أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - مصر ومحمد علي وبوغوص ،، عندما تتكامل الجذور في هوية الوطن














المزيد.....

مصر ومحمد علي وبوغوص ،، عندما تتكامل الجذور في هوية الوطن


ليلى موسى

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قُدًر لي أن أحضر في القاهرة، قبل أيام، محاضرة للدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، حول دور الأرمن في بناء الدولة المصرية الحديثة، وذلك بمناسبة الاحتفاء بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية المصرية (1826 - 2026) على يد بوغوص بك يوسفيان.
لقد كانت المحاضرة غنية بالتفاصيل والأسماء والوقائع، لكن ما بقي في ذهني بعدها، لم يكن مجرد قصة الأرمن في مصر، بقدر ما كان سؤالاً أكبر مفاده ماذا تستطيع المكونات المختلفة أن تقدم للدولة، عندما تشعر أن هذه الدولة دولتها، وأن أبوابها مفتوحة أمام الكفاءة والانتماء والمشاركة؟.
ربما كان بوغوص بك يوسفيان واحداً من أفضل الإجابات التاريخية عن هذا السؤال، فالرجل الأرمني الذي أصبح من أقرب رجال محمد علي باشا، لم يكن شخصية هامشية في مشروع بناء مصر الحديثة، بل كان في قلبه، حيث تولى مسؤوليات عديدة وكبيرة ومهمة، وأدار منذ عام 1826 ديوان التجارة والأمور الخارجية، الذي مثّل النواة الأولى للمؤسسة الدبلوماسية المصرية الحديثة.
وكان بوغوص أيضاً مستشاراً موثوقاً لمحمد علي في ملفات التجارة والاقتصاد والعلاقات مع الخارج، في مرحلة كانت مصر تعيد فيها بناء مؤسساتها وتبحث عن مكان جديد لها في الإقليم والعالم، واصرّ محمد علي على الاحتفاظ بمستشاره رغم رفض الباب العالي وبريطانيا، وتحفًظ روسيا حينذاك.
ولعل المفارقة الجميلة في هذه التجربة أن مشروع بناء مصر الحديثة جمع رجالاً اختلفت أصولهم، لكنهم التقوا عند الدولة, فحتى محمد علي نفسه، الذي ارتبط اسمه بتأسيس مصر الحديثة، تحيط بأصول أسرته روايات تاريخية متعددة، لكن أشهرها ما نشره عباس محمود العقاد في مجلة المصور المصرية عام 1949 حيث نقل عن الأمير محمد علي، حفيد محمد علي باشا الكبير وكان ولي عهد الملك فاروق آنذاك تأكيده أن جذور الأسرة تعود إلى أصول ( كردية ) من ديار بكر ( أمد).
وهنا نتوقف أمام حقيقة تقول أن محمد علي دخل التاريخ بما فعله في مصر، وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة، فالدولة الناجحة لا تسأل أبناءها من أين جاء أجدادهم بقدر ما تسألهم، ماذا تستطيعون أن تقدموا؟ فما بالك بالدول التي تمثل المكونات جزءاً أصيلاً وتاريخياً من شعوبها.
فالانتماء الوطني لا يعني محو الهويات الثقافية والقومية والدينية، بل يعني بناء مظلة أوسع تستطيع هذه الهويات أن تعيش تحتها وفي ظلها بأمان وكرامة، وأن تتحول من خطوط فاصلة بين الناس إلى روافد تصب في قوة المجتمع والدولة.
إن التجربة السالفة الذكر، ليست قضية تاريخية فحسب، إنها واحدة من أكثر قضايا الشرق الأوسط إلحاحاً اليوم، فالمنطقة التي تضم الكرد والعرب والأتراك والفرس والأرمن والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم، إلى جانب تنوع ديني ومذهبي وثقافي بالغ الثراء، ما زالت في بعض تجاربها تتعامل مع هذا التنوع باعتباره عبئاً أمنياً أو سياسياً ينبغي احتواؤه، بينما تثبت تجارب التاريخ أن المشكلة ليست في التنوع نفسه، بل في طريقة إدارة الدولة له.
حين يشعر مواطن كردي أو أرمني أو سرياني أو أي مواطن ينتمي إلى مكوّن ثقافي أو قومي مختلف، في أي دولة من دول المنطقة، بأن لغته أو ثقافته أو خصوصيته لا تنتقص من مواطنته، وأن الدولة لا تطلب منه الاختيار بين هويته وبين وطنه، فإنها لا تقدم له امتيازاً، بل إنها في الحقيقة تستثمر في استقرارها وقوتها ومستقبلها.
والعكس صحيح أيضاً، فالإقصاء لا يبدد فقط مشاعر الانتماء، وإنما يهدر طاقات بشرية وعلمية واقتصادية وثقافية كان يمكن أن تكون جزءاً من مشروع النهضة، وكل مواطن تدفعه الدولة إلى هامشها, هو بطريقة ما، فرصة ضائعة من فرصها.
ولذلك فإن الدرس الذي يمكن أن نستعيده من مصر محمد علي وبوغوص، ليس دعوة إلى استنساخ تجربة عمرها قرنان، ولا إلى إسقاط مفاهيم عصرنا بحذافيرها على القرن التاسع عشر، إنه درس أبسط وأعمق، يؤكد أن الدول تصبح أقوى عندما تتسع لجميع أبنائها.
لقد قدمت مصر في مراحل عديدة من تاريخها نموذجاً مهماً لهذه القدرة على الاستيعاب، فقد عاش فيها الكردي والأرمني والشامي واليوناني والإيطالي واليهودي وغيرهم، وأسهم كثيرون منهم في الاقتصاد والثقافة والفن والصحافة والإدارة، ولم تُضعف إضافاتهم الشخصية المصرية المبدعة، بل أصبحت، في مراحل ازدهارها، جزءاً من ثرائها.
اليوم تحتاج دول المنطقة، من العالم العربي إلى تركيا وإيران، إلى إعادة التفكير في مفهوم الوحدة الوطنية، فالوحدة الحقيقية ليست أن يصبح الجميع متشابهين، وإنما أن يشعر المختلفون بأنهم متساوون في الوطن.
بعد قرنين من الزمان تقريباً، ما زال بوغوص بك يوسفيان يقدم لنا درساً سياسياً شديد المعاصرة، عندما تمنح الدولة أبناءها الثقة، قد يبنون لها مؤسسات تعيش أطول منهم، وعندما تعترف بتنوعها، فإنها لا تتنازل عن شيء من وحدتها، بل تضيف إليها مصادر جديدة للقوة، فالأوطان الكبرى لا يصنعها لون واحد، وإنما يصنعها أناس مختلفون يلتقون عند وطن واحد.
في المحصلة, تقدم لنا مصر عبر تاريخها, تجربة رائعة وفريدة, قائمة على التنوع واستيعاب الهويات, ولأن المقدمات تقود إلى النتائج ، نجد أن مصر لم تعانِ يوماً من مشكلة (الهويات) ولذلك بقيت إلى يومنا هذا, نبراساً يجب أن يحتذي به على هذا الصعيد, وخير دليل على ذلك, أن مصر تحتضن اليوم ملايين الأشخاص من لاجئين ومقيمين وغيرهم, ومن جنسيات وعرقيات مختلفة, حيث يعيشون فيها, وبين أهلها, دون أي شعور بالاغتراب.
فالجميع في مصر, على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وعقائدهم واثنياتهم, يشعرون وكأنهم في أوطانهم, ويتعايشون مع كل تفاصيل حياتها اليومية, وكأنهم جزء منها, يشعرون بحبها ونبضها, في كل خطوة لهم, على أرضها وتحت سمائها, وأهل مصر من جانبهم, يتعاملون مع جميع هؤلاء, بحب ورحابة صدر وتعاون وتفهم, يعكس تجربتهم الحضارية, في التسامح وقبول الأخر.



#ليلى_موسى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- YPJ, من هامش التاريخ إلى صناعة المعادلة
- «الصراع الأمومي–البطريركي في البنية الثقافية»
- اللغة: ذاكرة الأمة الحضارية وهويتها
- تركيا في سوريا: بين النفوذ والاستنزاف
- الانحياز والتضليل وصناعة الوهم.
- جودي… اصغر متظاهر ،، يسأل لماذا نُستهدف ؟
- كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى
- الثورة السورية في ذكراها الرابعة عشرة
- هل إقالة رؤساء البلديات خطوة نحو ميلاد ربيع الشعوب التركية؟
- عندما تكون جبهة “النصرة” ضمان الحماية
- الرياضة، ما بين الدبلوماسية والإرهاب
- ولاية جديدة من البوابة العربية
- موسكو، الاجتماع الثلاثي في مواجهة المشروع الوطني
- الغلبة لإرادة الشعوب مهما طال الاستبداد
- الإرهاب التركي مجدداً على الشمال السوري
- معادلة الإفلاس السياسي.. هزلية مسرحية إسطنبول
- الأزمة السورية…حلول على رمال متحركة وآمال بغدٍ مشرق
- جميلات وطني يكشفن النقاب عن القبح الدّولتي
- ما بين قمم مدريد، جدة وطهران أردوغان يعود خالي الوفاق
- الثالوث الإرهابي والنفاق الدولي


المزيد.....




- عوالم خيالية تنبض بالحياة على الأظافر في مسابقة فن الأظافر ف ...
- فلسطينيون يبحثون بين الأنقاض بعد هدم مبنى في القدس
- من إجلاء قاذفات -فيرفورد- إلى النفوذ في هرمز.. تقرير يرصد كي ...
- التدين والتماسك الاجتماعي.. دراسة ألمانية تكشف مفارقة لافتة ...
- قطاع غزة.. ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر
- إسرائيل.. 7 أكتوبر ومواصلة الانتقام
- من اليمن لإيران.. تعهدات ترامب لأمن دول الخليج
- -كالغرقى يتشبثون بأي كذبة-.. طهران تؤكد أن سياسة -الراية الز ...
- الحوثيون: استهدفنا مطارين في السعودية
- أوروبا.. خلافات حول تمويل أوكرانيا


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - مصر ومحمد علي وبوغوص ،، عندما تتكامل الجذور في هوية الوطن