عبدالرحمن كلو
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 09:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الحسكة بين سلطة الميليشيا وثقافة الانتقام:
أزمة الاندماج وغياب الدولة
حين أُعلن في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026 حلّ «قسد» بوصفها قوة عسكرية " مستقلة " واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، بدا أن مرحلة ازدواجية السلطة في شمال شرقي سوريا تقترب من نهايتها الرسمية. غير أن أحداث حي غويران في الحسكة في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وما تخلل المشهد من استهداف للرموز الكوردية وتصاعد الاحتقان، أعادت فتح السؤال الذي لم تحسمه بيانات الاندماج: هل تفككت البنى الميليشياوية فعلًا، أم أن الأسماء والرايات تبدلت فيما بقيت آليات السلطة ومصادر الولاء والعقليات التي أدارتها على حالها؟ وما يزيد المشهد تعقيدًا أن القوى التي تنازع هذه السلطة لا تتقدم جميعها بمنطق الدولة، بل تحمل بعض دوائر تعبئتها إرثًا من العنف والتشدد والثأر القومي، بما يحوّل الحسكة إلى ساحة تناحر بين ثقافتين سياسيتين تهددان المجتمع والدولة معًا.
لفهم هذه المفارقة ينبغي العودة إلى خاصية بنيوية رافقت الأزمة السورية منذ تحولها إلى صراع مسلح. فقد نشأت وتكاثرت تشكيلات تتلقى المال والسلاح والحماية السياسية من قوى إقليمية ودولية، وكانت أسماء الفصائل وحدودها التنظيمية ووجهات اصطفاف أفرادها تتغير تبعًا لتحولات الرعاية والتمويل وموازين المصلحة. لم يكن تبديل الراية، في كثير من الحالات، تعبيرًا عن مراجعة للعقيدة العسكرية أو مفهوم الحكم، بل إعادة تموضع في سوق القوة والنفوذ. ولهذا يغدو التمييز بين الاندماج التنظيمي والاندماج المؤسسي حاسمًا:
الأول ينقل الأفراد والوحدات إلى مسميات رسمية، أما الثاني فيفكك سلاسل القيادة الموازية، ويقطع صلات التبعية خارج الدولة، ويجعل السلاح والقرار والاعتقال والمحاسبة خاضعة لمرجعية قانونية واحدة. فمن دون هذا التحول تصبح الدولة غلافًا جديدًا لبنى قديمة، لا بديلًا عنها.
يبدو هذا الإشكال أكثر وضوحًا في الجانب الكوردي، حيث ارتبطت البنية الأمنية والعسكرية التي حكمت أجزاء واسعة من المنطقة بنفوذ حزب ال PKK وكوادر قنديل، وبمنطق حزبي هرمي متشدد كانت ضرورات أجندات التنظيم غالبة على مقتضيات التمثيل السياسي أوالتعددية. ومن ثم فإن إعلان اندماج «قسد» لا يكفي بذاته للقول إن تلك البنية فقدت مصادر نفوذها أو تخلّت عن أساليب الضبط التي ارتبطت بها؛ فالاختبار ليس في انتقال المقاتلين إلى قوائم الدولة، بل في انتهاء سلطة القرار الموازي، واستقلال الإدارة، وفتح ملفات الاعتقال والتجاوزات لمساءلة قضائية فعلية. وحين يظل المواطن، عربيًا كان أم كورديًا، أمام سلطة يخشى الاعتراض عليها، فإن السؤال عن حقيقة الاندماج يظل مطروحًا مهما تبدلت التسميات.
أما في الجانب العربي المسلح فالصورة أكثر تشابكًا، لا لأنها خالية من المرجعيات، بل لكثرة المسارات التي تعاقبت وتقاطعت داخلها: تشكيلات الجيش السوري الحر، والفصائل التي ضمّها لاحقًا «الجيش الوطني السوري»، والجماعات المدعومة من تركيا، والخلايا والشبكات التي نشأت حول تنظيم داعش أو تفرعت عنه. ولا يعني جمع هذه المسارات في مشهد واحد تطابقها في العقيدة أو المسؤولية؛ وإنما يعني أن الانتقال الفردي والجماعي بين أطر متباينة، في ظل ضعف التدقيق والمساءلة، يجعل التاريخ التنظيمي لبعض الفاعلين أقل وضوحًا من تاريخ القوى التي مارست سلطة مركزية معروفة. وقد أُعلن دمج فصائل من الجيش الوطني في وزارة الدفاع، لكن التقارير الدولية لا تزال تسجل استمرار استقلالية فعلية وهياكل قيادة قديمة لدى بعض تلك الفصائل، الأمر الذي يجعل الحديث عن اكتمال الدمج سابقًا للتحقق المؤسسي.
وهنا تحديدًا ينبغي طرح السؤال الذي جرى تجاهله مرارًا في المقاربات الرسمية: أين ذهبت الثقافة الداعشية التي مارست القتل والسبي والاستباحة والنهب وخلّفت آثارها في شمال سوريا؟ هل انتهت بهزيمة التنظيم على الأرض، أم تبخرت بتغيير الأسماء وإعلان الولاءات الجديدة؟ إن انهيار الكيان الإقليمي لداعش لم يكن يومًا دليلًا على انقراض شبكاته أو ذهنيته. فقد تتوارى العقيدة خلف خطاب أقل صراحة، ويغادر حاملها تنظيمًا مسلحًا ليدخل جهازًا أمنيًا، أو ينخرط في تعبئة محلية تتخذ من «المظلومية» عنوانًا ومن الغلبة والثأر وسيلة. وليست هذه فرضية معلقة في الفراغ؛ فقد نقل تقرير أممي لعام 2026 تحذيرات من تسلل عناصر داعش إلى تشكيلات أمنية سورية مستحدثة، كما وثّقت تقارير استمرار نشاط خلايا التنظيم. وهذه الوقائع قد لا تثبت أن محركي احتجاج غويران هم أنفسهم عناصر داعش السابقون، لكنها تسقط الافتراض الساذج أن الفكر الداعشي يختفي تلقائيًا حين يزول شعاره.
والفارق الجوهري هنا بين مظلومية اجتماعية تستحق الاعتراف والمعالجة، وبين توظيف المظلومية لإعادة تأهيل ثقافة الاستباحة. فالمطالبة بتفعيل المحاكم وحضور مؤسسات الدولة، وإنهاء احتكار القوة، مطالب سياسية مشروعة؛ لكن بعض أنماط التحريض تستثمر هذه المطالب لتوسيع دائرة العداء للكورد بصرف النظر عن انتماءاتهم ومواقفهم من «قسد». وحين يتحول الغضب من تنظيم عسكري مثل " قسد " إلى التجاوز أو الإعتداء على كل ما هو كوردي، لا نكون أمام خلاف على إدارة المحافظة، بل أمام محاولة لنقل الصراع إلى هوية شعب. الكورد ليسوا «قسد»، كما أن رفض السلطة الميليشياوية لا يمنح أحدًا حق الاعتداء على وجودهم القومي ورموزهم. والاستجابة لمطالب مواطنين في غويران أو أي حي آخر لا تقتضي التسليم لقوى تحريض قد تستثمر الشارع أو تتحدث باسمه.
وليس استحضار قامشلو في آذار/مارس 2004 مجرد استعارة تاريخية. فقد كشفت تلك الأحداث قابلية التوتر القومي لأن يتحول، في ظل التحريض والقمع وغياب الضمانات القانونية، إلى مواجهة يتسع فيها الاستهداف الجماعي ويتراجع فيها صوت السياسة. ولذلك تكتسب الذاكرة هنا وظيفة تحذيرية: فما يُستدعى ليس تطابق الظروف أو الفاعلين، بل نمط تحويل الخلاف إلى استباحة، والمواطن إلى هدف بسبب قوميته. وإذا كانت الميليشيا الحزبية تفرض الخضوع بقوة الجهاز الأمني، فإن التعبئة التي تتغذى على الموروث الداعشي أو الخطاب الانتقامي تستطيع فرض خوف موازٍ بقوة الشارع والترويع. وهكذا تتنازع الحسكة سلطتان محتملتان على المجتمع: سلطة السلاح المنظم، وسلطة التحريض حين ينفلت من القانون.
تلك هي نقطة الالتقاء الأخطر بين الثقافتين المتناحرتين. فالبنية الميليشياوية تستدعي خطر التطرف والانتقام لتبرير استمرار القبضة الأمنية، بينما تستثمر التعبئة الانتقامية تجاوزات تلك البنية لتبرير مزيد من الحشد والعداء. ولا يحتاج الطرفان إلى تفاهم أو تنسيق سري لكي يؤدي سلوكهما إلى نتيجة واحدة؛ إذ يكفي أن يمنح كل منهما الآخر سببًا لتجديد شرعيته الخاصة. إنها علاقة اعتماد عدائي متبادل يتحول فيها الخصام الظاهر إلى تكامل وظيفي في تعطيل الدولة وهذا هو الأهم لدى أعداء سوريا، وفي هذه المعادلة يخسر العرب والكورد على السواء، لأن الأمن أو الأمان يصبح احتكارًا لفصيل، والقانون يُزاح لحساب قوة تملك السلاح أو القدرة على إثارة الغضب.
ولا يمكن فصل هذا التناحر عن الدور التركي في هندسة موازين القوة في شمال سوريا. فاستمرار نفوذ فصائل مدعومة من أنقرة، واحتفاظ بعض هذه الفصائل بقدرتها على التحرك خارج انضباط قيادة وطنية موحدة، يبقي أدوات ضغط وتحريض قائمة حتى بعد إعلان الاندماج النظري. وفي المقابل، أسهمت هيمنة حزب ال PKK على القرار في الساحة الكوردية – رغم إعلانه عن حل نفسه وتسليم سلاحه - في ربط مطالب شعب أصيل بمسار عسكري وأمني شديد التداخل مع الحسابات التركية وتحديدًا مع مسار إتفاق بخجلي – أوجلان . وتذهب قراءتنا السياسية إلى فرضية أبعد تتعلق بالدور الوظيفي الذي أداه هذا التنظيم، وبإرتباط نشأته وتطوره بحسابات بنيوية داخل الدولة التركية؛ وهي فرضية تؤكدها وثائق التنظيم نفسه والكثير من الأوساط السياسية التركية ذوي العلاقة المباشرة مع مؤسسات الدولة العميقة في تركيا أمثال يالجين كوجوك ودوغو برينجك.
وعليه ما يمكن تحليله من النتائج، فهو أن توسيع الشرخ العربي–الكوردي يمنح أنقرة مجالًا إضافيًا لاختزال القضية الكوردية إلى تهديد أمني وحدودي، ويبعدها عن سياق الحقوق والاعتراف الدستوري والشراكة السياسية.
من هنا فإن المعضلة في الحسكة أعمق من نزاع على تبعية هذا الحاجز أو تلك المديرية. إنها معضلة تحويل تشكيلات نشأت في الحرب، وبعضها محكوم بولاءات خارجية أو موروثات أيديولوجية متطرفة، إلى أجهزة لدولة يفترض أن تكون محايدة إزاء مواطنيها. ولا يصح أن تستقر المؤسسات في قبضة كوادر اعتادت احتكار السلاح وإدارة المجتمع بالخوف، كما لا يصح أن تُسلَّم إلى محرضين يرون في الأغلبية الشعبوية تفويضًا للانتقام أو الاستيلاء على الوظيفة العامة. والمقصود بإبعاد طرفي النزاع عن مواقع التحكم ليس إقصاء مكوّن اجتماعي أو حرمانه حق المشاركة، بل إنهاء قدرة الشبكات المسلحة والمحرضة على صناعة القرار خارج القانون، مع مسؤولية قضائية فردية عن الجرائم والانتهاكات.
والاستجابة لذلك تستدعي حضورًا مباشرًا ومدروسًا للدولة السورية بصفتها سلطة مؤسسية، لا بوصفها طرفًا ثالثًا. وقد تتطلب المرحلة تعيينات إدارية وأمنية وقضائية استثنائية في المحافظة، تُستبعد منها شبكات الاحتكار الميليشياوي والتعبئة الانتقامية، ويتم إختيار شاغلوها بمعايير الكفاءة والنزاهة والاستقلال بعيدا عن مرشحي تركيا من كوادر قنديل كما وبعيدا عن أصحاب الخطابات العروبية والظلامية المتطرفة ، حتى ولو استدعى الأمر الاستعانة بمسؤولين من خارج المحافظة إلى جانب كفاءات مدنية محلية لا ترتبط بالطرفين. ويجب أن يترافق ذلك مع تدقيق حقيقي في السجل الوظيفي والتشكيلات السابقة للعاملين في الأجهزة، وتوحيد القيادة، وإخضاع الاعتقال والتفتيش واستخدام القوة لرقابة القضاء، والتحقيق في الجرائم والابتزاز والاعتداءات على الأفراد والممتلكات والرموز القومية. وليس مطلوبًا من دمشق أن تبدل مراكز النفوذ فحسب، بل أن تمنع تدويرها باسم الدولة وهذا هو مربض الفرس .
وفي هذه الأجواء سيكون التعجيل بالانتخابات المحلية مغامرة بشرعنة ميزان القوة القائم بدل تغييره. فما قيمة صندوق اقتراع يُنصب في مجتمع لم تتحرر مؤسساته من سطوة السلاح، ولم يأمن أفراده من التحريض والانتقام؟ إن الانتخابات التي تسبق تحييد الأجهزة وإطلاق الحريات السياسية واستقلال القضاء قد تتحول إلى تفصيل إجرائي على مقاس الفوضى، يعيد توزيع نفوذها في صورة مناصب ومجالس. ولذلك لا بد من مرحلة انتقالية محددة المهام والمدة والرقابة، تهيئ شروط المنافسة الحرة بدل تعليقها إلى أجل غير معلوم. فالديمقراطية لا تبدأ بعدّ الأصوات وحده، بل بضمان ألا يخاف المواطن من التصويت أو من إعلان هويته ورأيه.
ستكون هذه المرحلة مكلفة، لأن الدولة الحقيقية، حين تحضر بقانونها وقضائها وإدارتها المحايدة، تنتزع من الميليشيا امتياز السلاح المنفلت، ومن التعبئة الانتقامية امتياز تحويل الشارع إلى محكمة وإلى مصدر بديل للشرعية. وربما كان ذلك تفسيرًا لِما يبدو تناحرًا بلا أفق للحسم: فحضور الدولة يهدد البنيتين معًا، حتى حين تبدوان عدوّتين لدودتين. إن أخطر ما تواجهه الحسكة ليس مجرد التصادم بين تنظيمات ورايات، بل إعادة إنتاج ثقافتين قاتلتين تحت مسميات جديدة؛ ثقافة ترى في المجتمع موضوعًا للضبط والترهيب، وأخرى ترى فيه غنيمة وثأرًا مؤجلًا. والخلاص لا يكون بانتصار إحداهما على الأخرى، بل بنهاية قدرتهما على إدارة الناس، وقيام دولة تجعل الانتماء القومي والحق في الأمن والكرامة خارج منطق الميليشيا والغزو والانتقام.
مراجع:
عنب بلدي، 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تغطية مظاهرة غويران ومطالبها — https://www.enabbaladi.net/827663/
وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تموز/يوليو 2026، مؤسسات الأمن والجيش الانتقالي — https://www.euaa.europa.eu/syria-security-situation/121-syrian-transitional-government-security-forces
وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تموز/يوليو 2026، استمرار حضور تنظيم داعش وخلاياه — https://www.euaa.europa.eu/syria-security-situation/125-isil
مجلس الأمن، تقرير فريق مراقبة العقوبات S/2026/44، 4 شباط/فبراير 2026 — https://digitallibrary.un.org/record/4102022/
وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تقرير مؤسسات الأمن، بشأن استقلالية بعض الفصائل المندمجة — https://dip-aws.euaa.europa.eu/syria-country-focus/13-security-institutions
هيومن رايتس ووتش، 2009، تقرير الحقوق السياسية والثقافية للكورد في سوريا وأحداث 2004 — https://www.hrw.org/report/2009/11/26/group-denial/repression-kurdish-political-and-cultural-rights-syria
9 تشرين الأول/أكتوبر 2026
#عبدالرحمن_كلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟