معروفي العيد
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 13:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم الدكتور معروفي العيد.
مدخل: السياسة حين تنزع أقنعة التحالف.
ليست صفقة الديزل بين واشنطن وموسكو مجرد تفاهم اقتصادي تحكمه حسابات السوق، ولا مجرد إجراء لتأمين إمدادات الطاقة وخفض أسعار الوقود؛ إنها واقعة سياسية تستحق القراءة خارج حدودها التجارية المباشرة، لأنها تكشف عن الكيفية التي تعيد بها المصالح صياغة التحالفات، وعن اللحظة التي تتراجع فيها لغة التضامن أمام الحسابات الصلبة للقوة. ففي السياسة الدولية، لا تتحرك الدول داخل فضاء أخلاقي خالص، بل ضمن شبكة متشابكة من المصالح والأمن والنفوذ، حيث يمكن للخصم أن يصبح شريكًا اقتصاديًا، وللحليف أن يتحول إلى موضوع للضغط والمساءلة.
في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتمنح الصفقة أبعادًا تتجاوز سوق الطاقة. فقد دعا ترامب إلى اختيار قيادة أوكرانية جديدة قادرة على إبرام اتفاق لإنهاء الحرب، منتقدًا ما اعتبره إخفاقًا في استثمار فرص التفاوض. ولم يعد الخلاف، وفق هذا الخطاب، متعلقًا بتقدير العمليات العسكرية وحدها، بل امتد إلى أهلية القيادة الأوكرانية للاستمرار في إدارة المرحلة السياسية المقبلة. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد معرفة ما إذا كان ترامب يؤيد زيلينسكي أو يعارضه: هل نحن أمام خلاف بين حليفين حول شروط السلام، أم أمام إعادة تعريف أمريكية لمصالحها في الحرب الأوكرانية؟
إن خطورة اللحظة لا تكمن في حدة التصريحات بقدر ما تكمن في دلالتها السياسية؛ فحين تصبح القيادة الحليفة موضع تشكيك علني من القوة التي تعتمد عليها في جانب مهم من دعمها العسكري والدبلوماسي، فإن العلاقة تنتقل من منطق المساندة إلى منطق المشروطية. لم تعد المساعدة مجرد التزام استراتيجي، بل باتت ورقة تفاوض يمكن استخدامها لدفع الطرف الآخر إلى إعادة النظر في خياراته.
الديزل: اقتصاد الطاقة وسياسة النفوذ
تتجاوز أهمية الديزل وظيفته بوصفه مادة أساسية لتشغيل النقل والزراعة والصناعة؛ فهو، في سياق الحرب، جزء من البنية الاقتصادية التي تتقاطع فيها مصالح الدول مع حسابات الأمن القومي. وعندما تعلن واشنطن تفاهمًا بشأن الإمدادات الروسية، فإنها تفتح بابًا لقراءة سياسية تتعلق بحدود العقوبات، وبقدرة المصالح الاقتصادية على اختراق جبهات الخصومة الجيوسياسية.
لقد استثمرت الدول الكبرى الطاقة تاريخيًا بوصفها موردًا اقتصاديًا وأداة نفوذ في آن واحد. فالدولة التي تتحكم في تدفقات الطاقة لا تبيع سلعة فحسب، وإنما تمتلك عنصرًا يمكن أن يؤثر في الأسعار، ويعيد تشكيل علاقاتها التجارية، ويمنحها هامشًا إضافيًا في المفاوضات. ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل صفقة الديزل عن السؤال المتعلق بموقع روسيا في النظام الدولي، ولا عن رغبة الإدارة الأمريكية في التوفيق بين ضغوط الحرب ومتطلبات الاقتصاد الداخلي.
غير أن القراءة السياسية الرصينة تقتضي التمييز بين الإعلان عن اتفاق وبين نتائجه الفعلية. فليس كل تفاهم اقتصادي انتصارًا استراتيجيًا، كما أن استئناف التعامل في قطاع محدد لا يعني بالضرورة انهيار منظومة العقوبات أو تبدلًا شاملًا في العلاقات الأمريكية الروسية. إن القيمة السياسية للصفقة تتوقف على شروط تنفيذها، وعلى نطاق التسهيلات التي تتيحها، وعلى ما إذا كانت ستقترن بتنازلات روسية واضحة في الملف الأوكراني.
وهنا تتكشف المفارقة: قد تتقاطع المصالح الأمريكية والروسية في سوق الطاقة، بينما يظل البلدان متباعدين بشأن مستقبل الحرب وأمن أوروبا. فالتقارب الاقتصادي الجزئي لا يمحو التناقضات الاستراتيجية، لكنه قد يغير الطريقة التي تُدار بها تلك التناقضات، ويمنح الأطراف أدوات جديدة للمساومة.
زيلينسكي بين سيادة القرار وضغط الحليف
يواجه زيلينسكي معضلة سياسية تتعلق بحدود استقلال القرار الوطني في ظل الاعتماد على الدعم الخارجي. فمن جهة، تسعى كييف إلى حماية أراضيها والحصول على ضمانات تحول دون تكرار الحرب؛ ومن جهة أخرى، تجد نفسها مطالبة بمراعاة أولويات الإدارة الأمريكية التي تربط استمرار انخراطها بكيفية إدارة الحرب وإمكان الوصول إلى تسوية.
هذه المعضلة ليست استثناءً أوكرانيًا، بل تعكس إشكالية متكررة في العلاقات الدولية: كيف تحافظ الدولة على استقلال قرارها عندما تصبح قدرتها على المواجهة مرتبطة بمساندة قوة أكبر؟ إن التحالف، في صورته الواقعية، لا يلغي تفاوت القوة بين أطرافه؛ وقد يتحول هذا التفاوت، في لحظات الأزمات، إلى وسيلة ضغط تحدد المجال المتاح أمام الطرف الأضعف لاتخاذ القرار.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم اعتراض زيلينسكي على التفاهم الأمريكي الروسي بوصفه دفاعًا عن موقع أوكرانيا في أي مفاوضات مقبلة. فكييف تخشى أن يتحول الاتفاق الاقتصادي إلى مكسب لموسكو لا يقابله تقدم ملموس في مسار السلام، أو أن تُصاغ التسوية وفق أولويات القوى الكبرى من دون ضمانات كافية للأمن الأوكراني.
لكن الدفاع عن السيادة لا يجيب وحده عن سؤال التسوية. فالحرب تفرض على القيادة السياسية موازنة معقدة بين مواصلة القتال، وكلفة الاستنزاف، وإمكان التفاوض، وشروط إنهاء المواجهة. وليس التفاوض في ذاته تنازلًا عن السيادة، كما أن رفض اتفاق بعينه لا يعني بالضرورة رفض السلام؛ فالمعيار السياسي هو طبيعة الاتفاق، ومدى قدرته على إنهاء الحرب، وحماية السكان، وتوفير ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.
لذلك، فإن جوهر الخلاف بين واشنطن وكييف لا ينبغي اختزاله في علاقة شخصية بين ترامب وزيلينسكي. إنه خلاف على تعريف السلام، وعلى توزيع كلفته، وعلى الجهة التي تملك سلطة تحديد شروطه. فواشنطن تنظر إلى الحرب من زاوية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، بينما تنظر كييف إليها من زاوية وجود الدولة وسلامة أراضيها ومستقبل أمنها. وقد تتقاطع هذه الحسابات في بعض اللحظات، لكنها لا تتطابق بالضرورة.
هل تستطيع واشنطن تقرير مصير القيادة الأوكرانية؟
إن دعوة ترامب إلى اختيار رئيس أوكراني جديد تفتح بابًا حساسًا يتعلق بحدود النفوذ الخارجي في القرار السياسي للدول. فمن الناحية العملية، تستطيع واشنطن التأثير في البيئة التي تعمل ضمنها القيادة الأوكرانية، بالنظر إلى أهمية الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الأمريكي. لكن التأثير في الخيارات السياسية لا يساوي امتلاك سلطة دستورية لتغيير القيادة.
فمصير الرئاسة الأوكرانية لا يُحسم بتصريح صادر عن رئيس أمريكي، وإنما يرتبط بالمؤسسات الأوكرانية، وبالقواعد الدستورية والقانونية، وبالظروف التي تفرضها الحرب على الحياة السياسية. ولهذا ينبغي التمييز بين الضغط الذي يمكن أن يمارسه حليف قوي، وبين القدرة القانونية والسياسية على فرض تغيير في رأس السلطة.
ومع ذلك، فإن التصريحات الأمريكية تضع زيلينسكي أمام اختبار سياسي حقيقي: كيف يحافظ على هامش استقلاله في التفاوض من دون أن يخسر الدعم الذي تحتاج إليه بلاده؟ وكيف يمنع تحول المساعدة الخارجية إلى وسيلة لفرض تسوية لا تتوافر لها ضمانات كافية؟ إنها معادلة لا تُحل بالشعارات، بل بإدارة دقيقة للعلاقة مع الحلفاء، وبناء توافقات دولية، وتحديد واضح للحد الأدنى من المصالح الأمنية التي لا يمكن تجاوزها.
أما القول إن صفقة الديزل ستطيح بزيلينسكي، فهو استنتاج يتجاوز ما تسمح به الوقائع المتاحة. الأدق أن الصفقة والتصريحات المصاحبة لها تكشفان عن تصاعد الضغوط على القيادة الأوكرانية، وعن احتمال اتساع الخلاف بشأن شروط إنهاء الحرب. أما النتائج السياسية النهائية، فلا يمكن حسمها قبل اتضاح مسار المفاوضات وتطورات الداخل الأوكراني.
خاتمة: عندما تتقدم المصلحة على لغة التضامن
تكشف صفقة الديزل عن حقيقة أساسية في السياسة الدولية: التحالفات ليست علاقات ثابتة خارج التاريخ، بل ترتيبات تتغير بتغير المصالح وموازين القوة. وقد تتعاون دولتان متنافستان في ملف اقتصادي، بينما تواصلان التنازع في ملفات أخرى؛ كما قد يتحول الحليف إلى طرف يتلقى الضغوط عندما تتغير أولويات القوة التي يعتمد عليها.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بقدرة ترامب على إحراج زيلينسكي أو دفعه إلى مراجعة خياراته، بل بطبيعة النظام الدولي الذي يجعل أمن الدول الصغيرة والمتوسطة شديد الارتباط بحسابات القوى الكبرى. فإذا كانت التسويات تُصاغ وفق ميزان القوة وحده، فإن السلام قد يتحول إلى اتفاق بين أصحاب النفوذ، بينما تتحمل المجتمعات المعنية النتائج المباشرة له.
إن السلام المستدام لا يُقاس بسرعة التوصل إلى صفقة، ولا بحجم المكاسب الاقتصادية التي تحققها الأطراف، بل بقدرة الاتفاق على معالجة أسباب الحرب، وضمان الأمن، ومنع تجدد العنف. ومن ثم، فإن نجاح صفقة الديزل لا ينبغي أن يُقاس بقدرتها على إعادة فتح سوق الطاقة فحسب، وإنما بمدى ارتباطها بخطوات سياسية واضحة نحو إنهاء الحرب.
في نهاية المطاف، ليست القضية أن ترامب يهاجم زيلينسكي، ولا أن بوتين قد يستفيد اقتصاديًا من تفاهم جديد؛ القضية أن المصالح حين تتغير تعيد ترتيب لغة السياسة نفسها. وما كان يُقدَّم بالأمس باعتباره تضامنًا استراتيجيًا قد يصبح اليوم موضوعًا للمساومة، وما يبدو اتفاقًا اقتصاديًا محدودًا قد يحمل في داخله أسئلة كبرى عن السيادة والشرعية وحدود القوة.
ففي عالم السياسة، لا يكفي أن تكون الدولة صاحبة قضية عادلة في نظرها؛ عليها أيضًا أن تواجه واقعًا دوليًا تُصاغ فيه التسويات تحت ضغط المصالح. وبين حق أوكرانيا في تقرير مصيرها، ورغبة واشنطن في إعادة ترتيب أولوياتها، وسعي موسكو إلى استثمار أي منفذ اقتصادي، تبقى معضلة السلام معلقة على سؤال واحد: هل يمكن بناء تسوية تحمي أمن الدول، أم أن منطق القوة سيظل يحدد شروط السلام قبل أن تبدأ المفاوضات؟ ّ
#معروفي_العيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟