|
|
القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المواطنة؟
رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري
(Rezgar Akrawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 12:56
المحور:
القضية الكردية
بين القومية والمواطنة: رؤية يسارية لبدائل التحرر
المقدمة
يشهد الشرق الأوسط منذ عقود صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين ودماراً هائلاً على مختلف الأصعدة. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات القومية المعقدة، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، وتختلف ظروفهم وأوضاعهم السياسية والاقتصادية والثقافية في كل دولة. السؤال الجوهري هنا هو: ما الحل الحقيقي الممكن الان للقضية الكردية والمسألة القومية في المنطقة؟ هل هو في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟ نعم، كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد في معظم دول المنطقة، وهو واقع تاريخي لا يمكن إنكاره، إذ لا يمكن تناول المسألة القومية والقضية الكردية دون الاعتراف الواضح والصريح بحقيقة هذا الاضطهاد الذي تعرض له الأكراد والأقليات القومية الأخرى تاريخياً في الدول الاستبدادية، سواء كانت ذات صبغة قومية أو دينية. هذا الاضطهاد كان سياسة ممنهجة مارستها دول مركزية عبر الإنكار القسري للهوية، وحظر اللغة، والتهجير القسري، وصولاً إلى الإبادة الجماعية، ولنا في ذلك أمثلة دامية وشاخصة:
• ففي العراق، بلغت الوحشية ذروتها في عهد صدام حسين عبر حملات الأنفال الوحشية التي غيبت عشرات الآلاف في مقابر جماعية، وجريمة قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية التي أبادوا فيها آلاف المدنيين في لحظات، بالتوازي مع سياسات "التعريب" وتغيير الديموغرافيا القسري. • وفي سوريا، احكم النظامان في عهدي حافظ وبشار الأسد حصارا قوميا تمثل في الحزام العربي لعزل المناطق الكردية، وإحصاء عام 1962 الجائر الذي جرد مئات الالاف من جنسيتهم وحقهم في المواطنة، مع حظر شامل للغة والثقافة والنشاط السياسي. واليوم، في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري الذي يشنه الجيش السوري والمليشيات المتحالفة معه على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية - قسد -، في استمرار واضح لسياسات القمع والعسكرة، ودفع المدنيين مرة اخرى ليكونوا ضحايا لصراعات السلطة والهيمنة، بعيدا عن اي حل ديمقراطي عادل للمسالة القومية. • أما في تركيا، فقد مارست الدولة على مدى عقود سياسات هدفت الى طمس الوجود القومي الكردي، وصنفت الأكراد تحت مسمى مهين وهو "أتراك الجبال"، وشنت حملات عسكرية دمرت آلاف القرى وهجرت الملايين، مع تجريم واسع لكل ما يمت للهوية الكردية بصلة. • وفي إيران، يواجه الأكراد قمعاً مركباً تحت نير النظام الديني - الثيوقراطي المستبد، يتجسد في القمع القومي والإعدامات الميدانية والسياسية، وعسكرة المدن الكردية بالكامل، وتهميش المناطق الحدودية اقتصادياً لدفع سكانها نحو الفقر والارتهان. إن هذه الوقائع تشكل جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة الحديث ولا يمكن لأي طرح يساري جدي تجاهلها. لكنها في الجوهر تمثل وجهاً واحداً من سياسة استبدادية شاملة تنتهجها تلك الأنظمة، فهي لم تستهدف الأكراد وحدهم، وإنما وجهت آلتها القمعية ضد كافة مواطني تلك البلدان من كافة القوميات، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تكمم أفواه الغالبية الساحقة، وتزج بالمعارضين بغض النظر عن القومية والدين والمعتقد في السجون، وتصادر حرياتهم وتستنزف كرامتهم الإنسانية دون استثناء، مما يجعل من النضال ضد الاضطهاد القومي جزءاً لا يتجزأ من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. في نفس الوقت الاعتراف بعدالة القضية الكردية وحق الأكراد في المساواة والكرامة لا يعني بالضرورة تبني كل المشاريع القومية المطروحة باسم هذا الاضطهاد. إن مواجهة الاضطهاد القومي الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، تضمن الحقوق القومية والثقافية واللغوية كاملة لكل المكونات، وتضع حداً دائماً لدورات الظلم القومي المتبادل.
من القومية المظلومة إلى تجربة سلطة حاكمة
كما نرى في إقليم كردستان العراق، الذي يشكل وضعا شبه دولتي كامل، تحولت القومية المظلومة إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات واسعة بممارسات قمعية وفساد مالي منظم. الحزبان الرئيسيان، الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، أسهما في تكريس بنية حكم عائلية عشائرية، يتقاسمان فيها السلطة والثروة والنفوذ. اندلعت حرب أهلية كردية دموية بين الحزبين استمرت من عام 1994 حتى 1998، راح ضحيتها آلاف الأكراد، وكان سببها الصراع على النفوذ والسيطرة على الموارد وليس التحرر القومي. حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، استمر الصراع بينهما بأشكال أخرى، وتحولا إلى نموذج واضح للحكم العائلي الوراثي المستبد. حسب تقارير منظمات حقوق الانسان الدولية، قامت السلطات في الإقليم بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. الفساد المالي في الإقليم مستشر، حيث لا يتسلم موظفو الإقليم رواتبهم لأشهر. كما شهد الإقليم تظاهرات شعبية واسعة ضد البطالة والفساد والاستبداد وانقطاع الرواتب، وتم قمعها في حالات كثيرة، في حين استمر الحزبان الحاكمان في تكريس احتكار ثروات الإقليم وتعزيز الأدوات الأمنية والعسكرية لحماية مصالحهما الضيقة. في سوريا ايضا، تحولت قوات سوريا الديمقراطية قسد ، التي حكمت مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا بدعم امريكي ومنذ عام 2015، الى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، وتعتمد سياسات ذات طابع مركزي واضح، مع هامش محدود للتعددية السياسية والفكرية. ورغم قيامها بجملة من الاصلاحات المهمة ذات الطابع التقدمي والمدني، خصوصا في بعض الجوانب الاجتماعية والادارية، وتوسيع مشاركة المرأة، الا ان هذه الاصلاحات بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي معين، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي وهيمنة جهاز حزبي مغلق. ووفقاً لتقارير دولية، سجلت على قسد انتهاكات واسعة لحقوق الانسان، من بينها استمرار تجنيد الاطفال، واعتماد سياسات امنية مشددة شملت الاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين. وبتقديري ان تجربة اليسار القومي الكردي، مهما تطورت، يصعب أن تتجاوز مستوى اصلاحات ذات صبغة يسارية ومدنية، شبيهة بتجارب النخب القومية التي حكمت المنطقة في القرن الماضي، والتي بدأت بوعود اجتماعية ويسارية عريضة، لكن بنيتها المركزية المغلقة قادتها في النهاية إلى الانزلاق نحو الدكتاتورية والاستبداد وتهميش الإرادة الشعبية. من خلال هذه التجارب، في اقليم كردستان العراق وفي شمال وشرق سوريا، يتضح ان الصراع الذي جرى تسويقه بوصفه صراعا قوميا تحرريا، قد تحول عمليا الى صراع على السلطة والنفوذ والثروة بين قوى سياسية قومية ذات طابع برجوازي، حاكمة او طامحة للحكم. الخطاب القومي هنا خرج من كونه اداة تحرر، وتحول الى غطاء ايديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، واعادة انتاج علاقات السيطرة نفسها التي ثارت عليها الجماهير سابقا في ظل انظمة القومية الظالمة، ولكن هذه المرة بصبغة محلية. إن المظلومية القومية التاريخية، مهما بلغت مرارتها، لا تمنح صك غفران لأي سلطة قومية لتمارس القمع والاضطهاد. إن تحول القومية المظلومة إلى أداة قمع واستبداد يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، وهو ما يثبت أن الخلل ليس في النخب الحاكمة، وانما في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.
تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية القومية
الصراعات القومية في المنطقة تحمل خطراً حقيقياً يتمثل في دفع المجتمعات نحو التعصب القومي وحروب أهلية قومية دموية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي من بعض الأطراف لا يعمل فقط على تغذية الكراهية والانقسام، وإنما يؤدي وظيفة سياسية واضحة تتمثل في تحويل الصراع من صراع اجتماعي طبقي بين الجماهير الكادحة من جهة، والطبقات الحاكمة والبرجوازيات المسيطرة من جهة أخرى، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. بهذا المعنى، لا تشكل الصراعات القومية انحرافاً عرضياً، وإنما أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية. تحت غطاء الدفاع عن القومية أو الهوية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات القائمة أو الطامحة للحكم من أي مساءلة اجتماعية. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل، وتدفع الجماهير إلى الاصطفاف خلف النخب القومية الحاكمة التي لا تختلف في جوهرها عن بقية الطبقات الحاكمة في المنطقة. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والتعبئة والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام أي إمكانية لبناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات والطوائف. أن مهمة قوى اليسار والتحرر في هذا السياق هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب والصراع المسلح، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة أو التوجه السياسي. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة أو اتجاه سياسي معين، ويغض النظر عن الجرائم المرتكبة بحق مدنيي المكونات الأخرى، هو تفكير لا إنساني زائف، ويساهم مباشرة في تكريس التعصب القومي والديني، وتعميق الانقسام الاجتماعي، وإضعاف أي مشروع تحرري حقيقي قائم على العدالة الاجتماعية والمساواة.
هل الدولة القومية ممكنة الآن؟
الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية، فالمناطق ذات الأغلبية الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، وتأثير الدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية الكردية أي دعم دولي حقيقي جدي. الدعم الأمريكي أو الغربي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية عدة، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ إن التجربة في إقليم كردستان العراق وفي سوريا شاخصة أمامنا: حكم عشائري - حزبي، ممارسات استبدادية، فساد مالي واسع، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. من الضروري أن نتحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية في كثير من المناطق التي تطرح فيها مشاريع قومية: هذه المناطق ليست كلها ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي جديد على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة الديموغرافية تخلق توترات قومية حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة سياسات سواء كان " التعريب" و "تكريد" و "التتريك" ضد السكان الآخرين. من الصعب بناء دولة قومية أو شبه دولة على أساس قومي في مناطق متعددة القوميات بدون خلق ظلم قومي جديد.
المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا
البعض من الحركات القومية الكردية الحالية في المنطقة، في مراحل معينة، بنت ومازالت كثيراً من مشاريعها على الدعم الأمريكي وحلفائها. أمريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الأنظمة الرجعية والعنصرية، ولم تكن يوماً في صف الشعوب المضطهدة أو القيم الإنسانية والتحررية. وجود أمريكا في المنطقة يهدف أساساً إلى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. أعتقد أن تحالف الولايات المتحدة مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء أساساً لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية أمريكية كبيرة، سواء من خلال القوات النظامية أو الشركات الأمنية، ولذلك اعتمدت ولا تزال تعتمد على القوى العسكرية البشرية الكردية في تنفيذ أجندتها وتعزيز نفوذها. وفي الآونة الأخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولاً واضحاً باتجاه أحمد الشرع والحكومة المركزية. والمفارقة أن أمريكا تحالفت مع شخص لم ينتخب ديمقراطياً، وكان حتى وقت قريب على قائمة الإرهاب العالمي، مما يكشف بوضوح أن أمريكا لا تهتم إلا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية أو القيم الإنسانية التي تدعيها. هذا التحالف يشبه إلى حد كبير تحالف بعض أطراف المعارضة العراقية مع الولايات المتحدة قبيل إسقاط النظام البعثي. وهو، برأيي، تحالف وقتي وهش تحكمه المصالح الأمريكية، ويضفي شرعية على التدخل الأمريكي وممارساته. ونرى انعكاسات ذلك بوضوح في سوريا، ولا يستبعد أن يتكرر السيناريو نفسه في إقليم كردستان العراق وفقاً لمصالح الولايات المتحدة وترتيب أولوياتها. والتاريخ يثبت أن السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب، كما أظهرت تجارب عديدة في المنطقة. أمريكا معروفة بتخليها عن حلفائها عند انتهاء دورهم أو عندما تتعارض مصالحهم مع أجندتها. لدينا أمثلة كثيرة على ذلك، منها ما جرى للأكراد في العراق عام 1975، وما حدث للأفغان بعد انسحاب السوفييت. المصالح والعلاقات الاستراتيجية لأمريكا مع تركيا والدول العربية وغيرها من دول المنطقة تبقى الأهم والأساس. إن المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هي مراهنة على "سراب سياسي". إن هذه القوى لا ترى في الحركات القومية "حلفاء"، وإنما مجرد "بيادق" في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة بمجرد أن تقتضي مصالح الشركات والنفط ذلك.
دولة المواطنة والحقوق بهوية انسانية
يجب التمييز الواضح بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات القومية، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. فهذه الحقوق مطالب مشروعة وعادلة يجب أن يدعمها كل القوى اليسارية والتقدمية، بدءاً من الاعتراف الدستوري بالتعددية وصولاً إلى اللامركزية الإدارية، إلا أن النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الانسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. إن البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، بل في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية، بدلاً من حشد الجماهير الكادحة في صراعات قومية-دينية تخدم مصالح البرجوازيات وحدها. إن هذا الانتقال ليس قفزة في الفراغ، وانما هو مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية المقيتة، ومن هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل عقلاني للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها التنموية والخدمية، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ "الدسترة الشاملة للهويات" لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات كحقوق غير قابلة للتصرف، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل، مما يمهد الطريق لظهور تيارات سياسية تتصارع على البرامج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية. والتجارب الدولية، رغم اختلاف سياقاتها، تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة بدلاً من الانتقام، وحتى في الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات جادة لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق عبر إرادة سياسية ونضال شعبي مستمر يضع كرامة الإنسان وحقوقه فوق كل اعتبار قومي أو طائفي ضيق. من الممكن أن يطرح تساؤل هنا أن دولة المواطنة مجرد حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي لدول المنطقة، حيث الاستبداد متجذر والانقسامات القومية عميقة. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في ظل الظروف الراهنة. فالحديث عن قيام دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، وبدون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، هو ما يشبه الحلم البعيد المنال. أما دولة المواطنة فهي مشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية الإدارية، وتعزيز سيادة القانون. هذه خطوات قابلة للتحقيق عبر النضال الشعبي المستمر، وليست قفزة في المجهول. التاريخ الحديث يثبت أن التحول الديمقراطي ممكن حتى في أصعب الظروف. المسألة ليست في "طوباوية" المشروع، بل في الإرادة السياسية والنضال المنظم لتحقيقه. ولا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. فليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية أو إنكار خصوصيتها، بل الدعوة إلى عدم تحويل الهوية القومية إلى أساس لبناء السلطة والدولة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي وإنساني يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة هي في الضد من استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة. لا بد من الدفاع عن جوهر الحقوق القومية من خلال ضمانها دستورياً ومؤسسياً لكل المكونات، بدلاً من ربطها بمشاريع دول قومية إقصائية تعيد إنتاج الظلم بشكل معكوس. الهوية القومية الكردية، كغيرها من الهويات، يجب أن تحترم وتصان، لكن ليس كأداة لبناء سلطة قومية.
حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية
مع تأييدي الكامل للحق الكامل والشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والاقليمية مناسبة الآن للانفصال والاستقلال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية بين الشعوب وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد وندعم حق تقرير المصير بما فيه الانفصال، إذا كان ذلك سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة أفضل وأماناً أفضل وصراعات أقل في المنطقة. هذا الموقف لا يعني معاداة التحرر القومي الكردي أو التقليل من عدالة قضيته التاريخية، على العكس، هو دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. وفي الظروف الراهنة، أعتقد أن الجماهير الكادحة تجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض إلى أزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية، حتى لو تشكلت الآن، فإن الظروف الراهنة والتجارب السابقة توحي بأنها قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر في المنطقة، ولن تغير شيئاً من حياتهم. علينا أن نتعامل بعقلانية واقعية وعلمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا من كافة الجوانب وقدرات وقوة "أعدائنا"، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول والسياسات التي نطرحها وآلياتها. يجب أن نتجنب المشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر في جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، ونتجنب الترويج لها أو دعمها، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وبالأخص شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وخسائر كبيرة بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري جداً، وليس إلى "البطولات القومية" و"العزة القومية" و"مواجهة العدو القومي بكل السبل وإلى آخر طلقة". هذا الخطاب لا يحقق النصر في المعارك العسكرية والسياسية، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.
مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة
مهمتنا كيسار اليوم في البلدان التي تشهد إشكالات قومية، هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير. يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً داخل مشروع دولة المواطنة عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي داخل المجتمع على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة وأكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، واللامركزية الديمقراطية، والحريات، باعتبارها المدخل الواقعي لبناء هذا البديل. إن الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. إن معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وانما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله. وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.
#رزكار_عقراوي (هاشتاغ)
Rezgar_Akrawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية
...
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
-
مقالاتي وتحليلاتي حول اليسار الالكتروني والذكاء الاصطناعي وا
...
-
الرؤية الرأسمالية للذكاء الاصطناعي: الربح، السلطة، والسيطرة
-
اليسار العراقي عشية انتخابات 2025: بين الوحدة والتجدد
-
جيل Z 212 واحتجاجات الشباب في المغرب: من الفضاء الرقمي إلى ا
...
-
بثلاثين لغة عالمية، يصدر كتابي حول الذكاء الاصطناعي مجانا بد
...
-
رقابة وسيطرة ناعمة، عبر الذكاء الاصطناعي كأداة قمع سياسي متد
...
-
هل نعيش في عبودية رقمية؟ كيف يسيطر الذكاء الاصطناعي على عقول
...
-
البابا والفاتيكان، حق إلهي أم احتكار ذكوري؟ رجال كهول يقصون
...
-
كسر الفجوة الرقمية بين اليسار والرأسمالية، مهمة اليسار العاج
...
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
-
الذكاء الاصطناعي، رؤية اشتراكية
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
-
الحزب الشيوعي وسائرون، أجمل تحية وتهنئة بذكرى التأسيس، ملا
...
-
نحو – إعدام! - عقوبة الإعدام
-
حول اغتيال - السليماني -، إرهاب الدولة وثقافة الإعدام والاغت
...
-
من اغتال رفيقي وصديقي نذير عمر؟ في ذكراه بعد ربع قرن من الجر
...
-
حول إدارة الاختلاف في الأحزاب اليسارية - الإشكالات الأخيرة ف
...
-
عفرين! .... الدولة القومية؟ أم دولة المواطنة والحقوق؟ .... م
...
المزيد.....
-
يونيسف تحذر من خسارة جيل بأكمله في السودان
-
مراكز الإيواء الألمانية تحت المجهر بعد اختفاء مئات اللاجئين
...
-
تنفيذ حكم الإعدام بحق عنصرين من -داعش- شاركا في تفجير حافلة
...
-
استيطان ونزوح وهدم.. الأونروا: الضفة تعيش أسوأ أزمة إنسانية
...
-
هدم مقر -الأونروا-.. استهداف الحصانة الأممية في القدس
-
صدمة واحتجاجات بعد اعتقال هيئة مكافحة الهجرة طفلا بولاية مين
...
-
فيديو مسرب يكشف ما دار بين قادة فنزويلا بعد اعتقال مادورو
-
رد فعل إيران على القرار -المسيّس- لمجلس حقوق الإنسان
-
مجلس حقوق الإنسان يمدد التحقيق في احتجاجات إيران
-
الحوثي: تأخر حسم كشوفات الأسرى يعرقل تنفيذ اتفاق مسقط
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|