أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - باسل يونس - كيف تحاول واشنطن تحويل الشرق الأوسط من منطقة تحتاج إلى الحماية الأمريكية إلى منظومة تدفع بنفسها ثمن أمنها؟















المزيد.....

كيف تحاول واشنطن تحويل الشرق الأوسط من منطقة تحتاج إلى الحماية الأمريكية إلى منظومة تدفع بنفسها ثمن أمنها؟


باسل يونس

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 13:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لسنوات طويلة، قامت المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط على قاعدة تبدو بسيطة: الولايات المتحدة توفر القوة، ودول المنطقة توفر المال والطاقة والقواعد والأسواق.

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير.

واشنطن لا تبدو مستعدة للتخلي عن الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبقى القوة التي تتحمل وحدها تكلفة حماية المنطقة. ولهذا يظهر تدريجيًا نموذج مختلف: الأمن الإقليمي يصبح مسؤولية مشتركة، لكن الولايات المتحدة تحتفظ بالمفاتيح الأساسية التي تسمح لها بإدارة هذه المنظومة.

السلاح يأتي من الولايات المتحدة.

التكنولوجيا المتقدمة تأتي من الولايات المتحدة وحلفائها.

التمويل والاستثمار يأتيان بدرجة كبيرة من الخليج.

أما إسرائيل فتدخل بصورة متزايدة كقوة عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية داخل الشبكة الإقليمية.

وفي الجهة المقابلة، تبقى إيران والحوثيون وحلفاؤهما مصدرًا للتهديد الذي يجعل هذه المنظومة الأمنية مطلوبة أصلًا.

هذه ليست بالضرورة خطة سرية مكتملة التفاصيل، ولا يعني ذلك أن كل حدث في المنطقة يجري وفق سيناريو أمريكي واحد. لكنها قراءة لبنية تتشكل من خلال قرارات متفرقة، وعقود تسليح، واتفاقيات دفاع، وشراكات تكنولوجية، وضغوط مالية، وتحالفات إقليمية.

والسؤال الذي يستحق البحث ليس: هل تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط؟

بل سؤال أكثر دقة:

هل تحاول واشنطن تحويل الشرق الأوسط من منطقة تحميها الولايات المتحدة إلى منطقة تدفع بنفسها ثمن أمنها، بينما تحتفظ واشنطن بموقع القيادة؟
من «المظلة الأمريكية» إلى «تقاسم الفاتورة»

بعد حروب العراق وأفغانستان، تغيرت الحسابات الأمريكية.

لم تعد فكرة إرسال قوات برية ضخمة وإدارة دول المنطقة من واشنطن جذابة كما كانت بعد هجمات 11 سبتمبر.

لكن البديل لم يكن الانسحاب الكامل.

ظهر بدلًا منه مفهوم مختلف: شراكات أمنية، قواعد عسكرية محدودة، مبيعات أسلحة ضخمة، استخبارات، دفاع جوي وصاروخي، قوات خاصة، طائرات بعيدة المدى، وتكنولوجيا متقدمة.

بهذه الطريقة تستطيع واشنطن أن تبقى القوة المركزية من دون أن تتحمل وحدها كل تكاليف الانتشار.

والخليج هو المكان الأكثر وضوحًا لهذا التحول.

السعودية والإمارات وقطر ودول أخرى تنفق مليارات الدولارات على الدفاع، وتشتري منظومات أمريكية متقدمة، وتستثمر في الصناعات والتكنولوجيا الأمريكية.

وفي المقابل، تحصل واشنطن على سوق استراتيجية ضخمة، وعلى شركاء قادرين على تمويل جزء متزايد من البنية الأمنية.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كانت واشنطن والرياض تستعدان لإعلانات تتعلق بالدفاع والطاقة النووية المدنية والذكاء الاصطناعي والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، ضمن مسار أوسع لتعميق العلاقة الاقتصادية والأمنية بين البلدين.

وهنا تظهر النقلة الأساسية:

بدل أن تدفع أمريكا وحدها ثمن حماية الخليج، يصبح الخليج نفسه أحد ممولي منظومة الأمن التي تحميه.
السلاح هو أحد أهم مكونات النموذج الجديد

هناك جانب اقتصادي لا يمكن تجاهله.

الدفاع الجوي ليس مجرد سياسة أمنية؛ إنه صناعة.

الصواريخ الاعتراضية صناعة.

الرادارات صناعة.

الطائرات المقاتلة صناعة.

الأقمار الصناعية، أنظمة الإنذار المبكر، الأمن السيبراني، الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي كلها قطاعات اقتصادية هائلة.

كلما ارتفع مستوى التهديد الإيراني أو الحوثي، زاد الطلب على هذه المنتجات.

وهذا لا يعني أن واشنطن «تخلق» هذه التهديدات لكي تبيع السلاح؛ فإيران والحوثيون يمتلكون أجنداتهم وقدراتهم الخاصة، والصراعات الإقليمية حقيقية ومستقلة عن المصالح الاقتصادية الأمريكية.

لكن النتيجة الاقتصادية واحدة:

التهديد الإقليمي يتحول إلى طلب دائم على الأمن.

وهذا الطلب يذهب في جزء كبير منه إلى الشركات الأمريكية والغربية.

ومن هنا يصبح الأمن نفسه جزءًا من الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط.
إيران: العقوبات بدل الاحتلال

إذا كانت الولايات المتحدة تريد إعادة توزيع كلفة الأمن، فإن إيران تمثل الجانب الآخر من المعادلة.

واشنطن لا تحتاج إلى احتلال إيران حتى تضغط عليها.

يكفي أن تستطيع التأثير في قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل العقوبات الأمريكية مختلفة عن العقوبات التقليدية.

القوة هنا ليست في منع الإيراني من إنتاج النفط فحسب، بل في التأثير على كيفية وصول عائدات النفط إلى النظام المالي الدولي وكيف يمكن استخدامها.

وتاريخ السياسة الأمريكية تجاه إيران يقدم أمثلة واضحة على ذلك.

ففي ترتيبات سابقة، كانت واشنطن تسمح بوصول محدود ومشروط إلى أموال إيرانية أو بتسهيل التجارة الإنسانية، مع إبقاء العقوبات الأساسية على النفط والمصارف والقطاعات الاستراتيجية. وزارة الخزانة الأمريكية نفسها أوضحت في إحدى مراحل التفاوض السابقة أن التخفيف الاقتصادي كان محدودًا ولم يكن يعني تفكيك البنية الأساسية للعقوبات.

وفي 2023، انتقلت نحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المقيدة في كوريا الجنوبية إلى حساب في قطر في إطار ترتيب أمريكي ـ إيراني، مع بقاء القضية خاضعة لقيود ورقابة شديدة.

المغزى هنا أكبر من رقم الستة مليارات.

إنه يوضح أن السيطرة على النظام المالي العالمي يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية تعادل، في بعض الظروف، استخدام القوة العسكرية.

الدولة قد تمتلك المال، لكن قدرتها على استعماله يمكن أن تكون موضع تفاوض.

وهذه واحدة من أقوى أدوات النفوذ التي تملكها واشنطن.
لكن لماذا تحتاج واشنطن إلى إيران أصلًا؟

هنا تظهر مفارقة أكبر.

وجود إيران قوية جدًا يمثل تهديدًا لدول الخليج وإسرائيل.

لكن انهيار إيران بالكامل قد يؤدي إلى فوضى لا تستطيع واشنطن التحكم في نتائجها.

لذلك فإن السيناريو الأكثر قابلية للإدارة بالنسبة إلى القوة الخارجية ليس بالضرورة انتصار إيران ولا سقوطها.

إنه بقاء إيران دولة قوية بما يكفي لكي تؤخذ في الحساب، وضعيفة بما يكفي لكي تحتاج إلى التفاوض وتواجه قيودًا اقتصادية.

وهذا لا يعني أن واشنطن «تريد» بالضرورة بقاء النظام الإيراني؛ وإنما يعني أن ميزان القوى الإقليمي يمكن أن ينتج وضعًا تكون فيه إيران، حتى وهي تحت العقوبات، جزءًا من معادلة الأمن التي تحتاجها دول الخليج.

وهنا تكمن المفارقة:

الخصم الذي يهدد النظام الإقليمي يمكن أن يصبح، في الوقت نفسه، أحد أسباب استمرار الطلب على النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة.
الحوثيون يكشفون حدود النموذج

الملف الحوثي يقدم اختبارًا أكثر تعقيدًا.

الحوثيون ليسوا أداة أمريكية، ولا تتحكم واشنطن بقراراتهم. لديهم مشروعهم المحلي وعلاقتهم بإيران وحساباتهم الخاصة في اليمن والبحر الأحمر.

لكن وجودهم العسكري يؤثر مباشرة في حسابات السعودية وأمن الملاحة والطاقة.

والأحداث الحالية تقدم مثالًا شديد الوضوح.

في سبتمبر/أيلول 2026، تصاعدت المواجهات بين السعودية والحوثيين، وامتد التهديد إلى منشآت وممرات مرتبطة بالطاقة والنقل البحري. وفي الوقت نفسه، تحدثت رويترز عن رفض واشنطن الانخراط مباشرة في ضربات أمريكية جديدة ضد الحوثيين، مع استمرار تقديم دعم استخباراتي واستهدافي للسعودية.

كما كشفت تقارير رويترز في 16 سبتمبر/أيلول 2026 عن اتصالات أمريكية مباشرة مع الحوثيين في مسقط، رغم استمرار العداء بينهم وبين السعودية.

هذه الوقائع تكشف شيئًا مهمًا:

واشنطن لا تريد بالضرورة أن تتحول كل أزمة خليجية إلى حرب أمريكية مباشرة.

بدلًا من ذلك، تحاول الجمع بين الضغط العسكري، والدعم الاستخباراتي، والتفاوض، ودفع الحلفاء إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية.

وهذا بالضبط هو معنى تقاسم كلفة الأمن.
السعودية: من الحماية إلى الشراكة الأمنية

السعودية هي الطرف الأكثر أهمية في هذا التحول.

فالمملكة لم تعد تريد فقط أن تكون دولة تحميها أمريكا.

هي تريد أن تكون قوة إقليمية كبيرة تمتلك جيشًا متطورًا، وصناعة دفاعية، وتكنولوجيا متقدمة، وقدرات استخباراتية، وبرنامجًا نوويًا مدنيًا، وعلاقات استراتيجية متعددة.

لكن بناء هذه القدرات يحتاج إلى شراكات.

ولهذا فإن العلاقة السعودية ـ الأمريكية لم تعد تقوم فقط على النفط مقابل الأمن، كما كان يُقال في العقود الماضية.

المعادلة أصبحت أوسع:

استثمار مقابل تكنولوجيا، دفاع مقابل عقود، تعاون نووي مقابل شروط سياسية، وشراكة استراتيجية مقابل إعادة ترتيب العلاقات الدولية للمملكة.

والولايات المتحدة بدورها تريد من السعودية شيئًا أكبر من شراء الأسلحة.

تريد أن تبقى المملكة داخل المنظومة الاستراتيجية الأمريكية، وأن تحد من انتقال التكنولوجيا الحساسة إلى منافسين مثل الصين، وأن تشارك في ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في المفاوضات حول التعاون الدفاعي والتكنولوجيا والطاقة النووية المدنية.

لكن الرياض لا تتحرك باعتبارها طرفًا تابعًا.

على العكس، الموقف السعودي من التطبيع مع إسرائيل يوضح أن المملكة تمتلك شروطها الخاصة. فقد أكدت الرياض في 2025 أن التطبيع مرتبط بمسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية، رغم الضغوط الأمريكية لتوسيع اتفاقيات أبراهام.

إذن نحن أمام عملية تفاوض بين قوى لها مصالح مختلفة، وليس أمام طرف واحد يرسم الخطة والبقية تنفذها.
إسرائيل: من حليف أمريكي إلى مكوّن إقليمي

هنا يأتي التحول الأكثر حساسية.

إذا كانت الولايات المتحدة تريد تقليل وجودها المباشر، فإن وجود قوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة مثل إسرائيل داخل شبكة الأمن الإقليمي يمكن أن يكون ذا قيمة كبيرة.

لكن إسرائيل لا تحل محل الجيش الأمريكي.

الأدق أنها تستطيع أن تصبح جزءًا من البنية الأمنية التي تقودها واشنطن.

الدفاع الصاروخي، تبادل المعلومات، الأمن السيبراني، الطائرات المسيّرة، الذكاء الاصطناعي، مراقبة المجال الجوي والبحري، كلها مجالات يمكن أن تخلق شبكات تعاون تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.

وهنا تصبح اتفاقيات أبراهام أكثر من مجرد اتفاقات لتبادل السفراء أو فتح السفارات.

إنها يمكن أن تتحول إلى بنية تحتية سياسية واقتصادية وأمنية.

لكن هذه العملية لها حدودها أيضًا.

السعودية، مثلًا، لم تقبل حتى الآن أن يتحول التطبيع إلى التزام بلا شروط، وربطت الملف بمسألة الدولة الفلسطينية.

لذلك فإن تحويل إسرائيل إلى جزء من منظومة الأمن الخليجي ليس عملية مكتملة، وإنما مشروع تفاوضي ما زال يتغير تبعًا للحروب والقيادات والمصالح.
الصين هي العامل الذي يفسر جزءًا كبيرًا من التحول

لفهم السياسة الأمريكية الجديدة، لا يكفي النظر إلى إيران.

يجب النظر أيضًا إلى الصين.

فواشنطن تريد تقليل اعتماد حلفائها الخليجيين على التكنولوجيا والاستثمارات الصينية في المجالات الحساسة، خصوصًا الاتصالات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والقطاعات العسكرية.

وهذا يفسر لماذا أصبحت الاتفاقات الاقتصادية والتكنولوجية جزءًا من المفاوضات الأمنية.

لم تعد واشنطن تقول للحليف:

«اشترِ سلاحًا أمريكيًا.»

بل أصبحت المعادلة أقرب إلى:

«ادخل في منظومة اقتصادية وتكنولوجية وأمنية يكون للولايات المتحدة فيها موقع مركزي.»

وهنا يصبح الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة، والتعاون في الذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية المدنية، والدفاع، أجزاءً من استراتيجية واحدة أوسع.
النفط نفسه يتغير

المفارقة أن النفط الذي كان أساس العلاقة الأمريكية ـ الخليجية يتراجع نسبيًا كمحور وحيد، بينما تصبح حماية البنية التحتية للطاقة أكثر أهمية.

أنبوب النفط، الميناء، محطة التصدير، الناقلة، الكابل البحري، والمضيق كلها أصبحت أهدافًا استراتيجية.

والأحداث الحالية في الخليج تؤكد ذلك.

ففي سبتمبر/أيلول 2026، أدت الهجمات على منشآت وخطوط نفط سعودية واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، بينما لجأت السعودية إلى استخدام مسارات بديلة لتصدير النفط عبر عُمان.

وهذا يفرض سؤالًا جديدًا:

إذا كان الخليج يريد الاستمرار في تصدير النفط دون الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، فمن سيدفع ثمن خطوط الأنابيب البديلة؟ ومن سيؤمنها؟ ومن سيحمي الموانئ والمنشآت؟

مرة أخرى، تتحول كلفة الأمن إلى كلفة اقتصادية تدفعها دول المنطقة نفسها.
من «أمريكا تحمي النفط» إلى «حماية النفط صناعة بحد ذاتها»

هذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية.

في الماضي كانت المعادلة تُفهم بصورة مبسطة:

الولايات المتحدة تحمي الخليج لكي تضمن تدفق النفط.

أما اليوم، فهناك منظومة أكبر:

الخليج يمول جزءًا من دفاعه.

الخليج يشتري التكنولوجيا والسلاح.

الخليج يستثمر في الولايات المتحدة.

إسرائيل تقدم جزءًا من القدرات التكنولوجية والأمنية.

والولايات المتحدة تحتفظ بالقدرة العسكرية والسياسية والمالية التي تربط هذه الشبكة ببعضها.

وبالتالي فإن واشنطن لا تحتاج إلى أن تكون موجودة في كل مكان.

يكفي أن تكون ضرورية في كل مكان.

وهذه هي النقلة الاستراتيجية الحقيقية.
ولكن هناك خطر في هذا النموذج

هذا النموذج قد يقلل تكلفة الانتشار الأمريكي المباشر، لكنه يحمل خطرًا آخر: أن تصبح المنطقة أكثر تسليحًا وأكثر اعتمادًا على الردع بدل التسويات السياسية.

فإذا كان كل تهديد يؤدي إلى شراء منظومة دفاع جديدة، وكل صاروخ يؤدي إلى عقد تسليح، وكل أزمة تؤدي إلى تحالف جديد، فإن الأمن يتحول إلى دائرة اقتصادية مغلقة:

التهديد يولد الإنفاق، والإنفاق يولد السلاح، والسلاح يصبح جزءًا من بنية الردع، وبنية الردع تحتاج إلى استمرار الإنفاق.

وهذا لا يعني أن صناعة السلاح هي التي تصنع الحروب، لكن يعني أن هناك مصالح اقتصادية ضخمة مرتبطة باستمرار الطلب على الأمن.

كما أن الاعتماد على الحلفاء المحليين يحمل مخاطره على واشنطن نفسها.

فالسعودية لديها مصالحها.

الإمارات لديها حساباتها.

إسرائيل لديها أولوياتها الأمنية.

تركيا لديها رؤيتها.

قطر وعُمان تتبعان تقاليد مختلفة في الوساطة.

وإيران لديها مشروعها الإقليمي.

لذلك فإن شبكة التحالفات لا تعني سيطرة أمريكية مطلقة؛ بل تعني إدارة مجموعة من المصالح المتعارضة.
الخلاصة: أمريكا لا تغادر الشرق الأوسط، بل تغيّر طريقة بقائها فيه

التحول الحقيقي في السياسة الأمريكية ليس من «وجود» إلى «غياب».

إنه انتقال من الحماية المباشرة إلى إدارة منظومة الحماية.

واشنطن لا تريد بالضرورة أن تكون هي التي تدفع وحدها فاتورة الدفاع عن الخليج.

تريد أن تبيع السلاح، وتنقل التكنولوجيا، وتبني التحالفات، وتفرض قواعد النظام المالي، وتحتفظ بالقوة العسكرية الكافية للتدخل، بينما يتحمل الحلفاء جزءًا متزايدًا من تكاليف الأمن.

وفي هذه المنظومة، تصبح السعودية قوة ممولة وشريكًا استراتيجيًا، وإسرائيل عنصرًا أمنيًا وتكنولوجيًا، وإيران مصدرًا مستمرًا للضغط والتحدي، والحوثيون أحد مصادر عدم الاستقرار التي تفرض على الجميع إعادة حساباتهم.

لكن لا ينبغي اختزال كل ذلك في نظرية مؤامرة واحدة.

الشرق الأوسط ليس مسرحًا تتحرك فيه واشنطن وحدها.

إنه نظام تتنافس داخله الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والسعودية وتركيا وروسيا والصين، إضافة إلى قوى محلية متعددة، وكل منها يحاول استغلال التحولات لمصلحته.

ولهذا فإن السؤال الأهم في السنوات المقبلة لن يكون:

هل ستبقى أمريكا في الشرق الأوسط؟

فالجواب يبدو واضحًا من حجم مصالحها العسكرية والاقتصادية والمالية.

السؤال الأهم سيكون:

كم ستدفع أمريكا مقابل بقائها، وكم ستجعل حلفاءها يدفعون، ومن سيملك في النهاية مفاتيح الأمن والطاقة والتكنولوجيا والمال؟

إذا نجحت واشنطن في بناء هذه المعادلة، فقد يتحول الشرق الأوسط تدريجيًا من منطقة تعتمد على المظلة الأمريكية إلى شبكة أمنية إقليمية تمول نفسها بدرجة أكبر، لكن من دون أن تتخلص من المركز الأمريكي الذي يديرها ويربط مكوناتها ببعضها.

وهنا تكمن المفارقة:

قد يكون الهدف الأمريكي الجديد ليس الخروج من الشرق الأوسط، وإنما جعل الشرق الأوسط قادرًا على دفع تكلفة بقائه تحت المظلة الأمريكية.



#باسل_يونس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطن الذي مات في داخلي
- ماذا لو كانت المعركة في اليمن… ليست عن اليمن أصلًا؟
- علي الطاهر... حين يتم تحويل الورقة اللبنانية الى إيرانية...
- من هرمز إلى باب المندب... هل يجري ترتيب المنطقة من تحت الطاو ...
- سوريا في قلب إعادة ترتيب الإقليم: من يدير الخيوط؟
- حروبٌ تُخاض في العلن... وخرائط تُرسم في الخفاء
- الشرق الأوسط لا يحتاج إلى استبدال إيران بتركيا... بل إلى إنه ...


المزيد.....




- القوات الفرنسية تستولي على سفينة -أسطول ظل- روسية متورطة بـ- ...
- -لم يعجبني ما قرأته-.. ترامب يعلق على جدل السفيرة الأمريكية ...
- تحليل.. كيف نجح الحوثيون في استهداف منشآت السعودية الحيوية ر ...
- -وول ستريت جورنال-: الضربات الأمريكية على قوارب المهربين لم ...
- مراقبون غير مسلحين وقوارب صغيرة.. تكتيك إيراني جديد في مضيق ...
- ضربة قضائية جديدة لترامب: لا حظر على الصحفيين في البيت الأبي ...
- موسكو ومواصلاتها لا تكفّ عن التطور.. شهر على محطة -المنجل وا ...
- جامايكا تستقبل أول رحلة مهاجرين جرى ترحيلهم من الولايات المت ...
- أسباب ازدياد السكتات الدماغية عند الشباب
- عالم يحذّر من انتشار حمى غرب النيل في أوروبا


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - باسل يونس - كيف تحاول واشنطن تحويل الشرق الأوسط من منطقة تحتاج إلى الحماية الأمريكية إلى منظومة تدفع بنفسها ثمن أمنها؟