أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - شذرات اقتصادية... من دولار العقوبات إلى جغرافية النفوذ: إيران في قلب إعادة تشكيل النظام المالي العالمي















المزيد.....

شذرات اقتصادية... من دولار العقوبات إلى جغرافية النفوذ: إيران في قلب إعادة تشكيل النظام المالي العالمي


عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:31
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في زمن تتداخل فيه الجيوسياسية بالاقتصاد، وتختلط فيه أدوات الضغط العسكري بأدوات الضغط المالي والرقمي والتكنولوجي، لم تعد العملة مجرد وحدة قياس لقيمة السلع والخدمات، بل تحوّلت إلى خط أمامي في حروب لا تُشَنّ بالصواريخ فقط، بل بالرسوم الجمركية، وأنظمة الدفع البديلة، والعقوبات الثانوية، واحتكار المعابر البحرية وممرات الطاقة. وإيران، في هذا السياق، ليست حالةً استثنائية بقدر ما هي مختبر حيّ لكيفية تكيف الاقتصاد تحت الحصار، وكيف يُعاد اختراع أدوات التمويل خارج هيمنة الدولار.
ما نعنيه حين نقول إن إيران "تحصل على الدولار" لا يُشير بالضرورة إلى أوراق نقدية خضراء تدخل خزائن البنك المركزي، بل إلى تحويل عائدات النفط والغاز إلى ما يُعادل الدولار قيمةً، عبر قنوات ملتوية: يوان صيني، أو مقايضات عينية، أو عملات مستقرة، أو عملات مشفرة، أو ذهب. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين السيولة النقدية الفورية، التي تمنح حرية مطلقة للدولة في الشراء والتحويل، وبين القيمة المخزّنة التي تحتاج إلى وساطات مكلفة وزمنية لتصبح قوة شرائية فعلية. وكأنها شيكات مؤجلة الصرف، قيمتها الاسمية موجودة، لكن الوصول إليها مشروط ومُثقل بالعمولات والخصومات.
اليوان الصيني، الذي يُروَّج له كبديل استراتيجي للدولار، لا يبدو في الحالة الإيرانية إلا محطة عبور، لا نقطة وصول. فالصين تشتري النفط الإيراني بعملتها الوطنية، وتُسوّق لإيران سلعًا مصنّعة وآلات، في نمط تبادل غير متكافئ يعكس خللاً هيكليًا عميقًا. والأهم أن اليوان، على الرغم من الاتفاقية الاستراتيجية الممتدة 25 عامًا بين البلدين، يظل عملةً مقيّدة التحويل، وحصته في الاحتياطيات العالمية ضئيلة مقارنة بالدولار. لذا تلجأ طهران إلى حلقات تحويل إضافية: من اليوان إلى عملات مستقرة، ثم إلى سلع أو سيولة. وقد بلغ حجم النشاط المرتبط بإيران في العملات المشفّرة نحو 7.8 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يؤكد أن اليوان مجرد حلقة وسطى في سلسلة طويلة، لا نقطة نهاية.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا هي أن إيران، رغم قدرتها على الالتفاف على العقوبات والوصول إلى قيمة دولارية، يظل ريالها منهارًا. فقد خسر الريال أكثر من 43% من قيمته منذ يناير 2026 وحده، متجاوزًا حاجز المليوني ريال للدولار في السوق الموازية. وهذا الانهيار لا يُعزى إلى نقص العملة الصعبة فحسب، بل إلى انفصال هيكلي بين القيمة التي تحصل عليها الدولة عبر قنواتها الموازية، وبين السوق المحلية. تشير بعض التقارير والمعطيات إلى أن الحرس الثوري يسيطر على ما يصل إلى 50% من عائدات النفط، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من القيمة المتولدة لا يخدم الاستقرار النقدي العام، بل يُوجَّه لتمويل مشاريع الدولة والمقاولين الأجانب. يُضاف إلى ذلك تمويل العجز بالإصدار النقدي، وأزمة الثقة التي تحوِّل كل ريال يحصل عليه المواطن إلى دولار أو ذهب، فتعمّق الانخفاض وتحوّل التوقّع إلى واقع مرير.
هنا يبرز سؤال وجودي: إلى أي مدى يمكن لاقتصاد أن يستمر إذا أُغلقت أمامه تدريجيًا كل مخارج العملة الصعبة؟ الإجابة، كما تقدّمها الحالة الإيرانية، ليست "انهيارًا" بالمعنى الحرفي، بل تحوّلًا نحو نمط بقاء بديل: اقتصاد الحرب. اقتصاد مزدوج يسوده فارق ضخم بين السعر الرسمي والموازي، واعتماد متزايد على المقايضة والتجارة الثنائية، وتفاقم الفقر، وتراجع القدرة الشرائية، مع احتجاجات اجتماعية ترتبط مباشرة بانهيار العملة. وهنا يبرز اقتصاد الظل، ويؤسس لانهيار المؤسسات. في الحالة الإيرانية، تحاول الدولة استغلال كل الوسائل للبقاء، سياسة روّضتها منذ بداية أزمة الرهائن في 1979، لكنها تعمّقت بشكل خاص بعد إعلان فصل إيران عن نظام سويفت سنة 2012.
تظل الدولة قادرة على البقاء بفضل قاعدة موارد طبيعية، وشبكة علاقات مع الصين وروسيا، تمنحها حدًا أدنى من التدفقات، لكنها غير كافية لتحقيق استقرار نقدي أو نمو حقيقي. إنه تدهور بطيء ومزمن، يتحوّل فيه الاقتصاد إلى أنماط أكثر بدائية، مع الإشارة إلى أن أهمية بنية التحايل هذه، على المدى البعيد، تكمن في كونها تثبت أن دولًا خاضعة للعقوبات قادرة على الحفاظ على صادرات طاقتها بل وتنميتها، وأن السيطرة على مواقع جغرافية استراتيجية يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى نوع من النفوذ النقدي.
لكن هذا المشهد لا يُقرأ بمعزل عن السياق الجيوستراتيجي الأوسع؛ فالصراع مع إيران ليس مجرد ملف عقوبات منعزل، بل جزء من مواجهة أمريكية-صينية أشمل، يُشكّل فيها الدولار السلاح الأكثر فتكًا. واشنطن تنظر إلى صعود الصين باعتباره التحدي الاستراتيجي الأول، وأي تآكل في هيمنة الدولار يعني تراجعًا مباشرًا في قدرتها على استخدام السلاح المالي كأداة للسياسة الخارجية. ومن هنا تأتي حساسيتها الشديدة تجاه تحركات "بريكس بلاس" نحو نزع الدولرة، سواء عبر نظام "بريكس باي" أو العملات المشتركة، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى التلويح برسوم جمركية تصل إلى 100% على أي دولة تسعى إلى استبدال الدولار.
وكانت الحرب في أوكرانيا نقطة تحول كبرى في هذا المسار؛ فاستبعاد روسيا من نظام "سويفت" وتجميد احتياطياتها بالدولار واليورو شكّل لحظة تحذيرية للعديد من الدول غير الغربية، إذ أثبت أن الاحتياطيات الدولارية ليست ملكية مطلقة، بل يمكن تجميدها أو مصادرتها في سياق نزاع سياسي. وهذا الدرس دفع روسيا والصين إلى تعميق تسوية تجارتهما بالعملات المحلية حتى بلغت نحو 90% من حجم التبادل، كما شجّع إيران على انتهاج المسار نفسه.
ولا تقف المواجهة عند حدود المال والبنوك، بل تمتد إلى السيطرة على الممرات والموارد الاستراتيجية حول العالم؛ فغرينلاند، بثرواتها من المعادن النادرة وموقعها القطبي، تحوّلت إلى ساحة تنافس جديدة، ولم تستبعد الإدارة الأمريكية استخدام القوة لضمها. وتايوان، الخط الأحمر الصيني، تظل نقطة التوتر الأكثر حساسية في العلاقة الأمريكية الصينية، وورقة ضغط ضمن مفاوضات تشمل التجارة والرسوم الجمركية والمعادن النادرة، ضمن إطار "الاستقرار الاستراتيجي المُدار" بين واشنطن وبكين: تنافس شرس يتجنب فيه الطرفان المواجهة العسكرية المباشرة.
هذا التشابك بين الجغرافيا والتكنولوجيا والعقوبات والتحالفات المتغيرة يعيد تشكيل النظام العالمي أمام أعيننا. وكما كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول أعادت صياغة قواعد النظام الدولي، فإن العالم اليوم يقف مجددًا أمام لحظة مفصلية، تتقاطع فيها القوة الصلبة مع القوة الناعمة، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وفق مصالح متغيرة، وتصبح الحروب رسائل تسبق المفاوضات، وتغدو التفاهمات الخلفية أكثر أهمية من التصريحات العلنية.

وفي نهاية المطاف، يبقى الثمن الحقيقي لهذه الصراعات مدفوعًا من الشعوب، وخصوصًا الفئات الهشة والمهمشة. فدول بأكملها تجد نفسها مرغمة على التعامل مع واقع دولارات لا تراها، وقيمة لا تلمسها، وعملات تنهار بينما تُدار ملفاتها النقدية في غرف مغلقة بعيدة عن أعين الرأي العام. والمأساة تتكرر: صراعات تُدار بين أصحاب النفوذ والمصالح، وتبعات تتحملها الشعوب، مع سؤال يبقى معلقًا إلى حين: هل يمكن للنظام الجديد أن يحقق توازنًا أكثر عدلًا، أم سيواصل إعادة إنتاج الاختلالات ذاتها التي يدفع ثمنها الأضعف دائمًا؟ وما موقع الدول التي تبحث عن التحرر من التبعية والهيمنة في هذا السياق؟ وهل يمكنها كسر مسار التبعية الذي رافقها منذ ما يقارب 100 سنة، أم أن التحولات الرقمية والتكنولوجية ستعيد إنتاج التفاوتات نفسها، بصيغ جديدة وأكثر تعقيدًا؟
وأظن أن نهاية الحروب والتوترات الحالية رهين بإعادة صياغة جديدة للنظام الدولي، تُعيد توزيع الثقل بين الشرق والغرب، وتضع معايير جديدة للسيادة النقدية والرقمية، في عالم لم يعد يقبل أن تكون العملات مجرد أدوات للتبادل، بل أصبحت ساحات للصراع والسيادة والبقاء.
مقتطف من حوار مع ميدي 1 راديو المغرب، 8 شتنبر 2026



#عائشة_العلوي (هاشتاغ)       Aicha_El_Alaoui#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شذرات اقتصادية... من مضيق هرمز إلى الفضاء السيبراني: حروب تر ...
- شذرات اقتصادية: حقيقة النظام الدولي العالمي من خلال منتدى ال ...
- شذرات اقتصادية... المغرب والجزائر: من جغرافية الصراع إلى اقت ...
- شذرات اقتصادية... ثقة واستثمار وتحول: من اعتراف أممي إلى تنم ...
- شذرات اقتصادية... جيل الغضب العالمي بين فشل النيوليبرالية وا ...
- شذرات اقتصادية... جيل Z وصوت المستقبل: بين أزمة الثقة ومطلب ...
- شذرات اقتصادية.... الاستقرار السياسي، السيادة والتنمية: جدلي ...
- جيل Z في المغرب: بين صرخة الحقوق وجرح الانكسار النفسي
- شذرات اقتصادية ... هل يكون التعليم الرقمي رافعة للعدالة الاج ...
- الحماية الاجتماعية في المغرب: استثمار في الإنسان ومعركة ضد ا ...
- شذرات اقتصادية... اقتصاد الحرب بين سطوة أوليغارشيات الصناعة ...
- شذرات اقتصادية... التنمية المحلية بأزيلال: من قلب الهامش يول ...
- الأساتذة الجامعيون: بين التضحيات الصامتة وضوضاء الفضائح
- شذرات اقتصادية... المغرب كنموذج للتنمية والتكامل في إطار تعا ...
- شذرات اقتصادية... عندما أنقذ المغرب إسبانيا من الظلام: أليس ...
- شذرات اقتصادية... نفط العصر الجديد، هل تستطيع دول الجنوب تحق ...
- شذرات اقتصادية... الحرب التجارية الأمريكية: تحولات اقتصادية ...
- شذرات اقتصادية... الرسوم الجمركية الأمريكية، التاريخ لا يعيد ...
- شذرات اقتصادية... المرأة الفلاحية في المغرب: ما بين تحديات ا ...
- التضخم وارتفاع الأسعار في المغرب: أزمة ظرفية أم تحول بنيوي؟


المزيد.....




- المنافذ الحدودية العراقية: التبادل التجاري مع سوريا وصل إلى ...
- النائب حسين هريدي يواجه الحكومة بأرقام إنتاج البترول: أين ال ...
- الحصار يخنق صادرات الخام الإيراني والصينيون يبحثون عن بدائل ...
- أداء متباين للبورصات العالمية في ظل تصاعد التوتر في المنطقة ...
- سيناتور أمريكي يهدد الشركات البريطانية بعقوبات اقتصادية بسبب ...
- اقتراب موعد إطلاق التأشيرة الخليجية الموحدة.. فما هي؟ وما مز ...
- 4 وزارات تحت مجهر -العراق الأخضر-
- بريطانيا تشدد الخناق الاقتصادي على مستوطنات الضفة الغربية
- ماذا يعني إدراج عملاق النفط الأفريقي في البورصة؟
- ترمب يهدد بحظر طائرات بومباردييه الكندية في أمريكا


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - شذرات اقتصادية... من دولار العقوبات إلى جغرافية النفوذ: إيران في قلب إعادة تشكيل النظام المالي العالمي