أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رزكار عقراوي - من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير















المزيد.....



من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير


رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري

(Rezgar Akrawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 00:13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


ضد خوارزميات الاستغلال، نحو ذكاء اصطناعي للجماهير
ملخص تنفيذي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم وكأنها أي أداة أو تطبيق رقمي عادي. فهو يعيد الآن، في هذه اللحظة بالذات، تشكيل موازين القوى الطبقية والاقتصادية والسياسية والعسكرية على نطاق كوكبي، وبوتيرة تسبق بمراحل قدرة المنظومة التشريعية والسياسية على استيعابه أو التكيف مع تداعياته. ما كان يبدو قبل سنوات قليلة حديثاً عن أفق بعيد، صار اليوم واقعاً يحدد من يحصل على عمل ومن يُقصى، ومن تُستهدفه الطائرات المسيّرة ومن يُفلت، ومن تُتاح له المعرفة وكيف ومن تُحجب عنه.
والسؤال الجوهري الذي تحاول هذه الورقة الإجابة عنه ليس كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؛ السؤال الحقيقي لمصلحة من يعمل، ومن يملك حق توجيهه وتحديد أولوياته، ومن يدفع ثمن انفلاته حين لا توجد قوانين وإرادة سياسية لتقييده.
تنطلق الورقة من حقيقة صريحة لا تقبل المراوغة: الذكاء الاصطناعي في شكله الراهن ليس أداة محايدة تنتظر من يحسن توظيفها؛ هو انعكاس دقيق وأمين لموازين القوى التي تموّله وتوجّهه وتحدد أولوياته. فالشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى تبنيه وفق منطق تعظيم الأرباح وتركيز الثروة في أيدي أقل، والقطاع العسكري يوظّفه لتعزيز قدرات الحرب والإخضاع واتخاذ قرارات القتل بصورة آلية متزايدة تتراجع فيها الرقابة البشرية باطراد، والأنظمة الاستبدادية والكثير من الدول الكبرى تستخدمه أداةً للمراقبة الشاملة والقمع الرقمي الممنهج لكل صوت معارض.
وما يجعل هذا الواقع أشد خطورة هو أن الفجوة بين من يملك هذه التكنولوجيا ومن يخضع لها تتسع بنفس الوتيرة التي تتسع بها قدراتها، أي أن كل تقدم تقني جديد يعني مزيداً من التمركز ومزيداً من الهيمنة ما لم تتدخل إرادة سياسية منظمة لقلب هذه المعادلة. وفي مواجهة هذا الواقع، يطرح النص رؤية يسارية تقدمية لإعادة توجيه هذه التكنولوجيا نحو خدمة الجماهير وتحقيق العدالة والمساواة.
أطرح هنا مجموعة محاور مترابطة تشكّل في مجموعها ملامح مشروع بديل، تشمل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر بعيداً عن الهيمنة الاحتكارية وتوجيهها نحو أهداف تقدمية، وتوظيف التكنولوجيا في خدمة شغيلات وشغيلة اليد والفكر والاستفادة منها في تعزيز التنظيم النقابي والجماهيري وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحرير المعرفة العلمية من قبضة منطق الربحية الذي يجعل الاكتشافات حكراً على من يستطيع الدفع لا على من يحتاجها، وفرض رقابة مجتمعية حقيقية وفعّالة على الخوارزميات تمتلك صلاحيات حقيقية.
وإعادة تنظيم الإنتاج والتوزيع وفق منطق الحاجة الاجتماعية، ومواجهة التحيزات الجندرية والعرقية المدمجة في هذه الأنظمة بوعي وإرادة سياسية، ورفض عسكرة الذكاء الاصطناعي والنضال من أجل تحريم الأسلحة الذاتية القاتلة، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في مواجهة القمع الرقمي المتصاعد الذي يستهدف الناشطين والمعارضين والصحفيين، وإعادة ربط التكنولوجيا بمتطلبات العدالة البيئية بدلاً من أن تكون مصدراً إضافياً لاستنزاف الطاقة والمياه وتعميق الأزمة المناخية، وصولاً إلى بناء يسار إلكتروني فاعل وأممية رقمية مناضلة قادرة على خوض هذه المعركة بأدوات عصرها وبوعي حجم ما هو على المحك.
هذه الأفكار ليست وثيقة نهائية مكتملة تدّعي امتلاك كل الإجابات؛ هي دعوة مفتوحة وعاجلة للحوار الجماعي بين القوى اليسارية والتقدمية والحقوقية والنسوية والبيئية حول العالم. فالوقت الذي كان متاحاً للتفكير بهدوء والنقاش بلا ضغط يتقلص بسرعة لم تشهدها معارك سياسية سابقة، وكل تأخير في بناء هذا المشروع وترجمته إلى برنامج عمل منظم هو تنازل مجاني لقوى الرأسمالية الرقمية عن أرض لن يسهل استعادتها حين تترسخ بنى الهيمنة وتتعمق جذورها.
يمكن الاكتفاء بهذا الملخص التنفيذي لمن يريد الصورة الكاملة في أقل وقت، بينما تتناول الصفحات التالية النسخة الكاملة والمفصلة من النص لمن يريد الغوص في التفاصيل.
المقدمة
لم يحدث في تاريخ البشرية أن امتلكت أقلية صغيرة هذا القدر من السيطرة على حياة الأغلبية بهذه السرعة وبهذا الصمت. لا جيوش وشرطة تمشي في الشوارع، ولا قوانين تُعلَن في البرلمانات؛ ثمة خوارزميات تعمل في الخفاء تشكّل وعيك وعملك وفرصك ومستقبلك. الذكاء الاصطناعي هو أقوى أداة أنتجتها البشرية حتى الآن، والسؤال ليس هل سيغير العالم، فهو يغيره الآن؛ السؤال هو لمصلحة من سيغيره.
هذا النص هو الجزء الأول من مشروعين: الأول يرسم ملامح بديل تحرري للذكاء الاصطناعي. أما الثاني فسيناقش الآلية التنظيمية الأوسع لتحقيق هذا البديل عبر يسار إلكتروني وأممية رقمية، تمتد لتشمل البنية التحتية الرقمية ومنصات التواصل وشبكات البحث وغيرها من ميادين الصراع الطبقي الرقمي. الذكاء الاصطناعي هو قمة جبل الجليد، لكن تحته تمتد أنظمة تحكم الحياة الرقمية بأكملها. النص مفتوح للنقاش وليس وثيقة نهائية.
في هذا النص سأستخدم مصطلح القوى اليسارية والتقدمية، ويعني الطيف الواسع من التنظيمات والحركات والشخصيات اليسارية والتقدمية والحقوقية والنسوية والبيئية المهتمة بالتغيير وتعزيز سلطة الجماهير، والعاملة من أجل عالم أفضل وأكثر عدلاً.
ومنذ طرحت هذه الأفكار لأول مرة في مطلع عام 2025 [31]، تسارعت وتيرة التطور في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل لافت وغير مسبوق في تاريخ التكنولوجيا. فقد أطلقت الشركات الاحتكارية الكبرى في الولايات المتحدة والصين وغيرها نماذج جديدة تتفوق بأشواط على ما سبقها، وباتت هذه النماذج قادرة على أداء مهام كانت حكراً على البشر حتى وقت قريب في مجالات الطب والقانون والبرمجة والكتابة الإبداعية والبحث العلمي وغيرها. وبالتوازي مع هذا التسارع التقني، برزت ظاهرة الذكاء الاصطناعي التوليدي والعوامل الذكية المستقلة كتحول نوعي جديد يجعل من هذه الأنظمة فاعلين مستقلين قادرين على تنفيذ سلاسل من القرارات دون إشراف بشري مباشر. وقد فرض هذا التسارع المتواصل ضرورة مراجعة هذه الأفكار وتطويرها في ضوء المستجدات الراهنة، إذ إن الأفكار التي لا تواكب الواقع المتغير تفقد قدرتها على الإسهام في تغييره.
التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي فتحت آفاقاً هائلة لتطبيقاته في مختلف المجالات، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن معادلة صارخة: كلما توسعت قدرات هذه التكنولوجيا وتعمقت، كلما تمركزت السيطرة عليها في أيدي أقل وازداد الفارق بين من يملكها ومن يخضع لها. هذه المعادلة ليست قدراً محتوماً؛ إنها نتاج اختيارات سياسية واقتصادية يمكن تغييرها، وإعادة توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون أداة تحرر لا أداة هيمنة، ووسيلة لنقل السيادة الرقمية من الخوارزميات الاحتكارية إلى الجماهير التي تستحقها.
لقد أصبح من الممكن فعلياً، ولأول مرة في تاريخ البشرية، إنتاج حاجات غالبية السكان بجهد بشري ضئيل، وتوفير سلع وخدمات ومعرفة بشكل وفير ومجاني أحياناً، دون الحاجة إلى العمل المأجور المكثف أو إلى الهياكل البيروقراطية التقليدية. ومع ذلك، فإن هذه الإمكانيات تُقيَّد وتُستخدم لتعزيز الربح وتقليص الأجور وتعميق الهيمنة الطبقية والفكرية، لا لتحرير البشر من الاستغلال.
إن الذكاء الاصطناعي اليوم يمثل في جوهره تعبيراً عن تحول نوعي كبير في طبيعة الإنتاج، وعن انكشاف الحدود البنيوية للرأسمالية نفسها، لا مجرد أداة جديدة تضاف إلى ترسانة رأس المال. فالعديد من التطبيقات والمنصات الرقمية، من الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى الأنظمة التعاونية والإنتاج المنزلي، إلى الأتمتة الواسعة ونزع الوساطة الرأسمالية في بعض المجالات، تُظهر أن المجتمع بات يمتلك فعلياً الأدوات التي يمكن أن تسمح بإعادة تنظيم الاقتصاد بطريقة أفقية وتشاركية ومجتمعية. ولكن هذا التحول يظل مكبلاً ومختنقاً بفعل البنية الاحتكارية التي تسيطر على التكنولوجيا وتوجهها نحو تعظيم الأرباح.
والأهم من سرعة هذا التطور هو طبيعة اتجاهه. فالفجوة بين من يملك هذه التكنولوجيا ومن يخضع لها تتسع بوتيرة توازي وتيرة التطور التقني ذاته، إذ كلما ازدادت قدرات هذه الأنظمة تعمّقت مركزة السيطرة عليها في أيدي أقل. ويزيد من خطورة هذا الواقع أن المنظومة التشريعية المحلية والدولية المُفترض أن تُؤطّر هذا التطور وتضع حدوداً لانفلاته تعاني من عجز بنيوي حقيقي. فالقوانين والأطر التنظيمية، حتى أكثرها طموحاً كالتشريعات الأوروبية، تُصاغ وفق إيقاع مؤسسي بطيء لا يتناسب مع سرعة التطور التقني المتسارع، فتجد نفسها في الغالب تُعالج إشكاليات أمس في حين تكون التكنولوجيا قد تجاوزتها إلى إشكاليات مختلفة جذرياً. والشركات الاحتكارية الكبرى تستثمر هذه الفجوة الزمنية بين التطور التقني والتأطير القانوني، وتوظّف نفوذها السياسي وشبكات ضغطها للتأثير في صياغة التشريعات قبل أن تدخل حيز التطبيق.
وقد كشفت الحرب التجارية في مجال الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي [6] عن حقيقة صريحة: هذه التكنولوجيا صارت سلاحاً جيوسياسياً من الدرجة الأولى، وأن القوى الكبرى تتعامل معها كأداة للهيمنة والسيطرة [22] لا كموروث إنساني مشترك.
ولعل أكثر ما يكشف عن هذه الحقيقة بجلاء هو التوظيف العسكري المتسارع للذكاء الاصطناعي [1] في الحروب الراهنة، إذ بات يُستخدم في تحديد الأهداف البشرية وتنفيذ العمليات القتالية وإدارة المعارك واتخاذ قرارات الحياة والموت بصورة آلية متزايدة تتراجع فيها الرقابة البشرية باطراد. وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية حالات موثقة لاستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية المدنية، في انتهاك صريح لأحكام القانون الإنساني الدولي التي تُلزم بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين وتحظر الهجمات العشوائية. والخطورة الحقيقية في هذا التوجه أن الآلة حين تتخذ قرار القتل دون تدخل بشري مباشر، تصبح المساءلة القانونية والأخلاقية معلقة في فراغ مقصود، في حين تتكدس الجثث وتُدمَّر الأحياء.
هذا الواقع يُلقي على القوى اليسارية والتقدمية مسؤولية تاريخية لا يمكن تأجيلها، إذ لا خيار أمامها غير الدخول في معركة الذكاء الاصطناعي بمشروع واضح وقدرات حقيقية، وإلا تُركت الجماهير في مواجهة عالم يُعيد فيه الرأسمال الرقمي إنتاج الاستغلال بأشكال أكثر تطوراً وتحكماً وأعمق اختراقاً. وهذا ما يجعل سؤال من يوجه الذكاء الاصطناعي ولمصلحة من مسألة تحدد شكل العالم الذي يرثه أبناء وبنات الأجيال القادمة ومستقبل الوعي البشري ذاته، وليس مجرد سؤال فلسفي مجرد.
والفجوة بين قوى اليسار وإمبراطورية الرأسمالية الرقمية اليوم أشبه ما تكون بالفجوة بين نملة وفيل ضخم: من جهة تنظيمات يسارية وتقدمية تفتقر في الغالب إلى الموارد المالية والبنى التحتية التقنية والخبرات المتخصصة، ومن جهة أخرى دول وشركات احتكارية تملك السيطرة الكاملة على المجال الرقمي، ومراكز بيانات عابرة للقارات، وجيوشاً من المهندسين والباحثين. غير أن هذا التفاوت الهائل في الإمكانيات لا يعني أن المعركة محسومة سلفاً؛ فالنملة، حين تتنظم جيداً وتعرف أين تُوجّه ضرباتها، قادرة على إرباك الفيل وتغيير مسار الصراع، تماماً كما أثبت تاريخ اليسار نفسه في أكثر من محطة فاصلة.
في الفقرات التالية، نستعرض كيف يمكن للرؤية اليسارية والتقدمية المستندة إلى مفاهيم اليسار الإلكتروني - الرقمي أن تُعيد تعريف الذكاء الاصطناعي ليصبح قوة محرِّرة تخدم القيم الإنسانية والتقدمية، وتنقل السيادة الرقمية من الخوارزميات الاحتكارية إلى الجماهير. وهذه ليست أفكار تطرح للمرة الأولى، فقد سبق نشر اجزاء منها في سياقات سابقة، غير أن التسارع غير المسبوق في تطور الذكاء الاصطناعي وتمركز السيطرة عليه يجعل العودة إليها اليوم ضرورة ملحة، ويفرض أن تتحول من نقاش نظري إلى برنامج عمل منظم وعاجل.
وتظل هذه الأفكار والمقترحات مجرد رؤوس أقلام للحوار الجماعي، إذ إن طرح بديل كهذا يتطلب نقاشات موسعة بين القوى اليسارية والتقدمية في كافة البلدان. والهدف من طرحها ليس تقديم حلول جاهزة؛ الهدف فتح النقاش حول الأولويات المطروحة، بوصفها دعوة مفتوحة وعاجلة للمساهمة في تطوير رؤية تقدمية رقمية بديلة قائمة على الملكية الجماعية للذكاء الاصطناعي بشكل خاص وللتكنولوجيا بشكل عام. فالوقت الذي كان متاحاً للتفكير بهدوء يتقلص، وكل تأخير في بناء هذا الجهد اليساري التقدمي الجماعي المنظم على نطاق عالمي هو تنازل مجاني لقوى الرأسمالية الرقمية عن أرض لن يسهل استعادتها لاحقاً.
تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تقدمية أو محايدة ومفتوحة المصدر، بين الممكن اليوم والمطلوب غداً
أولاً: الممكن الآن
يُعدّ تطوير أنظمة محايدة وديمقراطية ومفتوحة المصدر أحد الأساليب الأساسية الممكنة اليوم لمواجهة هيمنة الدول والشركات الكبرى على الذكاء الاصطناعي. يجب أن تُدار هذه الأنظمة باستقلالية وبعيداً قدر الإمكان عن مصالح رأس المال الاحتكاري، لضمان استخدامها في خدمة الجماهير. يتطلب تحقيق ذلك جهداً وتنسيقاً جماعياً من القوى اليسارية والتقدمية حول العالم، للضغط والعمل على تحويل التكنولوجيا إلى أداة لتعزيز الديمقراطية والحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية إلى أقصى حدٍّ ممكن في ظل التوازنات الطبقية الحالية.
توفر الأنظمة مفتوحة المصدر فرصة للجماهير وللقوى اليسارية والتقدمية للمشاركة في تطوير التكنولوجيا بطرق تعكس قيمها، حيث يُتاح لأي فرد أو مجموعة الوصول إلى الأكواد البرمجية والاطلاع على آلية عملها وتعديلها وتطويرها بحرية. يمكن لهذا النهج أن يُعزز الملكية والابتكار الجماعي، ويفكك جزئياً وبشكل محدود سيطرة الدول والشركات الاحتكارية. كما يسهم انفتاحها على المراجعة العلنية في تقليل مخاطر التلاعب والتوجيه الأيديولوجي الخفي، مما يجعلها من الممكن أكثر موثوقية واستقلالية عن المصالح الرأسمالية الضيقة، ويشكل ضمانة لحماية البيانات واحترام الخصوصية. إن تعزيز الثقة في الذكاء الاصطناعي يُعد خطوة أولية مؤثرة نحو تحويل التكنولوجيا إلى أداة تحررية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات لافتة في هذا الاتجاه تستحق الدراسة والاستثمار. فمجتمعات مفتوحة المصدر أثبتت قدرتها على بناء نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة تنافس ما تنتجه الشركات الاحتكارية الكبرى، كما أثبتت تجارب حديثة في أكثر من سياق أن بناء نماذج متقدمة لا يستلزم بالضرورة الميزانيات الهائلة التي تضخها هذه الشركات، مما يفتح الباب أمام إمكانية بناء نماذج تقدمية بموارد أكثر تواضعاً.
المطلوب من القوى اليسارية والتقدمية العالمية هو دعم مشاريع الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر وتبنيها استراتيجياً وتوجيهها نحو أهداف تقدمية، وهو ما لا يزال غائباً في الغالب عن البرامج الرسمية لمعظم أحزاب اليسار وحركاته. وإلى أن يتحقق نموذج تقدمي أشمل، ينبغي إخضاع التكنولوجيا الحالية لإشراف قانوني وحقوقي محلي ودولي مستقل يضمن الشفافية والعدالة في استخدامها كخطوة أولية ضرورية.
ثانياً: المطلوب على المدى البعيد
الحل الذي يجب أن نناضل من أجله يكمن في أن تعمل القوى اليسارية والتقدمية، وبتنسيق عالمي، على تطوير وطرح بدائل تقدمية وتطبيقات شفافة للذكاء الاصطناعي، تضمن أن تكون التكنولوجيا ملكية جماعية خاضعة لإشراف وتوجيه جماهيري كامل، وموجهة نحو احترام حقوق الإنسان والمساواة والقيم الديمقراطية واحترام التعددية الفكرية.
فبدلاً من أن يظل الذكاء الاصطناعي حكراً على الدول الغنية والشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى، يجب أن يتحول إلى أداة جماهيرية تقدمية تُساهم في حل المشكلات العالمية والمحلية، مثل مكافحة الفقر والاستغلال، وتحقيق المساواة والعدالة وتعزيز الديمقراطية، ومواجهة التغير المناخي، وتطوير أنظمة تعليمية وصحية أكثر شمولاً وعدالة، بالإضافة إلى معالجة القضايا الأخرى المهمة التي تواجه البشرية جمعاء. بهذا الشكل، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مشروع تحرري عالمي يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ويفتح المجال أمام نموذج جديد يضع التكنولوجيا في خدمة الإنسان.
الذكاء الاصطناعي في خدمة شغيلات وشغيلة اليد والفكر، نحو عدالة اجتماعية
يمكن للذكاء الاصطناعي، إذا تم توجيهه بشكل اشتراكي يساري تقدمي، أن يكون أداة مساعدة قوية لتحرير البشر ولتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال تحليل المشكلات الاجتماعية المعقدة وتقديم حلول فعالة للحد من التفاوتات الاقتصادية والظلم الطبقي. لكن تحقيق هذا الهدف لا يتم تلقائياً؛ فهو يتطلب توجيه آلياته وقدراته نحو معالجة جذور الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية والتمييز الاجتماعي، بحيث يُستخدم في خدمة الجماهير.
يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يسهم في رصد التفاوتات الاجتماعية عبر أنظمة تحليل بيانات متقدمة، مما يتيح تحديد الفئات الأكثر حرماناً وتوجيه سياسات عادلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في توزيع الثروة والخدمات. وقد أثبتت تجارب ميدانية عديدة أن توظيف هذه التقنيات في رسم خرائط الفقر وتحليل أنماط الحرمان قادر على كشف تفاوتات هيكلية ظلت مخفية عن صانعي السياسات لعقود.
في هذا السياق، يمكن للحكومات التقدمية والمؤسسات ذات التوجه اليساري توظيف هذه التقنيات في رسم سياسات وبرامج اقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً ومنهجية، باستخدام نماذج بيانات دقيقة تُحدّد الاحتياجات الفعلية للفئات المُهمَّشة، مما يُعزز تكافؤ الفرص ويُسهم في الحدّ من التفاوت الطبقي.
يركّز التوجه التحرري للذكاء الاصطناعي على جعله أداة لتحرير البشر من الأعباء الروتينية والمرهقة، مع ضمان توفير فرص عمل كريمة ومستقرة وبنفس الأجور. يمكن للاستخدام العادل للأتمتة أن يُقلّل ساعات العمل الإجمالية، مما يمنح الأفراد مزيداً من الوقت للتطوير الذاتي والمشاركة المجتمعية والتمتع بالحياة، بدلاً من إبقائهم في دائرة الاستغلال الرأسمالي المكثف.
في هذا النموذج، يتحوّل سوق العمل إلى مساحة أكثر عدالةً وحريةً، حيث يتم القضاء على التمييز الجندري والعرقي والديني والعمري من خلال أنظمة تقييم تعتمد على الكفاءة والمهارات بعيداً عن التحيزات الاجتماعية أو الأيديولوجية التي تُعيد إنتاج الهياكل الطبقية القائمة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي الرأسمالي يُفاقم مشكلة التمييز في سوق العمل ويُعمّقها في الغالب. فقد أثبتت الدراسات الموثقة [10] أن خوارزميات التوظيف التي طورتها الشركات الاحتكارية الكبرى تُعيد إنتاج التحيزات الجندرية [8] والعرقية والطبقية المتجذرة في البيانات التاريخية التي دُرِّبت عليها. هذا التمييز لا يعني بالضرورة أن مبرمجيه كانوا عنصريين؛ يعني أن منطق الاستغلال بُرمج في الخوارزميات من خلال البيانات التاريخية التي تعكس واقع مجتمعات بُنيت على التمييز والاستغلال الطبقي. تفكيك هذا التمييز يحتاج إلى تغييرات سياسية وإشراف ديمقراطي، وليس فقط مجرد تحسين تقني.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداةً قوية لدعم التنظيم العمالي والنضال النقابي، من خلال تطوير تطبيقات تُساعد شغيلات وشغيلة اليد والفكر على بناء نقابات رقمية وشبكات تضامن، وتعزيز قدرتهم على التفاوض مع أرباب العمل والمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف العمل. وقد أثبتت تجارب النقابات الرقمية في أمريكا اللاتينية وأوروبا [21] أن توظيف الأدوات الرقمية في تنسيق النضال العمالي يُضاعف من قدرة العمال على التحرك الجماعي السريع والمنظم [30].
وأخيراً، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم الإضرابات العمالية وتعزيز فعاليتها، من خلال تطوير أدوات رقمية تساعد على التنسيق بين شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وكشف ممارسات الشركات والمؤسسات الحكومية التي تستغل العاملين أو تمنع التنظيم النقابي داخلها، وكذلك فضح سياسات الأنظمة الاستبدادية التي ترفض الاعتراف بحقهم في التنظيم والإضراب. وفي الحالات التي تُغلق فيها كل سبل التفاوض وتُقمع الحقوق الأساسية، قد يتحول تعطيل العملية الإنتاجية رقمياً إلى إجراء اضطراري تفرضه موازين الصراع، كوسيلة ضغط جماعية لانتزاع المزيد من الحقوق وتحسين شروط العمل.
المعرفة كقوة جماعية، تحرير العلم من الاحتكار
بدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة تُضعف القدرات البشرية وتُنتج أجيالاً تعتمد بشكل مفرط على التكنولوجيا، يمكن إعادة توجيهه ليصبح وسيلةً للتحرر العلمي وتعزيز الإبداع. ينبغي ألا يُستخدم الذكاء الاصطناعي ليحلّ محل الإنسان بالكامل في التفكير؛ المطلوب أن يُساعده على توسيع قدراته، وتمكينه من الوصول إلى أدوات معرفية متقدمة، وتحرير وقته من المهام الروتينية، مما يمنحه الفرصة للتركيز على الابتكار والعمل الإبداعي.
عوضاً عن تكريس التبعية والاعتماد المفرط، بما في ذلك الوقوع في فخ الإدمان الرقمي، يمكن تصميم الذكاء الاصطناعي ليكون مساعداً للإنسان لا بديلاً عنه. يمكن تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تقدمية مفتوحة المصدر تُحفّز التفكير النقدي علمياً وإبداعياً، من خلال تشجيع المستخدمين والمستخدمات على استكشاف المعرفة ذاتياً عبر طرح أسئلة استفهامية تُحفّزهم على التحليل والاستنتاج، بدلاً من تلقي إجابات جاهزة دون تمحيص. يمكن لهذه الأنظمة تقديم اقتراحات بحثية، وتحليل البيانات لدعم التفكير الاستنتاجي، وتحفيز المستخدمين على بناء أفكار جديدة، بدلاً من الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمعلومات.
ومن الضروري العمل على توظيف الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتعزيز البحث العلمي التعاوني، من خلال إتاحة موارد تحليل البيانات الضخمة مجاناً للعلماء والباحثين المستقلين. يساهم ذلك في تسريع وتيرة الابتكار العلمي في مجالات مثل الطب، وعلاج الأمراض المزمنة والمستعصية، وعلم الاجتماع، والطاقة المتجددة، وحماية البيئة وغيرها.
وتكشف المستجدات الراهنة عن تناقض صارخ: فالأنظمة التي أثبتت قدرة مذهلة على تسريع الاكتشاف العلمي، مثل تلك التي حسمت تحديات في مجال التنبؤ ببنية البروتينات بعد عقود من العجز البشري عن حلها، تظل حكراً على من يستطيع الدفع، وتخضع لمنطق الربحية الاحتكارية وليس لأولويات الحاجة الإنسانية. وهذا يعني عملياً أن الأمراض التي لا تُدرّ أرباحاً كافية تبقى دون علاج، وأن أبحاث الطاقة المتجددة المفيدة للبشرية تتأخر لصالح أبحاث تخدم مصالح الشركات الاحتكارية. هذا التناقض يكشف بوضوح لماذا لا يمكن فصل مسألة من يملك الذكاء الاصطناعي عن مسألة ماذا يكتشف.
يمكن إنشاء مشاريع ذكاء اصطناعي تعاونية تعتمد على مشاركة شغيلات وشغيلة اليد والفكر، والنساء، والمهندسين والمهندسات، والباحثين والباحثات، والناشطين والناشطات الاجتماعيين، بحيث يتم تسخير التكنولوجيا لخدمة المصالح العامة للجماهير. إلا أن المشاركة هنا يجب ألا تعني مجرد وجود هؤلاء كمستخدمين نهائيين لتكنولوجيا صمّمها غيرهم ويتحكم فيها من لا يعيش همومهم؛ المقصود إشراكهم منذ اللحظة الأولى في تعريف المشكلة، وتحديد الأولويات، ورسم ملامح الحل.
فشغيلة المصانع يعرفون من تجربتهم اليومية المباشرة أي الأعمال يستنزف طاقتهم الجسدية دون أن يُضيف قيمة حقيقية، وأي منها يستحق أن تتولاه الآلة لتتحرر أياديهم وعقولهم لما هو أجدى. والممرضات والممرضون يعرفون أي المهام الإدارية تسرق وقتهم من المريض. والمعلمات والمعلمون يعرفون أي الإجراءات البيروقراطية تحول دون تفرغهم للتعليم الحقيقي.
هذه المعرفة الحية المتراكمة في تجربة شغيلة اليد والفكر هي في جوهرها معرفة تصميمية لا تقل أهمية عن المعرفة التقنية لأي مبرمج أو مبرمجة، وإغفالها يُنتج أنظمة تكنولوجية تحل مشكلات وهمية أو تخدم أهدافاً بعيدة عن حاجات من تدّعي خدمتهم.
والتعاونية الرقمية في هذا السياق ليست مجرد شكل تنظيمي مختلف لنفس المنطق الاحتكاري؛ هي نموذج مغاير جذرياً في البنية والهدف معاً. في التعاونية الرقمية الحقيقية، يكون شغيلة اليد والفكر والنساء والنقابات والحركات الاجتماعية والمجتمعات المحلية مالكين فعليين للأداة التي يستخدمونها، لا مجرد مشتركين يدفعون رسوماً مقابل الوصول إليها، وهو ما تتناوله بالتفصيل منظمة العمل الدولية في تقريرها عن إدارة الخوارزميات في بيئة العمل [20].
محاسبة الخوارزميات، نحو سيادة مجتمعية على التكنولوجيا
لابد من فرض رقابة مجتمعية شفافة وديمقراطية على التكنولوجيا، لضمان استخدامها بعدالة وإنصاف. ولتحقيق رقابة فعالة، يجب إعادة توزيع السلطة الرقمية بحيث تصبح التكنولوجيا مملوكة للمجتمع وتُوظَّف لخدمته، بدلاً من استخدامها كأداة احتكارية.
يتطلب ذلك تطوير مؤسسات ومنصات تشاركية تتيح للجماهير الاطلاع على كيفية تصميم وتطبيق الخوارزميات، مما يمكّن المستخدمين والمستخدمات من فهم تأثير هذه التقنيات في حياتهم اليومية. كما ينبغي إنشاء هيئات رقابية شعبية منتخبة على المستويين المحلي والدولي، تضم تمثيلاً واسعاً يشمل العمال والأكاديميين والحقوقيين والخبراء التقنيين وغيرهم، لضمان الحيادية والعدالة في تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض محاولات التنظيم القانوني لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تبلورت في السنوات الأخيرة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي الذي أصدر قانوناً يُنظّم استخدامه ويُصنّفه وفق درجات المخاطر. وعلى الرغم من القيمة النسبية لمثل هذه الخطوات، تظل محدودة الأثر لأنها تعمل ضمن المنطق الرأسمالي ذاته الذي أنتج الإشكاليات، وكثيراً ما تُفضي إلى تأطير الهيمنة الاحتكارية قانونياً لا إلى تفكيكها فعلياً. ما تحتاجه الجماهير يتجاوز هذه الخطوات نحو رقابة مجتمعية حقيقية تمتلك صلاحيات فعلية، وليس مجرد هيئات استشارية تحتفظ الشركات في نهاية المطاف بحق القرار الأخير.
يجب تشريع قوانين وإصدار إرشادات ملزمة تُلزم المطورين بدمج قيم العدالة والمساواة في مرحلة التصميم، مع فرض مراجعة مجتمعية على جميع الأنظمة قبل تسويقها. وينبغي إلزام الجهات المطوِّرة بتعديل أي أنظمة متحيزة أو إيقافها في حال ثبوت ضررها الاجتماعي، ومنع تسويق أي تقنية لم تخضع لمراجعة دقيقة تضمن عدم إلحاق الأذى بالفئات المهمشة أو تعزيز التمييز الطبقي واللامساواة.
علاوةً على ذلك، ينبغي منح الهيئات الرقابية صلاحيات فعلية لمراجعة الخوارزميات بشكل مستمر، ورصد أي تحيزات مدمجة قد تؤدي إلى التمييز أو الاستغلال. يجب أن تمتلك هذه الهيئات القدرة على التدخل وفرض معايير تنظيمية ملزمة تضمن عدم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز اللامساواة بجميع أشكالها أو تكريس الهيمنة الطبقية، كما هو الحال اليوم.
من منطق الربح إلى منطق الحاجة، إعادة هيكلة الإنتاج والتوزيع
إعادة تنظيم الإنتاج والتوزيع تُعدّ أحد الأعمدة الأساسية للرؤية اليسارية للذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لهذه التكنولوجيا أن تُستخدم في بناء أنظمة تخطيط جماعي ديمقراطي قائمة على البيانات الدقيقة وذات توجه اشتراكي، مما يسمح بتوجيه الموارد بكفاءة لتلبية الاحتياجات الفعلية للمجتمع، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. تعتمد هذه الأنظمة على تحليل دقيق للطلب والاستهلاك، مما يُتيح إنتاج السلع والخدمات الضرورية وفقاً للحاجات الفعلية، مع تجنُّب الإفراط الإنتاجي الذي يُميِّز النظام الرأسمالي. ويمكن لنظام اشتراكي ديمقراطي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يُحقّق توازناً بين الإنتاج والاستهلاك، ويُعيد توزيع الموارد بشكل عادل وشامل، لضمان الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً حاسماً في إعادة هيكلة سلاسل التوريد، عبر تقليل الفاقد، وتوجيه الإنتاج نحو المناطق الأكثر احتياجاً، وتعزيز الاستدامة البيئية من خلال الحدّ من استهلاك الطاقة والمواد الخام. كما أن استخدام الأنظمة اللوجستية الذكية يُمكّن من تحقيق توزيع أكثر كفاءة للسلع والخدمات، وتحديد المسارات المثلى لتقليل الانبعاثات الكربونية، مما يضمن وصولها إلى الجميع دون احتكار أو تلاعب بالسوق. إضافةً إلى ذلك، يمكن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز شفافية عملية الإنتاج والتوزيع، من خلال مراقبة كيفية تخصيص الموارد وتوجيهها بما يتوافق مع الأولويات المجتمعية.
ومما يجدر التأكيد عليه في ضوء المستجدات أن الاقتصادات الرأسمالية باتت توظف الذكاء الاصطناعي لتحسين سلاسل التوريد وتعزيز كفاءة الإنتاج، غير أن هذه الكفاءة تخدم تعظيم الأرباح لا تحقيق العدالة في التوزيع. وقد كشفت أزمات التوريد العالمية في السنوات الأخيرة عن هشاشة نظام الإنتاج الرأسمالي المعولم وتبعيته للمضاربة والاحتكار، وهو ما يفتح نقاشاً حقيقياً حول ضرورة نماذج تخطيط بديلة تعتمد على معلومات موثوقة ومركزية ديمقراطياً.
علاوةً على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث تحولاً جذرياً في الإنتاج التعاوني ذي التوجه الاشتراكي، حيث يُمكّن التعاونيات والمشاريع المجتمعية من الاستفادة من التقنيات الذكية لتحسين كفاءة عملياتها، وخفض التكاليف، وضمان توزيع عادل للموارد بين الأعضاء. في هذا السياق، يمكن استخدام التكنولوجيا كأداة لبناء اقتصاد تضامني، يُساعد المجتمعات الفقيرة على تحقيق استقلالها الاقتصادي والسياسي، عبر تعزيز الإنتاج المشترك، وضمان التوزيع العادل للموارد المتاحة، بعيداً عن سيطرة رأس المال الاحتكاري.
تفكيك الذكورية الرقمية، نحو عدالة جندرية في الذكاء الاصطناعي
يجب على القوى اليسارية والتقدمية أن تناضل من أجل تصميم وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي العدالة الجندرية وتُسهم في تحقيق المساواة الكاملة. ولتحقيق ذلك، لا بد من ضمان تمثيل متوازن للنساء في فرق تطوير التكنولوجيا، حيث يمكن أن يسهم هذا التمثيل في تقليل التحيزات الجندرية المدمجة في الخوارزميات [9]. كما يتطلب الأمر الضغط من أجل سياسات تُلزم الشركات والحكومات بتبني التنوع الجندري في جميع مراحل ومستويات تصميم وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، والعمل على إزالة الطابع الذكوري الطاغي عليها.
وتكشف الأبحاث والقضايا القانونية الموثقة في السنوات الأخيرة عن حجم هذه الإشكالية بوضوح مقلق. ففي عام 2024 أثبتت دراسة أكاديمية شاملة [26] اختبرت أنظمة ذكاء اصطناعي مستخدمة في فرز السير الذاتية عبر تسع مهن مختلفة، أن هذه الأنظمة فضّلت الأسماء النسائية في 11% فقط من الحالات مقارنةً بالأسماء الذكورية.
هذا النوع من التحيز الخوارزمي ليس خطأً تقنياً معزولاً يمكن تصحيحه بتعديل بسيط؛ هو انعكاس لغياب النساء في عملية التصميم والتطوير، وتعبير عن منطق الهيمنة الذكورية المضمّن في بنية الصناعة التكنولوجية ذاتها، حيث لا تزال النساء يشكّلن أقل من 15% من الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي [8] في كبرى شركات التكنولوجيا العالمية. وقد وصفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة [8] هذه الظاهرة بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم من بيانات مليئة بالقوالب النمطية فتعيد إنتاج التحيزات الجندرية وتقيّد الفرص خاصة في مجالات التوظيف والقروض والأحكام القضائية.
وإذا كان التحيز الجندري في أنظمة الشركات الاحتكارية الكبرى نتاج إهمال وغياب تمثيل، فإن ثمة تحدياً مختلفاً في طبيعته وأشد خطورة في أثره، يتمثل في سعي بعض الدول الاستبدادية ذات الأنظمة الدينية الذكورية إلى بناء منظومات ذكاء اصطناعي خاصة بها، بدعم ومساعدة من الشركات الاحتكارية الغربية، بهدف ترسيخ منظومتها القيمية الذكورية وتكريس هيمنتها على النساء بأدوات أكثر تطوراً وأصعب مقاومةً.
هذه الأنظمة تُصمّم التمييز الجندري بوعي وتضعه في صميم أهدافها، من المراقبة الاجتماعية إلى تقييد الحضور الرقمي للمرأة وفرض معايير سلوكية مستمدة من تفسيرات دينية محافظة.
ومواجهة هذا التوجه تستلزم من القوى اليسارية والتقدمية والنسوية المحلية والعالمية يقظة مضاعفة ونضالاً على جبهتين في آنٍ واحد: مواجهة التحيز الخوارزمي للشركات الاحتكارية من جهة، والتصدي لمشاريع الأتمتة الأبوية الدينية التي تسعى إلى تحويل التكنولوجيا إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة الذكورية تحت غطاء السيادة الوطنية والنسبية الثقافية من جهة أخرى.
إضافةً إلى ذلك، يجب تدريب الخوارزميات باستخدام بيانات شاملة ومتنوعة تعكس تجارب النساء وأدوارهن بشكل كامل وغير نمطي، مما يساعد في كسر القوالب الجندرية التقليدية التي تكرسها البنى الذكورية. كما ينبغي الضغط على الحكومات لاعتماد تشريعات تُلزم الشركات بنشر تقارير شفافة عن التنوع الجندري في فرقها التقنية وبرامجها، مع فرض عقوبات وغرامات كبيرة على الجهات التي لا تلتزم بذلك. ويجب أيضاً اعتماد مؤشرات قياس تُركز على تقييم الإنصاف الجندري في أداء الأنظمة، بدلاً من التركيز على الكفاءة التقنية فقط.
يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم قضايا المرأة وتعزيز المساواة الجندرية من خلال تطوير أنظمة تحليل متقدمة للكشف عن التمييز الجندري في بيئات العمل، إلى جانب دعم السياسات التي تعزز حقوق المرأة في مجالات التعليم والصحة والمساواة الاقتصادية والسياسية. كما يمكن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل فجوات الأجور بين الجنسين عبر أنظمة ذكية تعتمد على بيانات سوق العمل، مما يسهم في تطوير سياسات أكثر إنصافاً لتحقيق العدالة في الأجور وضمان المساواة بين الجنسين.
على القوى اليسارية والتقدمية تبني خطاب يعيد صياغة دور التكنولوجيا كأداة تحررية تُعزز المساواة الجندرية، بدلاً من استخدامها في إعادة إنتاج التمييز. يشمل ذلك تحدي الصور النمطية المرتبطة بالأنظمة الصوتية والخدمية، وتطوير مساعدات ذكية تعكس القيم التقدمية مثل العدالة والمساواة، وتعترف بدور المرأة كشريك كامل ومتساوٍ في بناء المجتمع.
إلى جانب ذلك، يجب العمل على إزالة اللغة الذكورية من أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير لغة محايدة جندرياً تسهم في تقويض التمييز الجنسي. يمكن تحقيق ذلك من خلال تصميم خوارزميات تعتمد على بيانات لغوية شاملة ومتنوعة، بحيث لا تعكس القوالب النمطية التقليدية المرتبطة بالرجال والنساء. كما يمكن تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تساعد على مراجعة النصوص وتحليل الخطاب لإزالة أي تمييز لغوي أو جندري، مما يسهم في إعادة صياغة اللغة المستخدمة في الأنظمة الذكية لتكون أكثر شمولية وإنصافاً.
الذكاء الاصطناعي للسلام لا للحروب، وقف عسكرة الذكاء الاصطناعي
لا بد من السعي إلى إعادة توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون وسيلةً لتعزيز السلام العالمي بدلاً من استخدامه كأداةٍ للحروب والدمار. لتحقيق ذلك، يجب العمل من أجل تبني سياسات دولية تُحرّم تطوير واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في صناعة الأسلحة، خاصةً تلك التي تعمل بشكل ذاتي دون تدخل بشري مباشر [1]، حيث يشكل ذلك تهديداً غير مسبوق للسلم العالمي ويُكرّس هيمنة القوى العسكرية الكبرى.
والواقع الراهن يكشف أن الاستثمار الأضخم في الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي يتركز في القطاع العسكري، لا في قطاع الصحة أو التعليم أو حل مشكلة المناخ. فالأسلحة المستقلة القادرة على اتخاذ قرار القتل دون تدخل بشري باتت واقعاً موثقاً وملموساً، والذكاء الاصطناعي يُوظَّف اليوم في تحديد الأهداف البشرية وإدارة العمليات القتالية واتخاذ قرارات الحياة والموت في مناطق عديدة من العالم، في ظل تراجع متصاعد للرقابة البشرية على هذه القرارات المصيرية. هذه ليست مجرد قضية أخلاقية مجردة؛ هي قضية طبقية في جوهرها: من يملك هذه الأسلحة يملك قدرة غير مسبوقة على إخضاع الشعوب وقمع المقاومة.
يمكن للحركات اليسارية والتقدمية أن تقود مبادرات عالمية للضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية من أجل وضع تشريعات واضحة وصارمة تمنع تطوير الذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية. يمكن لهذه التكنولوجيا أن تُستخدم لتحليل النزاعات القائمة، ودراسة الأسباب الجذرية للحروب، واقتراح حلول جذرية تعالج تلك الأسباب. علاوةً على ذلك، يمكن تعزيز التعاون الدولي من خلال منصات ذكاء اصطناعي تُركز على بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز الدبلوماسية والحوار والحلول السلمية.
كما ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي في توثيق جرائم الحرب والانتهاكات الحقوقية، مما يساعد في محاسبة الأنظمة الاستبدادية والدول والشركات الكبرى التي تسعى إلى عسكرة التكنولوجيا وتسخيرها للحروب. يمكن للقوى اليسارية والتقدمية والمنظمات المناهضة للحروب والمدافعة عن السلام أن تلعب دوراً محورياً في تعزيز الوعي المجتمعي حول مخاطر عسكرة الذكاء الاصطناعي، من خلال حملات التثقيف والإعلام التقدمي والنشاطات الميدانية، لكشف ارتباط المصالح الرأسمالية بالحروب وتسليع الدمار.
إن جعل الجماهير طرفاً فاعلاً في النضال ضد عسكرة التكنولوجيا يعني بناء حركة مقاومة عالمية قادرة على الضغط على الحكومات والمؤسسات لإنهاء هذا الاستخدام غير الإنساني والإجرامي للتكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في مواجهة القمع الرقمي
من الضروري تحويل الذكاء الاصطناعي من أداةٍ تُساهم في تآكل الديمقراطية النسبية وانتهاك حقوق الإنسان، إلى وسيلةٍ لتعزيزهما وتطويرهما. يجب أن تكون التكنولوجيا عاملاً مساعداً في تمكين الجماهير، وتعزيز المشاركة السياسية على أسس المساواة، وضمان الشفافية والنزاهة في العملية الديمقراطية، واستخدامها بطرق تعزز العدالة بدلاً من أن تكون وسيلةً بيد الأنظمة الاستبدادية والشركات الكبرى لمراقبة الأفراد وتقليص الحريات وقمعها.
يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير منصات حوار وتصويت إلكترونية آمنة وشفافة تُتيح للمواطنات والمواطنين التعبير عن آرائهم والمشاركة بشكل مباشر وفعّال في اتخاذ القرارات على مختلف المستويات، مما يُعزز الديمقراطية التشاركية ويعيد القوة والسلطة إلى أيدي الجماهير.
غير أن الواقع الراهن يُشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يُوظَّف اليوم في تآكل الديمقراطية لا تعزيزها، من خلال تقنيات التلاعب الخوارزمي التي تُغذّي التطرف وتُعمّق الاستقطاب السياسي لأغراض تجارية وسياسية، وعبر أدوات التزوير والتضليل المتطورة التي باتت أكثر إتقاناً وأصعب كشفاً من أي وقت مضى. وقد شهدنا في سنوات أخيرة كيف يمكن لحملات التأثير المُدارة خوارزمياً أن تُشوّه نتائج الانتخابات وتُزيّف الرأي العام في دول كثيرة.
كما تكشف المستجدات الراهنة عن توسع مقلق ومتسارع في توظيف هذه التقنيات في المنظومة القمعية للأنظمة الاستبدادية، إذ باتت أنظمة التعرف على الوجه تُستخدم على نطاق واسع في مراقبة الاحتجاجات والتجمعات السياسية [18]، وصار التحليل الآلي للمحتوى الرقمي أداة ممنهجة لاستهداف الناشطين والمعارضين والصحفيين [19].
ويتجلى هذا القمع الرقمي في أشكال متعددة ومتصاعدة الخطورة: من الإحباط الرقمي الممنهج الذي تُغذّيه الخوارزميات لنشر الشعور بالعجز وصعوبة التغيير بين القوى التقدمية، إلى الاعتقال الرقمي بتقييد الحسابات وحذفها بذرائع واهية، وصولاً إلى الاغتيال الرقمي بمحو الوجود الرقمي للمعارضين والمنظمات بالكامل.
ويُضاف إلى ذلك ظاهرة الرقابة الذاتية الطوعية، حيث يبدأ الناشطون بفرض قيود على أنفسهم وتعديل خطابهم السياسي خوفاً من الحظر أو إغلاق حساباتهم، مما يُعزز الهيمنة الفكرية دون الحاجة إلى قمع مباشر. وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان [4] حالات عديدة تم فيها استخدام تقنيات متقدمة مباعة من شركات غربية لتتبع المعارضين وتسهيل اعتقالهم، مما يجعل هذه الشركات شركاء فعليين في انتهاكات حقوق الإنسان [24].
هذا التوظيف الرأسمالي الاستبدادي للتكنولوجيا هو ما يجعل المطالبة بتحويلها لخدمة الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان مهمةً سياسية عاجلة لا تحمل تأجيلاً. لذا ينبغي النضال من أجل إنشاء أطر قانونية دولية ومحلية صارمة تُجرّم استخدام الذكاء الاصطناعي في التلاعب بالرأي العام وانتهاك حقوق الإنسان، سواء من خلال المراقبة أو استهداف المعارضين والنشطاء، أو فرض الرقابة الرقمية التي تؤدي إلى الاعتقال والاغتيال الرقمي وتقييد حرية التعبير.
يجب إخضاع جميع التطبيقات الأمنية للذكاء الاصطناعي لمراجعة قضائية مستقلة، مع إشراك منظمات المجتمع المدني في تقييم مخاطرها على الحريات، وتشكيل شبكات تضامن عالمية لرصد الانتهاكات، ومقاطعة الشركات التي تبيع تقنيات المراقبة للأنظمة الاستبدادية ووضعها في قوائم سوداء.
يمكن تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تُحلّل وتكشف الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة تلقائياً، مما يحمي الجماهير من حملات التضليل التي تهدف إلى تقويض قدرتهم على اتخاذ قرارات مبنية على الحقائق. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة فعالة لمكافحة الرقابة الرقمية من خلال تطوير تقنيات تشفير البيانات وتأمين الاتصالات لحماية النشطاء والمعارضين، إضافةً إلى رصد أنشطة الحكومات الدكتاتورية وكشف خروقاتها لحقوق الإنسان.
لا بد من دعم وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي وبرامج مفتوحة المصدر تُدار من قبل هيئات مستقلة تضم ممثلين عن المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية، بحيث تكون خاضعة لرقابة ديمقراطية تمنع إساءة استخدامها. كما ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الرقابة والسيطرة الرقمية وسبل مواجهتها، وتوفير أدوات تقنية تساعد الأفراد على حماية بياناتهم وضمان حرية التعبير في الفضاء الرقمي.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة الانهيار البيئي، من التدمير الرأسمالي إلى العدالة البيئية
من الضروري إعادة توجيه الذكاء الاصطناعي نحو حماية البيئة، هدف لا يتحقق كاملاً إلا ضمن إطار اشتراكي يُحرّر التكنولوجيا من سيطرة رأس المال، ويحوّلها إلى أداة لإدارة الموارد ديمقراطياً، لمكافحة التغير المناخي، وتقليل الآثار البيئية للإنتاج، وتحقيق توزيع عادل للموارد عوضاً عن نمط الاستهلاك اللامحدود الذي يدمّر التوازن البيئي.
غير أن تناقضاً عميقاً يستوجب المواجهة: تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى يستهلك طاقة ومياه هائلين [2]، وتُفرز عملياتها كميات من ثاني أكسيد الكربون توازي ملايين رحلات الطيران سنوياً [13]، وفق ما يكشفه التقييم الشامل لدورة حياة هذه الأنظمة [15]، إذ تستهلك بعض مراكز البيانات مياهاً تكفي مدناً بأكملها [14]. فالذكاء الاصطناعي بشكله الرأسمالي لا يساعد في حل الأزمة البيئية؛ هو يعمّقها، بينما تدّعي الشركات عكسه. وأي بديل يساري لا بد أن يضع معالجة هذا التناقض في صميم أولوياته.
في النموذج اليساري، يُوظَّف الذكاء الاصطناعي في التخطيط الاقتصادي البيئي، لضبط الإنتاج وفق الاحتياجات المجتمعية لا منطق السوق، وتحقيق كفاءة في استخدام الموارد، والحد من الهدر، وتوجيه التطوير نحو حلول بيئية جذرية كتحسين الطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للمياه، وخفض الانبعاثات الصناعية. ويُحظر استخدامه في مشاريع تدمر البيئة، ويُربط ترخيص أي تقنية بتقييم تأثيرها البيئي، مع أنظمة رقابية لالتزام الشركات، ورقابة شعبية على سياسات التنمية التكنولوجية.
فالتكنولوجيا في شكلها الرأسمالي لا تحل الأزمة، وإنما تعمّقها، وفي إطار يساري يمكن إعادة توجيهها لحماية الموارد وبناء اقتصاد العدالة البيئية. وإصلاحات داخل الرأسمالية قد تحقّق تحسناً جزئياً، لكن التجربة تُظهر محدوديتها وقصورها عن تغيير جوهري. فالحل الجذري يقتضي تحولاً في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، بإخضاعها لمعايير ديمقراطية وبيئية صارمة تجعل حماية البيئة أولوية قصوى، مع تطوير أنظمة ذكية تقلل استهلاك الطاقة وتعزز الاعتماد على المتجددة، بما يضمن بقاء التكنولوجيا في خدمة المجتمع والبيئة.
على أرض الواقع وفي الفضاء الرقمي معاً: نحو يسار إلكتروني فاعل وأممية رقمية مناضلة
الذكاء الاصطناعي ليس شراً في ذاته، وليس خيراً في ذاته. هو مرآة للمجتمع الذي ينتجه، ويعكس بدقة موازين القوى التي تتحكم في توجيهه وتمويله وتحديد أولوياته. فحين تكون الشركات الرأسمالية الاحتكارية والدول الكبرى هي من تبني هذه التكنولوجيا وتموّلها، فإنها تبنيها وفق منطقها الخاص: منطق تعظيم الأرباح وتعميق الهيمنة الطبقية والسيطرة السياسية والفكرية وإعادة إنتاج الاستغلال بأشكال أكثر تطوراً وأصعب مقاومة.
وحين يكون القطاع العسكري هو الأضخم استثماراً في تطوير الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، فهذا ليس صدفة؛ هو تعبير صريح عن الأولويات الحقيقية للرأسمالية في طورها الرقمي.
غير أن هذه المرآة ليست قدراً محتوماً. فإما أن يستمر الذكاء الاصطناعي كأداة هيمنة في أيدي الأقلية تتحكم من خلاله في الإنتاج والتوزيع والوعي والسياسة، وإما أن نجعله ملكية جماعية تقدمية تُحرّر الأغلبية من أعباء العمل الروتيني وتُتيح لها الوصول إلى المعرفة والخدمات التي كانت حكراً على الأثرياء والمتنفذين. الخيار ليس تقنياً، هو سياسي في جوهره، ويُحدده من يملك هذه التكنولوجيا ومن يوجهها ولمصلحة من تعمل. ومعركتنا اليوم هي بالضبط معركة تحديد ملامح هذا الخيار قبل أن يُحسم بغير إرادتنا، وقبل أن تترسخ بنى الهيمنة الرقمية بشكل يجعل تفكيكها أصعب بكثير مما هي عليه الآن.
وما طرحناه في هذا النص من محاور، من تطوير أنظمة مفتوحة المصدر إلى التعاونيات الرقمية، ومن العدالة الجندرية في التكنولوجيا ومواجهة توظيفها أداةً لترسيخ السلطة الذكورية تحت غطاء السيادة الوطنية والنسبية الثقافية، إلى مقاومة عسكرتها، ومن الرقابة المجتمعية على الخوارزميات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة البيئة والسلام والديمقراطية، ليس قائمة أمنيات مجردة. هو خارطة طريق لمعركة سياسية حقيقية يجب أن تخوضها القوى اليسارية والتقدمية بوعي عميق وإرادة تنظيمية جماعية.
وتحقيق هذا كله ليس أمراً سهلاً ولا قريب المنال في ظل الاختلال الهائل الراهن بين قوى اليسار وقوى الرأسمالية الرقمية التي تمتلك الموارد والبنى التحتية والنفوذ السياسي والتقني. إن ما نتحدث عنه مشروع تراكمي طويل الأمد يحتاج إلى طاقات بشرية وتقنية وتنظيمية هائلة، وإلى وقت ومثابرة وقدرة على تحمل الإخفاقات وتجاوزها. إلا أن صعوبة المهمة لا تعني استحالتها، وتاريخ اليسار مليء بمعارك بدت في بدايتها مستحيلة وانتهت بتغييرات جذرية في موازين القوى.
والجواب العملي لا يكمن في انتظار ظروف مثالية لن تأتي من تلقاء نفسها؛ هو في التحول نحو اليسار الإلكتروني-الرقمي [32] الذي لا يعني استبدال اليسار القائم أو التشكيك في دوره التاريخي والراهن، بقدر ما يعني تطويره وتعزيز قدرته على الاشتباك مع ميادين الصراع الجديدة التي باتت رقمية بامتياز. فالنضال الميداني بين الجماهير وعلى أرض الواقع يظل العمود الفقري لأي مشروع تحرري حقيقي، إلا أن البعد الرقمي ليس بديلاً عنه؛ هو رافد أساسي يقويه ويوسع نطاقه ويمنحه أدوات إضافية في مواجهة منظومة الهيمنة الرأسمالية.
إن اليسار الذي يتقن العمل في الميدان ويُحسن توظيف الفضاء الرقمي في آنٍ واحد هو اليسار الأقدر على مواجهة رأسمالية في طورها الرقمي تُتقن الاثنين معاً وتوظفهما لتعزيز هيمنتها.
وعلى المستوى العالمي، يعني ذلك بناء أممية يسارية رقمية قادرة على مواجهة الهيمنة الكونية للرأسمالية الرقمية بأدواتها وبلغة عصرها، وتجمع القوى اليسارية والتقدمية حول العالم في مشروع مشترك يضع التكنولوجيا في خدمة الجماهير والتحرر والعدالة والمساواة.
غير أن الرؤية مهما بلغت من الاتساع والعمق تحتاج إلى آلية، والمشروع مهما كان تحررياً يحتاج إلى من يحمله. والسؤال الذي لا تجد معظم الطروحات اليسارية إجابة كافية عنه هو بالضبط: كيف يمكن لقوى متفرقة ومختلفة أن تبني معاً ما لا يستطيع أي منها بناؤه وحده؟ هذا ما يناقشه المقال القادم، إذ باتت هذه الضرورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ما طُرح في هذه الصفحات ليس حلماً رومانسياً بعيد المنال. هو معركة سياسية حقيقية تدور الآن، وكل يوم يمر دون أن تخوضها القوى اليسارية والتقدمية بوعي وتنظيم هو يوم تترسخ فيه بنى الهيمنة الرقمية وتصبح أصعب تفكيكاً. التكنولوجيا لم تكن يوماً محايدة، وهي اليوم أقل حياداً من أي وقت مضى. من يملكها يملك المستقبل، والجماهير التي لا تناضل من أجل امتلاكها ستجد نفسها تعيش في مستقبل صنعه غيرها لخدمة مصالح غيرها. الاختيار لا يزال ممكناً، لكنه لن يظل ممكناً إلى الأبد.
يتبع: الأممية اليسارية الرقمية والبدائل العملية — كيف نبني معاً ما لا يستطيع أحدنا بناؤه وحده
──────────────────────────────────
قائمة المراجع
[1] UN Office for Disarmament Affairs – Lethal Autonomous Weapon Systems https://disarmament.unoda.org/en/our-work/emerging-challenges/lethal-autonomous-weapon-systems
[2] IEA – Energy Demand from AI (Energy and AI Report 2025) https://www.iea.org/reports/energy-and-ai/energy-demand-from-ai
[4] Human Rights Watch – World Report 2024: Saudi Arabia https://www.hrw.org/world-report/2024/country-chapters/saudi-arabia
[6] CSIS – China s New Strategy for Waging the Microchip Tech War https://www.csis.org/analysis/chinas-new-strategy-waging-microchip-tech-war
[8] UN Women – Artificial Intelligence and Gender Equality https://www.unwomen.org/en/articles/explainer/artificial-intelligence-and-gender-equality
[9] UNESCO – Generative AI: Study Reveals Alarming Evidence of Regressive Gender Stereotypes (2024) https://www.unesco.org/en/articles/generative-ai-unesco-study-reveals-alarming-evidence-regressive-gender-stereotypes
[10] University of Washington – AI Tools Show Biases in Ranking Job Applicants by Race and Gender (2024) https://www.washington.edu/news/2024/10/31/ai-bias-resume-screening-race-gender/
[13] IEA – Key Questions on Energy and AI (2026) https://www.iea.org/reports/key-questions-on-energy-and-ai/executive-summary
[14] UC Riverside – AI Programs Consume Large Volumes of Scarce Water (2023) https://news.ucr.edu/articles/2023/04/28/ai-programs-consume-large-volumes-scarce-water
[15] UNEP – Artificial Intelligence (AI) End-to-End: Environmental Impact of the Full AI Lifecycle https://www.unep.org/resources/report/artificial-intelligence-ai-end-end-environmental-impact-full-ai-lifecycle-needs-be
[18] Amnesty International – Kenya: Authorities Weaponized Social Media and Digital Tools to Suppress Gen Z Protests (2025) https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/11/kenyan-weaponized-social-media-and-digital-tools-to-suppress-gen-z-protests/
[19] Human Rights Watch – Joint Statement: Civil Society Demands Action Ahead of Internet Governance Forum (2024) https://www.hrw.org/news/2024/12/12/joint-statement-civil-society-demands-action-ahead-internet-governance-forum
[20] ILO – Algorithmic Management in the Workplace https://www.ilo.org/algorithmic-management-workplace
[21] ILO – Global Case Studies of Social Dialogue on AI and Algorithmic Management (Working Paper 144, 2025) https://www.ilo.org/media/710401/download
[22] CSIS – Countering China s Challenge to American AI Leadership https://www.csis.org/analysis/countering-chinas-challenge-american-ai-leadership
[23] UNEP – AI Has an Environmental Problem: Here s What the World Can Do About That https://www.unep.org/news-and-stories/story/ai-has-environmental-problem-heres-what-world-can-do-about
[24] Human Rights Watch – World Report 2026: Saudi Arabia https://www.hrw.org/world-report/2026/country-chapters/saudi-arabia
[26] University of Washington iSchool – UW Research Finds Racial and Gender Bias in AI Hiring Tools (2024) https://ischool.uw.edu/news/2024/11/ai-tools-show-biases-ranking-job-applicants-names-according-perceived-race-and-gender
[30] ILO – Artificial Intelligence in the World of Work https://www.ilo.org/topics-and-sectors/artificial-intelligence
[31] Rezgar Akrawi: Capitalist Artificial Intelligence, Challenges for the Left and Possible Alternatives: Technology in the Service of Capital´-or-a Tool for Liberation? https://play.google.com/store/books/details?id=ZMddEQAAQBAJ
[32] Rezgar Akrawi: The Most Prominent Intellectual and Organizational Foundations of the Electronic Left https://play.google.com/store/books/details?id=ruDsEQAAQBAJ



#رزكار_عقراوي (هاشتاغ)       Rezgar_Akrawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ...
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
- بعد حل «قسد»: نهاية نموذج أم بداية مراجعة يسارية للقضية القو ...
- تجربة الأنصار الشيوعيين في العراق... نضال مشرف في تاريخ اليس ...
- اليسار واختراق القلعة الرقمية للرأسمالية
- المؤسسات الإسلامية في أوروبا بين الاندماج والتأثير الخارجي: ...
- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
- نقد يساري لقائد يساري، النقد الذاتي في الممارسة
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ...
- الفاشية الرقمية، حين يلتقي رأس المال الاحتكاري باليمين المتط ...
- إسرائيل، الأبارتهايد وعقوبة الإعدام، حين يصبح القانون سلاحا ...
- الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج في الدول الأوروب ...
- القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المو ...
- الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية ...
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ...
- مقالاتي وتحليلاتي حول اليسار الالكتروني والذكاء الاصطناعي وا ...
- الرؤية الرأسمالية للذكاء الاصطناعي: الربح، السلطة، والسيطرة
- اليسار العراقي عشية انتخابات 2025: بين الوحدة والتجدد
- جيل Z 212 واحتجاجات الشباب في المغرب: من الفضاء الرقمي إلى ا ...


المزيد.....




- حلف شمال الأطلسي، أزمة المناخ، وملحاحية الاشتراكية الايكولوج ...
- الدورة الاستثنائية للجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية
- Israel Above the Law … Palestine Beyond Justice
- From Tigray to the Red Sea: Ethiopia’s War in a Wider Region ...
- German Car Workers Rally Against Job Cuts
- How Trump Tries to Decide the Elections in Brazil
- مؤتمر مناهض لحلف الناتو في إسطنبول: نجاح يسهم في النضال ضد ا ...
- تقرير إسرائيلي يحذر من استعداد اليمين المتطرف لمواجهات محتمل ...
- كاتبة بريطانية: بيرنهام يخطط لفرض حكم يساري على بريطانيا إلى ...
- جنوب إفريقيا: مسيرة مؤيدة للشعب الفلسطيني بكيب تاون


المزيد.....

- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رزكار عقراوي - من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير