
- في لقائه مع وزيرة خارجية فلسطين … المنفي يؤكد دعم ليبيا لحقو ...
- -كلنا مهددون-.. عمرو موسى يدعو لقمة عربية طارئة ويحذر من توس ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. صناديق اقتراع في سوريا
- وزير الدفاع البيلاروسي: احتجاجات فرنسا وإسبانيا ثمن دعم النز ...
- بعد مطار الرياض .. استهداف مطار الدمام والحوثيون يتبنون الهج ...
- التعليم العالي: جامعة المنصورة الأهلية تستضيف الفريق أسامة ا ...
- التعليم العالي: جامعة دمنهور تحيي الذكرى الـ53 لانتصارات أكت ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - باسل يونس - الوطن الذي مات في داخلي