أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - «الصراع الأمومي–البطريركي في البنية الثقافية»














المزيد.....

«الصراع الأمومي–البطريركي في البنية الثقافية»


ليلى موسى

الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن النظر إلى استراتيجية ومقاربات الحكومة السورية الانتقالية حيال وحدات حماية المرأة بمعزل عن السياق التاريخي لديمومة الصراع بين ثقافة السلطة البطريركية الأبوية الساعية إلى الهيمنة والأحادية، وبين ثقافة الإلهة الأم المقاومة، الساعية لاستعادة دورها التاريخي المغتصب بفعل الهيمنة والسطوة والمكر.
تأسيس وحدات حماية المرأة بقيادة وريادة المرأة الكردية لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل شكل لحظة تاريخية فارقة؛ هذه اللحظة التي دقت ناقوس إعلان العودة والإحياء من جديد. إحياء يحمل في طياته ميلادًا وتجددًا وقطيعة مع صفحة الاستبعاد والاستعباد. لحظة وحدت الماضي والحاضر لتبشر بميلاد مستقبل هُندست ملامحه بإرادة واعية حرة. لم تكن جغرافية شمال شرق سوريا مجرد موقع جيوسياسي عابر، بل إن هذه الجغرافية تشكل قلب الحضارة التي أنتجت ثقافة الأمومة.
تعلن هذه التجربة عن ميلاد جديد يتجاوز فلسفة ديكارت: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، حيث أوجد ديكارت علاقة ديالكتيكية بين الفكر والوجود كدلالة يقينية لإثبات الوجود وإضفاء المعنى عليه. بينما تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا أحدثت تحولًا في معنى الوجود لتضيف بُعدًا آخر لتلك الفلسفة: «أنا حر إذا أنا أفكر». عبر إيجاد علاقة ديالكتيكية بين الفكر والوجود، إذ إن مجرد الفكر لا يمنح الوجود معنى وقيمة ما لم ينتج هذا الفكر الحرية.
هذا التأسيس، أقصد وحدات حماية المرأة، لم يكن مجرد إعلان نظرية تُدرّس في المناهج وتُناقش في المؤتمرات والندوات، بل تحولت إلى فلسفة حياة ونهج سلوك يومي وثقافة معاشة في جميع تفاصيل الحياة اليومية.
تأسيس هذه الوحدات بحد ذاته كان ثورة على الماضي بكل ما يحمله من أعراف وتقاليد وقيم حطّت من شأن المرأة، ولعل خير تجسيد لتلك الثورة انتصارها على تنظيم داعش. فالمرأة انتصرت على داعش بالفكر والثقافة قبل كل شيء.
لقد انتصرت هذه الثقافة على الإرهاب والتطرف، وعلى الصورة النمطية لدور المرأة داخل المجتمع، وكانت بداية لنفض غبار الماضي وإحياء روح وفلسفة الأم الإلهة لتعود بحلة جديدة تتوافق مع روح العصر.
هذه الروح المقاومة، التي عاشت عبر قرون طويلة من التضحيات والآلام والمعاناة، وجدت أخيرًا ضالتها في تلك الجغرافية التي فُقدت فيها. وليس من المصادفة عند الحديث عن الجغرافية التي هُزمت وسُلبت فيها الحقوق؛ إذ ربما تستطيع النساء استعادتها في مكان آخر، ما لم يتم معالجة الأزمة من الجذر والتحرر من أسبابها، فلن يتحقق النصر عبر معالجة التداعيات والأسباب الثانوية.
هذه الوحدات التي استطاعت أن تعلن الحرب على الإرهاب والتطرف في وقت استسلمت فيه دول له، تحولت إلى نموذج ملهم لجميع الحركات النسوية والشعوب المقهورة لنيل حريتها. وهي جديرة بأن تُدعم وتُعمم، وجديرة بأن يُنظر إليها ويُدرس أثرها بعمق، وجديرة بأن تُحترم وتُقدّر وتُكافأ تقديرًا لدورها والتضحيات التي قدمتها. ونحن هنا لا نتحدث عن تجربة عسكرية بحتة، بل عن تجربة حضارية وثقافية وفكرية تحررية.
ما يظهر من مقاربات الحكومة الانتقالية دليل على تجذّر الثقافة الأبوية البطريركية التي تجد ديمومتها واستمراريتها في الإقصائية والسيطرة ونفي الآخر. وهذه الثقافة ليست جديرة بالاستمرار، وإن اتخذت أشكالًا ورؤى مختلفة، تجلت أحيانًا في مفاهيم واضحة وصريحة كما وصفها أفلاطون في جمهوريته الفاضلة، حيث لم يجد للنساء تصنيفًا ضمن طبقات المجتمع واعتبرهن أقرب إلى العبيد، أي أدنى الطبقات وأقلها قيمة. وأحيانًا أخرى تظهر بمفاهيم منمقة ومغلقة بتوصيفات براقة، وهي في الجوهر لا تختلف عن مواقف أفلاطون ومن سبقه ولحقه.
لذا، في سوريا لا يمكن القول إن الثورة نجحت بإسقاط البعث ومنظومته الفكرية ما لم تُسقط المنظومة الأبوية، وتضمن مشاركة حقيقية للنساء في استعادة دورهن الريادي والقيادي في الإدارة وصناعة القرار. وتجربة وحدات حماية المرأة جديرة بأن تُكافأ، بينما مقاربات الحكومة بحصر دورها ضمن الشرطة النسوية، أو التذرع بعدم تضمين هياكل وزارة الدفاع لقوة نسوية، تمثل في حقيقتها تناقضًا مع خطابها، خاصة أنها تحدثت مرارًا عن اللامركزية، التي تمتلك بدورها قدرًا كبيرًا من الديناميكية والمرونة في التكيف مع المعطيات الواقعية.
وتجربة وحدات حماية المرأة، التي تجاوز عمرها عقدًا من الزمن، تمثل جيلًا كاملًا ترعرع وعاش في ثناياها وتحول إلى فلسفة حياة لا يمكن تجاوزها. والحكمة تقتضي دعمها لا الالتفاف عليها، إذ إن الرفض يولّد مزيدًا من الإصرار والمقاومة، خاصة وأن هذه الوحدات نتاج إرادة واعية حرة، وليست ولادة ضرورة وحاجة فقط.



#ليلى_موسى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللغة: ذاكرة الأمة الحضارية وهويتها
- تركيا في سوريا: بين النفوذ والاستنزاف
- الانحياز والتضليل وصناعة الوهم.
- جودي… اصغر متظاهر ،، يسأل لماذا نُستهدف ؟
- كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى
- الثورة السورية في ذكراها الرابعة عشرة
- هل إقالة رؤساء البلديات خطوة نحو ميلاد ربيع الشعوب التركية؟
- عندما تكون جبهة “النصرة” ضمان الحماية
- الرياضة، ما بين الدبلوماسية والإرهاب
- ولاية جديدة من البوابة العربية
- موسكو، الاجتماع الثلاثي في مواجهة المشروع الوطني
- الغلبة لإرادة الشعوب مهما طال الاستبداد
- الإرهاب التركي مجدداً على الشمال السوري
- معادلة الإفلاس السياسي.. هزلية مسرحية إسطنبول
- الأزمة السورية…حلول على رمال متحركة وآمال بغدٍ مشرق
- جميلات وطني يكشفن النقاب عن القبح الدّولتي
- ما بين قمم مدريد، جدة وطهران أردوغان يعود خالي الوفاق
- الثالوث الإرهابي والنفاق الدولي
- أين سوريا من معمعة التحالفات والاستراتيجيات الدولية الدرامات ...
- الحزام الإرهابي في الشمال السوري طوق نجاة خليفتهم


المزيد.....




- -أمامهم طريقان فقط-.. ملك البحرين يندد باصطفاف بعض المشرعين ...
- دفعها بعنف وأسقطها أرضًا.. فيديو يُظهر لحظة اعتداء رجل على ر ...
- ساعات من -فقدان السيطرة-: حريق يصيب مدمّرة أمريكية ويخرجها م ...
- -سنجل حريمي ممنوع-: حكم قضائي ضد فندق رفض تسكين فتاة بمفردها ...
- الأول من مايو … عمال مصر في قلب الوطن وصناعة المستقبل
- ماذا لو تعطلت كابلات مضيق هرمز.. هل يتوقف العالم الرقمي؟
- قرابين واقتحامات -تعويضية-.. تحذيرات من شهر -ساخن- في الأقصى ...
- المقترح الإيراني المعدل يمثل زخما والقضايا الشائكة الرئيسية ...
- طهران تقدّم مقترحًا جديدًا للتفاوض.. وواشنطن تطرح تعديلات تت ...
- مهرجان بريكسن للماء والضوء 2026 يضع السلام في قلب فعالياته


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى موسى - «الصراع الأمومي–البطريركي في البنية الثقافية»