أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معروفي العيد - مشكلتنا أننا لانحسن التفلسف في العالم العربي؟















المزيد.....

مشكلتنا أننا لانحسن التفلسف في العالم العربي؟


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست مشكلتنا في العالم العربي أننا لا نقرأ الفلسفة، ولا أننا نفتقر إلى الفلاسفة، ولا حتى أننا لم نعد نعرف أسماء أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط وهيغل وهايدغر ودريدا. مشكلتنا، على نحو أكثر إحراجًا، أننا لا نحسن التفلسف.
نحن نعرف الفلاسفة أكثر مما نعرف كيف نفكر مثل الفلاسفة.
وهذه مفارقة تستحق شيئًا من التأمل: قد تجد في مكتبة عربية رفوفًا كاملة عن الوجود والماهية والحرية والعدم والغيرية والاختلاف، لكنك إذا سألت صاحبها: «وما السؤال الذي يخصك أنت؟» ساد الصمت، وكأنك ارتكبت جريمة فلسفية.
لقد تعلمنا تاريخ الفلسفة جيدًا، لكننا لم نتعلم دائمًا كيف نصنع سؤالًا فلسفيًا.
وهنا يبدأ العطب.
فالتفلسف ليس أن تقول: «كما يرى هايدغر...» ثم تضع جملة ألمانية في الهامش، ولا أن تستدعي دريدا كلما أردت تفكيك كلمة، ولا أن تضع ريكور على الطاولة حين تعجز عن فهم ما يحدث في حياتك. الفلسفة ليست حفلة تنكرية نرتدي فيها أسماء الفلاسفة ثم نعود إلى بيوتنا مطمئنين إلى أننا أصبحنا مفكرين.
الفيلسوف لا يعيش من أسماء الآخرين، بل من قلق سؤاله الخاص.
المشكلة أننا كثيرًا ما تعاملنا مع الفلسفة بوصفها تراثًا ينبغي شرحه، لا بوصفها إمكانية ينبغي ممارستها. لذلك أصبحنا بارعين في السؤال: «ماذا قال كانط؟» وأقل براعة في السؤال: «ماذا يحدث للإنسان حين تتحول المعرفة إلى سلطة؟».
نعرف ماذا قال أفلاطون عن الحقيقة، لكننا نتردد في سؤال بسيط ومزعج: لماذا نكذب على أنفسنا ونحن نعرف أننا نكذب؟
نعرف نظرية هايدغر في الوجود، لكننا لا نتساءل كثيرًا: لماذا يعيش الإنسان العربي حياته كلها أحيانًا كما لو كان ضيفًا في وجوده؟
نعرف دريدا والاختلاف والتفكيك، لكننا ننسى أن أول نص يحتاج إلى التفكيك ربما هو النص الذي نكتبه نحن عن أنفسنا.
وهذا هو الفارق بين قراءة الفلسفة والتفلسف.
قراءة الفلسفة تمنحك معلومات؛ أما التفلسف فيسلب منك بعض الطمأنينة.
إنه يجعلك تشك في البديهيات، لا في الحقائق فقط. يجعلك تنظر إلى الأشياء التي اعتدت عليها كما لو أنك تراها للمرة الأولى. ولهذا فإن الفلسفة الحقيقية ليست تلك التي تجعلك أكثر ثقة في أجوبتك، بل تلك التي تجعلك أكثر دقة في أسئلتك.
ولعل من أكبر مآسينا الفلسفية أننا نريد من الفلسفة أن تمنحنا أجوبة جاهزة، بينما الفلسفة في جوهرها فنٌّ راقٍ في إفساد الجاهزية.
نحن نريد فيلسوفًا يشرح لنا العالم، ولا نريد دائمًا فيلسوفًا يزعج الطريقة التي نفهم بها العالم.
نحتفي بالفيلسوف بعد أن يموت، ونحترمه حين يصبح تمثالًا، ونختلف حوله في المؤتمرات، ونطبع كتبه في طبعات فاخرة؛ لكننا لا نكون سعداء جدًا عندما يظهر بيننا شخص يسأل أسئلة تمسّ المسلمات التي بنينا عليها راحتنا.
الفلسفة عندنا مرحب بها ما دامت في الماضي.
أما حين تدخل الحاضر، فتبدأ المشاكل.
وهنا ربما ينبغي أن نعيد تعريف الفيلسوف العربي. ليس الفيلسوف من يحفظ أسماء المدارس والتيارات، ولا من يكتب عشرات الصفحات عن «الأنطولوجيا» و«الإبستمولوجيا» و«الهرمينوطيقا» ثم لا يستطيع أن يفسر لماذا يشعر الإنسان بالاغتراب في بيته، أو لماذا تتحول اللغة إلى ساحة صراع، أو لماذا تصبح الهوية أحيانًا قفصًا بدل أن تكون أفقًا.
الفيلسوف هو من يستطيع أن يجعل اليومي سؤالًا.
لماذا نخاف من الاختلاف؟
لماذا نخلط بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها؟
لماذا نعتقد أن من يختلف معنا لا يفكر، بل يخون؟
لماذا نبحث عن اليقين حتى في المسائل التي لا تحتمل إلا الاحتمال؟
لماذا نريد أن نكون «مع» الأشياء أو «ضدها» قبل أن نفهمها؟
هذه الأسئلة أكثر فلسفية من عشرات الخطب عن «أهمية الفلسفة في حياتنا».
إن التفلسف يبدأ حين نتوقف عن التعامل مع العالم كأنه كتاب مغلق له إجابات في آخر الصفحة.
ولعلنا نحتاج اليوم إلى فلسفة لا تكتفي بترجمة المصطلحات، بل تترجم التجربة العربية إلى أسئلة فلسفية.
نحتاج إلى أن نفكر في السلطة من داخل تجربتنا، وفي اللغة من داخل تعددنا، وفي الهوية من داخل قلقنا، وفي الحداثة من داخل علاقتنا الملتبسة بها، وفي الدين من داخل سؤال المعنى، وفي التكنولوجيا من داخل تغير علاقتنا بالإنسان، وفي السياسة من داخل تجربة المواطن لا من داخل قاموس الشعارات.
لا نحتاج إلى فيلسوف عربي يكرر أوروبا بالعربية، بل إلى فيلسوف عربي يحاور أوروبا من موقعه، ويحاور نفسه أيضًا.
فالفلسفة ليست أن نستبدل تبعية بتبعية أخرى: نترك شيخًا لنصبح تلاميذ دائمين لفيلسوف غربي.
الفيلسوف لا يسكن في ظل أحد.
وإذا كان من حقنا أن نتعلم من أفلاطون وكانط وهيغل ونيتشه وهايدغر ودريدا وريكور، فإن من حقنا أيضًا أن نطرح أسئلتنا الخاصة، لا أن نقضي عمرنا في الإجابة عن الأسئلة التي صاغها الآخرون.
ربما لهذا فإن أزمتنا ليست غياب الفلسفة، بل غياب الجرأة الفلسفية.
نحن بحاجة إلى جرأة تقول: هذا السؤال لا يكفيني.
وهذه الإجابة لا تقنعني.
وهذه المسلّمة تحتاج إلى مراجعة.
وهذا المفهوم الذي استعرناه من الغرب لا يزال يبحث عن لغته عندنا.
وهذه القضية التي اعتدنا الدفاع عنها تحتاج إلى أن تُسأل من جديد.
ذلك أن التفلسف، في النهاية، ليس امتلاك الحقيقة، بل امتلاك الشجاعة الكافية لكي لا ندّعي امتلاكها.
ولذلك أظن أن أول خطوة نحو فلسفة عربية حيّة ليست أن نؤلف كتابًا جديدًا عن «أهمية الفلسفة»، فقد كتبنا ما يكفي من الكتب التي تثبت أهمية الفلسفة حتى كادت الفلسفة نفسها تشعر بالملل.
الخطوة الأولى أن نسأل سؤالًا أقل راحة وأكثر حياة:
ما الذي نريد أن نفكر فيه نحن؟
عندما نعرف ذلك، ربما نكون قد بدأنا التفلسف.
أما قبل ذلك، فسنظل نقرأ الفلاسفة كثيرًا، ونشرحهم كثيرًا، ونختلف في تأويلهم كثيرًا، ثم نعود إلى حياتنا اليومية لنعيشها كما لو أن الفلسفة لم تمر من هنا قط.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة العربية الكبرى:
نحن نملك تاريخًا طويلًا في الكلام عن الحكمة، لكننا لم نكتشف بعد كيف نجعل الحكمة طريقةً في النظر إلى حياتنا؟
صفوة القول؛ الفلسفة تبدأ، إذن، عندما يصبح السؤال منّا، لا عندما يكون الكتاب بين أيدينا.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح المضيق أرضًا): قراءة تأويلية في العبارة الترامبية ع ...
- زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر: الدبلوماسية الهادئة في مواجه ...
- هل أزمة اللغة في الجزائر أزمة تعددٍ لغوي، أم أزمة ذاتٍ لم تح ...
- كيف يصبح الشر ممكنًا حين يغيب التفكير والحكم والمسؤولية؟ قرا ...
- الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟
- الفلسفة ومجابهة الحمقى: أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة ...
- «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»
- الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معروفي العيد - مشكلتنا أننا لانحسن التفلسف في العالم العربي؟