|
|
حلّ قسد وإعادة تدوير الأوجلانية من القضية السياسية إلى الاندماج الوظيفي
عبدالرحمن كلو
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 23:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حلّ قسد وإعادة تدوير الأوجلانية من القضية السياسية إلى الاندماج الوظيفي قراءة في مشروع بخجلي – أوجلان وإعادة هندسة الحالة الكوردية في سوريا عبدالرحمن كلو لم يكن المشهد في قصر الشعب بدمشق، يوم الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، مؤتمرًا صحفيًا عاديًا يُعلن فيه قائدٌ عسكري انتهاء مهمة تشكيلٍ مسلح. كان المشهد في رمزيته السياسية أثقل من ذلك بكثير: فمظلوم عبدي، الذي قاد قوات سوريا الديمقراطية عبر أشدّ مراحل الحرب السورية تعقيدًا، يقف في قلب مركز السيادة السورية ليعلن «انتهاء المهمة» وحلّ قسد بوصفها قوةً عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج تشكيلاتها في ألوية الجيش. وبذلك يُطوى اسمٌ عسكري ظلّ، لأكثر من عقد، أحد أهم مراكز القوة في شمال شرقي سوريا، وكان الشريك البري الرئيس للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة (داعش). غير أنّ السؤال الجوهري لا يتعلق بالاسم الذي انطوى، بل بما تغيّر في طبيعة القضية التي كان ذلك الاسم يتحرك فوق أرضها. فهل حُلّت قسد وحدها، أم أنّ سوريا تشهد انتقالًا أعمق: من التعامل مع القضية الكوردية بوصفها قضيةً سياسية ودستورية تتصل بشكل الدولة واللامركزية والحقوق القومية، إلى نموذجٍ آخر يقوم على دمج العسكري في الجيش، والأمني في الأجهزة، والإداري في المؤسسات، والسياسي في المواقع — مع الإبقاء على الحقوق الثقافية والمدنية، لكن من دون إنتاج وضعٍ سياسي كوردي نوعيّ يوازي تاريخية القضية بوصفها قضية شعبٍ يعيش على أرضه؟ تنطلق هذه القراءة من فرضيةٍ نُصرّ عليها بل ونؤكد : أنّ ما يجري لا يُفهم بمعزلٍ عن المسار الذي بدأ في تركيا خريف 2024 بين دولت بخجلي وعبد الله أوجلان. فثمة تطابقٌ بنيويّ بين مسارين: تفكيك التنظيم المسلح، وإسقاط الفيدرالية والاستقلال الإداري من تصوّر الحل، ثم الانتقال إلى «الاندماج» أفرادًا في الدولة والمجتمع. ومن هذه الزاوية، لا يكون حلّ قسد نهايةً لمسار أوجلان، بل قد يكون تطبيقه السوري الأوضح في مرحلته الجديدة. وحقيقة الأمر أنّ الخطر لا يكمن في حلّ تنظيمٍ عسكري بذاته؛ فالقضية الكوردية لم تُنشئها قسد كي تنتهي بانتهائها — وهي أصلًا لم تكن سوى قوةٌ وظيفية وُلدت خارج سياق القضية — ولا أنشأها حزب العمال الكوردستاني كي يُنهيها بقرارٍ من مؤتمره. الخطر أن تتحول عملية حلّ التنظيمات إلى وسيلةٍ لإعادة تعريف القضية نفسها: من سؤال «ما الموقع السياسي والدستوري للشعب الكوردي؟» إلى سؤالٍ أدنى سقفًا: «كيف يُدمج الكورد وكوادرهم في مؤسسات الدول القائمة؟». وهنا، بين حلّ القضية وإدارة الكورد، يقع الفارق كله. من بخجلي إلى إمرالي: أصل المسار بدأ التحول العلني في الثاني والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2024، حين أقدم دولت بخجلي — زعيم حزب الحركة القومية وأحد أشدّ رموز القومية التركية تصلبًا وتطرفاً — على خطوةٍ بدت مناقضةً لتاريخه: فتح الباب أمام أوجلان لمخاطبة البرلمان إن أعلن إنهاء التمرد وحلّ الحزب. ولم يكن بخجلي صاحب مبادرةٍ فردية؛ فهو ركيزة الأغلبية السياسية الداعمة لأردوغان، ويمثّل في بنية النظام التركي صوت «الدولة العميقة» وأمنها القومي. وصدور الإشارة الأولى عن هذا الموقع تحديدًا هو ما يمنح المسار كله دلالته. وبعد أربعة أشهر جاءت رسالة أوجلان المعنونة «دعوةٌ من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي»، داعيًا الحزب إلى عقد مؤتمره وإلقاء سلاحه وحلّ نفسه واتخاذ قرارٍ بـ«الاندماج مع الدولة والمجتمع». والأهم من الشقّ التنظيمي كان الإطار النظري الذي وضع فيه القضية: إذ رأى أنّ حلولًا كالدولة القومية المنفصلة والفيدرالية والاستقلال الإداري والمعالجات الثقافوية لا تستجيب — بحسب تعبيره — لسوسيولوجيا المجتمع التاريخي، في مقابل تشديده على التعبير الحرّ عن الهويات وتنظيمها ديمقراطيًا والمشاركة داخل فضاءٍ سياسي ديمقراطي. وهنا يجب التوقف والتدقيق في المعنى تفاديًا للقراءات المختزِلة. لم يقل أوجلان بالحرف إنّ الحقوق الثقافية نفسها تطرّف؛ بل فعل ما هو أعمق من ذلك سياسيًا: أسقط الحلول «الستاتوية»، أي تلك التي تمنح القضية الكوردية بعدها الجغرافي السياسي ووضعًا سياسيًا إقليميًا أو دستوريًا خاصًا، وأبقى الهوية والتنظيم الثقافي والاجتماعي داخل نموذج «المجتمع الديمقراطي» و«الاندماج». وفي رسالته اللاحقة في شباط/فبراير 2026 صار المصطلح أكثر صراحةً: «الاندماج الديمقراطي» يرتكز عنده على مواطنةٍ دستورية داخل وحدة الدولة وعلى التعبير والتنظيم الحرّ للهويات، لا على إعادة ترسيم الدولة أو إنتاج كيانٍ إقليمي موازٍ. ثم جاءت الحلقة التنظيمية التالية: ففي أيار/مايو 2025 أعلن المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال حلّ بنيته وإنهاء الكفاح المسلح، معتبرًا أنّ مهمته التاريخية أوصلت القضية إلى مرحلةٍ تُعالَج فيها بالسياسة الديمقراطية. يصبح التسلسل عندئذٍ جديرًا بالتأمل: بخجلي يفتح الباب، وأوجلان يعيد تعريف الحل ويأمر بحلّ التنظيم، والحزب يحلّ نفسه، ثم تصرّ أنقرة على أنّ المسار لا يكتمل ما لم تُفكَّك بنيته السورية المرتبطة به، فتُحلّ قسد أخيرًا. وقد سارعت تركيا إلى الترحيب بإعلان الخامس والعشرين من آب/أغسطس بوصفه خطوةً نحو تعزيز سلطة الدولة السورية، فيما وُضع الحدث صراحةً في سياقٍ متزامنٍ مع مسار إنهاء الحزب داخل تركيا. القضية الكوردية ليست قسد قبل الانتقال إلى الاتفاقات السورية، لا بدّ من تثبيت قاعدةٍ مفهومية: الكورد في سوريا ليسوا (قسد )، والقضية الكوردية السورية ليست ملحقًا بتاريخ حزب العمال ال PKK. فالحركة السياسية الكوردية السورية أسبق من الحزب بعقود، وأسبق من حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وإدارته الذاتية وقسد؛ وما كان ظهور قسد خلال الحرب إلا صيغةً عسكرية محدّدة لإدارة القوة في لحظة انهيار الدولة، لا لحظةَ ولادةٍ للقضية ، وهذا التوقيت مهم جداً لفهم طبيعة التنظيم ومهامه . وفي السادس والعشرين من نيسان/أبريل 2025 انعقد في قامشلو «كونفرانس وحدة الموقف والصف الكوردي»، بمشاركة قوى ظلّت متصارعة سياسيًا سنوات — في مقدمتها المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي — وأقرّ رؤيةً مشتركة تنصّ على حلٍّ عادلٍ للقضية يضمن الدستور فيه الحقوق القومية للشعب الكوردي، معتمدًا مبدأ الفيدرالية الجغرافية–السياسية لشعبٍ يعيش على أرض وطنه التاريخية. لهذا ينبغي أن تصبح وثيقة قامشلو معيار القياس لأيّ حديثٍ عن المحصلة بعد عام: ماذا طُرح في نيسان 2025، وماذا بقي منه في آب 2026؟ وحين يقول الرئيس أحمد الشرع نفسه إنّ المكوّن الكوردي لا يُختزل في قسد، يكون الاستنتاج المنطقي معاكسًا لكل محاولة اختزالٍ للحل فيها: فإذا كان الكورد ليسوا قسد، فإنّ حلّ قسد لا يمكن أن يكون حلًّا للقضية الكوردية. من «الستاتوس» إلى الاندماج الوظيفي تكشف اتفاقات دمشق مع قسد طبيعة التحول بوضوح. على أنها كانت تبحث في وضع آليةً لإعادة توحيد السلطة: دمج تشكيلات قسد في الجيش، وإدخال قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة وقامشلو، ودمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» في أجهزة الدولة. وبلغ المسار نهايته التنظيمية بإعلان حلّ قسد، وجاء النصّ الرسمي السوري شديد الدلالة إذ أعلن انتهاء «الهياكل العسكرية والإدارية الموازية» وإعادة ربط الشمال الشرقي بـ«إطارٍ إداري ومؤسسي واقتصادي موحّد»، مع الحفاظ على الحقوق الثقافية واللغوية للكورد. هنا يصحّ توظيف مفهوم «الاندماج الوظيفي». وللأمانة البحثية هذا لا يعني أنّ الاندماج بلا قيمة، أو أنّ تولّي الكورد مناصب الدولة أمرٌ سلبيّ في ذاته؛ بل يميّز بين مستويين من السياسة. في المستوى الأول تكون الجماعة القومية طرفًا تفاوضيًا يطالب بوضعٍ سياسي ودستوري. وفي المستوى الثاني يُدمج أفرادها ووحداتها في الأجهزة: فيغدو العسكري ضابطًا، والإداري موظفًا، والقائد مسؤولًا حكوميًا، بينما يتراجع السؤال عن مكانة الجماعة — الشعب — نفسها في هندسة الدولة. وهذا هو موضع التشابه الأعمق مع دعوة أوجلان. فالتحول ليس من السلاح إلى السياسة فحسب؛ إذ لو كان كذلك لبقي ممكنًا أن ينتقل المطلب من القوة العسكرية إلى مشروعٍ فيدرالي أو لامركزي مدني. لكنّ التحول الذي نصّ عليه أوجلان يجمع الأمرين معًا: إسقاط السلاح وإسقاط الفيدرالية والاستقلال الإداري في آنٍ واحد، ثم جعل الاندماج المجتمعي في الدولة والمجتمع التركي هو الإطار البديل. المرسوم 13: اعترافٌ حقيقي، ولكن بأيّ مستوى؟ من الخطأ اختزال المرحلة في القول إنّ الكورد لم ينالوا شيئًا. فالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 يحمل تحولاتٍ مهمة قياسًا بتاريخ الدولة السورية: إذ نصّ على أنّ المواطنين السوريين الكورد «جزءٌ أساسيّ وأصيل من الشعب السوري»، واعترف بهويتهم الثقافية واللغوية، وعدّ الكوردية لغةً وطنية، وأجاز تدريسها في مناطق الكثافة الكوردية، وألغى الإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء الحسكة لعام 1962، ومنح الجنسية للمحرومين منها، واعتمد نوروز عطلةً رسمية، وحظر التمييز على أساس الأصل أو اللغة. هذه تحولاتٌ فعلية يفقد أيُّ تحليلٍ دقتَه إن تجاهلها. لكنّ الاعتراف باللغة والثقافة والمواطنة ليس هو الاعتراف بـ«الستاتوس» السياسي. فالمرسوم لا ينصّ على لامركزيةٍ سياسية، ولا على إقليمٍ ذي صلاحياتٍ دستورية، ولا يعرّف الكورد بوصفهم شريكًا قوميًا في بنية الدولة، وإنما بوصفهم مواطنين سوريين أصلاء ذوي هويةٍ ثقافية ولغوية تجب صيانتها. وقد التقط المجلس الوطني الكوردي هذا الفارق بدقة: فرحّب بالمرسوم وعدّه خطوةً إيجابية وتاريخية، لكنه أكّد في الوقت ذاته أنّ القضية الكوردية «قضيةٌ سياسية ووطنية» تحتاج إلى معالجةٍ أعمق قوامها الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والشراكة، وبناء دولةٍ ديمقراطية تعددية لامركزية. وبذلك لا تقف المقارنة بين «حقوق» و«لا حقوق»، بل بين نوعين من الحقوق: ثقافية ومدنية ذات قيمةٍ حقيقية، وسياسية قومية تتصل بشكل الدولة وتقاسم السلطة. والمفارقة أنّ توسيع المستوى الأول رافقه، في المسار نفسه، انكماشُ المستوى الثاني. ويتأكد ذلك في وصف الشرع لأول لقاءٍ جمعه بمظلوم عبدي، إذ يقول إنه أبلغه: إن كنت تقاتل من أجل حقوق الكورد «فلا تحتاج إلى إراقة قطرة دم»، لأنّ الحقوق ستُصان في الدستور، مضيفًا أنّ حماية الكورد لا تكون عبر جماعاتٍ مسلحة عابرة للحدود، بل عبر الاندماج الكامل في الدولة ومؤسساتها السياسية والعسكرية. والجملة بالغة الأهمية، لأنها تقدّم فلسفة دمشق للحل في أبسط صورها: الحقوق موجودة، أما وجود قوةٍ كوردية مستقلة للتفاوض عليها فغير ضروري. هل كانت التسوية صناعةً سورية خالصة؟ لا تبدو هذه المحصلة صناعةً سورية داخلية خالصة. فقد أعلنت فرنسا رسميًا أنها «سهّلت بنشاط» مفاوضات اتفاق قسد ودمشق في كانون الثاني/يناير 2026، وأنها عملت بالتنسيق مع الولايات المتحدة على وقف التصعيد ودمج الكورد في سوريا الجديدة مع حماية حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية، وتحدثت عن اتصالاتٍ مباشرة لماكرون بالشرع ومظلوم عبدي ونيجيرفان بارزاني، وعن تنسيقٍ مع المبعوث الأميركي توم باراك. ولم تكن واشنطن مراقبًا بعيدًا؛ فقد كان باراك وسيطًا مباشرًا في محطات الدمج، والتقى مظلوم عبدي وإلهام أحمد، ثم رحّب بالنتيجة بوصفها تطورًا «تاريخيًا»، مؤكدًا أنّ إدارة ترامب مهّدت لدمج قسد المنظَّم في مؤسسات الدولة. وعليه يمكن القول إنّ الإطار العام للتسوية — الاعتراف بالحقوق مقابل إنهاء البنى العسكرية والإدارية الموازية — تشكّل داخل بيئةٍ أميركية–فرنسية فاعلة ومسبقة التصور. قامشلو 2025 ودمشق 2026: ما الذي تقلّص؟ إذا وضعنا وثيقة قامشلو إلى جانب المحصلة التي أعلنها مظلوم عبدي، ظهرت الفجوة جليّة. ففي قامشلو كان الحديث عن «الشعب الكوردي» و«الحقوق القومية» و«دولةٍ ديمقراطية لامركزية»، وعن وفدٍ كوردي مشترك يتفاوض مع دمشق على أساس رؤيةٍ سياسية جامعة. وبعد ستة عشر شهرًا انتهت قسد كقوةٍ مستقلة، وعادت المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية إلى سلسلة الدولة، بينما بقي من الملف السياسي اعترافٌ لغوي وثقافي ومدني، وتفاوضٌ على الحضور داخل المؤسسات. غير أنّ قراءة هذا التقلّص بوصفه خسارةً مباشرة للقضية الكوردية تنطوي على خلطٍ يجب تفكيكه بين مسارين لا يتوافقان: مسار القوة العسكرية ومسار القضية الكوردية كقضية سياسية. ف (قسد ) لم تنشأ من رحم القضية الكوردية ولا بوصفها أداتها التفاوضية، بل وُلدت قوةً وظيفية أوجدتها الولايات المتحدة في سياق الحرب على الإرهاب ومحاربة تنظيم الدولة؛ ولم تحمل ولادتُها ولا مساراتُها اللاحقة وعودًا حقوقية تتصل بالقضية القومية الكوردية، ولم يتضمّن أيٌّ من التصريحات أو سياقات التفاهم المرافقة لها التزامًا سياسيًا بحلّ تلك القضية. ومن ثمّ لم تكن هذه القوة في موقعٍ يخوّلها أن تُعدِّل في نتائج الجانب السياسي للقضية، لأنها لم تكن سببًا في نشوئه حتى تصير طرفًا في مآله. وما جرى في أحياء حلب الكوردية وعند سد تشرين وفي الرقة ودير الزور لم يكن توسيعًا للأفق السياسي الكوردي بقدر ما كان محاولاتٍ من حزب العمال الكوردستاني للبحث عن شرعيةٍ لبقائه وتثبيت حضوره على الأرض السورية؛ على أنّ الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا والمنطقة كانت أوسع وأبعد مدى من هذه الخطوات التكتيكية الدامية، فلم تُبنَ عليها ولم تُختصر فيها. وهنا تنجلي القاعدة التحليلية التي يقوم عليها الحكم: إنّ القوة — أيّ قوة — لا تعزّز موقعًا سياسيًا إلا حين تكون جزءًا عضويًا منه ونابعةً من إرادته؛ أمّا القوة العابرة للحدود العاملة وفق أجنداتٍ خارجية، فإنّ زوالها لا يُضعف القضية بل يزيدها وضوحًا، إذ تنفصل عندها المشاهد الدامية المؤلمة عن المسار الطبيعي للقضية الكوردية ذات الجذور التاريخية، فتعود القضية إلى أصلها: مسألةَ شعبٍ وحقٍّ، لا مسألةَ تنظيمٍ وسلاح. تركيا الدولة وتركيا السلطة لفهم المصلحة التركية في هذا التحول، يفيد التمييز تحليليًا بين منطق الدولة الذي يمثّله بخجلي في أشدّ صوره قوميةً وأمنية، وبين إدارة السلطة التي يمثّلها أردوغان بقدرته على تبديل الأدوات بحسب الظرف. في المستوى الأول الهدف ثابت: لا كيان كوردي مسلح على الحدود، ولا انتقال للنموذج الفيدرالي العراقي إلى سوريا، ولا بنية سياسية مرتبطة بحزب العمال قابلة لنيل اعترافٍ دولي. وفي المستوى الثاني تستطيع تركيا أن تفاوض أوجلان، وأن تتعايش مع انتقال كوادر كانت مصنّفةً خصمًا إلى أجهزة دولةٍ أخرى، وأن تقبل بتغيّر الشكل ما دام الناتج النهائي يزيل " مخاطر" القدرة الكوردية المستقلة عن الدولة. لذلك فإنّ حلّ قسد، من منظور أنقرة، ليس مجرد انتصارٍ على تشكيلٍ عسكري، بل تفكيكٌ للنموذج الذي كان يمكن، لو استمرّ، أن يتحول من سلطة أمرٍ واقع إلى كيانٍ دستوري. غير أنّ من الخطأ مساواة الخطاب التركي عن «وحدة سوريا» بمفهومٍ سياديّ خالص. فتركيا ما تزال تحتفظ بقواتها في الشمال، وتقول إنها لن تنسحب قبل زوال التهديدات الأمنية. والأهمّ أنّ هيومن رايتس ووتش وثّقت في 2025 استمرار إشراف تركيا على فصائل من الجيش الوطني السوري السابق ودفعها رواتب لبعضها حتى بعد إدماجها اسميًا في الجيش الجديد، مع استمرار الاعتقال والابتزاز والانتهاكات من جانب بعضها. يكشف هذا الفرق بين وحدةٍ مؤسسية وبين دمجٍ اسميّ لشبكاتٍ احتفظت بارتباطاتها ومراكز قوتها السابقة. كما أظهرت أحداث الساحل والسويداء أنّ مجرد وضع التشكيلات تحت عناوين وزارتي الدفاع والداخلية لا يُنتج تلقائيًا جهاز دولةٍ منضبطًا؛ فقد وثّقت منظمة العفو الدولية عمليات قتلٍ متعمَّد لمدنيين علويين ارتكبتها مجموعاتٌ موالية للحكومة في أحداث الساحل، ثم إعداماتٍ خارج القضاء بحق دروزٍ على يد قواتٍ حكومية وأخرى مرتبطة بها في السويداء. وهذه الوقائع تُضعف صورة أنقرة كقوةٍ لا تريد سوى احتكار دمشق للسلاح والسيادة؛ فهي في الممارسة تعاملت سنواتٍ مع شبكاتٍ وظيفية مسلحة بوصفها أدوات نفوذ، حتى أثناء تحويلها شكليًا إلى وحداتٍ حكومية، وهي مازالت قنابل موقوته في الجسد السوري. حلّ الهيكل وإعادة تدوير الكوادر وهنا نبلغ أكثر الأفكار حساسية: ماذا يعني «حلّ» التنظيم إذا بقي جزءٌ من كوادره داخل النظام الجديد؟ المثال الأوضح هو سيبان حمو، القائد السابق لوحدات حماية الشعب، الذي غدا في آذار/مارس 2026 نائبًا لوزير الدفاع لشؤون المناطق الشرقية بعد دمج الوحدات في بنية الدولة؛ كما تحدّث المبعوث الأميركي عند حلّ قسد عن أدوارٍ «جوهرية» لمظلوم عبدي وإلهام أحمد في النظام الجديد، وإن لم تُعلَن تفاصيلها كاملةً بعد. بيد أنّ توصيف ما جرى بأنه مجرد انتقالٍ لكوادر من موقع التفاوض من الخارج إلى العمل من الداخل توصيفٌ قاصر لا يبلغ عمق المسألة. فالفاعل الأساسي في المعادلة دولةٌ أمنية–مؤسسية كبرى، ذات ثقلٍ عسكري وجيواستراتيجي، وخلافُها مع الكورد ليس خلافًا على حدودٍ أو صلاحيات بل خلافٌ وجودي في جوهره: إذ لم تعترف تركيا تاريخيًا بالكورد قوميةً ولا شعبًا ولا قضيةً قومية، بل قام سلوكها البنيوي على الإنكار التام. وفي مرحلة مشروع أوجلان–بخجلي تحديدًا يتّخذ هذا الإنكار صيغةً أنعم في ظاهرها وأشدّ إحكامًا في عمقها: الإصرار على أنّ الحل يكمن في الاندماج المجتمعي للكورد أفرادًا، لا في الاعتراف بهم شعبًا صاحب قضية. ولا يصعب البرهان على ثبات هذا السلوك: فحتى في كوردستان العراق، حيث يملك الإقليم وضعًا دستوريًا وقانونيًا راسخًا في الدستور العراقي، ما تزال أنقرة تتحفّظ على التسمية «الكوردستانية» ذاتها ولا تتعامل معها بوصفها مسألةً سياديةً لدولةٍ جارة. أمّا دفء العلاقة مع أربيل فمردّه المصالح الاقتصادية المشتركة والمساحة المشتركة التي يتحرّك فيها الطرفان مع الولايات المتحدة، لا اعترافٌ بحقٍّ قومي كوردي. ومن هنا يكون من السذاجة القفز من فوق هذه الحقائق المتصلة بالسلوك البنيوي للدولة التركية والفوبيا التركية تجاه الوجود القومي الكوردي، والذهاب إلى أنّ أنقرة قد تقبل في سوريا بما ترفضه عند حدودها الجنوبية الشرقية مع إقليمٍ معترفٍ به دستوريًا. وعلى هذه الأرضية ينبغي أن يُقرأ سؤال «إعادة التدوير». فالمنظومة التي تناوبت أجهزة استخبارات المنطقة على نسج حصصٍ من النفوذ داخلها — من العراق وسوريا إلى الحرس الثوري الإيراني وصولًا إلى الحضور الأميركي العملياتي — يصعب منطقيًا تصوّر أنّ تركيا وحدها، وهي الجارة الأكثر تضرّرًا والأشدّ قدرةً والأعمق حساسيةً تجاه الملف، بقيت خارجها بلا حصة. ويُضاف إلى هذا الاستدلال البنيوي متنٌ واسع من الشهادات والكتابات والتصريحات، تركيةً وكوردية، تذهب إلى وجود صلةٍ تأسيسية أو بنيوية بين المنظومة والدولة العميقة التركية — بل إنّ اعترافاتٍ غير مباشرة تُنسب إلى أوجلان نفسه تشير إلى تسهيلاتٍ رافقت مرحلة التأسيس — وهو متنٌ لا يستطيع الباحث الجادّ أن يطرحه جانبًا بحجّة انتظار الوثيقة القاطعة. وبهذا المعنى يغدو «التدوير» مفهومًا دقيقًا لا استعارةً فضفاضة: فالكادر الذي كانت له وظيفةٌ داخل قسد ينتقل ليؤدّي وظيفةً أهمّ في الشمال السوري وفي إدارة الملف الكوردي تحديدًا، فتتحوّل هذه الكوادر — بحكم ارتباطاتها — إلى أذرعٍ تنجز من داخل مؤسسات الدولة الجديدة ما يخدم مقاربة أنقرة، وتعمل عمل صمّام الأمان الذي يُبقي المسألة الكوردية تحت السيطرة. وليست هذه قراءةً معلّقة في فراغ الفرضيات؛ فالسلوك الميداني يسندها بمعزلٍ عن أيّ وثيقة. فمنذ أن تسلّمت المنظومة الملف الكوردي في سوريا عام 2012، مضت إلى تهميش القوى السياسية الكوردية المنافسة وتحجيم نشاطها والتضييق على رموزها وكوادرها، ولم تُقدِم على مصالحةٍ كوردية–كوردية حقيقية — بل بدت كأنها غير مخوّلةٍ بها — حتى لحظة كونفرانس قامشلو، ثم ما لبثت أن ضربت مخرجاته عرض الحائط. وهو مسارٌ ينسجم مع منطق إدارة القضية وضبطها لا حلّها. ولذلك فإنّ الحجة لا تتوقف على كشف ملفات أفرادٍ بأعيانهم ولا على إثبات ارتباطاتٍ سرية بذاتها؛ يكفيها اجتماع الاستدلال البنيوي مع السجلّ السلوكي مع النتيجة الوظيفية النهائية: تنظيمٌ كان مصدر تهديدٍ لتركيا يُفكَّك، وتُعاد كوادره إلى داخل دولةٍ مركزية لا تعترف بأيّ وضعٍ قومي كوردي، على نحوٍ يجعل من الملف الكوردي في سوريا ورقةً مضبوطة في يد أنقرة. هل تغيّر اسم المؤسسة وبقي جهاز الإكراه؟ تزداد حساسية «إعادة التدوير» حين ننتقل من المناصب إلى الممارسة اليومية في المناطق الكوردية. فالمجلس الوطني الكوردي وحلفاؤه يتحدثون منذ سنوات عن اعتقالاتٍ وتهديداتٍ وهجماتٍ طالت كوادرهم ومكاتبهم من قوى مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي؛ وقد جمعت تقارير بحثية أوروبية معلوماتٍ عن حرق مكاتب واعتقال أعضاء وتهديد ناشطين في سنواتٍ سابقة، مع نفيٍ من الإدارة الذاتية وتحميلها المسؤولية لمجهولين في بعض الوقائع. والأهم أنّ الظاهرة لم تنتهِ تمامًا مع وصول مؤسسات دمشق؛ ففي آب/أغسطس 2026 حذّر المكتب القانوني للمجلس الوطني من تهديداتٍ بالقتل طالت المحامي رضوان سيدو، ومن محاولة اختطاف المحامي سداد مجيد محمد، ومن حملات تشهير، محمّلًا جهاتٍ في حزب الاتحاد الديمقراطي المسؤولية. وتتداول أوساطٌ إعلامية وشهاداتٌ محلية في الوقت نفسه واقعة اختطاف طاقم قناة «War TV» وتعصيب أعينهم والاعتداء عليهم وإحراق مكتبهم. وهنا يبقى السؤال مشروعاً، إذا انتقلت المؤسسات إلى الدولة بينما استمرت شبكات الترهيب السياسي القديمة، فهل تغيّر الهيكل أم تغيّرت اللافتة وحدها؟ ومثل تلك الإعتداءات لا تدخل غي إطار الجنح ولا هي أحداثاُ أمنية؛ لأنها ذات علاقة بمصير الحركة السياسية الكوردية غير الأوجلانية. فإذا كان من أهداف المرحلة الجديدة، عمليًا، إعادة إنتاج هيمنة كوادر بعينها داخل الإدارة الرسمية بعد حلّ التنظيم العسكري، فقد يتحول «الاندماج» من تعدديةٍ إلى احتكارٍ وظيفيّ جديد تحت مظلة الدولة. سوريا بعد الأسد: الترتيب الذي جعل ذلك ممكنًا لا يُفهم حلّ قسد بمعزلٍ عن سوريا التي تشكّلت بعد سقوط بشار الأسد، وسقوط الأسد بدوره لا يُقرأ بوصفه مجرد انتصارٍ داخلي حققته مجموعةٌ خرجت من إدلب إلى دمشق. فقد أظهر تحقيقٌ أُجري في الأيام الأخيرة للنظام أنّ هجوم المعارضة أُعدّ نحو ستة أشهر، وأنّ مخططيه أبلغوا تركيا وتوصلوا إلى انطباعٍ بأنها لن تعترض، وأنه جاء في لحظةٍ نادرة كان فيها حلفاء الأسد الثلاثة في أضعف أوضاعهم: حزب الله أنهكته الضربات الإسرائيلية وخسر جزءًا من قيادته، وإيران فقدت إحدى أهم أدواتها البرية، وروسيا كانت منشغلةً بأوكرانيا فاقدةَ الرغبة في تكرار تدخّل 2015. من هنا فإنّ إسقاط الأسد، حتى في غياب وثيقةٍ علنية تسمّيه «مشروعًا أميركيًا–إسرائيليًا»، التقى بنيويًا مع أهمّ هدفٍ استراتيجي لإسرائيل على الجبهة السورية: إنهاء سوريا بوصفها الممرّ والعمق الخلفي للوجود الإيراني وحزب الله. وقد أشار نتنياهو نفسه، عند سقوط النظام، إلى أنّ الضربات التي أضعفت حزب الله أسهمت في تغيير ميزان القوة الذي جعل السقوط ممكنًا. ولا توحي السياسة الأميركية اللاحقة بأنّ واشنطن تتعامل مع النظام الجديد كأمرٍ واقعٍ غير مرغوب؛ بل دعمت إعادة بناء الدولة السورية، وقادت وساطات توحيد مؤسساتها، ثم مضت في آب/أغسطس 2026 إلى إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوةٍ فتحت الباب أمام الاستثمار والتعاملات المالية والدفاعية على نطاقٍ أوسع. أي أنّ سوريا الجديدة ليست مجرد نتيجةٍ عسكرية، بل غدت مشروع استقرارٍ إقليمي ترعاه واشنطن، وتشارك فيه فرنسا، وتتفاعل معه تركيا وإسرائيل ضمن صراعٍ واضح على حدود النفوذ. روسيا وأوكرانيا: فرضيةٌ لا تُثبَت ولا تُتجاهَل تبقى مسألة روسيا: هل جرت مقايضةٌ مباشرة، تتراجع فيها موسكو في سوريا مقابل مرونةٍ أميركية حيال شروطها في أوكرانيا؟ بعد سقوط الأسد قال الكرملين صراحةً إنّ أولويته هي الحرب في أوكرانيا. وبعد عودة ترامب قدّمت واشنطن مقترحات تسويةٍ تضمّنت اعترافًا قانونيًا أميركيًا بسيطرة روسيا على القرم، واعترافًا فعليًا بسيطرتها على أراضٍ أخرى، مع رفع عقوباتٍ مرتبطة بالحرب — وهي شروطٌ رأت فيها كييف وحكوماتٌ أوروبية اقترابًا ملحوظًا من بعض المواقف الروسية. تجعل هذه الوقائع قراءةَ الانكفاء الروسي ضمن إعادة ترتيبٍ أوسع لأولويات موسكو وعلاقتها بواشنطن قراءةً استراتيجية مشروعة. فالقوى الكبرى نادرًا ما تعلن المقايضات المتقاطعة في بياناتٍ رسمية، وتبقى مهمة التحليل أحيانًا تحديد ما إذا كانت التحولات المتزامنة تعكس محض مصادفةٍ أم تبادلًا ضمنيًا للمصالح. لذلك ينبغي إبقاء الفرضية في مجالها الصحيح: سؤالٌ جيوسياسي مفتوح تسنده أولوية أوكرانيا في القرار الروسي والتحول الملحوظ في سياسة إدارة ترامب تجاه شروط التسوية — لا واقعةً تقريرية محسومة. إسرائيل وتركيا: سوريا ليست مجالًا تركيًا مفتوحًا إذا كانت تركيا قد خرجت من سقوط الأسد أكبرَ المستفيدين الخارجيين المباشرين، فإنّ الأحداث اللاحقة أظهرت بسرعةٍ أنّ لنفوذها في سوريا سقفًا مرسومًا ومحدودًا. فقد بدأت أنقرة وتل أبيب آليةً لمنع الاحتكاك العسكري، ثم تحوّل الملف إلى خطوطٍ حمراء أكثر صراحة: ففي آب/أغسطس 2026 قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور في إدلب بعد زيارة وفدٍ عسكري تركي لها، معلنةً أنها لن تسمح بتمركزٍ عسكري تركي يتجه جنوبًا. ونفت دمشق وأنقرة وجود خطةٍ لنشر قواتٍ تركية هناك، فيما قالت إسرائيل إنّ التحرك كان سيخرق «الوضع القائم» الأمني. والأكثر دلالةً أنّ السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، قال إنّ ما رأته إسرائيل تحركًا تركيًا نحو القاعدة يمثّل «انتهاكًا لتفاهماتنا»، رابطًا ذلك بتفاهماتٍ ثُبّتت في اتصالاتٍ سابقة واجتماعٍ في باريس. أي أنّ الحديث لم يعد قراءةً لما بين السطور؛ فثمة مسؤولٌ إسرائيلي يتكلم صراحةً عن تفاهماتٍ تضبط حركة الأطراف في سوريا. لا نعرف كل بنود هذه التفاهمات، ولا يوجد نصٌّ منشور يرسم خريطة مناطق نفوذٍ رسمية؛ لكنّ الوظيفة التحليلية لا تنتظر نشر الملحق السريّ إن وُجد. فحين تقصف إسرائيل قاعدةً داخل سوريا على بُعد عشرات الكيلومترات من تركيا وتقول إنها تحمي «الوضع القائم»، ثم تتدخل الولايات المتحدة لإحياء آلية منع الاحتكاك، فذلك يعني أنّ الحركة التركية نفسها غدت موضوع تفاوضٍ إقليمي ترعاه واشنطن. ومن هنا يمكن قراءة الملف الكوردي بوصفه المجال الذي تملك فيه أنقرة هامشًا أوسع من هامش تحركها العسكري في العمق: فهي لا تستطيع إعادة تشكيل سوريا كما تشاء بمعزلٍ عن الخطوط الإسرائيلية والأميركية، لكنها تستطيع الضغط بقوةٍ في اتجاهٍ واحد ظلّ ثابتًا منذ البداية — إنهاء القوة العسكرية والسياسية المرتبطة بحزب العمال على حدودها. أين تلتقي واشنطن وأنقرة وأين تفترقان؟ سيكون من الخطأ أن نستنتج أنّ واشنطن «سلّمت الكورد إلى تركيا»؛ فالوقائع أكثر تعقيدًا. لقد التقت المصلحتان الأميركية والتركية عند نقطةٍ واحدة: إنهاء وجود جيشٍ موازٍ داخل سوريا الجديدة. لكنّ الدوافع ليست متطابقة: فالولايات المتحدة تريد دولةً سورية مستقرة ذات سيادة قادرةً على محاربة داعش وإبعاد إيران واستيعاب شريكها الكوردي السابق من دون حربٍ جديدة أو انهيارٍ أمني؛ بينما تريد تركيا فوق ذلك إنهاء أي توجه أو بنيةٍ قابلة للتحول إلى وضعٍ كوردي سياسي مستقل على حدودها. ويظهر هذا الفرق في اللغة. فباريس، بالتنسيق مع واشنطن، تحدثت رسميًا عن حماية الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للكورد أثناء عملية الدمج، لا عن مجرد استسلامٍ عسكري. كما أنّ المبعوث الأميركي، في إشادته بحلّ قسد، لم يكتفِ بترديد شعار «جيشٌ واحد ودولةٌ واحدة»، بل تحدّث أيضًا عن الاعتراف بالكوردية في التعليم وعن منح شخصياتٍ كوردية أدوارًا جوهرية في الحكومة. بمعنى أنّ واشنطن دعمت تفكيك الاستقلال العسكري، لكنها لم تتبنَّ علنًا مشروع إلغاء الفاعل الكوردي. وهذا مهمّ لأنّ الخبرة الأميركية في العراق، ولا سيما في كركوك، أظهرت أنّ تغيير موازين القوة المحلية بسرعةٍ قد يُنتج فراغًا وعدم استقرارٍ طويل الأمد؛ ولذلك فضّلت واشنطن هذه المرة أن تكون وسيطًا مباشرًا في الانتقال، لا شاهدًا على انهيار حليفٍ سابق. نيجيرفان بارزاني وعلم كوردستان: الرسالة المضادّة للاختزال في هذا السياق تكتسب زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في الثالث من آب/أغسطس 2026 قيمةً تتجاوز البروتوكول. فقد استقبله الشرع رسميًا في قصر الشعب، وتحدث الطرفان عن التعاون والأمن والاستقرار، فيما أكّد بارزاني دعمه لمسار اندماج قسد ومنع الحرب. وكانت الصورة البروتوكولية ذات دلالة: إذ ظهر علم إقليم كوردستان إلى جانب العلم العراقي خلف بارزاني، مقابل العلم السوري خلف الشرع. ويجب التدقيق هنا: فالادعاء الذي انتشر بأنّ العلم العراقي غاب غير صحيح، لكنّ رفع علم كوردستان في قصر الرئاسة السورية بقي حقيقةً مثبتة؛ وقد لاحظت إحدى منصات التحقّق أنّ تركيا، بخلاف دولٍ أخرى، تمتنع عادةً عن رفع علم الإقليم خلال الزيارات الرسمية. ؛ فالصورة في ذاتها تحمل دلالةً موضوعية أوسع: ثمة نموذجٌ سياسي كوردي آخر في المنطقة لا يمرّ عبر أوجلان ولا قنديل، نموذجٌ فيدرالي دستوري قائمٌ داخل العراق، له رئيسٌ وعلمٌ ومؤسسات، ويُستقبَل رسميًا بوصفه فاعلًا إقليميًا. لماذا قد لا تمرّ إعادة الهندسة كما خُطِّط لها؟ قد تُسهم تركيا في إنهاء حزب العمال بشكله القديم، وقد تنهي دمشق قسد كجيشٍ مستقل، وقد تحوّل واشنطن شريكها العسكري إلى شريكٍ داخل الدولة؛ لكنّ ذلك لا يعني أنّ المعادلة الناتجة مستقرةٌ بالضرورة. فثمة قضيةٌ كوردية متجذّرة تاريخيًا في سوريا قبل أوجلان وقبل الأسد، قائمةٌ فوق جغرافيا بشرية واضحة في عفرين وكوباني والجزيرة، وعلى تاريخٍ سياسي وحزبيّ مستقل، وعلى ذاكرةٍ طويلة من الحرمان من الجنسية واللغة والاعتراف. وهناك إرادةٌ قومية كوردية لا تُختزل في أيديولوجيا «الأمة الديمقراطية»، كما لا تُختزل في مشروع المجلس الوطني وحده. والأهمّ أنّ كونفرانس قامشلو قدّم دليلًا تجريبيًا: فحين توفّرت نافذةٌ سياسية، استطاعت قوى مختلفة ومتخاصمة الوصول إلى صيغةٍ مشتركة تنطلق من إرادة الشعب الكوردي وحقوقه القومية واللامركزية، وأنتجت معيارًا سياسيًا يمكن العودة إليه. ولذلك، حين تختفي قسد، يصير السؤال أكثر وضوحًا لا أقلّ: من يمثّل الكورد سياسيًا؟ وما الذي يطالب به هذا التمثيل؟ وهل تكفي حقوق اللغة والجنسية، أم أنّ سوريا الجديدة ستجد نفسها في النهاية أمام السؤال المؤجَّل: شكل الدولة وعلاقة المركز بالكيانات القومية المتعددة؟ إعادة تدوير الأوجلانية: اللحظة الأخطر يمكن الآن العودة إلى نقطة البداية. قد تنجح الدولة التركية، على طريقتها الخاصة، في إنهاء حزب العمال بوصفه تنظيمًا مسلحًا، وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى نهايةَ الحقبة الأوجلانية. لكنّ المفارقة أنّ المنطق الذي طرحه أوجلان في لحظة الحلّ قد يكون أكثر العناصر قابليةً للتعميم إقليميًا: لا دولة كوردية منفصلة، ولا فيدرالية، ولا استقلال إداري؛ بل اندماجٌ في الدول القائمة مع الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة والتنظيم المدني والمشاركة في المؤسسات. في تركيا صيغ هذا تحت عنوان «المجتمع الديمقراطي» و«الاندماج الديمقراطي»، وفي سوريا أخذ شكلًا أكثر مؤسسية: حلّ القوة العسكرية، وإنهاء الإدارة الموازية، وإعادة العسكريين والإداريين إلى أجهزة الدولة، ومنح حقوقٍ لغوية وثقافية، وإدخال شخصياتٍ من البنية السابقة إلى مواقع رسمية. وإذا استقرّ المسار عند هذه النقطة، فنحن لا نقف أمام نهاية الأوجلانية بالمعنى السياسي بقدر ما نقف أمام تحوّلها: من أيديولوجيا حركةٍ مسلحة تنازع الدولة على المجال، إلى صيغةٍ تعين الدول على إعادة استيعاب المجال الكوردي بعد تجريده من مطلب الستاتوس أو الكيان. وإذا كان التنظيم يُحلّ بينما يُعاد توزيع بعض كوادره داخل مؤسسات الدولة، وتبقى بعض شبكات النفوذ والإكراه، بينما يتراجع المشروع القومي السياسي الذي أعلنته القوى الكوردية مجتمعة، فإننا أمام ما هو أعقد من «الاندماج»: حلٌّ للهيكل وإعادةُ تدويرٍ للوظيفة. غير أنّ هذه الهندسة تصطدم بحدٍّ لا تستطيع القرارات التنظيمية تجاوزه. فالقضية الكوردية لم يُنشئها أوجلان كي يُنهيها أوجلان، ولا أنشأها حزب العمال كي تنتهي بحلّه، ولا أنشأتها قسد كي تُطوى في قصر الشعب مع إعلان حلّها. إنها قضية شعبٍ وجغرافيا وذاكرةٍ سياسية وحقوقٍ دستورية سبقت هذه التنظيمات جميعًا. ولهذا يمكن لحلّ الحزب وقسد أن يُنهي أدوات مرحلة، وللاندماج الوظيفي أن يعيد توزيع القوة والنخب، وللدولة أن تمنح حقوقًا ثقافية مهمة وتستعيد احتكار السلاح؛ لكنّ ذلك كله لا يجيب وحده عن السؤال الذي ظلّ قائمًا تحت كل هذه التحولات: ما الموقع السياسي والدستوري للشعب الكوردي في سوريا، وفي الدول التي اقتسمت الجغرافيا الكوردية؟ وهذا السؤال — لا اسم قسد ولا اسم حزب العمال — هو الذي سيحدّد إن كانت اللحظة الراهنة حلًّا تاريخيًا أم مجرد إعادة تدويرٍ لأزمةٍ مؤجَّلة. ملاحظة منهجية اعتمدت هذه القراءة على مصادر رسمية سورية وفرنسية، ووكالات أنباء دولية (رويترز والأناضول)، ووثائق أوجلان ورسائله المنشورة، ونصّ كونفرانس قامشلو، وتقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، ومصادر كوردية متعددة
#عبدالرحمن_كلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علم كوردستان في قصر الشعب زيارة نيجيرفان بارزاني ودلالات الت
...
-
الهندسة الجيوسياسية الاستباقية «اتفاق السجن» والتدابير الترك
...
-
مفارقة الضعف الإيراني والضغط على أربيل كيف تُعيد واشنطن وأنق
...
-
من خويبون إلى حزب 1957 نشوء أوّل تنظيمٍ سياسي كوردي في سوريا
...
-
الحرب على إيران: لماذا يَؤول الصراع حتمًا إلى تغيير النظام؟
-
من دمرتاش إلى ( بَخﭼلي - أوجَلان ) والاندماج الديمقرا
...
-
قراءة سياسية في تغريدة توم باراك حين تُختزَل تعقيدات المشرق
...
-
كونفرانس قامشلو نيسان 2025 لماذا فَشل، وماذا كَشف؟ — قراءةٌ
...
-
ما قَبل الهَوِيَّتَينْ... التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل
...
-
كوردستان: معارضة - اللاّوَطن - وهَندَسَة كُرسِيّ الرّئاسة في
...
-
شرعية البندقية المأجورة وتغييب السياسة قراءة في مآلات الاندم
...
-
التحول الإيراني والمسألة الكوردية: حدود الاستراتيجية التركية
...
-
فخ - وحدة الصف- شرقي كوردستان في مواجهة ال PKK الوكيل الحصري
...
-
اتفاق دمشق–قسد: حصان طروادة التركي عبر الPKK
-
حين يتفكك النظام الإقليمي ...قراءة في ما بعد المرحلة .
-
هل ستتحوّل شمال سوريا إلى مَكَبّ للنفايات السياسية التركية ؟
-
إستراتيجية الردع التركية أنجبت ال PKK، خوفًا من تداعيات ثورة
...
-
سوريا والإلتباس المزمن في الوعي الجمعي العربي والكوردي بين م
...
المزيد.....
-
خلافا لتصريحات ترامب.. تقييمات استخباراتية أمريكية تحذّر من
...
-
غارة إسرائيلية -نادرة- على الضفة الغربية.. وهذا ما استهدفته
...
-
مدفيديف: مزاعم واشنطن عن -انتصارها- على إيران غير صحيحة
-
النعمان في بلا قيود: تصعيد الحوثي وضع الهدنة تحت مقصلة النها
...
-
اتفاق دفاعي جديد بين الكويت وباكستان... هل يتّسع الدور الباك
...
-
من -نزهة قصيرة- إلى مواجهة بلا أفق.. هل خسرت واشنطن رهانها ع
...
-
معجبون يستقبلون سيلين ديون أمام فندقها في باريس قبل انطلاق إ
...
-
بغارة من مسيّرة.. كيف علّق نتنياهو على اغتيال قائد كتيبة جني
...
-
حرائق مميتة تلتهم شمال شرق الجزائر وإعلان حداد وطني
-
-جنائية وشخصية-.. الأمن السوري يكشف دوافع مقتل الشيخ عبد الر
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|