أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟














المزيد.....

الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 15:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم: د. معروفي العيد.
ليست الضيافة، في أفق جاك دريدا، فضيلةً أخلاقية تُضاف إلى سجلّ القيم الإنسانية، ولا هي مجرد طقس اجتماعي يقتضي فتح الباب أمام عابر سبيل. إنها، قبل كل شيء، زلزلةٌ للبيت نفسه، وارتجاجٌ لمعنى الامتلاك، وانشقاقٌ في يقين الهوية. فالبيت الذي يظنّ نفسه سيّدًا على عتبته، لا يكتشف حقيقته إلا حين يطرق الغريب بابه؛ ذلك الغريب الذي لا يأتي ليشغل مكانًا فارغًا، بل ليكشف أن المكان لم يكن مكتملًا قط.
إن السؤال الذي يفتحه دريدا ليس: كيف نستقبل الآخر؟ بل: من هو هذا "النحن" الذي يدّعي امتلاك حق الاستقبال؟ فمن أين يستمد المضيف شرعية القول: "بيتي"؟ ومن أي سلطة يحدد شروط الدخول؟ أليست كل ضيافة مشروطة تحمل في قلبها عنفًا مؤجلًا، لأنها لا تمنح الآخر حق الحضور إلا بعد أن تُخضعه لقاموسها، ولغتها، وحدودها، وقوانينها؟
هنا تبدأ التفكيكية عملها؛ لا لتقويض معنى الضيافة، بل لتحريرها من يقينها الميتافيزيقي. فالضيافة ليست مفهومًا مستقرًا، بل أثرٌ يتأرجح بين المستحيل والممكن، بين القانون والعدالة، بين البيت وما يتجاوزه. وكلما ظنّت الذات أنها استقبلت الآخر، اكتشفت أن الآخر قد سبقها إلى بيتها، وأنها كانت، منذ البدء، ضيفةً في اللغة التي تتكلمها، وفي التاريخ الذي يسكنها، وفي العالم الذي لم تختر ولادتها فيه.
لقد ورث دريدا من إيمانويل ليفيناس مركزية الآخر، لكنه لم يتوقف عند أخلاق الوجه، بل ذهب إلى مساءلة البنية التي تجعل الضيافة ممكنة ومستحيلة في آن واحد. فالضيافة المطلقة لا تبدأ عندما نفتح الباب، وإنما عندما نتخلى عن سيادتنا على الباب ذاته؛ عندما يصبح القادم غير مطالب باسمه، ولا بهويته، ولا بسبب مجيئه، لأن السؤال نفسه قد يكون أول أشكال الإقصاء.
إن الضيافة، بهذا المعنى، ليست استقبالًا للغريب، بل استقبالٌ للغرابة التي تسكن الذات ذاتها. فالآخر ليس من يقف خارج الأسوار، بل هو ذلك الاختلاف الذي يكشف أن الهوية ليست جوهرًا منغلقًا، وإنما كتابة لا تكتمل، ونصٌّ لا يتوقف عن إعادة تأويل نفسه.
ومن هنا تغدو الضيافة حدثًا هرمينوطيقيًا بامتياز؛ إذ لا يعود اللقاء بالآخر مجرد لقاء بين شخصين، بل قراءة جديدة للذات، وتأويل آخر لمعنى السكن، واللغة، والوطن، والعدالة. فالبيت الذي لا يقبل أن يُعاد تأويله، يتحول إلى حصن؛ والهوية التي لا تستضيف اختلافها، تتحول إلى عقيدة؛ والقانون الذي لا يُصغي إلى نداء القادم، يغدو تقنيةً لإدارة الإقصاء.
ولعل أجمل مفارقات دريدا تكمن في أن المضيف لا يظل مضيفًا إلا إذا قبل أن يفقد امتياز الضيافة؛ فكلما تشبث بسيادته، انغلقت الضيافة في حدود القانون، وكلما خاطر بسيادته، اقترب من عدالة لا يمكن امتلاكها. هكذا تصبح الضيافة اسمًا آخر لاستحالة العدالة، كما تصبح العدالة الاسم الذي يؤجل اكتمال الضيافة إلى ما لا نهاية.
إن فلسفة الضيافة ليست دعوة إلى فتح الأبواب فحسب، بل هي دعوة إلى تفكيك الأبواب ذاتها، وإلى مساءلة الجدران التي بنتها الميتافيزيقا بين "الأنا" و"الآخر". فالإنسان لا يسكن العالم لأنه يملك بيتًا، بل لأنه يظل، في العمق، ضيفًا على وجودٍ لم يكتبه، وعلى لغةٍ سبقته، وعلى مستقبلٍ لا يستطيع امتلاكه. ومن هنا، فإن الضيافة ليست أخلاقًا فحسب، بل هي أنطولوجيا للانفتاح، وتأويلٌ لا ينتهي لمعنى أن نكون مع الآخر، ومن أجله، ودائمًا في انتظاره.
الهوامش:

-Jacques Derrida, De l’hospitalité, Calmann-Lévy, 1997, p. 31.p. 32
– Jacques Derrida, Adieu à Emmanuel Levinas, Galilée, 1997, p. 91.p. 92.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة ومجابهة الحمقى: أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة ...
- «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»
- الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- منذ بداية ولاية ترامب الثانية.. لا مساعدات أمريكية جديدة لأو ...
- طوابير طويلة أمام محطات الوقود في أمريكا بعد عواصف عنيفة ضرب ...
- يُسمح للزوار بالتعري في هذا المتجر التجاري بكوريا الجنوبية
- البحرين.. حبس وإبعاد نهائي لمتهم من جنسية عربية بسبب مقاطع م ...
- إعلام: وفد أمني عراقي يصل السعودية لمناقشة -ملفات أمنية مشتر ...
- مطالب بإقالة هيغسيث بعد تقارير عن محاولات انتحار بحارة -يو إ ...
- هولندا.. مقتل شخص وإصابة آخرين بانفجار في ميناء روتردام (صور ...
- لافروف: روسيا منفتحة على التعاون البراغماتي في القطب الشمالي ...
- روسيا.. ضبط 64 جزءا من تمساح في أمتعة راكب قادم من الصين
- اكتشافات أثرية ترسم تسلسلا زمنيا جديدا لتطور النقوش الصخرية ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟