أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى














المزيد.....

كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى


ليلى موسى

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 16:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مشاركة
ليست كوباني مدينةً عاديّة في الجغرافية السورية، ولا مجرّد اسمٍ على خريطةٍ تتبدّل خطوطها مع كل جولة صراع، بل هي شعاع عزٍّ وسؤدد، انطلق قبل اثني عشر عامًا من عمق العتمة إلى فضاء الحرية، ليرسّخ أبجدية جديدة كُتبت في سِفر البطولة، بأجمل معاني التضحية والفداء.

كوباني ذاكرة حيّة، وجرحٌ مفتوح، ورمزٌ اختار أن يبقى واقفًا، رغم أن كل ما حوله كان يدعوه للسقوط.

اليوم، ومع تطوّر الأحداث الأمنية وعودة الحصار ليطوّق المدينة وأهلها بصورٍ مختلفة، تعود كوباني إلى واجهة المشهد، كأنّ التاريخ يصرّ على اختبار قدرتها على الاحتمال من جديد.

قبل سنوات، حين زحفت “داعش” نحو المدينة، كان العالم يراقب كوباني بوصفها معركةً عسكرية، بينما كان أبناؤها يرونها معركة وجود؛ لم يكن الدفاع حينها عن شارعٍ أو حيّ، بل عن معنى البقاء ذاته.

صمدت المدينة، لا لأن ميزان القوة كان لصالحها، بل لأن الإرادة كانت أقوى من السلاح، فتحوّلت كوباني إلى أيقونة، لا للكرد وحدهم، بل لكل من آمن بأن الشعوب – مهما كانت إمكاناتها المادية متواضعة – قادرة على كسر مشاريع الإبادة التي تستهدف إعادة رسم الجغرافية، وإعادة كتابة التاريخ بحبر الدم وألوان القهر.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد اسم كوباني يُستعمل كدلالة على موقع جغرافي محايد، بل كجزءٍ من تاريخ النضال الإنساني ضد أعداء الحياة، مهما اختلفت وجوههم أو تبدّلت شعاراتهم. فالمدن، في سياقات الصراع الطويل، لا تحتفظ بأسمائها كما هي، بل تكتسب معاني جديدة بفعل التجربة والمواقف.

في التحليل السياسي، يمكن النظر إلى كوباني بوصفها حالةً رمزية تحوّل فيها الاسم إلى اختزال لمعنى الصمود؛ إذ لم تعد تدلّ على مكانٍ فحسب، بل على نمطٍ من السلوك الجماعي القائم على التشبّث بالأرض والقيم الإنسانية تحت أقسى الظروف.

وهنا تكمن المفارقة, فالاسم الذي نشأ من الجغرافية، تسامى ليُعيد تعريف الجغرافيا نفسها. فكوباني لم تعد تُقاس بمساحتها، بل بما راكمته من ذاكرة مقاومة وطنية، جعلت استهدافها يمثّل حربًا على المعنى والفكرة والوجدان، لا على الموقع والشجر والحجر.

اليوم، يختلف المشهد في التفاصيل، لكنه يتشابه في الجوهر, حصارٌ لئيم يمنع الإنترنت والماء والدواء، وضغوط أمنية متعدّدة الأوجه والغايات، وتوتّرٌ مستمر يقتل الأمل والطمأنينة، وسط واقع إقليمي معقّد تتداخل فيه المصالح، وتتبدّل الاصطفافات، وتُرسم على جثث الضحايا تفاصيل الصفقات.

وعلى مرأى العالم، الذي دافعت كوباني عن قيمه ومستقبله, يموت أطفالها بردا وجوعا, وفي بثٍّ حيٍّ ومباشر، وبشهادة المنظمات الدولية، تجد كوباني نفسها مرةً أخرى في عين العاصفة، لا لأنها اختارت التصعيد، بل لأنها تمثّل عقدة رمزية يصعب تجاوزها في أي معادلة سورية جديدة.

إن الاستهداف الذي يتعرّض له الشعب الكردي في سوريا لا يمكن فصله عن هذا السياق, فهو استهدافٌ مركّب يتجاوز البعد العسكري، ليطال السياسة والاقتصاد والهوية. فالكرد لا يُستهدفون فقط حين يحملون السلاح، بل حين يطالبون بالاعتراف، أو يسعون لتنظيم شؤونهم، أو يحاولون تثبيت حضورهم بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج السوري. وتصبح كوباني، بما تمثّله من تحدي، في كل مرة ساحة اختبار لهذه العلاقة المأزومة بين المركز والأطراف.

إن التجربة التاريخية تقول إن الحصار لا يُنتج النسيان، بل على العكس؛ غالبًا ما يحوّل المدن المحاصَرة إلى ذاكرة مضاعفة، تتناقلها الأجيال، موثّقة بالدماء والمعاناة والقهر.

وما يجري اليوم في كوباني يعيد إلى الأذهان حقيقةً أساسية مفادها أن القضايا التي تمتلك روح الصمود لا تُصفّى بسهولة, فكل محاولة خنق تُنتج لغةً جديدة للمقاومة، وكل ضغط يولّد وعيًا أعمق بالذات والحق.

المستقبل، رغم ضبابيته، لا يُقرأ من زاوية الانكسار أو الانتصار وحدها. وتاريخ الشعب الكردي في سوريا يثبت أن البقاء لم يكن يومًا هبةً من أحد، بل نتيجة صبرٍ طويل ومراكمةٍ مستمرة للتجربة والتضحيات.

كوباني – التي خاضت معركة الصمود في وجه داعش وأخواتها وداعميها لمدة مئة واثني عشر يومًا – قد تُحاصَر، وقد تتأذّى وتتألّم، لكنها لا تُستنزَف ولا تستسلم؛ لأنها لم تعد مدينةً كغيرها من المدن، بل أصبحت رمزًا ومعنى، ومعاني ورموز الشعوب، مهما اشتدّ عليها الضغط وتكالب عليها الأعداء، فأنها لا تموت.



#ليلى_موسى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثورة السورية في ذكراها الرابعة عشرة
- هل إقالة رؤساء البلديات خطوة نحو ميلاد ربيع الشعوب التركية؟
- عندما تكون جبهة “النصرة” ضمان الحماية
- الرياضة، ما بين الدبلوماسية والإرهاب
- ولاية جديدة من البوابة العربية
- موسكو، الاجتماع الثلاثي في مواجهة المشروع الوطني
- الغلبة لإرادة الشعوب مهما طال الاستبداد
- الإرهاب التركي مجدداً على الشمال السوري
- معادلة الإفلاس السياسي.. هزلية مسرحية إسطنبول
- الأزمة السورية…حلول على رمال متحركة وآمال بغدٍ مشرق
- جميلات وطني يكشفن النقاب عن القبح الدّولتي
- ما بين قمم مدريد، جدة وطهران أردوغان يعود خالي الوفاق
- الثالوث الإرهابي والنفاق الدولي
- أين سوريا من معمعة التحالفات والاستراتيجيات الدولية الدرامات ...
- الحزام الإرهابي في الشمال السوري طوق نجاة خليفتهم
- اللاجئين السوريين ورقة أردوغان الرابحة في بازاراته بالمحافل ...
- نساء ذقن طعم الحرية، فهزمن الإرهاب ولن يهزمن
- العدالة والتنمية.. وخفايا عمليات التطبيع
- الأزمة الأوكرانية وإعادة تعويم الإسلامويين
- الإرهاب ومعمعان الفوضى الخلاقة


المزيد.....




- كيف يُمكن أن يكون الطقس سببًا في تحطم طائرة خاصة على متنها 8 ...
- نقشة المربّعات.. من -عشائر- اسكتلندا إلى الأميرات ومشاهير هو ...
- الثورة المهدية في السودان: كيف انتصرت ولماذا سقطت؟
- -القتل الظالم لأليكس بريتي نقطة تحوّل في ولاية ترامب الثانية ...
- كوبا: ممارسو السانتيريا يقدمون قرابين ويطلبون السلام من الآل ...
- دمشق وقسد تتبادلان الاتهام بخرق الهدنة.. عبدي: المناطق الكرد ...
- عاصفة شتوية في الولايات المتحدة تحول التلال إلى ساحات للتزحل ...
- -من يزرع الريح يحصد العاصفة-: جدارية وسط طهران تحذر واشنطن م ...
- انهيار أرضي في إندونيسيا يقتل ما لا يقل عن 17 وأكثر من 70 في ...
- تونس.. المعارض جوهر بن مبارك يُعلّق إضرابه عن الطعام


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى