أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرحمن كلو - ما قَبل الهَوِيَّتَينْ... التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل البناء الدولتي والقومي















المزيد.....


ما قَبل الهَوِيَّتَينْ... التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل البناء الدولتي والقومي


عبدالرحمن كلو

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 23:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما قَبل الهَوِيَّتَينْ...
التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل البناء الدولتي والقومي — قراءة في مراسلات حسين–مكماهون ومذكّرة وجهاء العلويين
عبد الرحمن كلو
مدخل: في أَسبقيَّة المُعطى على البناء
يَجري النقاشُ السياسي حول سوريا، في أغلب الأحيان، على فرضيةٍ ضمنية لا يَتنبّه إليها كثيرٌ من المتحاورين: أن ثمّة «هويةً سورية جامعة» و«هويةً قومية عربية» سابقتين على الكيان السياسي، تُشكّلان الأرضيةَ الطبيعية التي يَطرأ عليها كلُّ نقاشٍ عن «الخصوصيات» — الكوردية أو العلوية أو الدرزية أو السريانية. وفي هذا الإطار يَبدو الكورديُّ أو السريانيُّ أو العلويُّ — إذ يُطالب بالاعتراف بخصوصيته — كأنه يَنشقّ عن «وحدةٍ» قائمة، فيُحمَّل عبء التبرير قبل أن تُسأل تلك الوحدةُ المفترضة عن مَصدر دعواها.
هذه الفرضيةُ الضمنية — أن «الهويتين السورية والعربية» معطًى سابق — تُفنّدها الوثائق التاريخية ذاتها. فالهوياتُ الحديثة الجامعة (الدولتية والقومية) ظواهرُ بناءٍ سياسي لاحقة، لا معطياتٌ طبيعية موروثة ؛ وما سَبقها — في الشام تحديدًا — كان تنوّعًا إثنيًا–بشريًا من هوياتٍ محلّية إثنية ودينية وإقليمية، تَنتظم على أساس الملّة والعشيرة والإقليم لا على أساس قومي حديث . والمفارقةُ التي تُثبتها الوثائقُ أن «الفكرة السورية» نفسها لم تَنبثق من السكّان بوصفهم كيانًا سياسيًا، بل من نخبٍ مسيحية شامية في القرن التاسع عشر، ثم استَوت تدريجيًا في الخطاب قبل أن تَصير إطارًا دولتيًا بعد 1920 .
تَنطلق هذه الدراسة من أطروحةٍ مركزية تَتلخّص في: الهويات المحلّية–التاريخية هي المعطى السابق، والهوية السورية الجامعة هي البناء اللاحق. ومَن يَطالب اليوم بالاعتراف بخصوصيته الكوردية أو العلوية أو السريانية إنما يَستعيد حقيقةً سابقة طُمست بقرارٍ سياسي، لا يَختلق دعوى مستحدثة. ولإثبات هذه الأطروحة، تَستحضر الدراسةُ شاهدَين وثائقيَّين متباعدَين زمنيًا ومذهبيًا — مراسلات حسين–مكماهون (1915–1916)، ومذكّرة وجهاء العلويين إلى ليون بلوم (1936) — يَلتقيان رغم تناقض موقعيهما على معطًى واحد: غياب «الكتلة العربية السنّية الجامعة» في وعي زمانها.
أولًا: الإطار النظري — قبل القومية كانت الملّة
الهوياتُ القومية الحديثة، كما أرسى أندرسون وهوبزباوم في الأدبيات الكلاسيكية، ظواهرُ صياغةٍ سياسية–ثقافية ترتبط بنشوء الدولة الحديثة والمطبعة والتعليم الموحَّد . ولم تَدخل المنطقةُ العربية في طورها القومي الجامع قبل أواخر القرن التاسع عشر، ولم يَستقرّ هذا الطورُ سياسيًا قبل عشرينيات القرن العشرين. وقبل ذلك، كان الإطار المُهيمن في الشرق العثماني هو نظام الملل: تقسيمُ السكّان إلى مجتمعات دينية–مذهبية ذات إدارةٍ داخلية مستقلّة في الأحوال الشخصية والتعليم والقضاء الأهلي . وضمن هذا النظام كان «المسلم السنّي» في حلب يَنتمي إلى ملّةٍ تَجمعه بمسلمي إستانبول لا بمسيحيي حلب الذين يَعيشون في الحارة المجاورة؛ وكان «المسيحيُّ السرياني» يَنتمي إلى ملّةٍ تَجمعه بسريان طور عبدين لا بمسلمي بلدته؛ وكان «العلويُّ» يَنتمي إلى ملّةٍ–طائفة لها كهنوتها وتقاليدها وعزلتها الجبلية.
ولهذا يَكتب المؤرّخ مارتن كرامر، في وصفه للمجتمعات الشامية قبل 1920، أن «معظم السكّان في تلك المجتمعات المُجزّأة لم يَعتادوا تصنيف أنفسهم بوصفهم عربًا. وكما كان الحال في العهد العثماني، ظلّوا يُصنّفون أنفسهم بحسب الدين والمذهب والنسب: مسلمين أو مسيحيين، سنّةً أو شيعةً، موارنةً أو دروزًا، أعضاءَ في هذه العشيرة أو تلك، في هذه القرية أو ذاك الحيّ» . هذا التوصيفُ ليس انطباعًا مؤرّخ، بل وصفٌ بنيوي لمنطق الانتماء قبل القومية: انتماءٌ متعدّد الطبقات (دين، مذهب، عشيرة، إقليم، حيّ) لا منفتحٌ على فضاءٍ قومي شامل.
ثانيًا: المشهد البشري قبل 1920 — تنوّع لا كتلة
لِفَهم ما تَكشفه الوثيقتان التاليتان، لا بدّ من استرجاع المشهد البشري لـ«الشام» قبل لحظة البناء الدولتي. فالمنطقة التي رُسمت لها حدودُ «سوريا» الانتدابية، ثم حدودُ «الجمهورية العربية السورية» لاحقًا، كانت — في وعي قاطنيها وفي توصيف المؤرّخين — تنوّعًا إثنيًا–بشريًا مركّبًا لا كتلةً متجانسة:
الشمال: الكورد والآراميون والأرمن
امتدّ المجال الكوردي عبر الشمال السوري، من جبل الأكراد (كُرد داغ / عفرين) غربًا، إلى عين العرب (كوباني) في الوسط الشمالي، إلى الجزيرة العليا شرقًا. وقد وثّقت الكارتوغرافيا الأوربية في القرن التاسع عشر هذا المجال بدقّة — كما هو شأن خريطة ماكس بلانكنهورن لشمال سوريا (نحو 1899) — ورصدت التسميةَ التاريخية «جبل الأكراد» (Kurd Dagh) ككيانٍ تضاريسي–بشري قائم . والحياةُ الاقتصادية لكُرد داغ ارتبطت تاريخيًا بمدينة حلب لا بدمشق، فكانت حلب — في الواقع — مدينةً متعدّدة المجالات الجواريّة، يُحيط بها فضاءٌ كورديٌّ ممتدّ في الشمال.
وإلى جانب الكورد، تَعيش في الشمال مجتمعات مسيحية ذات أصلٍ إثنيٍّ–لغوي متمايز عن العربية: السريانُ والآشوريون والآراميون، أصحابُ السريانية الجديدة (Neo-Aramaic)، يَنحدرون من سكّان بلاد الرافدين العليا وشمال سوريا الأصليين، وقد حافظوا على لغتهم وكنيستهم وذاكرتهم الإثنية رغم قرون الحكم العربي–الإسلامي ثم العثماني . فحين يَتحدّث المؤرّخ السوري المعاصر عن «مسيحيي سوريا» بوصفهم كتلةً واحدة، فإنه يُلغي تمايزَين جوهريَّين: التمايز بين السريان (إثنية لغوية أصيلة) والروم (تقليد بيزنطي عربي)؛ والتمايز بين هؤلاء جميعًا وبين الأرمن الذين لجؤوا إلى شمال سوريا بعد إبادتهم في الأناضول عام 1915.
الساحل والجبال: العلويون والإسماعيليون والدروز والموارنة
امتدّ الساحل الشامي بسلسلة جبلية تَضمّ مجتمعات طائفيةً–إثنية مستقرّة منذ قرون: العلويون (النصيريون آنذاك) في جبل الأنصارية، والإسماعيليون في جبال مصياف وسلميّة، والدروز في حوران وجبل العرب، والموارنة في جبل لبنان. وتُوصف هذه المجتمعات في الأدبيات الأكاديمية بوصفها طوائف إثنية (ethno-religious communities) لا مجرّد «أقلّيات مذهبية»، لأن هويتها لم تَكن مذهبية صرفة، بل تَجمع المذهبَ بالعزلة الجغرافية والتقاليد العشائرية والوعي الذاتي بالتمايز . وستُثبت وثيقةُ 1936 الموجَّهة إلى ليون بلوم — كما سيأتي — أن العلويين أنفسَهم وصفوا مجتمعهم في تلك الحقبة بوصفها «شعبًا» يَختلف عن المسلمين السنّة «في الدين والأخلاق والتاريخ»، وهي صياغةٌ أبعد ما تَكون عن لغة الانتماء القومي العربي الجامع.
الداخل: عرب البادية والمدن السنّية الكبرى
يَبقى الداخل السوري — مدنُ دمشق وحمص وحماة وحلب وأرياف البادية — هو الفضاء الذي يُمكن وصفُه بـ«العربي السنّي» بمعنى لغوي–ديني. لكنّ حتى داخل هذا الفضاء، كان الانتماء يَتوزّع على ولاءاتٍ مدينية وعائلية وعشائرية (الأشراف، التجّار، الحرفيون، البدو) أكثر ممّا كان ينتظم على هويةٍ «عربية قومية». فالقوميةُ العربية، بوصفها مشروعًا سياسيًا، كانت في 1915 — أيْ سنةَ رسالة الشريف حسين — مشروعَ نخبةٍ صغيرة لا حركةً جماهيرية. وفي هذا الإطار تَكتسب الوثيقتان التاليتان دلالتَهما الكاملة.
ثالثًا: الشهادة الأولى — مراسلات حسين–مكماهون (1915–1916)
تَنطوي المراسلاتُ بين الشريف حسين بن علي، شريف مكّة، والسير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، على عشر رسائل متبادلة بين 14 تموز/يوليو 1915 و10 آذار/مارس 1916 . كانت المفاوضات تَجري في خضمّ الحرب العالمية الأولى، حيث وعد البريطانيون الشريفَ حسين بدعم قيام «دولةٍ عربية» في مقابل قيادته الثورةَ العربية ضدّ العثمانيين. وقد طالب الشريفُ حسين، باسم «الشعب العربي»، بحدودٍ واسعة تَشمل شبه الجزيرة العربية والعراق والشام كلّه.
النصّ الجوهري: استثناء غرب الشام
في الرسالة الرابعة من السلسلة، المؤرَّخة في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1915، ردّ السير مكماهون على مطالب الشريف حسين بصياغةٍ بالغة الدقّة، تَستحقّ أن تُقتبس بنصّها الإنجليزي الأصلي قبل التحليل:
"The two districts of Mersina and Alexandretta and portions of Syria lying to the west of the districts of Damascus, Homs, Hama and Aleppo cannot be said to be purely Arab, and should be excluded from the-limit-s demanded."
وترجمتُه: «المنطقتان مرسين والإسكندرونة، والأجزاءُ من سوريا الواقعةُ غربَ ألوية دمشق وحمص وحماة وحلب، لا يُمكن القول إنها عربيةٌ خالصة، وينبغي استثناؤها من الحدود المطلوبة».
الدلالة المنهجية للنصّ
ما يَستحقّ الوقوف عنده هنا ليس النزاعَ السياسي حول ما إذا كانت فلسطين تَدخل في هذا الاستثناء — وهو النقاش الذي شَغل أجيالًا من المؤرّخين — بل التسليمُ الضمني المشترك بين الطرفين: الشريف حسين (أبو القومية العربية الحديثة) والحكومة البريطانية، بأن غربَ الشام — الذي يَشمل الساحلَ السوري والجبالَ الغربية وشمال حلب — ليس عربيًا خالصًا. هذا التسليم ليس انتقادًا بريطانيًا للقومية العربية، بل إقرارٌ خرج من قلب التفاوض البريطاني–العربي ذاته، عام 1915، أي قبل خمس سنوات من قيام «المملكة السورية» وقبل ربع قرن من قيام «الجمهورية العربية السورية» .
وحين نَقرأ تعبير «ليست عربية خالصة» (not purely Arab) في ضوء المشهد البشري الذي وصفناه أعلاه، يَتّضح ما كان يَعنيه مكماهون عمليًا: غربُ الشام يَحوي الكوردَ في جبل الأكراد، والعلويين في جبل الأنصارية، والإسماعيليين في مصياف، والموارنةَ في جبل لبنان، والسريانَ والآراميين في حلب وحوالَيها — أيْ كلّ التنوّع البشري الذي رفضت الديبلوماسيةُ البريطانية إدراجها في «المنطقة العربية» التي طالب بها الشريف حسين. هذا — في عام 1915 — اعترافٌ دوليٌّ مبكّر بأن «الكتلة العربية الجامعة» لم تَكن قائمةً واقعًا في غرب الشام.
رابعًا: الشهادة الثانية — مذكّرة وجهاء العلويين إلى ليون بلوم (1936)
بعد إحدى وعشرين سنة من رسالة مكماهون، وفي ظروفٍ سياسية مختلفة كلّيًا، وصلت إلى مكتب رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم في باريس، يوم 15 حزيران/يونيو 1936، عريضةٌ موقَّعة باسم وجهاء علويين من اللاذقية، تَطلب من الحكومة الفرنسية ألّا تَدمج «دولة العلويين» — التي أسّسها الانتدابُ الفرنسي عام 1920 ككِيانٍ إداريٍّ مستقلّ — في «الجمهورية العربية السورية» التي كانت تَتشكّل حينها بمفاوضات الاستقلال. الوثيقةُ معروفةٌ في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي تحت الرقم: SDN 242QO Pétition 598 .
الوثيقة والجدل الأكاديمي حولها
الدراسةُ الأكاديمية الأكثر استقصاءً لهذه الوثيقة هي تلك التي أنجزها المؤرّخ يارون فريدمان (Yaron Friedman) عام 2023 في مجلة Middle Eastern Studies، إذ عَثر على النسخة الأصلية في الأرشيف الفرنسي وقارنها بالنسخ المتداولة في الإعلام والأدبيات العربية . وقد سَبق ذلك جدلٌ أكاديمي مهمّ: ففي 2016 طَعن المؤرّخ شتيفان وينتر (Stefan Winter) في صحّة الوثيقة، مُرجِّحًا أنها قد تَكون مزوَّرة جزئيًا أو أن سليمان الأسد — جدّ حافظ الأسد المذكورَ ضمن الموقّعين — كان في الحقيقة من تيار «الاندماجيين» لا «الانفصاليين» . غير أن فريدمان، في دراستها التي عَثرت على الوثيقة الأصلية في الأرشيف، أكّدت وجودَ الوثيقة الانفصالية، مع الإقرار بوجود عرائض موازية ذات اتجاه اندماجي — ما يَدلّ على وجود اتجاهين متنافسين داخل المجتمع العلوي في تلك اللحظة، لا اتجاهٍ واحد.
والصياغةُ الجوهرية في الوثيقة، التي تَستحقّ التأمّل المنهجي، تُعرّف المجتمعَ العلوي بهذه العبارات:
«الشعب العلوي، الذي حافظ على استقلاله سنةً تلو أخرى بغيرةٍ كبيرة وتضحياتٍ جسيمة من نفسه، يَختلف عن المسلمين السنّة في الدين والأخلاق والتاريخ»
الدلالة المنهجية للوثيقة
بصرف النظر عن النزاع التاريخي حول صحّة كلّ التوقيعات أو حول وجود اتجاه اندماجي موازٍ، فإن ما يَعنينا منهجيًا في هذه الوثيقة هو أمران اثنان:
• أن نخبةً من وجهاء العلويين — في موقعهم ذاك، في تلك الحقبة، وفي وثيقة موجَّهة إلى دولةٍ كبرى — وصفت مجتمعَها بوصفها «شعبًا» (لا «طائفة» ولا «مكوّن») يَختلف عن «المسلمين السنّة» في «الدين والأخلاق والتاريخ». هذه المفردات الثلاث — «الدين، الأخلاق، التاريخ» — تَتجاوز الفقهَ المذهبيّ نحو ما يُمكن وصفه بـالوعي الإثني للمجتمع في تلك الحقبة قبل دخولها حقبةَ الهوية القومية العربية.
• أن وجودَ تيار اندماجي موازٍ لا يَنفي وجود التيار الانفصالي، بل يُؤكّد أن «الانتماء السوري» في 1936 كان موضوعَ نزاع داخلي داخل المجتمع العلوي، لا معطًى بديهيًا. وهذا ما يُهمّنا منهجيًا أكثر من أيٍّ من الاتجاهين: فمعطًى يَكون موضوعَ نزاع داخلي بين أبناء المجتمع نفسه لا يُمكن أن يُوصف بأنه «سابقٌ طبيعي».
والمفارقةُ التاريخية البالغة — التي يَكفي ذكرُها دون التوقّف عندها — أن سليمان الأسد، المذكور بين الموقّعين على النسخة المتداولة من الوثيقة، هو جدُّ الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي بنى بعد عقودٍ نظامًا قام شعارُه على «الوحدة العربية» و«الهوية القومية العربية الجامعة». بين الجدّ والحفيد سبعون عامًا، وقفزةٌ مفهومية كاملة من «شعبٍ مستقلّ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ» إلى «أمّةٍ عربية واحدة ذات رسالةٍ خالدة».
خامسًا: تقاطع الشهادتين — ما الذي تُثبتانه معًا؟
بين رسالة مكماهون (1915) ومذكّرة وجهاء العلويين (1936)، إحدى وعشرون سنة. وبين الجهتين تناقضٌ مذهبي وسياسي تامّ: الأولى صادرة عن دبلوماسي بريطاني يُفاوض زعيمًا عربيًا سنّيًا في الحجاز؛ والثانية صادرة عن وجهاء طائفة شيعية–علوية في الساحل السوري يُفاوضون حكومةً اشتراكية فرنسية. ومع ذلك، تَلتقي الوثيقتان رغم هذا التناقض الكامل على معطًى واحد:
غربُ الشام، بمكوّناته المتعدّدة، ليس كتلةً عربيةً سنّية متجانسة يُمكن إدراجها تحت هويةٍ قومية جامعة دون قسر سياسي.
الوثيقةُ الأولى تَقول ذلك من الخارج، بلغة الدبلوماسية البريطانية: «ليست عربية خالصة». والوثيقةُ الثانية تَقوله من الداخل، بلغة الوجهاء العلويين: «شعبٌ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ». وحين تَجتمع الشهادتان — رغم تباعد منشأَيهما — تَنتفي إمكانيةُ ردّ الأمر إلى انحياز جهةٍ بعينها أو إلى مصلحةٍ ظرفية. فالشاهدُ المتعدّد من جهاتٍ متناقضة، على معطًى واحد، هو من أمتن أنواع الإسناد في علم التاريخ. ويَنضمّ إليهما تكوينُ الانتداب الفرنسي نفسه: فقد بنى الفرنسيون عام 1920 خمسَ دويلاتٍ منفصلة (دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة جبل الدروز، دولة لبنان الكبير) ، اعترافًا منهم — مهما تكن الدوافع الاستعمارية — بأن التنوّع الإثني–البشري لا يُختزل في «دولةٍ سورية واحدة».
ولِنُضِفْ إلى ذلك أن «المملكة السورية المتّحدة» التي أعلنها المؤتمر السوري العامّ بقيادة الأمير فيصل في دمشق في آذار 1920 لم تَعمّر سوى أربعة أشهر قبل أن يَدخل الجيش الفرنسي دمشق ويُنهي مشروعها . أيْ أن «الكيان السوري الجامع» لم يكن واقعًا قائمًا تَنفصل عنه الخصوصيات، بل دعوى لم تَستقرّ سياسيًا أصلًا. وهذا هو الواقع التاريخي الذي تَطمسه السرديةُ القومية العربية اللاحقة حين تُقدّم نفسها بوصفها «استعادةً لوحدةٍ طبيعية مفقودة».
سادسًا: الاستخلاص — الهويات المحلّية معطًى، والهويتان الجامعتان بناء
التمييزُ بين «المعطى» (datum) و«البناء» (construct) في تحليل الهويات تمييزٌ مركزي في علم الاجتماع السياسي المعاصر . والمعطى ما كان قائمًا بالفعل في الوعي الجمعي للمجتمعات قبل قيام المشروع السياسي الموحِّد؛ والبناء ما صاغته السلطةُ السياسية اللاحقًا لتوحيدِ ما كان متمايزًا. وما تُثبته الوثيقتان أعلاه، مع المشهد البشري الذي سَبق استعراضه، هو أن:
• المعطى السابق: الهويات المحلّية–التاريخية (الكوردية في الشمال، السريانية–الآرامية في حلب وشمالها، العلوية في الجبال، الدرزية في حوران، الإسماعيلية في مصياف، المارونية في الجبل، السنّية المدينية في الداخل)، وكلّها كانت تَنتظم على أساس الملّة والإقليم والعشيرة لا على أساس قومي.
• البناء اللاحق: الهوية السورية الدولتية (من 1920 فصاعدًا، عبر الانتداب)، ثم الهوية القومية العربية (من 1947 فصاعدًا، عبر حزب البعث ثم اتّحاد الجمهوريات العربية)، وكلتاهما مَشروعان سياسيان أُسقطا على التنوّع السابق لا انبثقا منه.
والنتيجةُ المنهجية لهذا التمييز بالغةُ الأهمّية في النقاش السياسي السوري المعاصر: فمَن يُطالب اليوم بالاعتراف بخصوصيته الكوردية، أو يَستعيد ذاكرتَه السريانية، أو يَتمسّك بخصوصيته العلوية أو الدرزية، لا يُفكّك دولةً «طبيعية»، بل يَستعيد ما كان معطًى قائمًا قبل أن يُطمس بقرارٍ سياسي. وعبءُ التبرير، في علم التاريخ، يَقع على البناء اللاحق لا على المعطى السابق . ومن ثَمّ يَنقلب السؤالُ المعتاد رأسًا على عقب: ليس السؤال «بأيّ حقٍّ يُطالب الكوردي بالاعتراف بخصوصيته؟»، بل «بأيّ حقٍّ تُطالب الهويةُ السورية–العربية الجامعة بإلغاء الخصوصيات التي سَبقتها وثائقيًا بقرونٍ في الوجود وبعقودٍ في الاعتراف الدولي؟».
خاتمة: في إعادة ترتيب السؤال
لا تَهدف هذه الدراسة إلى نقض «الكيان السوري» بوصفه واقعًا سياسيًا قائمًا — فالكيانات الحديثة، حين تَستقرّ عقودًا، تَكتسب شرعيةً واقعية لا تُنكَر. لكنّها تَهدف إلى ضبط النقاش المنهجي حول هذا الكيان: شرعيتُه واقعية لا تاريخية–طبيعية. وكلُّ ما يَترتّب على ذلك من حقوق المجتمعات التي سَبقته وجوديًا — وفي مقدّمتها المجتمع الكوردي في شمال البلاد وغربها — لا يُمكن أن يَسقط بدعوى «وحدةٍ قومية» لم تَكن قائمةً وقتَ تكوّن تلك المجتمعات.
وحين نَستحضر، في الخلفية، الفصلَ الذي خصّصناه لخريطة ماكس بلانكنهورن لجبل الأكراد (نحو 1899)، تَكتمل عناصرُ الحجّة: فالكورد في غرب سوريا كانوا موثَّقين كارتوغرافيًا قبل قيام الكيان السوري بأكثر من عشرين عامًا، ومُستثنَين دبلوماسيًا من «المنطقة العربية الخالصة» في 1915، وضمن التنوّع البشري الذي حاولت دويلات الانتداب الاعترافَ بها عام 1920. والاعترافُ بخصوصيتهم اليوم ليس استحداثًا، بل استعادةٌ متأخّرة لمعطًى موثّق.
ذلك، في التحليل الأخير، هو فحوى عبارة مكماهون: «ليست عربية خالصة». وهو أيضًا فحوى عبارة وجهاء العلويين: «شعبٌ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ». وهو فحوى الخارطة التي أعدّها بلانكنهورن قبل قرنٍ وثلث: كُرد داغ — جبل الكورد — موضعٌ له اسمُه، وله أهلُه، وله تاريخه. الوثائقُ شهدت قبل أن تَأتي السياسةُ لتُلغي ما شَهدت به الوثائق.

ثبت المراجع
أولًا — الإطار النظري
• Anderson, Benedict (1983). Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso.
• Brubaker, Rogers & Cooper, Frederick (2000). “Beyond ‘Identity’.” Theory and Society, 29(1), 1–47.
• Hobsbawm, Eric & Ranger, Terence (eds.) (1983). The Invention of Tradition. Cambridge University Press.
• Kramer, Martin. “Arab Nationalism: Mistaken Identity.” (مقالة محكَّمة منشورة على موقع المؤلِّف الأكاديمي).
ثانيًا — الدراسات التاريخية المتخصّصة
• Antonius, George (1938). The Arab Awakening. London: Hamish Hamilton.
• Friedman, Yaron (2023). “The Separatist Alawi Petition to the French Prime Minister Léon Blum (1936): Reliability, Background and Aftermath.” Middle Eastern Studies.
• Fuccaro, Nelida (2003). “Kurds and Kurdish Nationalism in Mandatory Syria: Politics, Culture and Identity.” In A. Vali (ed.), Essays on the Origins of Kurdish Nationalism, Costa Mesa: Mazda Publishers, pp. 191–217.
• Joseph, John (1983). Muslim-Christian Relations and Inter-Christian Rivalries in the Middle East. Albany: SUNY Press.
• Khoury, Philip S. (1987). Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945. Princeton University Press.
• Talhamy, Yvette (2009). “The Nusayri Leader Isma‘il Khayr Bey and the Ottomans (1854–58).” Middle Eastern Studies, 44(6), 895–908.
• White, Benjamin Thomas (2011). The Emergence of Minorities in the Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria. Edinburgh University Press.
• Winter, Stefan (2016). A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. Princeton University Press.
• Winter, Stefan (2016). “The Asad Petition of 1936: Bashar’s Grandfather Was Pro--union-ist.” Syria Comment, 14 June 2016.
• Zachs, Fruma (2005). The Making of a Syrian Identity: Intellectuals and Merchants in Nineteenth Century Beirut. Leiden: Brill.
ثالثًا — الوثائق الأرشيفية
• Correspondence between Sir Henry McMahon, His Majesty’s High Commissioner at Cairo, and the Sherif Hussein of Mecca, July 1915–March 1916. British Command Paper Cmd. 5957, Miscellaneous No. 3 (1939).
• Pétition des notables Alawi au Président du Conseil français Léon Blum, 15 juin 1936. Archives Diplomatiques Françaises, SDN 242QO Pétition 598.
رابعًا — الإحالات الداخلية للمؤلِّف
• عبد الرحمن كلو. «في الفرق بين الوطن والأمّة والقومية والشعب والدولة: مراجعة نقدية لمفاهيم نمطية في الخطاب السياسي العربي».
• عبد الرحمن كلو. «ماكس بلانكنهورن وخريطة شمال سوريا: توثيقٌ كارتوغرافي ألماني لـجبل الأكراد في أواخر العهد العثماني (نحو 1899)»، فصلٌ ضمن مشروع: كوردستان في الكارتوغرافيا الأوربية.



#عبدالرحمن_كلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوردستان: معارضة - اللاّوَطن - وهَندَسَة كُرسِيّ الرّئاسة في ...
- شرعية البندقية المأجورة وتغييب السياسة قراءة في مآلات الاندم ...
- التحول الإيراني والمسألة الكوردية: حدود الاستراتيجية التركية ...
- فخ - وحدة الصف- شرقي كوردستان في مواجهة ال PKK الوكيل الحصري ...
- اتفاق دمشق–قسد: حصان طروادة التركي عبر الPKK
- حين يتفكك النظام الإقليمي ...قراءة في ما بعد المرحلة .
- هل ستتحوّل شمال سوريا إلى مَكَبّ للنفايات السياسية التركية ؟
- إستراتيجية الردع التركية أنجبت ال PKK، خوفًا من تداعيات ثورة ...
- سوريا والإلتباس المزمن في الوعي الجمعي العربي والكوردي بين م ...


المزيد.....




- هل حوّلت الأزمة التونسية المؤسسة العسكرية إلى ورقة صراع سياس ...
- 71 منهم تُوفوا وهم ينتظرون.. إغلاق المعابر يحرم آلاف الغزيين ...
- أوراق هافانا.. 4 ملفات قد تستخدمها كوبا لمواجهة أمريكا
- ترمب يفقد ثلث فريقه.. استقالة غابارد تُعمق نزيف المناصب الرف ...
- هوليود في قبضة البنتاغون.. كيف تُهندَس عقول المشاهدين بالترف ...
- -إيغاد- تفتتح أول مكتب لها في الخرطوم
- الولايات المتحدة تلوح بتقليص انتشارها العسكري في أوروبا
- الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في مدينة صور اللبنانية
- ترامب يتحدث مجدداً حول غيابه عن زفاف نجله.. ماذا قال؟
- بريطانيا: الأمير السابق أندرو يواجه تحقيقًا قد يشمل مزاعم سو ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرحمن كلو - ما قَبل الهَوِيَّتَينْ... التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل البناء الدولتي والقومي