|
|
من خويبون إلى حزب 1957 نشوء أوّل تنظيمٍ سياسي كوردي في سوريا، وإشكالية شرعية التمثيل
عبدالرحمن كلو
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 10:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من خويبون إلى حزب 1957 نشوء أوّل تنظيمٍ سياسي كوردي في سوريا، وإشكالية شرعية التمثيل عبد الرحمن كلو لم يكن تأسيسُ أوّل تنظيمٍ سياسي كوردي في سوريا، في صيف عام 1957، وليدَ قرارٍ ارتجالي، ولا ثمرةَ حماسٍ شبابي معزول عن سياقه، بل جاء نتيجةَ مسارٍ تراكمي طويل امتدّ منذ عشرينيات القرن العشرين. وتَذهب هذه الدراسة إلى أطروحةٍ مزدوجة: أن هذا التأسيس كان تتويجًا لتراكمٍ اجتماعي وثقافي وسياسي سابق، لا بدايةً مطلقة؛ وأن ذكراه، بحكم هذا الأصل التراكمي ثم بحكم الانقسامات اللاحقة، ملكٌ للحركة الكوردية السورية كلّها، لا حكرًا على تنظيمٍ بعينه. ولإثبات ذلك، نَقرأ المسار في طبقاته الثلاث: طبقة النشوء القومي–الثقافي، وطبقة التأسيس الحزبي، وطبقة الانقسامات وإشكالية الوراثة. أوّلًا: طبقة النشوء — التراكم الذي سبق الحزب ١) من صدمة الثورات إلى إعادة بناء الأدوات تشكّل الوعيُ القومي الكوردي في سوريا ضمن سياقٍ إقليمي شديد الاضطراب أعقب انهيار الدولة العثمانية، وصعودَ الجمهورية التركية الكمالية، وقمعَ الثورات الكوردية في شمال كوردستان — وفي مقدّمتها ثورة الشيخ سعيد 1925، ثم تجربة آغري/أرارات — وما تلا ذلك من لجوءٍ سياسي واجتماعي إلى سوريا ولبنان والعراق . وضمن هذه البيئة، بدأت النخبةُ الكوردية، لا سيّما في الجزيرة وحلب ودمشق وبيروت، بإعادة بناء أدوات العمل القومي على نحوٍ جديد: لا تَعتمد على الانتفاضة المسلّحة أو القيادة العشائرية وحدها، بل على اللغة والصحافة والجمعيات والأندية والشبكات الثقافية. ٢) خويبون: نقل القضية من المحلّي إلى القومي في هذا السياق برزت حركة خويبون، التي تأسّست عام 1927، بوصفها محاولةً مبكرة للانتقال بالمسألة الكوردية من حدود الولاءات المحلّية والعشائرية إلى أفقٍ قومي جامع . فقد سَعت إلى بناء خطابٍ يوازن بين لغة السياسة الحديثة والبنية الاجتماعية الكوردية التقليدية. ويكتسب قَسَم الأمانة للقضية الكوردية، الذي صاغته خويبون، دلالةً خاصّة؛ إذ لم يكن مجرّد تعهّدٍ أخلاقي، بل محاولةً لإخضاع العلاقات الكوردية الداخلية لمنطق القضية العامّة: فالامتناع عن حمل السلاح ضدّ كوردي، ووقفُ الثارات، وربطُ مخالفة ذلك بالخيانة القومية، كلّها عناصر تكشف أن خويبون أدركت أن بناء حركةٍ قومية يبدأ أيضًا بإعادة ضبط البنية الداخلية للمجتمع الكوردي. وبهذا المعنى، كانت خويبون مدرسةً أوّلية في الانضباط القومي. ومع ذلك، لم تَستطع خويبون أن تتحوّل إلى إطارٍ سياسي ثابت داخل سوريا بالمعنى الحزبي اللاحق. فقد ظلّ نشاطها مرتبطًا بمعارضة تركيا الكمالية وبحركة اللاجئين الكورد وبالتحالف مع الطاشناق الأرمني، وأضعفها فشلُ ثورة آغري وتغيّرُ حسابات الانتداب الفرنسي تجاه تركيا. لكنّ أفولها لم يَعنِ انتهاء أثرها، بل تحوّل إرثُها إلى مجالٍ أعمق وأكثر استمرارية: مجال الثقافة واللغة والتنظيم الاجتماعي. ٣) عام 1932: المنعطف الثقافي هنا تبرز أهمية عام 1932 بوصفه عامًا مفصليًا. ففيه أصدر جلادت بدرخان مجلة «هَوار» التي أرست اللغة الكوردية الحديثة بالحرف اللاتيني ونشرت الأدب والتاريخ والجغرافيا؛ وفيه ظهرت الجمعية الخيرية لمعاونة فقراء الكورد في الجزيرة . وقد مثّلت هذه المرحلة انتقالًا من الحركة القومية بوصفها مواجهةً سياسية، إلى الحركة القومية بوصفها مشروعًا لغويًا وثقافيًا واجتماعيًا. والجمعية الخيرية تكشف أحد وجوه العمل القومي غير المباشر: فالعمل الخيري في ظاهره تخفيفُ معاناة الفقراء، وفي عمقه تعبيرٌ عن وعيٍ جماعي ناشئ يُنظّم المجتمع الكوردي بإمكاناته الذاتية في ظلّ ضعف الرعاية الرسمية. وفي المسار نفسه، ظهرت جمعياتٌ وأندية ثقافية ورياضية وشبابية في الجزيرة وحلب، أدّت عمليًا وظيفةً سياسية غير مباشرة: تعليمَ اللغة، وربطَ الشباب بالهوية القومية، وتداولَ الذاكرة التاريخية، وتنظيمَ النخبة الجديدة خارج الأطر العشائرية . ولذلك لم تكن هذه الكيانات هامشًا في تاريخ الحركة، بل البنية التحتية الاجتماعية التي سبقت تشكّل الحزب. ومع تراجع خويبون بين منتصف الأربعينات ونهاية الانتداب، لم يَختفِ الوعي القومي بل تبدّلت أدواته. فانخرط عددٌ من الكورد في الحزب الشيوعي السوري، لكنّ الإطار الشيوعي لم يَستطع استيعاب المسألة الكوردية بوصفها قضيةً قومية مستقلّة. ومن هنا غادر نشطاءُ حلب الحزبَ الشيوعي عام 1956، فأصبحت الحاجةُ إلى تنظيمٍ كوردي سياسي مستقلّ أكثر وضوحًا . ثانيًا: طبقة التأسيس — حزب 1957 بين التاريخ الرمزي والعملية الممتدّة ١) من فكرة 1953 إلى انطلاقة دمشق 1956 لم تكن فكرة الحزب وليدةَ 1957، بل راودت المفكّر والمناضل عثمان صبري منذ عام 1953 في حلب، حين طرحها على رفيقه رشيد حمو؛ غير أن الظروف لم تكن مواتية آنذاك، بسبب انتماء عددٍ من النشطاء الكورد إلى الحزب الشيوعي السوري . وبعد الخلاف مع الشيوعيين حول موقفهم من القضية الكوردية، انسحب رشيد حمو وعددٌ من الكوادر، فتهيّأت الأرضية للعمل الجادّ. وبحسب مذكّرات رشيد حمو، شكّل اللقاء الذي جمعه بعثمان صبري في دمشق عام 1956 نقطةَ الانطلاق العملية، حيث جرى التداول في تأسيس حزبٍ كوردي على غرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق، بتأييد شخصياتٍ كوردية من دمشق والجزيرة وخارج البلاد، وفي مقدّمتهم الدكتور نورالدين ظاظا . وهكذا وُضعت اللبنات الأولى في دمشق على أيدي صبري وحمو، بينما كانت حلب على موعدٍ مع لحظة الإعلان. ٢) اجتماع حلب التأسيسي: 14 حزيران 1957 جرى الاجتماع التأسيسي في مدينة حلب يوم 14 حزيران 1957، في منزل محمد علي خوجة، فأُعلن عن تأسيس «الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا» (Partî Demokratî Kurdistan) . وقد انتُخب عثمان صبري رئيسًا للحزب، ورشيد حمو سكرتيرًا في تلك المرحلة، وتولّى رفاق حلب مهامّ المكتب السياسي الأول، قبل أن ينضمّ الدكتور نورالدين ظاظا عام 1958 ويتولّى مسؤولياتٍ قيادية بارزة بفضل مكانته العلمية والسياسية . وتختلف الروايات اختلافًا طفيفًا في لائحة المؤسّسين وعددهم؛ فرواية الدكتور خليل محمد تُسمّي المؤسّسين السبعة وتُضيف محمد ملا عيسى، مؤكّدةً أن مناضلي عفرين كانوا شركاء أساسيين في التأسيس منذ بدايته لا منضمّين لاحقًا، وأن جمعية «رزكاري» في الجزيرة سبقت الحزب ثم انضمّت إليه . وهذا التفاوت الطفيف معتادٌ في توثيق اللحظات التأسيسية، ولا يَمسّ جوهر الواقعة. على أن شهادة الأستاذ صلاح بدرالدين تُضيف بُعدًا مكمّلًا: فهو يرى أن الحزب لم يولد في يومٍ واحد، بل تشكّل عبر مداولاتٍ سرّية امتدّت بين أيار وآب 1957، وأن اجتماع حلب كان محطةً توافقية اعتبرها بعضُهم لحظةَ الميلاد الرمزية . ولا تَناقض بين الروايتين: فرواية 14 حزيران تُثبّت يوم الإعلان الرمزي، وشهادة بدرالدين تَصف العملية الممتدّة التي تَوّجها ذلك اليوم. وكلتاهما تَصبّ في معنًى واحد: أن التأسيس كان فعلًا جماعيًا متدرّجًا، لا حدثًا فرديًا مفاجئًا. الدلالة المنهجية: التأسيس تتويجٌ لا بداية مطلقة لا تكمن أهمية عام 1957 في يومٍ بعينه فحسب، بل في التحوّل النوعي الذي شهده العمل السياسي الكوردي في غرب كوردستان وفي سوريا : انتقال الوعي القومي من المجال الثقافي والاجتماعي إلى المجال الحزبي المنظَّم. فالحزب لم يكن بدايةً مطلقة، بل تتويجًا لمسارٍ بدأ بخويبون، وتواصل عبر الجمعيات الخيرية والثقافية ومجلة هَوار والنشاطات الشبابية والتجارب السرّية في حلب ودمشق، ثم وجد تعبيرَه السياسي المباشر في حزبٍ سياسي كوردي مستقلّ. وهذا التأصيل ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل هو الأساس الذي تقوم عليه أطروحة هذه الدراسة: فما دام التأسيس حصيلةَ تراكمٍ جماعي، فإن ذكراه ميراثٌ جماعي بالضرورة. ثالثًا: طبقة الانقسامات — وإشكالية احتكار الوراثة تزداد أهمية هذا التمييز عند النظر إلى ما حدث بعد 1957. فالحزب الأمّ لم يُحافظ على وحدته طويلًا؛ إذ دخل منذ منتصف الستينات في انقساماتٍ حادّة. وفهمُ هذه الطبقة شرطٌ لتفكيك دعاوى «الوراثة الشرعية» التي تَرفعها بعض التنظيمات اليوم. ١) من كونفرانس آب 1965 إلى ناوبردان 1970 حُلّ الحزب الأمّ لأوّل مرّة في 5 آب 1965 (كونفرانس آب)، إثر خلافاتٍ بين قطبَيه عثمان صبري ونورالدين ظاظا تَفاقمت في سجنٍ أعقب حملةَ اعتقالات 1960، فانقسم إلى جناحين يُوصفان عادةً باليسار واليمين، قاد اليمينَ عبد الحميد درويش . وهذا الكونفرانس يُمثّل تحوّلًا سياسيًا عميقًا في تاريخ الحركة، لا يَجوز القفز فوقه عند الحديث عن مسار الحزب. وفي 1970، استضاف الزعيم مصطفى بارزاني الجناحين في منطقة ناوبردان بكوردستان العراق في «مؤتمر توحيدي». لكنّ الخلافات تعذّر توفيقُها، فكانت النتيجة المفارِقة: بدل أن يتوحّد الطرفان في حزبٍ واحد، نشأ طرفٌ ثالث عُرف بـ«القيادة المرحلية» وبالتسمية الشعبية سمي ب " الحيادي" برئاسة دهام ميرو، مقرب للبارزاني رغم أن اليسار الكوردي لم ينفصل يومًا عن الولاء للبارزاني وثورة أيلول إلا ان التيار الجديد كان أكثر قربًا . وهكذا لم يُنتج مؤتمر التوحيد وحدةً مستقرّة، بل ولّد كتلةً ثالثة — وهي مفارقةٌ تكشف هشاشة فكرة «الوحدة المفروضة من الخارج». ٢) مؤتمر بامرني 1972: إعادة تنظيمٍ لا تأسيس أدقّ معطًى متوفّر يقول إن المؤتمر عُقد مطلع تشرين الأول 1972 في قرية الداودية بمنطقة بامرني، وضمّ نحو 121 مندوبًا، بإسنادٍ من كوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني العراقي، وانتُخب فيه دهام ميرو سكرتيرًا . وهنا نقطةٌ توثيقية مهمّة: بعض المصادر تُسمّيه «المؤتمر الأول للحزب»، والمقصود غالبًا المؤتمر الأول للقيادة المرحلية/البارتي بعد ناوبردان، لا المؤتمر الأول للحزب بمعناه التاريخي منذ 1957. فالأدقّ أن بامرني مثّلت إعادةَ تشكّلٍ للتيار البارزاني داخل الحركة الكوردية السورية، لا تأسيسًا أوليًا للحزب. خلاصة توثيقية ينبغي ألّا يُقدَّم مؤتمر بامرني 1972 بوصفه تأسيسًا أوليًا لحزب كوردي سوري لعام 1957، بل بوصفه إعادةَ تنظيمٍ للتيار البارزاني بعد انقسام الحزب الأمّ وفشل توحيد ناوبردان. وقد كرّس هذا المؤتمر عمليًا انتقالَ الحركة من انقسامٍ ثنائي (يمين/يسار) إلى خريطةٍ ثلاثية: كتلة دهام ميرو/البارتي، وكتلة عبد الحميد درويش (الحزب الديمقراطي التقدّمي)، وكتلة صلاح بدرالدين — لتبدأ منذئذٍ مرحلةٌ طويلة من التشظّي بلغت لاحقًا عشرات التنظيمات. ولم يَطل الأمدُ بهذه القيادة حتى نزلت بها ضربةٌ أمنية: فبعد أن أصدر «البارتي» بيانًا ضدّ مشروع «الحزام العربي» الذي أقرّه حافظ الأسد سنة 1973 لفصل كورد سوريا عن كورد الجوار، اعتُقل دهام ميرو ومجموعةٌ من القيادات صيف 1973، وبقي ميرو سجينًا نحو ثماني سنوات حتى 1981 . وهذه الضربة، إذ تَكشف وطنيةَ تلك القيادة وتضحياتها، تكشف أيضًا هشاشةَ الإطار التنظيمي الذي بُني على دعم وإسنادٍ خارجي. رابعًا: بهجت ملا حامد — حلقةُ الوصل المقطوعة بين 1957 و1972 تَتكثّف إشكاليةُ الاتصال والانقطاع بين تأسيس 1957 وتحوّل 1972 في مصير مناضلٍ واحد، تُختصر سيرتُه دلالةَ المرحلة كلّها: بهجت ملا حامد (1945–2016) . فقد التحق بالحركة الكوردية عام 1963 شابًّا، وتدرّج في حزب اليسار: عضوًا في الهيئة الفرعية للتنظيم الطلابي عام 1966، فعضوًا في اللجنة المنطقية المسؤولة عن قطاع الجزيرة عام 1968. ولم يكن، في كلّ ذلك، قياديًا كبيرًا، بل كادرًا شابًّا صاعدًا في الصفّ الأوسط للتنظيم. وحين انعقد مؤتمر ناوبردان عام 1970، حضره بهجت ملا حامد ممثلًا عن حزب اليسار، وعُيّن عضوًا في اللجنة المركزية للقيادة المرحلية للبارتي برئاسة دهام ميرو. وهنا تَكمن المفارقة الأولى: فقد أُدخل هذا الكادرُ الشابّ إلى القيادة لا لأنه بَلغ مرتبتها التنظيمية بالتدرّج الطبيعي، بل لأن وجوده لبّى حاجةً رمزية: أن يكون في القيادة الجديدة «واحدٌ من اليسار»، يُضفي على المولود الجديد صفةَ الاتصال بأحد جناحَي حزب 1957. فكان حضورُه، في جوهره، شهادةً على نسبٍ أكثر منه ترقيةً لكفاءة. المفارقة: من حلقة وصلٍ ضرورية إلى فائضٍ مهمَل لكنّ المفارقة تَكتمل في أوّل محطّةٍ حزبية حقيقية: مؤتمر بامرني عام 1972. فحين «أقلع» الحزب في عمله التنظيمي وصار أمرًا واقعًا قائمًا بذاته، أُقصي بهجت ملا حامد من اللجنة المركزية، وكأنه لم يَعُد له لزوم. فاللزومية الأولى — أن يكون في القيادة واحدٌ من اليسار يَصلها بـ1957 — انتفت وظيفتُها بعد أن استقرّ التيار الأكثر قربًا من الزعيم بارزاني على هيئته الجديدة من القيادة المرحلية إلى الحالة الحزبية . وهكذا تُرك المناضل لمصيره بعد أن أدّى دوره الرمزي؛ فلم يَبقَ في الحزب الجديد أحدٌ من قيادات الجناحين الممتدّين عن 1957. وبهذا المعنى، كان إقصاؤه طلاقًا نهائيًا مع تاريخ التأسيس: انتهى الخيطُ البشري الأخير الذي كان يَصل بامرني بحلب. ولم تكن النهايةُ التنظيمية نهايةَ المعاناة. فقد تعرّض بهجت ملا حامد في تلك الفترة للمطاردة والملاحقة، وذاق أبشع أنواع التعذيب على أيدي أجهزة النظام البعثي، حتى اعتلّت نفسُه وأصابته اضطراباتٌ عميقة. وأُوفد إلى ألمانيا في منحةٍ دراسية لم تَدُم سوى خمسة أشهر، ثم عاد إلى بيته ليعيش مع والدَيه في عزلةٍ شديدة، يُصارع المرض النفسي وحيدًا، حتى وافته المنية في الرابع من آذار 2016. ولم تُنصفه الحركةُ الكوردية في حياته إلا قلّة من رفاق دربه. إن سيرة هذا المناضل ليست تذكيرًا عاطفيًا، بل هي شهادةٌ بنيوية على ما أصاب الذاكرة الحزبية من انتقاء. فبهجت ملا حامد هو، في آنٍ واحد، الدليلُ على الاتصال (إذ كان حلقةَ الوصل البشرية بين اليسار المنحدر من 1957 وقيادة 1970)، والدليلُ على الانقطاع (إذ أُقصي فأُغلق بإقصائه بابُ ذلك الاتصال). ومصيرُه الشخصي — من الصدارة الرمزية إلى العزلة والنسيان — يُلخّص مأساةَ جيلٍ كامل من المؤسّسين الذين تحوّلوا، بفعل المنطق الحزبي الضيّق، من شركاءَ في التأسيس إلى فائضٍ يُستغنى عنه. خامسًا: النضال ميراثٌ كلّي لا يَقبل التجزئة من مصير الأفراد ننتقل إلى مبدأٍ أعمّ، هو جوهر الموقف الأخلاقي–المنهجي لهذه الدراسة. فالمناضلون الأوائل الذين ذهبوا، بعد كونفرانس آب 1965، مع الحزب الديمقراطي التقدّمي بقيادة الأستاذ عبد الحميد درويش، إنما يَنتسبون — قبل أيّ انشقاق — إلى الحزب الأصل الذي شاركوا في تأسيسه وحملوا عبأه الأول. فنضالُهم وعذاباتُهم سابقةٌ على الانقسام، ولا يَجوز أن يُمحى لأن مسارهم التنظيمي افترق لاحقًا. القاعدة الأخلاقية: التضحيات ملكيةٌ عامّة للشعب النضالات والعذابات والسجون والملاحقات ملكيةٌ عامّة للشعب الكوردي وموروثُه النضالي الكلّي، لا تَقبل التجزئة بحسب الخيال الحزبي. فمن يُقسّم هذا الموروث ويَقتطع منه ما يُوافق تنظيمَه، إنما يَضع نفسه خارج السياق النضالي للقضية، ويَتجنّب الجوانب المشرقة والمخلصة من تاريخها، مُتحصّنًا في قوقعةٍ حزبية ضيّقة، محاصرًا بحالةٍ ذهنية لا تَرى أبعد من اسم الحزب. والوفاء لمن عمل واجتهد وتعذّب وسُجن وطُورد ليس منّةً يَمنّ بها تنظيم، بل عرفانٌ بالتضحية أينما كانت ومتى كانت من تاريخ العمل السياسي. وبهذا المعيار، فإن مناضلين من طراز رشيد حمو (سكرتير الحزب الأول) وحمزة نويران وغيرهما ممّن ذهبوا لاحقًا مع تيار عبد الحميد درويش، يَبقون جزءًا أصيلًا من الذاكرة المؤسِّسة للحركة الكوردية السورية، لا يَنتقص من قدرهم أنّ مسارهم التنظيمي تَمايز بعد 1965. فالراعي الحقيقي لتاريخ الحركة هو من يَرعى هذه النضالات كلَّها — على اختلاف مآلاتها الحزبية — لا من يَصطفي منها ما يَخدم روايته. وهذا هو الفارق الجوهري بين من يَكتب التاريخ بوصفه ذاكرةً للشعب، ومن يَكتبه بوصفه سندًا لتنظيم. سادسًا: لماذا لا يَملك أحدٌ احتكار 1957؟ من قراءة الطبقات السابقة تَنهض أطروحةُ الدراسة في صورتها المكتملة. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني–سوريا (PDKS) يَعتبر نفسه الوريثَ الشرعي الوحيد لذكرى 1957 وللمؤتمر التأسيسي. وهذا الزعمُ يَسقط أمام حجّتين متكاملتين: • حجّةٍ تاريخية–بنيوية • حجّةٍ منطقية–أخلاقية أمّا الحجّة التاريخية، فهي أن المسار التنظيمي المتّصل لهذا التيار يبدأ عمليًا من القيادة المرحلية (ناوبردان 1970) ثم بامرني (1972)، لا من 1957 اتصالًا تنظيميًا مباشرًا. والدليل الحاسم هو القفز من فوق كل الرموز الحزبية في مرحلة ما قبل ناوبردان وإقصاءُ بهجت ملا حامد — آخرِ خيطٍ بشري يَصل البارتي بجناحَي 1957 — في بامرني، كما فصّلنا. فمن أُعيد تنظيمُه في بامرني تيارٌ جديد، لا امتدادٌ بشري متّصل بمؤتمر التأسيس. وأمّا الحجّة المنطقية–الأخلاقية، فأكثرُ جوهرية: فإذا كان تاريخ التأسيس لدى PDKS هو 1957، فإن هذا يَستلزم أنه يَملك كلّ ذلك التاريخ — بنجاحاته إن وُجدت، وبإخفاقاته وهزائمه أيضًا، خاصّةً بعد 2011. فلا يَجوز انتقاءُ المُشرق وقصقصةُ المُظلم. فالتاريخ سلسلةٌ مترابطة من 1957 إلى يومنا، ومن يَقفز فوق حقبةٍ منها يُقرّ ضمنًا بأنه لم يكن حاضرًا فيها. ويتجلّى هذا الانتقاء في استذكار القيادات: إذ تَبدأ الروايةُ الرسمية غالبًا من السيد دهام ميرو، وتَتحفّظ طويلًا على أسماءٍ مؤسِّسة كالأستاذ صلاح بدرالدين (سكرتير الحزب 1968–1970) ، بل وتَكاد تُغفل كونفرانس آب 1965 ومناضلي الرعيل الأول. فكيف يَدّعي تنظيمٌ وراثةَ 1957 ثم لا يَستذكر المحطّات والأسماء التي صنعت ذلك التاريخ من المسيرة الحزبية بل تكتفي بما بعد بامرني ؟ خلاصة الأطروحة لا يَملك أيُّ تنظيمٍ احتكارَ ذكرى 1957، لسببين متكاملين: أوّلهما أن التأسيس كان فعلًا جماعيًا تراكميًا (من خويبون إلى حلب)، فذكراه ميراثٌ جماعي بالأصل؛ وثانيهما أن الانقسامات اللاحقة جعلت كلَّ التنظيمات الراهنة فروعًا متباعدة عن الأصل الواحد، لا امتدادًا حصريًا له. ومن حقّ كلّ طرفٍ وُلد من رحم 1957 أن يَنتسب إلى التأسيس — دون احتكار. والقاعدة المزدوجة الحاكمة: لا يَملك أحدٌ الذكرى وحده، ولا يَتنصّل من يَرثها من كامل تبعاتها. فالميراث، إن قُبل، يُقبل كاملًا؛ والذكرى، إن صينت، تُصان للجميع. خاتمة: الذكرى وفاءٌ جماعي، لا سندٌ لاحتكار إن الوفاء لتاريخ الحزب الأول لا يَعني تحويله إلى ملكيةٍ حزبية خاصّة، ولا استخدامه في صراعات الشرعية. فالذكرى تخصّ الحركة السياسية الكوردية السورية كلّها، ويحقّ لكلّ وطنيٍّ كوردي سوري — بل لكلّ مهتمٍّ بتاريخ النضال الديمقراطي في سوريا — أن يَتعامل مع صيف 1957 بوصفه محطةً تأسيسية جامعة. أمّا ادّعاءُ الامتداد الحصري فيحتاج إلى إثباتٍ تاريخي وتنظيمي لا توفّره الانقسامات، ولا تكفي فيه الشعارات. والخلاصة الأهمّ أن تاريخ الحركة لا يَجوز أن يُقرأ من نهاياته الراهنة فقط. فالأزمة الحالية — التشرذمُ، وغيابُ المراجعة، وتعدّدُ مراكز القرار — لا ينبغي أن تُسقَط بأثرٍ رجعي على مرحلة الرواد؛ كما لا يَجوز تحويلُ تاريخ الرواد إلى غطاءٍ لتبرير عجز الحاضر. والوفاء الحقيقي لأولئك الرواد — عثمان صبري، ورشيد حمو، ونورالدين ظاظا، ومحمد علي خوجة، وخليل محمد، وشوكت حنان، وعبد الحميد درويش، وحمزة نويران، ومحمد ملا عيسى، ومن خلفهم من المجهولين أمثال بهجت ملا حامد — لا يكون بتحويلهم إلى رموزٍ حزبية متنازَع عليها، بل بقراءة تجربتهم في سياقها، وصَون نضالهم بوصفه ميراثًا كلّيًا للشعب لا يَقبل التجزئة. فمن أفنى عمره في القضية ثم أُقصي ونُسي هو التذكيرُ الأبلغ بأن التاريخ المشترك لا يُختصر في اسمٍ، ولا يُحتكر في تنظيم. فالذاكرة الجامعة وحدها هي الوفاء؛ وما عداها اقتسامٌ لإرثٍ لا يَقبل القسمة. قائمة المصادر والمراجع أوّلًا: مراجع ودراسات Tejel, Jordi (2009). Syria’s Kurds: History, Politics and Society. London & New York: Routledge. Human Rights Watch (2009). Group Denial: Repression of Kurdish Political and Cultural Rights in Syria. New York: HRW. The Washington Institute for Near East Policy (2013). “The Fractious Politics of Syria’s Kurds.” ثانيًا: مصادر صحفية وتوثيقية Enab Baladi (2017). “The Kurdish Political Movement in Syria” / “Splits Among Kurdish Parties.” MERIP — Middle East Research and Information Project (2011). “The Evolution of Kurdish Politics in Syria.” ARK News (2023). سيرة المناضل دهام ميرو في ذكرى رحيله. «مدارات كورد» — تفاصيل مؤتمر بامرني 1972 (المكان والعدد والقيادة المنتخَبة). دراسة «الحياة المدنية والسياسية الكوردية في سورية» — للانقسامات والقيادات. ثالثًا: مذكّرات وشهادات مذكّرات المناضل الراحل رشيد حمو: مصدرٌ أساسي لتفاصيل ما قبل التأسيس (فكرة 1953، لقاء دمشق 1956، اجتماع حلب 14 حزيران 1957، والمكتب السياسي الأول). شهادة الدكتور خليل محمد (أحد المؤسّسين)، في برنامج «دوسيايا ولات» مع الإعلامي دلشاد خالد: للائحة المؤسّسين، ودور مناضلي عفرين، وجمعية «رزكاري». شهادة صلاح بدرالدين (سكرتير الحزب 1968–1970): استُخدمت بوصفها شهادةَ شاهدٍ وطرفٍ في تلك الحقبة، خاصّةً في مسألة امتداد التأسيس بين أيار وآب 1957؛ تُحفَظ ذاكرتُه رغم الخلاف السياسي معه. سيرة المناضل بهجت ملا حامد (1945–2016): أوردها أحد رفاق دربه، وتُذكر بوصفها شهادةً على مسار جيل الرعيل ودلالةً رمزية على اتصال الخيط البشري بتأسيس 1957.
#عبدالرحمن_كلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحرب على إيران: لماذا يَؤول الصراع حتمًا إلى تغيير النظام؟
-
من دمرتاش إلى ( بَخﭼلي - أوجَلان ) والاندماج الديمقرا
...
-
قراءة سياسية في تغريدة توم باراك حين تُختزَل تعقيدات المشرق
...
-
كونفرانس قامشلو نيسان 2025 لماذا فَشل، وماذا كَشف؟ — قراءةٌ
...
-
ما قَبل الهَوِيَّتَينْ... التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل
...
-
كوردستان: معارضة - اللاّوَطن - وهَندَسَة كُرسِيّ الرّئاسة في
...
-
شرعية البندقية المأجورة وتغييب السياسة قراءة في مآلات الاندم
...
-
التحول الإيراني والمسألة الكوردية: حدود الاستراتيجية التركية
...
-
فخ - وحدة الصف- شرقي كوردستان في مواجهة ال PKK الوكيل الحصري
...
-
اتفاق دمشق–قسد: حصان طروادة التركي عبر الPKK
-
حين يتفكك النظام الإقليمي ...قراءة في ما بعد المرحلة .
-
هل ستتحوّل شمال سوريا إلى مَكَبّ للنفايات السياسية التركية ؟
-
إستراتيجية الردع التركية أنجبت ال PKK، خوفًا من تداعيات ثورة
...
-
سوريا والإلتباس المزمن في الوعي الجمعي العربي والكوردي بين م
...
المزيد.....
-
حريق يلتهم ديراً تاريخياً في كييف عقب غارات روسية
-
إيران تكشف عن أولويتها خلال المحادثات مع أمريكا بعد توقيع ال
...
-
ترامب يعلن التوصل إلى اتفاق مع إيران.. إليك تفاصيله وموعد تو
...
-
قادة عالميون يعلقون بعد التوصل إلى الاتفاق بين أمريكا وإيران
...
-
مسؤولون إسرائيليون: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملزمة
...
-
دودون: الغرب وأوكرانيا حاولا فتح جبهة ثانية ضد روسيا في بريد
...
-
ماكرون يحث على التنفيذ السريع للاتفاق بين واشنطن وطهران
-
وزير الخارجية الباكستاني: الاتفاق الأمريكي الإيراني يبعث برس
...
-
تلغراف: ترامب عدل شخصيا صياغة التعهد الإيراني بشأن المواد ال
...
-
توترات أمنية في ريفي إدلب وحلب.. والداخلية السورية تدعو إلى
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|