أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب














المزيد.....

الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 09:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
قراءة هرمينوطيقية في هندسة المنهاج الثانوي.
السؤال: أيُّ منطقٍ بيداغوجيٍّ يبرّر ترحيل الفلسفة من سنة التتويج إلى سنة العبور؟
بقلم: د. معروفي العيد
ليس المنهاج التربوي بنيةً تقنية تُوزَّع فيها المواد وفق منطقٍ إداريٍّ محض، بل هو، في عمقه الخفي، شكلٌ من أشكال الوجود المشترك للمعرفة، حيث تُفكِّر الأمة ذاتها وهي تُنظِّم دروسها، وتُعيد عبره مساءلة الصورة التي تمنحها للإنسان الذي تريد أن تُخرجه إلى العالم. فالمدرسة، قبل أن تكون جهازًا للتلقين، هي لحظة يتقاطع فيها الزمن الإنساني مع ذاته، حيث لا تُنقل المعرفة فحسب، بل يُعاد تأويل معنى أن نعرف.
ومن هذا المنظور، لا يبدو حضور الفلسفة في السنة الثانية من الشعب العلمية والتسيير واللغات، ثم انحسارها في السنة الثالثة، مجرد تعديلٍ في البنية البيداغوجية، بل هو، في جوهره، انزياح في أفق الفهم ذاته. فالمسألة لا تتعلق بمادة تُضاف أو تُحذف، بل بانقطاعٍ صامت في خيط السؤال الذي ينبغي أن يرافق تشكّل العقل وهو يعبر درجات نضجه.
«إن الفلسفة، في معناها الأعمق، ليست معرفةً تُضاف إلى رصيد المتعلم، بل هي طريقة في أن يُترك المعنى مفتوحًا على احتمالاته المتعددة».
«La philosophie n est pas un savoir qui s ajoute au capital de l apprenant elle est une manière de laisser le sens ouvert à ses multiples possibilités.»
وطبقا لهذا، إن الفلسفة ليست امتلاكًا للحقيقة، بل تعليقٌ دائم لادعاء امتلاكها. فهي تُعلِّم المتعلم أن الحقيقة ليست شيئًا يُحاز، بل أفقًا يتراجع كلما اقتربنا منه، ويتسع كلما تجرأنا على مساءلته. ومن هنا، فإن كل معرفة علمية، مهما بلغت صرامتها، تظل محتاجة إلى هذا البعد التأويلي الذي يُنقذها من التحول إلى يقينٍ مغلق.
وحين تُمنح الفلسفة لحظة حضور في السنة الثانية ثم تُسحب في السنة الثالثة، فإننا لا نكون أمام قرارٍ تنظيمي فحسب، بل أمام سؤالٍ أعمق يمسّ بنية الفهم التي يُفترض أن يؤسسها المنهاج. فإذا كان المتعلم قد أُهِّل في مرحلة سابقة ليتذوق السؤال، فكيف يُفترض به أن يستغني عنه في اللحظة التي يقترب فيها من عتبة الجامعة، حيث تتكثف المعارف وتتشابك، ويغدو الفهم لا ترفًا بل ضرورة وجودية؟
إن الفهم، في جوهره، ليس محطةً تُنجز ثم تُغلق، بل هو حركة لا تهدأ، تعود في كل مرة لتعيد مساءلة ما ظنناه مستقراً. ومن ثمّ، فإن أيّ تصور تربوي يقطع هذا الامتداد، إنما يُعرّض تجربة الفهم نفسها للانكسار. فالعلم لا يتقدم فقط بتراكم نتائجه، بل بقدرته على أن يُزعزع يقيناته، وأن يُعيد مساءلة مفاهيمه من داخلها.
وليس الدفاع عن استمرار الفلسفة في هذا السياق دعوةً إلى تفضيلها على غيرها من المعارف، بل هو محاولة للحفاظ على تماسك التجربة التعليمية ذاتها. فالمعرفة، في أفقها الأعمق، ليست أرخبيلًا من المواد المنفصلة، بل نسيجٌ من الدلالات المتداخلة، حيث لا يكتمل معنى العلم إلا حين يظل مفتوحًا على مساءلة ذاته.
ومن هنا، فإن إعادة إدراج الفلسفة في السنة الثالثة للشعب العلمية والتسيير واللغات لا ينبغي أن تُفهم كاستجابة مطلبية تخص مادة بعينها، بل كاستعادة لفكرة التربية في معناها الأكثر جذرية: أن نُبقي الإنسان في حالة انفتاح على الفهم، لا في حالة اكتفاء بالمعرفة. فالمتعلم لا يكتمل حين يراكم المعلومات، بل حين يتعلم كيف يجعل من كل معرفة سؤالًا جديدًا، ومن كل يقين بدايةً لاحتمال آخر.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- اليوم الرابع للجمعية العامة: إيران تعرض جدولاً زمنياً لفتح ه ...
- ترامب يرفض مقترح إيران بهدنة الـ 7 أيام لفتح مضيق هرمز ويتوق ...
- -ميتا- تفرض رسوما على رسائل -واتساب- للشركات.. تعرف على الكل ...
- لافروف يلتقي نائب رئيس المجلس الرئاسي اليمني في نيويورك
- تحطم طائرة عسكرية في الكونغو الديمقراطية ومقتل 14 شخصا بينهم ...
- لافروف يبحث مع نظيره العراقي تعزيز العلاقات الثنائية والتطور ...
- المحروسة بلحج توسّع برامجها الإنسانية وتؤكد اعتماد معايير مه ...
- -بحثنا الاعتداءات الآثمة التي استهدفت مكة-.. وزير دفاع السعو ...
- سجن جندي أمريكي 70 شهرا في قضية اختراق وابتزاز طالت بيانات ح ...
- -للفلسطينيين حق اختيار قادتهم-.. نائب أمريكي يدعو إلى الإفرا ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب