|
|
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري
(Rezgar Akrawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 16:38
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع
المدخل:
كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية. وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة. هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة. وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.
السياق والإشكالية المحورية ثمة جملة من النقاط التي تستحق النقاش المعمق، وتسهم في فهم الفجوة بين الزخم الجماهيري والتنظيمات اليسارية: • مسألة الحضور والتأثير: أسهم اليسار بفاعلية ملموسة في الساحات أفراداً وكوادر، وتبقى مسألة تطوير هذا الحضور نحو قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة محوراً جديراً بالبحث والتداول. • إدارة الاختلاف الداخلي: الخلافات الداخلية بين تيارات اليسار، حين تدار خارج أطر جماعية بناءة واضحة، ويضخَم التركيز عليها في مقابل تقزيم نقاط الالتقاء الكثيرة، تفضي إلى استنزاف الطاقات في لحظات تستوجب التوحد والتنسيق. • تطوير الخطاب السياسي: واليات التنظيم: ثمة فرصة حقيقية لتطوير اليات التنظيم والخطاب اليساري كي ينطلق من المعاناة اليومية الملموسة للجماهير، بما يجعله أكثر اتصالاً بالواقع وأقدر على الإقناع والتأثير. • التنسيق الانتخابي: توزع اليسار على قوائم متعددة ببرامج متقاربة لم ينتج في الغالب التنوع الخلاق المأمول، وتعزيز التنسيق بين هذه القوى يظل ضرورة عملية ملحة. • بناء المنظمات الجماهيرية: النموذج السائد في بناء المنظمات الجماهيرية يستدعي مراجعة هادئة، إذ يبدو أن دعم النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية يوفر قاعدة أوسع وأكثر استدامة من نماذج "منظمات الواجهة" الحزبية. • تمكين الشباب والنساء: الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية يستوجب تعزيز تمثيلهم في هيئات القيادة اليسارية بما يعكس هذا الدور الفعلي. • الاستثمار في الفضاء الرقمي: المرحلة الراهنة تقدم فرصة سانحة لتطوير الأدوات الرقمية وتوظيفها بفاعلية في معارك الوعي والتواصل مع الأجيال الجديدة. الأفق العملي المقترح الحوار والعمل من أجل بناء إطار يساري موحد متعدد المنابر، يقوم على برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية، وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم خصوصية كل مكون، وتمثيل فعلي للشباب والنساء في مواقع القرار، وسياسة رقمية فاعلة تواكب العصر، فضلاً عن ربط مستدام بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي والجماهيري اليومي. والاستفادة من تجارب عالمية من أميركا اللاتينية وأوروبا، تثبت أن الجمع الخلاق بين التوحد والشارع والتنظيم والصندوق هو ما أتاح لقوى يسارية في سياقات صعبة أن تحول الغضب الاجتماعي إلى تغيير سياسي فاعل. يبقى التوحد في إطار يساري واسع الطريق الأجدى نحو استعادة الدور والتأثير، شريطة أن يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويرسي اليسار فكرياً وتنظيمياً على أسس متجددة قادرة على مخاطبة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.
مقدمة: الحركات الاحتجاجية والمطلبية وتحدي التحول، من الشارع إلى التنظيم
شهد العراق واقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية متعددة عبرت عن غضب جماهيري عميق ضد الفساد والمحاصصة وتدهور الخدمات. لكن انتفاضة تشرين 2019 شكلت اللحظة الأبرز والأكثر تأثيراً، إذ لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، وانما تحولاً نوعياً في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، تجاه طبيعة السلطة وإمكانيات التغيير. لأول مرة منذ عقود، استعادت الشوارع والساحات دورها كفضاء سياسي حقيقي ومركز لإنتاج الخطاب والتنظيم والمبادرة. خرجت الجماهير في هذه الاحتجاجات من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر. كانت المطالب واضحة: الخبز، الكرامة، العدالة الاجتماعية، العمل، الخدمات، وإنهاء منظومة المحاصصة والفساد والاستبداد. مطالب نابعة من التجربة اليومية القاسية لجماهير دفعت ثمن عقود من الحروب والحصار والنهب المنظم. في قلب الاحتجاجات والمظاهرات، كان اليسار العراقي بكل تياراته حاضراً بشكل فاعل. ومع كل هذه الاحتجاجات، وما رافقها من رفض واسع من قطاعات كبيرة من الجماهير للسلطات الحاكمة في بغداد واربيل، ومع نتائج انتخابات نوفمبر 2025 التي لم تحصل فيها القوائم اليسارية على اي مقعد برلماني، يبرز السؤال الجوهري بوصفه ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها: لماذا لم يتمكن اليسار، رغم عدالة خطابه وعمق حضوره في الشارع، من تحويل هذا الزخم الجماهيري الى قوة سياسية منظمة؟ ولماذا بقي عالقاً في الدفاع والانقسام، بدل الانتقال الى موقع المبادرة والتوحد؟ الإجابة لا تختزل بعوامل خارجية فقط، رغم أهميتها. نعم، النظام السياسي معادٍ للتغيير، قائم على المحاصصة الطائفية، محمي بالسلاح والميليشيات والمال السياسي، ومسنود بشبكات إقليمية ودولية. نعم، القمع كان دموياً وممنهج، واستهدف بشكل مباشر النشطاء والناشطات وقوى التغيير واليسار بشكل خاص. لكن هذا، على فداحته، لا يعفي اليسار من مسؤولية مراجعة أدواته وأشكال عمله ومنهجه في قراءة الواقع والتعامل معه. الحركات الاحتجاجية والمطلبية كشفت إمكانات جماهيرية هائلة للتغيير الاجتماعي، لكنها كشفت أيضاً نقاط الضعف في البنى التنظيمية القائمة، والفجوة بين الخطاب اليساري كما ينتج داخل التنظيمات وبين وعي الجماهير كما يتشكل في الشارع. كشفت أن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بأدوات تنظيمية مرنة ومعاصرة، وتوحيد للطاقات، وخطاب مفهوم، واستخدام فاعل للأدوات الرقمية، واستراتيجية واضحة تربط بين الاحتجاج والعمل السياسي والنضال اليومي في المجتمع. هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة أو وصفات سحرية، وإنما تحاول المشاركة في الحوار الجاري حول تجربة اليسار العراقي في تعامله مع آليتي التغيير الأساسيتين: الانتخابات والحركة الاحتجاجية، ومحاولة طرح أفق عمل والمساهمة في بناء استراتيجية يسارية قادرة على التجديد والتوحد واستعادة الثقة والتأثير والدور التاريخي.
أولاً: الحركات الاحتجاجية واليسار، فرصة تاريخية وتحديات تنظيمية
1. اليسار في قلب الحركات الاحتجاجية
لا يمكن قراءة الحركات الاحتجاجية والمطلبية التي شهدها العراق وإقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين، بمعزل عن الدور الذي لعبه اليسار العراقي والكردستاني فيها. فبعيداً عن المبالغة أو التقليل، كان اليسار جزءاً فاعلاً من البنية الحقيقية لهذه الاحتجاجات. كان في الساحات منذ الأيام الأولى، شارك في التنظيم، وفي إدارة الفضاء الاحتجاجي، وفي الدفاع عن سلمية الحراك، وفي مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل السلطة أو من قوى تريد حرف المسار. في ساحات بغداد، والناصرية، والبصرة، والنجف، والديوانية، وأربيل والسليمانية ومدن أخرى، لعب اليسار دوراً مهماً في بناء أشكال تنظيم أفقي غير هرمية، اعتمدت المبادرة الذاتية والتنسيق اليومي والعمل التطوعي. ظهرت خبرة تراكمت عبر سنوات من النضال السري والعلني، في كيفية إدارة التظاهرات، وتنظيم الصفوف، والتعامل مع القمع، وصياغة الشعارات. كما كان لليسار حضور واضح في اللجان الإعلامية، في نقل صورة ما يجري، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي ربط ما يحدث محلياً بسياقه الإقليمي والدولي. لكن، ورغم هذا الحضور الكثيف والمؤثر عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، بقي اليسار حاضراً كأفراد وكوادر وناشطين، أكثر مما كان حاضراً كقوة سياسية منظمة موحدة ذات قيادة واضحة واستراتيجية معلنة. هذا التناقض بين الحضور الفعلي والضعف التنظيمي الموحد لم يكن تفصيلاً ثانوياً، وإنما شكل أحد مفاتيح الفهم الأساسية. فاليسار كان في قلب الحدث، لكنه لم يكن في موقع قيادته السياسية الشاملة، ولم يتمكن من تحويل حضوره الميداني إلى مرجعية تنظيمية قادرة على توحيد المسار، أو على الأقل طرح أفق تقدمي واضح له. برأيي ان هذا الوضع لم يكن نتيجة صدفة، وإنما نتاج تراكم طويل من إشكاليات التنظيم، والتردد في التعامل مع أشكال الحراك الجديدة، والخوف من اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. كثير من قوى اليسار فضلت البقاء في موقع الدعم الخلفي، أو الاندماج الكامل في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، اعتقاداً منها أن ذلك يحمي الاحتجاجات من التشويه، أو يحافظ على طابعها الجماهيري. لكن هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، قد ساهم عملياً في ترك فراغ سياسي وتنظيمي، سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحول إلى حالة من التشتت واللاقرار.
2. لماذا لم يتحول زخم الحركات الاحتجاجية إلى قوة سياسية يسارية؟
إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم يتمكن اليسار من تحويل هذا الزخم الهائل وهذه التضحيات الجسيمة عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار والتأثير؟ لماذا ضعفت الحركات الاحتجاجية على مستوى النتائج السياسية دون أن تنتج إطاراً يسارياً أو تقدمياً موحداً، أو حتى قوة انتخابية قادرة على اختراق المشهد؟ دخل اليسار العراقي والكردستاني الحركات الاحتجاجية وهو يحمل في داخله انقسامات عميقة وغير محسومة حول طبيعة الحراك نفسه وآلياته. هذه الانقسامات لم تظهر فجأة، لكنها انفجرت بوضوح في سياق هذه الاحتجاجات. الخلاف لم يكن فقط حول التكتيك، وإنما حول الرؤية الاستراتيجية للحراك ذاته. هل يجب الاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام؟ أم الانتقال تدريجياً نحو أشكال تنظيمية أكثر استقراراً؟ وما هي العلاقة بين الساحات والتنظيمات القائمة؟ من خلال متابعاتي لاحظت ثلاثة اتجاهات داخل اليسار. اتجاه رأى ضرورة تحويل زخم الاحتجاج إلى بنية تنظيمية مستدامة، قادرة على حماية المكتسبات والاستمرار بالنضال والمشاركة من خلالها في الانتخابات. اتجاه آخر دعا إلى البقاء في الشارع حتى تحقيق التغيير الجذري، معتبراً أن أي انتقال مبكر نحو التنظيم قد يفرغ الحراك من مضمونه الثوري. واتجاه ثالث تردد بين الخيارين، دون حسم واضح، ما أدى إلى خطاب ملتبس، ومواقف متغيرة، وفقدان البوصلة. هذا الانقسام لم يدَر بوصفه اختلافاً صحياً داخل إطار موحد، وإنما تحول إلى صراع علني استنزف طاقات كبيرة، وخلق حالة من الارتباك لدى الجماهير المحتجة. عدم القدرة على بناء تحالفات اجتماعية واسعة من أبرز نقاط الضعف في تجربة اليسار خلال الحركات الاحتجاجية، وفي تشرين كمثل مهم وحي، عدم قدرته على بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومستقرة. صحيح أن الحراك كان متنوعاً بطبيعته، وضم فئات مختلفة، لكن هذا التنوع لم يتحول إلى تحالف منظم. اليسار لم ينجح في مد جسور دائمة وقوية مع الحركات الجماهيرية والمدنية المستقلة، ولا مع النقابات العمالية و المهنية، ولا مع قطاعات اجتماعية واسعة مثل النساء، والعاطلات والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الفقيرة، والطلبة. كان لطبيعة الحراك ذاتها دور في هذه الصعوبة. فقد سادت في ساحات الاحتجاج نظرة "اللاتحزب" بقوة، حيث تحفظ كثير من المحتجين والمحتجات من العمل السياسي الحزبي بأشكاله كافة، نتيجة تجارب سلبية متراكمة مع الأحزاب التقليدية. هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في سياقه، خلق حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية، حتى لو كانت مستقلة ومرنة. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج تنظيمي بديل يكسر هذا التحفظ، ويقنع المحتجين بأن التنظيم ليس بالضرورة هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته. جزء من هذه النتائج يعود إلى القمع والقيود المفروضة، لكن جزءاً آخر يعود إلى ضعف العمل القاعدي طويل النفس، وإلى الميل للاكتفاء بالحضور في لحظة الانفجار، دون بناء تنظيم مستدام قبلها وبعدها. على عكس تجارب عالمية عديدة، حيث شكلت النقابات والحركات الاجتماعية العمود الفقري للتحالفات اليسارية، بقيت هذه القوى في العراق إما محاصرة، أو مهمشة وضعيفة، أو خارج الحسابات الفعلية. النتيجة أن الحركات الاحتجاجية والمطلبية، رغم عظمتها، بقيت إلى حد كبير حركة بلا امتداد تنظيمي موحد على صعيد البلد، وبلا ذراع قادر على حمايتها، واستثمار زخمها، والدفاع عن مكتسباتها. وهذا ما سهل على السلطات، مع مرور الوقت، تفكيكها بالقمع، والاغتيالات، والاختراقات، والارهاق النفسي والاجتماعي، وإعادة ترتيب أوراقها.
3. هل يمكن للحركة الاحتجاجية وحدها أن تحقق التغيير؟
التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ. الاحتجاج يفتح النافذة، لكنه لا يضمن عبور الضوء. بدون تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة، تتحول الاحتجاجات إما إلى انفجارات متكررة بلا نتائج، أو إلى حركات يتم احتواؤها أو قمعها. في الربيع العربي، سقطت أنظمة واهتزت سلطويات راسخة، لكن غياب البديل المنظم حول لحظة الشارع إلى فراغ سياسي، ففتحت الطريق أمام الفوضى أو عودة الاستبداد بصيغ جديدة. المشكلة لم تكن في الجماهير، بل في ترك الانتفاضات بلا أفق طبقي وتنظيمي. في المغرب، كشفت انتفاضة جيل Z في المغرب 2025 هذا التناقض، جيل احتج على الغلاء والتهميش مستخدماً أدوات رقمية وخطاباً اجتماعياً مباشراً، لكنه اصطدم بحدود الفعل غير المؤطر سياسياً، فتم تفريغ الغضب دون تحول بنيوي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع وصناديق الاقتراع، وحافظت على الضغط الجماهيري والتنظيم القاعدي. في أوروبا، خرجت أشكال تنظيم جديدة من رحم الاحتجاجات، أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وخلقت توازنات جديدة داخل النظام القائم. هذه التجارب تؤكد أن الاحتجاج وحده لحظة ناقصة ما لم يتحول إلى قوة منظمة ذات أفق اجتماعي تحرري. الدرس واضح من التجربة العراقية والتجارب الإقليمية والعالمية: الاحتجاج يخلق الفرصة، لكن التنظيم السياسي هو من يحولها إلى تغيير فاعل ومؤثر وجذري.
ثانياً: الانتخابات كآلية للتغيير، قراءة في التجربة 1. قراءة نقدية في نتائج انتخابات 2025
لم يكن عدم حصول القوائم اليسارية والتقدمية على أي مقعد برلماني في انتخابات نوفمبر 2025 مجرد نتيجة انتخابية سلبية، وإنما كان تعبيراً مكثفاً عن إشكاليات بنيوية تتطلب المعالجة في العلاقة بين اليسار والمجتمع، وفي أدوات العمل السياسي المستخدمة. هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط بالقانون الانتخابي المجحف، ولا بسيادة المال السياسي، ولا بالتزوير والتلاعب، رغم أن كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة جدا. ما حدث هو نتيجة تفاعل هذه العوامل مع إشكاليات تنظيمية داخلية، لم يتمكن اليسار من خلاله تحويل عدالة مشروعه إلى خيار جماهيري مقنع.
إشكاليات الموارد الاهم كان الفارق الهائل في الموارد والإمكانيات. فمقابل الإمكانيات المحدودة جداً لليسار، كانت القوى المتنفذة تمتلك موارد مالية ضخمة، وماكينات انتخابية متطورة، وشبكات واسعة من المحسوبية والمنافع. ضعف التمويل لدى اليسار، وضعف البنية التحتية الانتخابية من مكاتب محلية ومندوبين وحملات إعلامية وميدانية منظمة، جعل المنافسة غير متكافئة إلى حد بعيد. في مواجهة قوى تمتلك المال السياسي والنفوذ الإداري والإعلامي، بدت الإمكانيات اليسارية المتواضعة عاجزة عن خلق توازن حقيقي في المعركة الانتخابية. هذا الواقع ساهم في استمرار الحضور الهامشي لليسار مقارنة بالقوى المتنفذة، وأضعف العملية الانتخابية ذاتها، وعزز الشعور بالعجز حتى لدى المؤيدين والمؤيدات أنفسهم.
تحديات الخطاب والتواصل: من النظرية إلى الواقع كانت تحديات الخطاب والتواصل واضحة وكاشفة. استمر الخطاب الانتخابي لقوى اليسار في معظم الاحيان في استخدام لغة نظرية نخبوية، غير متجذرة في الواقع اليومي الملموس للجماهير. بدت كثير من البرامج الانتخابية أقرب إلى بيانات فكرية مطولة منها إلى خطط عمل سياسية واضحة. لكن المشكلة الأعمق لم تكن في اللغة فحسب، وإنما في المنهج نفسه: الانطلاق من النظريات نحو الواقع، بدلاً من الانطلاق من الواقع الملموس نحو فهمه وتغييره. فبدلاً من الاستماع لمعاناة الناس اليومية وبناء البرنامج انطلاقاً منها، جاءت البرامج محملة بتصورات جاهزة عما "يجب" أن يكون، دون اعتبار كافٍ لما هو ممكن في ظل موازين القوى الطبقية والسياسية القائمة.
لم يتم تبسيط الرسالة، ولم تترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة على أسئلة الناس اليومية حول العمل، والراتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والسكن. والأخطر من ذلك أن اليسار استمر في طرح "الحلول المطلوبة"، دون تقديم "الحلول الممكنة" العملية والتدريجية التي يمكن تحقيقها في المدى القريب. فالجماهير لا تبحث فقط عن رؤية مثالية للمستقبل، وإنما عن خطوات واضحة قابلة للتطبيق تحسن حياتها اليوم، وتمنحها الأمل بأن التغيير ممكن فعلاً. في سوق سياسي يعتمد على الصورة والرسالة السريعة والتواصل المباشر، بدا اليسار وكأنه يخاطب نفسه أو يخاطب تياراً يسارياً آخر يختلف معه، أكثر مما يخاطب شغيلات وشغيلة اليد والفكر بلغتهم البسيطة وبحلول تلامس واقعهم المعاش.
التشتت والارتباك: مظاهر الأزمة في انتخابات 2025 في انتخابات 2025، لم يكن الفشل ناتجاً فقط عن ضعف الأصوات، وإنما عن تشتتها وعن حالة التشوش التي رافقت المشهد اليساري. قاطع جزء من اليسار الانتخابات، وهو خيار مفهوم في ظل فقدان الثقة بالعملية السياسية وحدودها، لكنه عملياً ساهم في زيادة الارتباك الجماهيري بدلاً من أن يتحول إلى موقف تعبوي منظم. لكن التشوش لم يأتِ من الخارج فقط؛ فحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة نفسها، قاطعت نسبة كبيرة من أعضائها وعضواتها الانتخابات، ما عكس عمق الأزمة التنظيمية والسياسية وفجوة الثقة بين القواعد والقيادات. في المقابل، القوى اليسارية المشاركة كانت موزعة على قوائم متعددة، ببرامج متقاربة وخطابات متشابهة. هذا التشتت لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما ارباكاً جماهيرياً. فالجماهير لا تبحث عن تعدد صيغ متشابهة للمشروع اليساري، وإنما عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به وفهمه والدفاع عنه. وحين تقدَم لها نسخ متعددة من المشروع نفسه دون إطار جامع أو أفق مشترك، تتحول العدالة ذاتها من وعد تحرري إلى مصدر ارتباك.
فجوة الثقة الجماهيرية أما فجوة الثقة الجماهيرية، فهي الأكثر خطورة. الجماهير لم تصوت لخصوم اليسار بالضرورة، لكنها في الغالب لم تر في اليسار بديلاً واضحاً ومتماسكاً. كثير من الناس شاركوا في الاحتجاجات الجماهيرية، وقدموا تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجدوا في الانتخابات تعبيراً سياسياً عن تلك التجربة. لم يجدوا من يقول لهم بوضوح: نحن امتداد لذلك، وهذه هي خطتنا، وهذه هي أولوياتنا، وهذه هي أدواتنا. يضاف إلى ذلك أن مشاركة بعض القوى اليسارية في حكومات ما بعد 2003، رغم محدودية تأثيرها الفعلي في صنع القرار، خلقت لدى قطاعات من الجماهير انطباعاً بارتباط جزء من اليسار بالمنظومة السياسية القائمة. هذا الانطباع، وإن كان لا يعكس حقيقة الدور الفعلي أو النوايا، ساهم في إضعاف صورة اليسار كبديل جذري معارض خارج السلطة. الجماهير المحتجة، التي خرجت ضد المنظومة بأكملها، كانت تبحث عن قوة سياسية لا لبس في موقعها من السلطة، قوة لم تتلوث بأي شكل من أشكال المشاركة في نظام المحاصصة والفشل الحكومي المتراكم. هذا الفراغ لم يملأه أحد، فبقيت صناديق الاقتراع شبه خالية من الصوت اليساري.
التحدي الرقمي والضعف في استثمار الثورة التكنولوجية ربما كانت إحدى أخطر نقاط الضعف في التجربة الانتخابية لليسار في العراق واقليم كردستان هي لم يستثمر في الثورة الرقمية واستخدامها بفعالية. في عصر تدار فيه جزء كبير من المعارك السياسية عبر الفضاءات الرقمية، وتصاغ فيه الرأي العام من خلال المنصات الاجتماعية، بقي اليسار يعمل بأدوات تقليدية تحتاج تطوير. صحيح أن بعض القوى اليسارية امتلكت مواقع الكترونية وحسابات على وسائل التواصل، لكن الحضور الرقمي لم يكن فاعلا بالمستوى المطلوب، ولا منظماً، ولا قادراً على المنافسة. لم تبنَ فرق محتوى متخصصة، ولا أدوات لتحليل التفاعل وقياس الأثر، ولا خطط لمواجهة الحملات المضادة أو التشويه الممنهج. في الوقت الذي كانت فيه القوى المنافسة تستثمر بشكل فاعل في الإعلانات الموجهة، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي، كان اليسار يكتفي بمنشورات وبيانات نصية طويلة، لا تصل إلى الجمهور المستهدف. هذا التأخر لم يكن تقنياً فحسب، وقد عكس فجوة في فهم طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم يعد كافياً امتلاك الحق، بل يجب امتلاك القدرة على إيصاله بلغة العصر وأدواته.
إشكالية تمثيل النساء في القيادات اليسارية هنا تبرز إشكالية عميقة في تمثيل النساء ضمن الهيئات القيادية لليسار في كافة التنظيمات، رغم أنهن يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ورغم حضورهن الفاعل والمؤثر في القواعد التنظيمية والعمل الميداني. النساء كن جزءاً أساسياً من البنية الاحتجاجية، ودفعن ثمناً باهظاً من التضحيات. وفي التنظيمات اليسارية نفسها، تشكل النساء نسبة لا بأس بها من الكوادر الفاعلة، ومن القيادات الفعلية على مستوى القواعد والمحافظات. لكن هذا الحضور الميداني الكثيف لم ينعكس بشكل عادل على مستوى الهيئات القيادية العليا، حيث يبقى تمثيل النساء محدوداً، وأحياناً رمزياً، دون صلاحيات حقيقية في صنع القرارات المهمة التي تبقى في الغالب بيد الرجال. هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي لا يضعف اليسار تنظيمياً فحسب، وإنما يفقده جزءاً كبيراً من مصداقيته في الحديث عن العدالة والمساواة. القضية ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية وفكرية: كيف يمكن لليسار أن يطالب بتغيير المجتمع وهو لم يحقق المساواة داخل بناه؟ وكيف يمكنه أن يكسب ثقة النساء في المجتمع وهن يرين أنفسهن مغيبات عن مراكز القرار الفعلي داخل تنظيماته؟
إشكالية تمثيل الشباب وضعف القيادات الشابة عن مراكز القرار تعاني قوى اليسار من تحد كبير في تمثيل الشباب داخل بنيتها القيادية. رغم ان معظم الاحتجاجات الجماهيرية هي في جوهرها انتفاضات شبابية، قادها جيل جديد بأدوات جديدة ووعي مختلف، الا ان هذا الواقع لم ينعكس على بنية القيادات اليسارية وصنع القرار فيها. معدل اعمار القيادات المعلنة في معظم التنظيمات اليسارية يتجاوز الستين عاما، وحتى في الحالات التي يشارك فيها الشباب في مواقع تنظيمية، فان حضورهم يبقى غالبا خارج الواجهة السياسية، ودون دور مركزي وحاسم في رسم الاستراتيجيات او اتخاذ القرار. هذا الخلل لم يكن مسألة اعمار فقط، وانما انفصال في اللغة، والادوات، وفهم التحولات الاجتماعية العميقة. الشباب الذين خاضوا الاحتجاجات والمظاهرات المطلبية بأجسادهم، وصنعوا خطابها بأصواتهم، وجدوا أنفسهم غالباً في ادوار التنفيذ والعمل الميداني، دون مشاركة فعلية في التخطيط وتحديد الاتجاه العام. هذا التهميش البنيوي، حتى عندما لم يكن مقصودا، دفع كثيرين منهم الى العزوف عن الاطر التقليدية، والبحث عن اشكال تنظيم بديلة أكثر افقية ومرونة. النتيجة ان اليسار لم يستثمر جزءا كبيرا ومهما من طاقته التجديدية، وبقي محبوسا في دائرة اعادة انتاج نفس الانماط القيادية، بينما الجيل الذي كان يفترض ان يكون في القلب، ظل على الهامش او خارج اطر اليسار.
2. هل الانتخابات آلية غير صالحة للتغيير؟
يميل جزء من اليسار إلى اعتبار الانتخابات في العراق اداة عقيمة، او مسرحية محسومة النتائج سلفا. هذا التقييم يستند الى وقائع حقيقية، لكنه يصبح اشكاليا عندما يتحول الى موقف مبدئي ثابت، غير قابل للنقاش او المراجعة. الانتخابات، بوصفها الية، ليست تقدمية ولا رجعية بحد ذاتها. هي ساحة صراع، يمكن استخدامها لتعزيز الهيمنة، كما يمكن استخدامها لاختراقها، بدرجات متفاوتة. التجارب العالمية تثبت ان اليسار نجح في اختراق انظمة انتخابية أكثر قسوة، عندما امتلك استراتيجية واضحة. في اميركا اللاتينية، وفي اماكن اخرى من الجنوب العالمي، لم تكن الانظمة اقل تعقيدا او هيمنة، لكن اليسار تمكن من تحويل الانتخابات الى اداة من بين ادوات اخرى، لا بديلا عن النضال الاجتماعي، ولا نقيضا له. المشكلة في العراق لم تكن في الانتخابات وحدها، وانما في كيفية دخولها، وباي ادوات، وباي خطاب، وباي تحالفات، وعند الحصول على المقاعد كيف تكون اليات العمل داخل البرلمان. الانتخابات لا تصنع التغيير الجذري بمفردها، لكنها يمكن ان تكون احدى ساحاته. رفضها المطلق قد يكون موقفا اخلاقيا، لكنه سياسيا قد يؤدي الى العزلة. المشاركة غير المدروسة قد تؤدي الى الاحتواء. التحدي الحقيقي هو بناء قدرة على استخدام هذه الالية دون الوقوع في فخها، اي ربطها بحركة جماهيرية اجتماعية حية، وبرنامج واضح، وتنظيم قوي، يحول كل مكسب صغير الى رافعة أكبر.
ثالثاً: تشتت النقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية وضعف الاستقلالية
من اهم الاشكاليات البنيوية العميقة التي اثرت على قدرة اليسار العراقي في بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة، التشتت الحاد في المنظمات الجماهيرية، وخاصة النسوية والطلابية والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية. هذا التشتت كان جزء مهم منه نتيجة مباشرة لمنهج عمل سائد لدى معظم قوى اليسار، يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية كواجهات سياسية مباشرة لها، وليس كمنظمات مستقلة حقيقية تعبر عن مصالح قطاعاتها الاجتماعية. كان من المفترض الحذر من هذا النهج، خاصة في بلد له تجربة مريرة مع النقابات المسيَسة إبان الحقب الدكتاتورية السابقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة بدلاً من تمثيل مصالح الجماهير. الموقف السلبي من النقابات المسيَسة ما زال حاضراً في الذاكرة الشعبية، وما زالت السلطة في بغداد والإقليم تتبع النهج نفسه. لكن الحل لم يكن أن يقوم اليسار بالمثل، وإنما أن يكسر هذا النمط ويقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستقلالية الحقيقية والديمقراطية والتعددية. منظمات الواجهة والبديل المستقل ركزت معظم التنظيمات اليسارية على إنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة، وأحياناً أنشأ الحزب الواحد أكثر من منظمة في القطاع نفسه لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية. النتيجة كانت مشهداً مفككاً من عشرات المنظمات الصغيرة، كل منها تدعي تمثيل نفس القطاع، لكن دورها يبقى محدوداً ومرتبطاً بقوة الحزب الذي يقف خلفها. هذا النهج أضعف المنظمات من مضمونها الحقيقي: النقابة التي تبنى لخدمة حزب معين تفقد قدرتها على تمثيل العمال بتنوعهم، والمنظمة النسوية تفقد قدرتها على جذب نساء من خارج دائرة الحزب، والاتحاد الطلابي يصبح ساحة للصراعات الحزبية. إن بناء نقابة مستقلة واحدة قوية تضم عشرات الآلاف، أفضل ألف مرة من بناء مجموعة نقابات صغيرة تابعة لأحزاب يسارية مختلفة. النقابة المستقلة ستدافع عن الحقوق بفعالية أكبر، وستكسب ثقة أوسع، وستخلق مناخاً أكثر تقدمية، وهذا يصب في صالح المشروع اليساري، حتى لو لم تكن لليسار سيطرة مباشرة على قيادتها وعلى عملها. الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة كان الاجدى توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقيا، الى جانب منظمات جماهيرية ونسوية مستقلة، تستند في عملها الى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان والعمال والمرأة. من بينها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية الاساسية المتعلقة بالحرية النقابية وحق التنظيم، فضلا عن اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، وما يرتبط بها من معايير ملزمة لحماية حقوق النساء وضمان مساواتهن الكاملة. كما تشكل هذه الاتفاقيات مرجعية اساسية لعمل المنظمات النسوية المستقلة، بوصفها اطرا قانونية دولية تعترف بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتمنح نضالهن بعدا شرعيا يتجاوز السياقات المحلية الضيقة. ما يرد في هذه الاتفاقيات والمعايير الدولية يتجاوز في كثير من الاحيان ما تطرحه قوى اليسار نفسها من مطالب متقدمة، سواء على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء. الاستناد الى هذه المرجعيات لا يوفر اطارا قانونيا واخلاقيا قويا للنضال النقابي والنسوي فحسب، وانما يساهم ايضا في تقليص حساسية واتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لان المطالب تتحول من شعارات ايديولوجية عامة الى حقوق معترف بها دوليا، وقابلة للدفاع عنها امام المجتمع والسلطات على حد سواء. الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بشكل كبير. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة، وجد نفسه في فراغ تنظيمي: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات والاحتجاجات إلى إضرابات تشل الاقتصاد، ولا حركة طلابية موحدة، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ. بدلاً من ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة. الجماهير، خاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج، لم تعد تثق بنقابات ومنظمات "الواجهة"، وفضلت أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة. بل أن جزءاً كبيراً بات ينفر من التنظيمات الحزبية عموماً، وهي ظاهرة تستحق الدراسة بدلاً من مواجهتها بالرفض. الزمن تغير، والجماهير اليوم تتجه نحو المنظمات المستقلة المتعددة المنابر والتي تحترم استقلاليتها ولا تفرض خطوطاً حزبية جاهزة. هذا يفرض إعادة نظر جذرية. الخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، بل بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال لدعم نقابات واتحادات مستقلة قوية، يعمل فيها اليساريون كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم. المفارقة المؤلمة هي أن اليسار يدعو لوحدة الجماهير الكادحة، لكن هذه السياسة أدت من غير قصد إلى تشتت الجهود. الطريق إلى الوحدة لا يمر عبر تعدد المنظمات التابعة، بل عبر بناء نقابات واتحادات ومنظمات مستقلة قوية تجمع الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة.
رابعاً: نحو استراتيجية متكاملة، الجمع بين المسارات، وتوحيد اليسار
1. تجاوز الاختزال: الاحتجاج والانتخابات والتنظيم النقابي
من أبرز التحديات التي واجهت اليسار العراقي خلال الحركات الاحتجاجية الأخيرة، التعامل مع سؤال: هل الأولوية للانتخابات أم للاحتجاج؟ هذا السؤال، بصيغته هذه، يمكن أن يعكس قصوراً في التفكير الجدلي، وفي فهم التغيير بوصفه عملية مركبة متعددة المستويات والأدوات. فالتاريخ لا يقدم أمثلة على تغيير اجتماعي عميق تحقق عبر آليات نقية ومعزولة، وإنما عبر تداخل مستمر بين الشارع، والتنظيم، والمؤسسات، والنضال اليومي. الاحتجاج، مهما بلغ حجمه، يحتاج إلى أدوات أخرى لتفكيك منظومة معقدة تمتلك الدولة، والسلاح، والمال، والإعلام. وفي المقابل، الانتخابات، مهما كانت نوايا المشاركين فيها، تحتاج إلى ضغط اجتماعي منظم ومستمر لتكون أداة تغيير فعلية. السؤال الأهم ليس أيهما نختار، وإنما كيف نبني استراتيجية تستخدم كل أداة في موقعها، وتربط بينها ضمن رؤية واحدة. الاستراتيجية المتكاملة تعني وجود حركة احتجاجية مستمرة، غير موسمية، ذات مطالب واضحة، وقادرة على التنظيم الذاتي من خلال نقابات واتحادات جماهيرية مستقلة حقيقياً (وهو ما يتطلب تجاوز نهج "منظمات الواجهة" الحزبية، والتوجه نحو بناء تنظيمات نقابية ديمقراطية تمثل قواعدها فعلياً وليس أجندات حزبية)، وفي الوقت نفسه وجود مشروع يساري سياسي انتخابي موحد، لا بوصفه بديلاً عن الشارع، وإنما امتداداً له. وتعني أيضاً العمل داخل المجتمع، في النقابات، والاتحادات، والأحياء، والجامعات، ومواقع العمل، بوصفها ساحات نضال يومي، لا تقل أهمية عن الساحات العامة أو البرلمان. هذا الدرس يحتاج إلى مزيد من الاستيعاب من التجربة العراقية عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، لتجنب تكرار نفس الإشكاليات في كل لحظة احتجاجية جديدة.
2. دروس من التجارب العالمية للعمل المشترك
التجارب العالمية خلال العقود الأخيرة تقدم دروساً واضحة حول جدوى الجمع بين الاحتجاج والتنظيم والعمل الانتخابي، لا كمسارات متناقضة، وإنما كحلقات في مسار واحد. في أميركا اللاتينية، لم تصل قوى اليسار إلى السلطة أو إلى مواقع مؤثرة إلا بعد مسار طويل من الاحتجاجات الاجتماعية، التي أنتجت وعياً جديداً، ثم جرى تنظيمه سياسياً. في كولومبيا، واجه اليسار تاريخاً طويلاً من القمع والعنف. ومع ذلك، لم يتراجع إلى عزلة احتجاجية دائمة، وإنما عمل على بناء تحالف واسع ضم قوى يسارية، ونسوية، وبيئية، ونقابات عمالية وحركات اجتماعية. هذا العمل المشترك، القائم على برنامج حد أدنى واضح، سمح بتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة انتخابية، أوصلت اليسار إلى الرئاسة للمرة الأولى في تاريخ البلاد. الدرس هنا أن الوحدة، حتى بين قوى مختلفة أيديولوجياً، تصبح ممكنة عندما يتم الاتفاق على أولويات ملموسة تمس حياة الجماهير. في البرازيل، لم يكن إسقاط اليمين المتطرف ممكناً دون تحالف واسع تجاوز الحدود التقليدية لليسار. حزب العمال، رغم قوته التاريخية، أدرك أن العودة إلى السلطة لا تمر فقط عبر قاعدته التقليدية، وإنما عبر بناء جبهة تقدمية واسعة، تستند إلى النقابات، والحركات الاجتماعية، وقطاعات من الطبقة الوسطى. هذا الجمع بين العمل الجماهيري والتنظيم الانتخابي أعاد التوازن السياسي، وأثبت أن البراغماتية النضالية لا تعني التخلي عن المبادئ، وإنما حماية جوهر المشروع. في تشيلي، ومع الفشل في الانتخابات الاخيرة عام 2025، لم يختف اليسار من المشهد، بل ما زال يحتفظ بحضور اجتماعي ملموس، مستندا الى تحالفاته الواسعة، ودور النقابات والاتحادات، وشبكات العمل الاجتماعي. هذا الحضور يجد جذوره في انتفاضة 2019 ضد النيوليبرالية، التي فتحت الطريق امام اعادة تشكيل المشهد السياسي. غير ان ما حسم المسار لم يكن الشارع وحده، بل القدرة على تحويل هذا الزخم الاجتماعي الى تحالف انتخابي منظم، قاد الى فوز بوريك بالرئاسة. ورغم الانتكاسات اللاحقة وحدود التجربة داخل مؤسسات الدولة، بقي التحالف قائما كقوة سياسية، لان الشارع لم يكن معزولا عن التنظيم، ولان الاحتجاج ارتبط بدور النقابات والاتحادات والعمل الاجتماعي المنظم، ما سمح بالحفاظ على حضور اجتماعي فعلي حتى في لحظات التراجع الانتخابي. في أوروبا، تظهر تجربة القائمة الموحدة في الدنمارك كنموذج دال. ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، عاجزة منفردة عن اختراق البرلمان، قررت الاندماج في إطار واحد. لم تلغِ اختلافاتها، لكنها أدارتها ضمن بنية مرنة، سمحت بتوحيد الجهد الانتخابي، وبناء حضور جماهيري مستدام. النتيجة كانت انتقال اليسار من الهامش إلى موقع مؤثر، دون أن يتخلى عن جذريته الاجتماعية. ما يجمع هذه التجارب هو إدراكها أن التغيير لا ينتج من أداة واحدة، ولا من لحظة واحدة، وإنما من تراكم وعمل موحد ومنظم، يجمع بين الغضب الاجتماعي، والتنظيم السياسي، والعمل اليومي داخل المجتمع. كما أن جميعها واجهت انتكاسات وإخفاقات، لكنها لم تعد إلى نقطة الصفر، لأنها بنت أطراً تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف.
2. ما الذي يعنيه هذا لليسار العراقي؟؟ ضرورة التقييم العلمي والتجديد الشامل
اليسار العراقي ليس استثناءً من قوانين الصراع الاجتماعي. ما لم ينجح هنا نجح في أماكن أخرى، ليس لأن تلك المجتمعات أفضل أو أسهل، وإنما لأن قوى اليسار فيها امتلكت الشجاعة لإجراء تقييم علمي نقدي لتجاربها، واستثمار التطور المعرفي والأدوات الرقمية الحديثة في فهم الواقع وقياس الأثر، وامتلكت المرونة الكافية لتجديد أدواتها وتطوير خطابها وأشكالها التنظيمية بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية. العراق يمتلك طاقات هائلة، ووعياً متقدماً، وتجربة احتجاجية عميقة. ما ينقصه ليس الغضب، وإنما التنظيم، وليس الشجاعة، وإنما المنهج العلمي في التقييم والاستعداد للتجديد الجذري. ما هو مطلوب اليوم هو تقييم علمي شامل لتجربة اليسار العراقي، يستند إلى تحليل معمق للبيانات المتاحة، وإلى استطلاعات حقيقية لآراء الجماهير وتوجهاتها، وإلى دراسة دقيقة لموازين القوى الطبقية والسياسية. التقييم العلمي لا يعني الاكتفاء بالانطباعات أو التفسيرات الجاهزة، وإنما يتطلب استخدام أدوات التحليل الحديثة، من علوم البيانات إلى الدراسات الاجتماعية الميدانية، لفهم لماذا فشلنا أين نجحنا، وأين أخطأنا، وما الذي يمكن تصحيحه. هذا التقييم يجب أن يقود إلى تجديد فكري وسياسي وتنظيمي عميق، لا يخشى من مراجعة المسلمات القديمة، ولا يتردد في اقتراح حلول جديدة تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الواقع المتغير. المطلوب ليس النقل الميكانيكي لتجارب الآخرين، وإنما الاستفادة منها بما يتناسب مع واقعنا الخاص، وموازين القوى الطبقية والسياسية في العراق وإقليم كردستان، وخصوصية التركيبة الاجتماعية والتاريخ النضالي المحلي. كل تجربة لها سياقها، لكن القوانين العامة للنضال الاجتماعي تبقى صالحة: التوحد، التنظيم، الجمع بين أدوات النضال المختلفة، والارتباط العضوي بالجماهير. والأهم من ذلك، القدرة على التعلم المستمر، والتقييم الدوري، والتطوير الذاتي بناءً على الخبرة المتراكمة والمعطيات الجديدة. إن الجمع بين الاحتجاج والانتخابات، بين الشارع والمؤسسات، هو ضرورة عملية ملحة مستمدة من قراءة الواقع وموازين القوى. بدون هذا الجمع، سيبقى اليسار يدور في حلقة مفرغة: انفجارات احتجاجية قوية في الشارع لكن محدودة الأثر السياسي المستدام، ومشاركات انتخابية ضعيفة لأنها منفصلة عن قاعدة اجتماعية منظمة.
خامساً: بناء إطار يساري موحد، الضرورة والإمكانيات
لم تعد مسألة بناء إطار يساري موحد في العراق مسألة نظرية أو ترف سياسي نخبوي، وإنما تحولت إلى ضرورة تاريخية انية تفرضها موازين القوى، ونتائج التجارب، وحدود الاستمرار بالصيغة الراهنة. فالتشتت لم يعد مجرد ضعف، وقد أصبح عائقاً فعلياً أمام أي إمكانية للتأثير، ومصدراً دائماً لفقدان الثقة الجماهيرية. التجربة أثبتت أن اليسار، وهو يعمل كجزر منفصلة متصارعة، لم يتمكن من تحويل حضوره الاجتماعي والفكري إلى قوة سياسية منظمة، مهما بلغت عدالة خطابه أو عمق تضحياته. الإطار الموحد لا يعني إلغاء الاختلافات الفكرية والتنظيمية، ولا صهر الجميع في حزب واحد مغلق. التجارب العالمية تثبت أن الأطر الواسعة الناجحة هي تلك التي أدارت التعدد داخلها، لا تلك التي قمعت الاختلاف. المطلوب هو إطار يقوم على برنامج حد أدنى مشترك، يحدد الأولويات العاجلة، ويترك المسائل النظرية الخلافية للنقاش الديمقراطي، دون أن تتحول إلى سبب للشلل. هذا الإطار يجب أن يكون مفتوحاً أمام الأحزاب والتنظيمات، كما أمام الأفراد من الناشطين والناشطات غير المنتمين تنظيمياً. نسبة كبيرة من اليساريين واليساريات اليوم يعملون خارج الأطر الحزبية التقليدية، إما بسبب سياسات تنظيمية خاطئة، أو بسبب رفضهم للأشكال التنظيمية الموجودة حاليا أو لأسباب اخرى.
خارطة طريق، أسس عملية لإطار يساري موحد
من يضم التحالف؟ الاتحاد على اساس العمل الاجتماعي لا على الهوية الايديولوجية
الإطار الموحد المنشود يجب أن يكون مفتوحاً وجامعاً، يضم كل القوى اليسارية والتقدمية في العراق وإقليم كردستان، دون استثناء أو إقصاء. هذا يعني الأحزاب والتنظيمات اليسارية بمختلف تياراتها، الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والمدنية. كما يضم المنظمات الجماهيرية، من نقابات عمالية ومهنية، واتحادات طلابية، ومنظمات نسوية، وجمعيات حقوقية وبيئية ومدنية، التي تشترك في الرؤية التقدمية والنضال من أجل أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة. والأهم، أن يكون الإطار مفتوحاً أمام المستقلين والمستقلات، الناشطين والناشطات الذين لا ينتمون لأي تنظيم حزبي، لكنهم يؤمنون بالمشروع ويعملون من أجله. المعيار هنا ليس الانتماء الأيديولوجي، وإنما الممارسة الفعلية: كل من يعمل ويساهم في تغيير حياة الجماهير نحو الأفضل، ويناضل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق والكرامة الإنسانية، هو جزء من معسكر اليسار، بغض النظر عن التسمية التي يحملها أو الخلفية الفكرية التي ينطلق منها. اليسار ليس هوية أيديولوجية مغلقة، وإنما موقف عملي من الواقع، وخيار واضح في الانحياز للجماهير الكادحة. ولابد من إدارة هذا التحالف الواسع ضمن بنية ديمقراطية واضحة، تحترم الخصوصيات، وتبني على المشترك، وتوجه الجميع نحو هدف واحد: تغيير موازين القوى لصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر في كل أنحاء العراق وإقليم كردستان.
اسم بسيط وهوية جامعة الإطار الموحد يحتاج إلى اسم بسيط، مفهوم، يعبر عن جوهر المشروع دون أن يحمل أعباء المسميات التقليدية التي باتت محملة بتاريخ من الانقسامات والتأويلات المتضاربة. اسم بسيط قريب من الجماهير مثل (تحالف الخبز والحرية) أو غيره من الأسماء الجامعة، يحمل مباشرة معنى المشروع، ويخاطب الجماهير بلغتها اليومية. الهدف ليس إخفاء الهوية اليسارية، وإنما تقديمها من خلال مضمونها العملي، لا من خلال تسمياتها التاريخية. تجارب عالمية عديدة أثبتت أن الأسماء البسيطة، التي تنطلق من المطالب الملموسة، تنجح في بناء جسور أوسع مع المجتمع، وتتجاوز الحواجز النفسية التي خلقتها عقود من الاستقطاب والتشويه الممنهج لكل ما يحمل اسم "اليسار" أو "الشيوعية" أو "الاشتراكية".
برنامج حد أدنى واضح ومباشر برنامج يركز على ما هو ممكن التحقيق في المدى القريب، دون التخلي عن الأفق الاستراتيجي. خدمات أساسية، عمل، ضمان اجتماعي، حقوق النساء كاملة، تحييد الدين عن الدولة، حماية الحريات، وأكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. برنامج قصير، مفهوم، قابل للشرح في الشارع، لا وثيقة نظرية مفصلة. برنامج يبنى من الواقع، ويطور ويعدل باستمرار من خلال الحوار المفتوح مع القواعد الجماهيرية والاستماع لتجاربها اليومية.
بنية تنظيمية مرنة قيادة جماعية تداولية، لا تتركز فيها السلطة بيد أشخاص أو تنظيمات بعينها. أشكال عضوية متعددة، تتيح الانتماء الفردي والتنظيمي في الوقت نفسه. لامركزية واسعة، تسمح لكل محافظة، وكل قطاع اجتماعي، بإدارة نضاله اليومي ضمن الخط العام. بنية مفتوحة على التجريب، تسمح بأشكال تنظيم جديدة تستجيب لخصوصيات المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، دون أن تفرض نموذجاً واحداً جامداً على الجميع. كل جهة مشاركة تحتفظ باستقلاليتها التنظيمية الكاملة، وبرامجها الخاصة، وعملها التنظيمي خارج الإطار، فيما يبقى الإطار الموحد مساحة للعمل المشترك حول النقاط والأولويات المتفق عليها.
تمكين حقيقي للشباب والنساء لا عبر الخطاب، وإنما عبر قواعد تنظيمية ملزمة. نسب تمثيل واضحة في الهيئات القيادية، وصلاحيات فعلية في اتخاذ القرار. التجديد لا يحدث تلقائياً، وإنما يفرض تنظيمياً. الشباب والنساء ليسوا فئات مساعدة أو رمزية، وإنما قوة التغيير الفعلية. هذا يعني اعتماد آليات ملزمة مثل القيادة التداولية بين النساء والرجال، ونظام المناصب المزدوجة في الهيئات القيادية حيث يشغل كل منصب قيادي رجل وامرأة معاً بصلاحيات متساوية. وبالمثل، يجب تخصيص نسب إلزامية لتمثيل الشباب تحت سن الأربعين في كل المستويات القيادية، مع منحهم صلاحيات حقيقية في اتخاذ القرارات. التمكين الحقيقي يعني أن يكون للشباب والنساء دور فعلي في رسم السياسات وتحديد الأولويات، وليس مجرد حضور شكلي او بدور محدود.
سياسة إعلامية ورقمية حديثة الفضاء الرقمي اليوم ساحة صراع طبقي مركزية. الإطار الموحد يجب أن يمتلك منصاته، وفرق محتواه، وقدرته على تحليل التفاعل، وقياس الأثر، واستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الجمهور. الخطاب يجب أن يكون بسيطاً، مباشراً، مرتبطاً بالواقع اليومي، دون التخلي عن العمق السياسي. الاستثمار الفاعل في التطوير الرقمي ضرورة وجودية الان، والتأخر فيه يعني الغياب الفعلي عن ساحة المعركة السياسية المعاصرة.
ربط الاحتجاج بالعمل اليومي بناء لجان شعبية في الأحياء، والعمل داخل النقابات والاتحادات مع مراعاة استقلاليتها، وربط القضايا المحلية بالمشروع السياسي العام. بهذا فقط يتحول الإطار من كيان انتخابي موسمي إلى قوة اجتماعية دائمة. العمل اليومي في حل مشاكل الناس الملموسة، من انقطاع الماء إلى البطالة إلى التمييز، هو ما يبني الثقة الحقيقية ويحول الشعارات إلى خبرة حية.
آليات حل الخلافات وإدارة الاختلاف الإطار الموحد لن يكون خالياً من الخلافات، وهذا أمر طبيعي وصحي. المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في ضعف آليات ديمقراطية واضحة لإدارته. يجب أن يتضمن الإطار قواعد ديمقراطية لحل النزاعات الداخلية، تمنع تحولها إلى صراعات علنية تؤثر على الوحدة وتشوش العمل السياسي والجماهيري. سادساً: الخاتمة، التوحد والتجديد - طريق استعادة الدور التاريخي
بالتأكيد بناء إطار موحد لليسار لن يكون مساراً سهلاً، وهو أمر يدركه كل من تابع تاريخه ونضالاته الطويلة في مواجهة الاستبداد والاستغلال، وكذلك اشكالاته ونقاط ضعفه. فالتحديات الموضوعية حاضرة بقوة، من قمع سياسي، ومال انتخابي طاغٍ، وإعلام مهيمن، وانقسام مجتمعي عميق. إلى جانب ذلك، توجد تحديات ذاتية لا تقل أهمية، تتجلى في صعوبة التجديد والتغيير داخل بعض التنظيمات اليسارية، والحذر من فقدان المواقع، وتضخيم الخلافات الثانوية، والتمسك بالأشكال القديمة التي تحتاج إلى تطوير لمواكبة الواقع الجديد. مواجهة هذه التحديات تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الأزمة، وإرادة سياسية حقيقية، واستعداداً للتجربة والتطور. لا توجد وصفة جاهزة أو حلول سحرية. ما يوجد هو مسار طويل، يحتاج صبراً، وشجاعة تنظيمية، وقدرة صادقة على النقد الذاتي، وهي صفات طالما ميزت اليسار في لحظات صعوده التاريخي. بعد سنوات من الاحتجاجات الجماهيرية والمطلبية ونتائج انتخابات 2025، يقف اليسار العراقي والكردستاني أمام مفترق طرق حاسم. إما الاستمرار في المسار نفسه بنتائج معروفة، أو خوض مشروع التجديد والتوحد بكل ما تحمله من مخاطر وإمكانيات. الحركات الاحتجاجية أعادت التذكير بالدور التاريخي لليسار كضمير اجتماعي وقوة دفع للتغيير، وأثبتت أن الجماهير مستعدة للنضال، وأن الخوف ليس قدراً. وفي الوقت نفسه، كشفت أن الغضب وحده لا يكفي، وأن العدالة من دون تنظيم تبقى طاقة غير مستثمرة. المطلوب اليوم يسار موحد يمتلك شجاعة مراجعة نفسه دون التخلي عن جوهره الطبقي والإنساني. يسار يدرك أن الصراع تغيرت أدواته، وأن السياسة لم تعد تدار في الميادين فقط، وإنما أيضاً في الفضاءات الرقمية، وفي معارك الوعي المختلفة. يسار يجمع بين الاحتجاج والعمل الانتخابي، بين خبرة التاريخ وضرورات التجديد. في هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور النضالي والتاريخي لقوى اليسار العراقي والكردستاني على امتداد عقود طويلة. هذه القوى، التي كان لي الفخر والشرف أن أناضل في صفوف الكثير منها، هي بدون استثناء من أنزه القوى السياسية في العراق وإقليم كردستان. قدمت تضحيات جسيمة، ودفعت أثماناً باهظة من دماء كوادرها وقياداتها، وظلت على الدوام في موقع الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر، ضد كل أشكال الاستبداد والاستغلال والطائفية والفساد. مهما كانت الاختلافات التكتيكية أو النظرية، يبقى هذا التاريخ النضالي رصيداً جماهيرياً وإنسانياً لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته. لكن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون فقط بالحنين إليه، وإنما بالبناء عليه. النقد الذي تطرحه هذه الورقة ليس انتقاصاً من هذه القوى، وإنما دعوة رفاقية لها كي تستعيد دورها التاريخي في صيغة معاصرة. فالسؤال اليوم لم يعد هل نملك الفكرة الصحيحة، فاليسار لطالما امتلكها، بل كيف نحولها إلى أدوات فعالة قادرة على التأثير وتحسين حياة الجماهير. التاريخ يكافئ من استطاع تحويل الأفكار العادلة إلى قوة مادية منظمة. التوحد ليس خياراً بين خيارات، وإنما طريق أساسي لاستعادة الدور والتأثير. لكن التوحد وحده لا يكفي، إذا لم يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق. المطلوب ليس فقط جمع القوى المتشتتة تحت سقف واحد، وإنما إعادة بناء اليسار على أسس جديدة، تستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وتستجيب لوعي الأجيال الجديدة، وتتجاوز الأشكال التنظيمية التي تحتاج إلى تطوير للإجابة عن أسئلة العصر. التجديد يعني مراجعة الخطاب، وتحديث الأدوات، وإعادة التفكير في العلاقة بين تنظيمات اليسار والمجتمع، وفي أشكال القيادة، وفي آليات اتخاذ القرار، وغيرها. هذا المشروع التوحيدي التجديدي لا يلغي الخصوصيات، ولا يفرض الذوبان، وإنما يبني على المشترك، ويحترم التعدد، ويوجه الطاقات نحو الهدف الأساسي المشترك الان: بناء العراق بما فيه إقليم كردستان القائم على الديمقراطية ودولة المؤسسات والمواطنة والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية الحقيقية لكل مواطناتها ومواطنيها. هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام اليسار العراقي والكردستاني اليوم، وهنا أيضاً يفتح أفق الحركات الاحتجاجية معناه العميق، إذا امتلكنا الشجاعة للسير فيه معاً، متحدين في التنوع، مجددين في الفكر والتنظيم، وأقوياء في الوحدة.
#رزكار_عقراوي (هاشتاغ)
Rezgar_Akrawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نقد يساري لقائد يساري، النقد الذاتي في الممارسة
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
-
الفاشية الرقمية، حين يلتقي رأس المال الاحتكاري باليمين المتط
...
-
إسرائيل، الأبارتهايد وعقوبة الإعدام، حين يصبح القانون سلاحا
...
-
الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج في الدول الأوروب
...
-
القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المو
...
-
الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية
...
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
-
مقالاتي وتحليلاتي حول اليسار الالكتروني والذكاء الاصطناعي وا
...
-
الرؤية الرأسمالية للذكاء الاصطناعي: الربح، السلطة، والسيطرة
-
اليسار العراقي عشية انتخابات 2025: بين الوحدة والتجدد
-
جيل Z 212 واحتجاجات الشباب في المغرب: من الفضاء الرقمي إلى ا
...
-
بثلاثين لغة عالمية، يصدر كتابي حول الذكاء الاصطناعي مجانا بد
...
-
رقابة وسيطرة ناعمة، عبر الذكاء الاصطناعي كأداة قمع سياسي متد
...
-
هل نعيش في عبودية رقمية؟ كيف يسيطر الذكاء الاصطناعي على عقول
...
-
البابا والفاتيكان، حق إلهي أم احتكار ذكوري؟ رجال كهول يقصون
...
-
كسر الفجوة الرقمية بين اليسار والرأسمالية، مهمة اليسار العاج
...
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
-
الذكاء الاصطناعي، رؤية اشتراكية
المزيد.....
-
م?راسيمي ??زل?نان ل? ژيان و خ?باتي ي?نار موح?مم?د ل? سل?ماني
...
-
احتفاء بنضال وحياة الرفيقة ينار في السليمانية
-
Celebration of Life & Struggles of Yanar Mohammed in Suleima
...
-
المؤتمر الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية بالجديدة: حماس نضال
...
-
الفصائل الفلسطينية تسلم ردها على -خارطة ميلادنوف- وتتمسك بال
...
-
حماس تسلم رد الفصائل الفلسطينية على -خطة ترامب-
-
حماس تسلم رد الفصائل الفلسطينية على خارطة طريق ميلادينوف
-
End U.S Aggression Against Cuba!
-
حماس تسلم رد الفصائل الفلسطينية على خطة خارطة الطريق ملادينو
...
-
قبل قمة مجموعة السبع.. احتجاجات في جنيف ضد الرأسمالية والاست
...
المزيد.....
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|