أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معروفي العيد - السيستام المونديالي: تأويلات جيوبوليتيكية في القوة وصراع الهيمنة الدولية















المزيد.....


السيستام المونديالي: تأويلات جيوبوليتيكية في القوة وصراع الهيمنة الدولية


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد النظام العالمي يُقرأ بوصفه خريطة ثابتة تتوزع فوقها الدول بحسب حدودها الجغرافية ومقدراتها الاقتصادية والعسكرية، بل أضحى بنية متحركة تتقاطع داخلها المصالح، وتتعارض فيها الاستراتيجيات، وتُعاد من خلالها صياغة مفاهيم السيادة والهيمنة والتوازن. إننا أمام نظام مونديالي لا تستمد ديناميته من الجغرافيا وحدها، وإنما من قدرة الفاعلين الدوليين على تحويل المجال إلى قوة، والثروة إلى نفوذ، والتكنولوجيا إلى أداة لإعادة ترتيب مراتب الدول في سلّم القوة العالمية. ومن هذا المنظور، لا تبدو الجيوبوليتيك مجرد معرفة بالمجالات والحدود، بل قراءة تأويلية للعلاقات التي تجعل من الجغرافيا مسرحًا للصراع، ومن الاقتصاد امتدادًا للسياسة، ومن القوة لغةً تتفاوض بها الدول على مواقعها في النظام الدولي.
تنبثق الإشكالية المركزية من السؤال الآتي: كيف يُعاد تشكيل السيستام المونديالي في ظل انتقال مراكز القوة وتنامي التنافس الجيوبوليتيكي، وإلى أي مدى تستطيع القوى الصاعدة إعادة توزيع الهيمنة الدولية دون أن تُعيد إنتاج آلياتها القديمة؟ إن أهمية هذا السؤال تكمن في أنه ينقل التحليل من وصف الأحداث الدولية المتفرقة إلى تفكيك البنية التي تنتظمها؛ فالحروب والأزمات التجارية والتنافس التكنولوجي والصراعات على الطاقة والممرات البحرية ليست ظواهر منفصلة بالضرورة، بل قد تشكل حلقات مترابطة في صراع أوسع حول من يمتلك القدرة على وضع قواعد النظام العالمي، ومن يملك حق تفسيرها وتحديد الاستثناءات منها.
من النظام الأحادي إلى تعدد مراكز القوة
شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية، إذ وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع قوة متفوقة عسكريًا واقتصاديًا، الأمر الذي دفع عددًا من الباحثين إلى الحديث عن لحظة أحادية القطبية. غير أن التفوق لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة مطلقة على التحكم في العالم؛ فالفارق كبير بين امتلاك الموارد اللازمة لممارسة الهيمنة وبين القدرة الفعلية على إخضاع التفاعلات الدولية لإرادة واحدة. لقد أظهرت التحولات اللاحقة أن القوة الأمريكية، على اتساع نطاقها، تصطدم بحدود المقاومة الإقليمية، وتكاليف التدخل العسكري، وتشابك المصالح الاقتصادية، وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دائم.
وفي هذا السياق، لا ينبغي فهم تعدد الأقطاب باعتباره انتقالًا مكتملًا من نظام قديم إلى نظام جديد، بل بوصفه مسارًا متدرجًا تتعايش فيه عناصر الاستمرارية والتغير. فالولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بمقومات واسعة للتأثير العسكري والمالي والتكنولوجي، بينما توسّع الصين حضورها الاقتصادي والصناعي والتجاري، وتسعى روسيا إلى تثبيت موقعها قوةً عسكرية وجيوسياسية، في حين يحاول الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلاليته الاستراتيجية مع استمرار اعتماده على ترتيبات أمنية واقتصادية مشتركة مع الولايات المتحدة. ومن ثمّ، فإن المشهد العالمي لا يختزل في انتقال بسيط للهيمنة من واشنطن إلى بكين، بل يتجسد في إعادة توزيع غير متكافئة للقدرات ومجالات النفوذ.
تساعدنا أطروحة الواقعية السياسية على فهم هذا التحول؛ فالدول، وفق هذا المنظور، لا تتحرك في فضاء منسجم تحكمه النوايا المعلنة وحدها، وإنما ضمن بيئة تتسم بغياب سلطة عالمية مركزية قادرة على فرض قواعدها بصورة متساوية على الجميع. وفي كتابه السياسة بين الأمم، يربط هانس مورغنثاو السياسة الدولية بالسعي إلى القوة بوصفها عنصرًا أساسيًا في فهم سلوك الدول. غير أن القراءة المعاصرة لهذا التصور تقتضي توسيع مفهوم القوة نفسه؛ إذ لم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات والرؤوس النووية وحاملات الطائرات فحسب، بل تشمل كذلك القدرة على التحكم في التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والعملات، والبيانات، والمعايير الصناعية، وشبكات الاتصال. لقد أصبحت الهيمنة أكثر تركيبًا، لأنها لم تعد تستقر في المجال العسكري وحده، بل تتوزع على منظومات متعددة يصعب فصل بعضها عن بعض.
الجغرافيا حين تتحول إلى استراتيجية
تحتفظ الجغرافيا بمكانتها المركزية في تشكيل العلاقات الدولية، لكنها لم تعد قدرًا طبيعيًا يحدد مصير الدول بصورة آلية؛ إنها مجال تتفاعل فيه الخصائص المكانية مع القرارات السياسية والتقنيات الحديثة والقدرات الاقتصادية. فالمضائق البحرية، والموانئ، ومناطق إنتاج الطاقة، والممرات التجارية، والمناطق الحدودية، لا تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي وحده، بل من وظيفتها داخل شبكات الاقتصاد العالمي ومن قدرتها على التأثير في حركة السلع والموارد والقوات العسكرية.
ومن هنا يمكن استعادة بعض أطروحات الجيوبوليتيك الكلاسيكي، ولا سيما تصور هالفورد ماكندر عن الأهمية الاستراتيجية للقلب الأوراسي، وأفكار ألفرد ماهان حول القوة البحرية والسيطرة على خطوط الاتصال. لكن استدعاء هذه الأطروحات لا ينبغي أن يتحول إلى إسقاط آلي لمقولات الماضي على الحاضر؛ فالجغرافيا الاستراتيجية الراهنة لم تعد محصورة في السيطرة على اليابسة أو البحار، بل امتدت إلى الفضاء الخارجي، والبنية التحتية الرقمية، وشبكات الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والموارد اللازمة لإنتاج أشباه الموصلات.
إن المجال الجغرافي، بهذا المعنى، لا يكتفي باحتضان الصراع، بل يشارك في تحديد شروطه. فالموقع الاستراتيجي قد يتحول إلى مصدر نفوذ حين تمتلك الدولة القدرة على استثماره، لكنه قد يغدو في المقابل مصدر هشاشة عندما تصبح الدولة رهينة لممر واحد أو مورد واحد أو شبكة خارجية يصعب الاستغناء عنها. ولهذا فإن الجيوبوليتيك ليست فن السيطرة على المكان فحسب، بل هي أيضًا فن إدارة الاعتماد المتبادل، وتقليص مواطن الهشاشة، وتحويل الإمكانات الجغرافية إلى قدرة تفاوضية داخل النظام الدولي.
ولعل التوترات المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة تكشف بوضوح أن الاقتصاد العالمي، على الرغم من خطابه حول الانفتاح وحرية التجارة، يظل معرضًا للاهتزاز حين تتحول طرق العبور إلى أدوات ضغط سياسي أو عسكري. فالممر البحري ليس مجرد خط على الخريطة؛ إنه شريان تتقاطع عنده مصالح الدول والشركات والأسواق، وأي اضطراب فيه يمكن أن ينتقل أثره من المجال المحلي إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل التوريد. وهكذا تصبح الجغرافيا، في لحظات الأزمة، لغةً صلبة تستعيد بها السياسة حضورها داخل الاقتصاد.
الاقتصاد السياسي للهيمنة: من السوق إلى سلاح النفوذ
إذا كانت القوة العسكرية تمثل الوجه الأكثر وضوحًا للهيمنة، فإن الاقتصاد يشكل أحد أكثر وجوهها انتشارًا وعمقًا. فالدولة التي تستطيع التأثير في التمويل العالمي، أو التحكم في بعض التقنيات الحيوية، أو فرض قيود على وصول الآخرين إلى الأسواق، تمتلك أدوات ضغط قد تحقق أهدافًا سياسية دون اللجوء المباشر إلى الحرب. وتكشف العقوبات الاقتصادية، والقيود التجارية، والصراع على أشباه الموصلات، والتنافس حول المعادن الاستراتيجية، أن الحدود بين الاقتصادي والسياسي أصبحت أكثر سيولة، وأن السوق لم يعد فضاءً محايدًا خارج حسابات القوة.
في هذا الإطار، يقدم جوزيف ناي مفهوم «القوة الناعمة» لتفسير قدرة الدول على التأثير من خلال الجاذبية الثقافية والقيم والمؤسسات والسياسات التي يراها الآخرون مشروعة أو جديرة بالاتباع. غير أن التحولات المعاصرة تدفعنا إلى تجاوز التقابل الصارم بين القوة الصلبة والقوة الناعمة؛ إذ برزت أشكال هجينة من النفوذ تجمع بين العقوبات الاقتصادية، والضغط الدبلوماسي، والتأثير الإعلامي، والتفوق التكنولوجي، وبناء التحالفات. وقد تمتلك الدولة أدوات جذب واسعة، لكنها قد تستخدم في الوقت نفسه وسائل إكراه اقتصادي؛ كما قد تنجح دولة أخرى في فرض حضورها التجاري دون أن تتمتع بالضرورة بجاذبية سياسية وثقافية مماثلة.
من هنا، يصبح السؤال الجوهري ليس من يمتلك أكبر اقتصاد فحسب، بل من يستطيع تحويل الوزن الاقتصادي إلى قدرة على صياغة القواعد. فالهيمنة لا تعني امتلاك الثروة فقط، وإنما امتلاك القدرة على تحديد شروط تداولها، والمعايير التي تنظم استخدامها، والمؤسسات التي تديرها، والبنى التحتية التي تسمح بتدفقها. وحين تصبح العملة أو التكنولوجيا أو شبكة الدفع الدولية جزءًا من أدوات السياسة الخارجية، فإن الاقتصاد يتحول إلى فضاء استراتيجي تُمارس فيه القوة بأشكال قد تكون أقل صخبًا من الحرب، لكنها ليست بالضرورة أقل تأثيرًا.
ومع ذلك، فإن توظيف الاقتصاد أداةً للإكراه ليس بلا تكلفة. فقد يدفع الدول المستهدفة إلى تنويع شراكاتها، والبحث عن بدائل مالية وتقنية، وإعادة بناء سلاسل إمداد أكثر استقلالًا. كما يمكن أن يضر بالمصالح الاقتصادية للدول التي تفرض القيود نفسها. لذلك لا ينبغي افتراض أن كل عقوبة تحقق أهدافها أو أن كل أداة اقتصادية تنتج النتيجة السياسية المرجوة؛ ففاعلية الضغط تتوقف على طبيعة الاقتصاد المستهدف، ومدى اعتماده على الخارج، وقدرته على التكيف، ووجود شركاء بديلين يستطيعون تخفيف أثره.
الولايات المتحدة والصين: تنافس على قواعد النظام
يمثل التنافس الأمريكي الصيني أحد أبرز تجليات التحول في بنية النظام العالمي. لكنه لا يقتصر على مواجهة تجارية أو سباق عسكري، بل يشمل اختلافًا في تصورات الأمن والتكنولوجيا والتجارة ومجالات النفوذ. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها المركزي في منظومة التحالفات الدولية، وحماية تفوقها في قطاعات تكنولوجية واستراتيجية، بينما تعمل الصين على توسيع قدراتها الصناعية والتكنولوجية، وتعزيز حضورها التجاري، وتطوير علاقاتها مع دول ومناطق متعددة.
ولا يصح اختزال هذا التنافس في ثنائية أخلاقية تجعل أحد الطرفين تجسيدًا مطلقًا للاستقرار والآخر نقيضه؛ فكل قوة كبرى تتحرك وفق مزيج من المصالح والحسابات الأمنية والتصورات الاستراتيجية. كما أن الدول الأخرى ليست مجرد قطع على رقعة شطرنج تحركها واشنطن أو بكين، بل تمتلك بدورها مصالحها وأدوات تفاوضها وقدراتها على المناورة. ومن ثمّ، فإن فهم التنافس يقتضي التمييز بين الوقائع الموثقة، والخطابات الرسمية التي تقدمها القوى الكبرى لتبرير سياساتها، والتفسيرات التي يطرحها الباحثون حول دوافعها ونتائجها.
وتبرز التكنولوجيا هنا بوصفها أحد ميادين الصراع الحاسمة؛ فالسيطرة على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية لا تتعلق بالنمو الاقتصادي وحده، بل ترتبط أيضًا بالأمن القومي والاستخبارات والقدرات العسكرية. وفي عالم تتزايد فيه أهمية البيانات والخوارزميات، تصبح القدرة على الابتكار والإنتاج والتحكم في المعايير التقنية عنصرًا من عناصر الاستقلال الاستراتيجي. غير أن الاعتماد المتبادل بين الاقتصادين الأمريكي والصيني يجعل الانفصال الكامل مكلفًا ومعقدًا، وهو ما يفسر اتجاه التنافس في قطاعات معينة إلى تقليص المخاطر والاعتماد المتبادل بدل إنهائهما بصورة شاملة.
إن المسألة، في عمقها، تتعلق بمن يمتلك القدرة على التأثير في قواعد المستقبل: من يحدد معايير التكنولوجيا؟ ومن يضمن أمن سلاسل الإمداد؟ ومن يملك المؤسسات المالية الأكثر تأثيرًا؟ ومن يستطيع بناء التحالفات دون تحويلها إلى أعباء استراتيجية؟ هذه الأسئلة تكشف أن صراع الهيمنة لا يدور حول السيطرة على الأرض فقط، وإنما حول القدرة على تنظيم المجال الذي تتحرك داخله الدول والشركات والمجتمعات.
روسيا وأوروبا: الأمن وحدود القوة
تحتل روسيا موقعًا مهمًا في المعادلة الجيوبوليتيكية بفعل امتدادها الجغرافي، وقدراتها العسكرية والنووية، ومواردها الطبيعية، وموقعها في التفاعلات الأمنية الأوروبية والآسيوية. وقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت بالغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، طرح أسئلة عميقة بشأن الأمن الأوروبي، وحدود الردع، ومكانة القانون الدولي، وعلاقة القوة العسكرية بحقوق الدول في السيادة ووحدة الأراضي.
لكن تحليل هذه الحرب يقتضي الفصل بين تفسير الحسابات الاستراتيجية للفاعلين وبين تبرير استخدام القوة. ففهم المخاوف الأمنية التي تعلنها دولة ما لا يلغي مسؤولية تقييم أفعالها في ضوء القانون الدولي، كما أن الاعتبارات الجيوسياسية لا تمنح تلقائيًا شرعية قانونية لضم الأراضي أو انتهاك سيادة الدول. هنا تتكشف إحدى مفارقات النظام المونديالي: فالقواعد الدولية تُطرح بوصفها إطارًا عامًا لتنظيم العلاقات بين الدول، لكن تطبيقها يظل متأثرًا بتوازنات القوة ومصالح الأطراف وقدرتها على فرض كلفة سياسية واقتصادية على المخالفين.
أما أوروبا، فتجد نفسها أمام معادلة مركبة تجمع بين الحاجة إلى الأمن، والرغبة في الحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي، واستمرار الروابط الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة. وقد دفعت التحولات الأمنية دولًا أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية وفي مصادر الطاقة وفي علاقاتها الصناعية. ومع ذلك، لا تمثل أوروبا كتلة متجانسة تمامًا؛ إذ تختلف تقديرات دولها للمخاطر والأولويات، كما تتباين رؤاها بشأن الإنفاق الدفاعي والعلاقات مع روسيا والصين والولايات المتحدة.
إن الجيوبوليتيك الأوروبية تكشف أن القوة ليست مجرد قدرة على التهديد أو استخدام السلاح، بل هي أيضًا قدرة على بناء التوافقات الداخلية، وتحمل التكاليف، والحفاظ على التماسك السياسي في لحظات الضغط. وقد تمتلك الدولة إمكانات مادية كبيرة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى استراتيجية متماسكة إذا تعارضت مصالح مكوناتها أو افتقرت إلى توافق طويل الأمد حول أهدافها.
الجنوب العالمي وإعادة التفاوض على موقعه
لا يمكن فهم التحولات المونديالية من دون الالتفات إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء واسعة من آسيا، حيث تسعى دول عديدة إلى توسيع هامش استقلالها عن مراكز القوة التقليدية. ويُستخدم مفهوم «الجنوب العالمي» للدلالة على مجموعة متنوعة من الدول التي تتباين في أوضاعها الاقتصادية والسياسية، لكنها تتقاطع، بدرجات مختلفة، في المطالبة بتمثيل أوسع داخل المؤسسات الدولية، وبشروط أكثر إنصافًا في التجارة والتمويل والتنمية.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الجنوب العالمي باعتباره كتلة موحدة ذات إرادة واحدة؛ فالمصالح الهندية ليست مطابقة للمصالح البرازيلية، والأولويات الإفريقية تختلف بين دولة وأخرى، كما أن التباينات في القدرات الاقتصادية والعسكرية والتحالفات الخارجية تجعل مواقف هذه الدول متعددة ومتغيرة. لذلك فإن الحديث عن صعود الجنوب العالمي لا يعني بالضرورة تشكل قطب متجانس قادر على مواجهة القوى الكبرى في جميع المجالات، بل يشير إلى اتساع قدرة بعض الدول على تنويع شراكاتها، ورفض الاصطفاف التلقائي، والتفاوض على شروط تعاون أكثر ملاءمة لمصالحها.
وتبرز إفريقيا في هذا السياق بوصفها مجالًا تتقاطع فيه الموارد الطبيعية، والاحتياجات التنموية، والمنافسة على البنية التحتية، والأسواق الناشئة، والمعادن الاستراتيجية. غير أن اختزال القارة في ثرواتها يحجب الفاعلية السياسية لمجتمعاتها ودولها، ويعيد إنتاج النظرة التي تجعلها موضوعًا لتنافس الآخرين بدل النظر إليها بوصفها طرفًا يمتلك خياراته الخاصة. فالسؤال الإفريقي لا يتعلق فقط بمن يستخرج الموارد أو يمول المشروعات، بل بمن يحدد شروط العقود، وكيف تُوزع عوائد الاستثمار، ومدى مساهمة المشروعات في بناء القدرات المحلية ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل.
ومن هذه الزاوية، لا يُقاس الاستقلال الاستراتيجي بمجرد تنويع الشركاء الخارجيين، وإنما بقدرة الدولة على تحسين موقعها التفاوضي، وتطوير مؤسساتها، وتنويع اقتصادها، وبناء قاعدة إنتاجية تقلل من التبعية. فالانتقال من الاعتماد على قوة واحدة إلى الاعتماد على قوى متعددة لا يضمن وحده التحرر من الهشاشة؛ وقد تتحول المنافسة الخارجية إلى فرصة للتنمية، كما قد تعيد إنتاج أنماط التبعية القديمة إذا غابت الاستراتيجيات الوطنية والمؤسسات القادرة على إدارة المصالح العامة.
الجزائر بين الموقع الجغرافي والرهان الاستراتيجي
تكتسب الجزائر أهمية جيوبوليتيكية من موقعها في شمال إفريقيا، وامتدادها المتوسطي، وعمقها الإفريقي والساحلي، ومواردها الطاقوية، وصلاتها الاقتصادية والأمنية بأوروبا ودول الجوار. لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي؛ إذ تتوقف قيمة الموقع على كيفية توظيفه في السياسة الخارجية، وعلى قدرة الدولة على تنويع اقتصادها، وتعزيز بنيتها الإنتاجية، وتوسيع علاقاتها التجارية، وتحويل مواردها إلى أدوات تنمية مستدامة.
وتتيح التحولات الدولية للجزائر مجالًا لموازنة علاقاتها مع شركاء متعددين، مع المحافظة على استقلالية قرارها السياسي. غير أن هذا الهامش لا يُقاس بعدد الاتفاقيات أو تنوع الزيارات الدبلوماسية فحسب، بل بمدى قدرة السياسة الخارجية على خدمة الأولويات الاقتصادية والتنموية، وتوسيع فرص الاستثمار ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتجنب الارتهان لمصدر واحد في مجالات التمويل أو التسليح أو التصدير.
كما أن العمق الإفريقي للجزائر يطرح أسئلة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى ضرورة بناء شبكات تعاون اقتصادي ولوجستي وثقافي، والاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود، وتطوير الشراكات في مجالات الطاقة والتعليم والتكوين والتكنولوجيا. وفي منطقة الساحل، تتداخل التحديات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وضعف التنمية في بعض المناطق، وهو ما يجعل المقاربات الأمنية وحدها غير كافية لمعالجة جذور عدم الاستقرار.
ومن ثمّ، فإن الرهان الجزائري لا ينبغي أن يُختزل في اختيار معسكر دولي ضد آخر، بل في توسيع القدرة على المناورة، وتنويع الشراكات، وتعزيز الإنتاج الوطني، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على التكيف مع التقلبات الخارجية. فالاستقلال في عالم مترابط لا يعني الانغلاق عن الآخرين، وإنما امتلاك القدرة على التعاون دون فقدان حرية القرار، وعلى الانخراط في الاقتصاد العالمي دون التحول إلى مجرد منفذ لمصالح القوى الأكثر نفوذًا.
نحو قراءة تأويلية للهيمنة
إذا كانت الجيوبوليتيك التقليدية تسأل عن موقع الدولة ومواردها وحدودها، فإن القراءة التأويلية تضيف سؤالًا آخر: كيف تصوغ القوى الكبرى المعاني التي تبرر بها حضورها وتدخلاتها؟ فالنظام العالمي لا يقوم على الموارد المادية وحدها، بل يتشكل أيضًا عبر الخطابات التي تحدد ما يُقدَّم بوصفه أمنًا، وما يُصنَّف تهديدًا، وما يُسمى نظامًا دوليًا قائمًا على القواعد، ومن يملك حق تعريف هذه القواعد وتفسيرها.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في العلاقة بين القوة والمعنى. فالدولة لا تسعى إلى السيطرة على مجال مادي فحسب، بل تعمل كذلك على إنتاج صورة عن دورها في العالم، وتقديم مصالحها الخاصة باعتبارها متوافقة مع قيم عامة، مثل الأمن والاستقرار والتنمية وحرية التجارة. ولا يعني ذلك أن هذه القيم مجرد أقنعة بالضرورة، وإنما يعني أن الخطاب السياسي يتضمن دائمًا عملية انتقاء وتأويل، تُبرز بعض الوقائع وتهمش أخرى، وتمنح أفعالًا معينة شرعية بينما تطعن في شرعية أفعال منافسيها.
وهنا يمكن استحضار أنطونيو غرامشي ومفهوم الهيمنة، الذي يتجاوز الإكراه المباشر إلى بناء القبول الاجتماعي والثقافي بنظام معين. وعلى الرغم من أن مفهوم غرامشي نشأ في سياق تحليل العلاقات الاجتماعية والسياسية، فإن استثماره بحذر في العلاقات الدولية يساعد على فهم كيف تسعى القوى الكبرى إلى جعل رؤيتها للنظام العالمي تبدو طبيعية أو بديهية، وكيف تُبنى المؤسسات والتحالفات والمعايير التي تمنح بعض أنماط القوة قبولًا أوسع من غيرها.
غير أن الهيمنة لا تعني السيطرة الكاملة، كما أن قبول بعض قواعد النظام لا يعني الرضا عنها في جميع جوانبها. فالدول قد تستفيد من مؤسسات دولية معينة، وفي الوقت نفسه تطالب بإصلاحها؛ وقد تتبنى بعض المعايير الاقتصادية أو التقنية، بينما تسعى إلى تعديل شروط إنتاجها وتوزيع منافعها. لذلك فإن النظام العالمي ليس بناءً مغلقًا، بل مجال تتفاعل فيه الهيمنة والمقاومة والتفاوض وإعادة إنتاج القواعد.
وتساعدنا هذه القراءة على تجنب تفسير العالم من خلال ثنائيات مبسطة: قوي وضعيف، غالب ومغلوب، غرب وشرق. فهذه الثنائيات، على الرغم من قدرتها على إظهار بعض أوجه الصراع، قد تحجب تعدد المصالح داخل كل معسكر، وتغفل قدرة الدول المتوسطة والصغيرة على التأثير، كما تقلل من أهمية المؤسسات والتحالفات والاقتصاد والثقافة في تشكيل النتائج الدولية.
خاتمة: عالم يعيد توزيع القوة ولا ينهي منطق الهيمنة
إن السيستام المونديالي الراهن لا يشهد اختفاء الهيمنة بقدر ما يشهد تغير أدواتها ومجالاتها، ولا ينتقل بالضرورة من قطب واحد إلى أقطاب متكافئة، بل يتجه نحو بنية أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المنافسة والتعاون والاعتماد المتبادل. فالقوة العسكرية لا تزال مؤثرة، لكن فاعليتها ترتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والشرعية السياسية؛ والموارد الطبيعية تظل مهمة، لكن قيمتها تتحدد كذلك بقدرة الدول على التصنيع والتحكم في سلاسل القيمة؛ والجغرافيا تحتفظ بمكانتها، لكنها تتقاطع اليوم مع فضاءات رقمية وتكنولوجية جديدة.
ومن ثمّ، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان العالم يتجه إلى تعدد الأقطاب فحسب، بل ما إذا كان هذا التعدد سيؤدي إلى توزيع أوسع للقدرة على صنع القرار، أم سيعيد إنتاج الهيمنة في صور جديدة. فتعدد مراكز القوة لا يضمن وحده عدالة النظام الدولي، كما أن تراجع نفوذ قوة معينة لا يعني بالضرورة تحرر الدول الأضعف من التبعية. قد تتغير الأسماء والتحالفات والأدوات، بينما تبقى الفجوات في الثروة والتكنولوجيا والقدرة على فرض القواعد قائمة.
إن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء نظام دولي تتجاوز فيه العلاقات بين الدول منطق الإخضاع إلى منطق التفاوض المتكافئ، وتتحول فيه المؤسسات الدولية من ساحات تعكس موازين القوة القائمة فقط إلى فضاءات تسمح بمراجعتها ومساءلتها. لكن هذا التحول لا يتحقق بمجرد إعلان المبادئ؛ إنه يحتاج إلى قدرات اقتصادية مستقلة نسبيًا، ومؤسسات أكثر تمثيلًا، وتعاون دولي يوازن بين المصالح الوطنية والمسؤوليات المشتركة.
وفي المحصلة، لا ينبغي قراءة العالم بوصفه خريطة نهائية للهيمنة، بل بوصفه نصًا مفتوحًا على التأويل والصراع وإعادة التشكيل. فالخرائط لا تتغير حين تتحرك الحدود وحدها، وإنما تتغير أيضًا حين تتبدل مراكز الإنتاج، وشبكات الطاقة، وقواعد التكنولوجيا، وعلاقات الاعتماد، ومعايير الشرعية. ومن يكتفي برؤية الحدود قد يفوته فهم القوة التي تتحرك خلفها؛ أما من يقرأ الجغرافيا في اتصالها بالاقتصاد والسياسة والخطاب، فإنه يدرك أن السيستام المونديالي ليس مجرد نظام تتجاور داخله الدول، بل بنية متحركة تتصارع فيها الإرادات على حق المشاركة في صناعة المستقبل.
بقلم الدكتور معروفي العيد الفيلسوف الأكاديمي التأويلي
مراجع للاستزادة والتوثيق الأكاديمي
هانس مورغنثاو، السياسة بين الأمم: الصراع من أجل السلطة والسلام، مرجع تأسيسي في الواقعية السياسية وتحليل القوة في العلاقات الدولية.
جوزيف ناي، مفارقة القوة الأمريكية: لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تمضي وحدها، مرجع لفهم حدود القوة الأمريكية وأهمية التحالفات والقوة الناعمة.
هالفورد ماكندر، المحور الجغرافي للتاريخ، دراسة تأسيسية في الجيوبوليتيك الكلاسيكي.
ألفرد ماهان، تأثير القوة البحرية في التاريخ، مرجع في العلاقة بين السيطرة البحرية والنفوذ الدولي.
أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن، مرجع لفهم الهيمنة وعلاقة الإكراه بالقبول الثقافي والسياسي.
إيمانويل والرشتاين، تحليل النظم العالمية: مدخل لفهم التفاوتات البنيوية بين المراكز والأطراف في الاقتصاد العالمي.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صفقة الديزل ومأزق زيلينسكي: أو حين تتكلم المصالح بلغة القوة.
- الأنطولوجيا حين تصغي إلى واقعانيتها. قراءة تأويلية في «الأنط ...
- فلسفة السياسة عند ألكسندر دوغين: من نقد الكونية الليبرالية إ ...
- مشكلتنا أننا لانحسن التفلسف في العالم العربي؟
- حين يصبح المضيق أرضًا): قراءة تأويلية في العبارة الترامبية ع ...
- زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر: الدبلوماسية الهادئة في مواجه ...
- هل أزمة اللغة في الجزائر أزمة تعددٍ لغوي، أم أزمة ذاتٍ لم تح ...
- كيف يصبح الشر ممكنًا حين يغيب التفكير والحكم والمسؤولية؟ قرا ...
- الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟
- الفلسفة ومجابهة الحمقى: أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة ...
- «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»
- الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- صورة مؤثرة لأنثى فيل تحمل جثّة صغيرها تفوز بمسابقة مصور الحي ...
- بين الأحمر والأسود.. إطلالتا سيلينا غوميز وكيتي بيري بلوس أن ...
- ترامب لا يرى أي ضرورة للعفو عن نفسه لأنه -لم يرتكب شيئا سيئا ...
- الدفاع الروسية: استهداف مركز لوجستي في أوديسا وسفينة تحمل شح ...
- 11 جثة في منزل و11 ماسورة في الجدار!
- ترامب يؤكد تحدثه مع طيارين عسكريين شاهدوا أجساما طائرة مجهول ...
- كارني يحذر من محاولات الولايات المتحدة لتفكيك كندا
- مباشر: التحالف بقيادة السعودية يكشف حصيلة 20 هجوما حوثيا على ...
- كوريا الجنوبية تدرس توسيع عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط ...
- إعمار ينتظر السياسة.. مَن يعيد غزة مِن الركام؟


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معروفي العيد - السيستام المونديالي: تأويلات جيوبوليتيكية في القوة وصراع الهيمنة الدولية