أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - شذرات اقتصادية... من -الدعم المفقود- إلى -الدولة المفقودة-: كيف تحوّل الريع في ليبيا إلى اقتصاد حرب؟















المزيد.....

شذرات اقتصادية... من -الدعم المفقود- إلى -الدولة المفقودة-: كيف تحوّل الريع في ليبيا إلى اقتصاد حرب؟


عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 15:48
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في زمن تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد، وتختلط فيه أدوات الضغط العسكري بأدوات الضغط المالي والرقمي، لم يعد الدعم مجرد سياسة اجتماعية لتخفيف الأعباء عن المواطن، بل تحوّل في ليبيا إلى خط أمامي في حروب لا تُشنّ بالصواريخ فقط، بل بشبكات التوزيع وأنابيب الوقود والسوق السوداء والمعابر الحدودية وغيرها. وليبيا، في هذا السياق، ليست حالة استثنائية بقدر ما هي مختبر حيّ لكيفية تحوّل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد حرب، وكيف يُعاد اختراع أدوات البقاء خارج هيمنة الدولة.

حين نقول إن ليبيا "تمتلك النفط"، فإننا لا نعني بالضرورة دولة قادرة على تحويل هذا النفط إلى تنمية، بل عائدات تُضخّ في قنوات ملتوية: دعمٌ يُهرَّب، ووقودٌ يُعاد بيعه، وميزانيةٌ تُدار في غرف مغلقة. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين امتلاك المورد والقدرة على تحويله إلى قيمة مضافة؛ فالثروة النفطية وحدها لا تصنع تنمية ولا دولة قوية، بل قد تتحول إلى عبء خانق وآلية للفساد والتهريب، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير صندوق النقد الدولي رقم 25/149. ولعل المفارقة الأولى أن ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا (48.4 مليار برميل) وتنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، تستورد نحو 70% من احتياجاتها من المحروقات المكرّرة. فالطاقة التصميمية لمصافيها لا تتجاوز 380 ألف برميل يومياً، بينما لا تتعدى طاقتها التشغيلية الفعلية 180 ألف برميل يومياً. أي أن الحلقة تنقطع عند مرحلة التكرير والبنية التحتية لا عند الموارد؛ فالأزمة أزمة إدارة منظومة، وليست أزمة موارد.

أما المفارقة الأكثر إيلاماً فهي أن ليبيا، رغم قدرتها على الالتفاف على القيود، يظل اقتصادها هشّاً. فقد ارتفعت واردات الوقود من 3 مليارات دولار في عام 2019 إلى 9 مليارات دولار في عام 2024، ويشكّل البنزين والديزل 90% و70% من إجمالي الاستهلاك على التوالي. وهذا الاختلال لا يُعزى إلى نقص الموارد فحسب، بل إلى انفصال هيكلي بين القيمة التي تحصل عليها الدولة عبر قنواتها الرسمية وبين السوق المحلية. إذ تشير المعطيات إلى أن 30% من الوقود المستورد يُهرَّب، وأن الفارق السعري هو المحرّك الأساسي لذلك: فالسعر الرسمي للبنزين في ليبيا هو الأدنى في العالم (0.15 دينار للتر)، بينما يصل سعره في السوق الموازية إلى 8 دنانير للتر.

وهنا يبرز سؤال وجودي: إلى أي مدى يمكن لاقتصاد أن يستمر إذا أُغلقت أمامه تدريجياً كل مخارج التنمية؟ والإجابة، كما تقدّمها الحالة الليبية، ليست "انهياراً" بالمعنى الحرفي، بل تحوّلاً نحو نمط بقاء بديل هو اقتصاد الحرب: اقتصاد مزدوج يسوده فارق ضخم بين السعر الرسمي والسعر الموازي، واعتماد متزايد على المقايضة والتجارة الثنائية، وتفاقم للفقر، وتراجع للقدرة الشرائية، مع احتجاجات اجتماعية ترتبط مباشرة بتدهور الخدمات. وفي ظل ذلك يتمدد اقتصاد الظل، فيُسهم في تقويض المؤسسات ويحول دون بناء دولة قوية وفعّال.

وفي الحالة الليبية، تحاول الدولة استغلال كل الوسائل للبقاء، وهي سياسة اعتمدتها منذ بداية الأزمة في عام 2011، لكنها تعمّقت بشكل خاص بعد انقسام المؤسسات في عام 2014. وتظل الدولة قادرة على البقاء بفضل قاعدة موارد طبيعية وشبكة علاقات مع الخارج تمنحها حداً أدنى من التدفقات، غير أنه حدّ لا يكفي لتحقيق استقرار نقدي أو نمو حقيقي. إنه تدهور بطيء ومزمن، يتحوّل فيه الاقتصاد إلى أنماط أكثر بدائية. ومع ذلك، تُظهر بنية التحايل هذه، على المدى البعيد، أن دولاً تعاني الانقسام قادرة على الحفاظ على صادراتها من الطاقة بل وتنميتها، وأن السيطرة على مواقع جغرافية استراتيجية قد تتحول بمرور الوقت إلى نوع من النفوذ الاقتصادي.

غير أن هذا المشهد لا يُقرأ بمعزل عن السياق الجيوستراتيجي الأوسع. فالصراع في ليبيا ليس مجرد ملف داخلي منعزل، بل جزء من مواجهة إقليمية ودولية أشمل، يُشكّل فيها النفط أحد أشد الأسلحة فتكاً. وتؤكد الأزمات المندلعة من جديد أن الموارد الطبيعية والممرات التجارية هي فتيل الحروب والصراعات، وهو ما تكشفه تدخلات القوى الكبرى المتكررة في مناطق عديدة من العالم، بما فيها ليبيا ودول جوارها. فهدف هذه القوى ليس إرساء السلم العالمي، بل تحقيق امتيازات اقتصادية ومالية تضمن لها بسط نفوذها على العالم. وهو ما أبرزته الحرب الروسية-الأوكرانية. حيث مثلت هذه الحرب نقطة تحول كبرى في هذا المسار؛ فاستبعاد روسيا من نظام "سويفت" وتجميد احتياطياتها بالدولار واليورو شكّلا لحظة تحذيرية لكثير من الدول غير الغربية، إذ أثبتا أن الاحتياطيات الدولارية ليست ملكية مطلقة، بل يمكن تجميدها أو مصادرتها في سياق نزاع سياسي. وقد دفع هذا الدرس روسيا والصين إلى تعميق تسوية تجارتهما بالعملات المحلية حتى بلغت نحو 90% من حجم التبادل، وشجّع دولاً أخرى على انتهاج المسار نفسه، وهو درس سبق أن تعلمته إيران في أولى تجارب عزلتها الاقتصادية.

ولا تقف المواجهة عند حدود المال والبنوك، بل تمتد إلى السيطرة على الممرات والموارد الاستراتيجية حول العالم؛ فالبحر المتوسط، بثرواته من الغاز وموقعه الاستراتيجي، تحوّل إلى ساحة تنافس جديدة، ولم تستبعد بعض القوى استخدام القوة لفرض نفوذها. أما تايوان، الخط الأحمر الصيني، فتظل نقطة التوتر الأكثر حساسية في العلاقة الأمريكية الصينية، وورقة ضغط ضمن مفاوضات تشمل التجارة والرسوم الجمركية والمعادن النادرة، وذلك في إطار ما يُعرف بـ"الاستقرار الاستراتيجي المُدار" بين واشنطن وبكين، أي تنافس شرس يتجنب فيه الطرفان المواجهة العسكرية المباشرة.

إن هذا التشابك بين الجغرافيا والتكنولوجيا والعقوبات والتحالفات المتغيرة يعيد تشكيل النظام العالمي أمام أعيننا. وكما كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول أعادت صياغة قواعد النظام الدولي، يقف العالم اليوم مجدداً أمام لحظة مفصلية، تتقاطع فيها القوة الصلبة مع القوة الناعمة، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وفق مصالح متغيرة، وتصبح الحروب رسائل تسبق المفاوضات، وتغدو التفاهمات الخلفية أكثر أهمية من التصريحات العلنية.

وفي نهاية المطاف، يبقى الثمن الحقيقي لهذه الصراعات مدفوعاً من الشعوب، وخصوصاً الفئات الهشة والمهمّشة. فدول بأكملها تجد نفسها مرغمة على التعايش مع واقع نفط لا تراه، وقيمة لا تلمسها، وعملات تنهار بينما تُدار ملفاتها النقدية في غرف مغلقة بعيداً عن أعين الرأي العام. والمأساة تتكرر: صراعات تُدار بين أصحاب النفوذ والمصالح، وتبعات تتحملها الشعوب. ويبقى سؤال معلّق: هل يمكن للنظام الجديد أن يحقق توازناً أكثر عدلاً، أم سيواصل إعادة إنتاج الاختلالات ذاتها التي يدفع ثمنها الأضعف دائماً؟ وما موقع الدول الساعية إلى التحرر من التبعية والهيمنة في هذا السياق؟ وهل تستطيع كسر مسار التبعية الذي رافقها منذ ما يقارب مئة عام، أم أن التحولات الرقمية والتكنولوجية ستعيد إنتاج التفاوتات نفسها بصيغ جديدة وأكثر تعقيداً؟

ولا تنفصل طوابير الانتظار التي يعانيها المواطن الليبي عن هذه الحروب والتوترات الراهنة، المرتبطة بدورها بإعادة صياغة جديدة للنظام الدولي، تُعيد توزيع الثقل بين الشرق والغرب وتضع معايير جديدة للسيادة النقدية والرقمية، في عالم لم يعد يقبل أن تكون العملات مجرد أدوات للتبادل، بل أصبحت ساحات للصراع والسيادة والبقاء.

والأمل كل الأمل في ليبيا رهينٌ بحرائر وأحرار ليبيا...

عائشة العلوي، كاتبة وخبيرة في السياسات الاقتصادية والتنمية



#عائشة_العلوي (هاشتاغ)       Aicha_El_Alaoui#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شذرات اقتصادية... من دولار العقوبات إلى جغرافية النفوذ: إيرا ...
- شذرات اقتصادية... من مضيق هرمز إلى الفضاء السيبراني: حروب تر ...
- شذرات اقتصادية: حقيقة النظام الدولي العالمي من خلال منتدى ال ...
- شذرات اقتصادية... المغرب والجزائر: من جغرافية الصراع إلى اقت ...
- شذرات اقتصادية... ثقة واستثمار وتحول: من اعتراف أممي إلى تنم ...
- شذرات اقتصادية... جيل الغضب العالمي بين فشل النيوليبرالية وا ...
- شذرات اقتصادية... جيل Z وصوت المستقبل: بين أزمة الثقة ومطلب ...
- شذرات اقتصادية.... الاستقرار السياسي، السيادة والتنمية: جدلي ...
- جيل Z في المغرب: بين صرخة الحقوق وجرح الانكسار النفسي
- شذرات اقتصادية ... هل يكون التعليم الرقمي رافعة للعدالة الاج ...
- الحماية الاجتماعية في المغرب: استثمار في الإنسان ومعركة ضد ا ...
- شذرات اقتصادية... اقتصاد الحرب بين سطوة أوليغارشيات الصناعة ...
- شذرات اقتصادية... التنمية المحلية بأزيلال: من قلب الهامش يول ...
- الأساتذة الجامعيون: بين التضحيات الصامتة وضوضاء الفضائح
- شذرات اقتصادية... المغرب كنموذج للتنمية والتكامل في إطار تعا ...
- شذرات اقتصادية... عندما أنقذ المغرب إسبانيا من الظلام: أليس ...
- شذرات اقتصادية... نفط العصر الجديد، هل تستطيع دول الجنوب تحق ...
- شذرات اقتصادية... الحرب التجارية الأمريكية: تحولات اقتصادية ...
- شذرات اقتصادية... الرسوم الجمركية الأمريكية، التاريخ لا يعيد ...
- شذرات اقتصادية... المرأة الفلاحية في المغرب: ما بين تحديات ا ...


المزيد.....




- بيسكوف يكشف سبب نقل أصول شركات غربية إلى الإدارة المؤقتة
- روسيا توقع أول عقد تصدير للكهرباء من وحدات نووية عائمة في ال ...
- ضربة قوية لسوق الدولار السوداء في مصر
- الاقتصاد العالمي صامد لكنّ العواصف تلوح في الأفق - مقال في ا ...
- 60 مليار دولار خسائر العراق منذ بداية الحرب الأمريكية على إي ...
- المركزي الإماراتي ينظم استقباله السنوي للبنوك في بانكوك
- بانغا: العالم يواجه فجوة بـ800 مليون وظيفة خلال العقد المقبل ...
- قفزة مفاجئة في واردات أوروبا من الغاز الروسي
- الهند تعلن قرب إبرام اتفاق تجاري مع واشنطن وتسعى لامتيازات ج ...
- المشاط تكشف: كلفة الأزمة تتصاعد وفرص العمل في الميزان


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - شذرات اقتصادية... من -الدعم المفقود- إلى -الدولة المفقودة-: كيف تحوّل الريع في ليبيا إلى اقتصاد حرب؟