أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رزكار عقراوي - اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية















المزيد.....



اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية


رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري

(Rezgar Akrawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 23:19
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


أزمة التنظيم الجماهيري وإشكاليات التشتت النقابي

موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة

تشترك بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟
فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.
وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.
وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.

وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.
وهذه الورقة ليست وصفة جاهزة ولا خارطة طريق مكتملة، إذ إن تفاصيل التطبيق وآليات البدء تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. هي في جوهرها دعوة لفتح هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية.


للاطلاع على النص الكامل والمزيد من التفاصيل، تابع القراءة أدناه.


من الضرورة التاريخية إلى أسئلة المراجعة والتجديد

يعاني يسار معظم بلدان الشرق الأوسط وبلدان الجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية من إشكالية بنيوية مشتركة، تتجلى في الضعف والتشتت الحاد والمزمن الذي يصيب المنظمات الجماهيرية، وخاصةً النقابات والاتحادات العمالية والمهنية والنسوية والطلابية. وقد أفرزت هذه الأنظمة في سياقات متشابهة ظروفاً ضاغطة دفعت قوى اليسار إلى تبني أشكال تنظيمية مركزية محكمة تحت وطأة القمع والملاحقة، بما أنتج نهجاً يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية سرية وأحياناً شبه علنية مرتبطة بالتنظيمات السياسية ارتباطاً وثيقاً، على حساب استقلاليتها وقدرتها على احتضان قطاعات اجتماعية أوسع.

وتكشف التجارب المقارنة في هذه السياقات أن اليسار حين يحكم قبضته على منظماته الجماهيرية ويحولها إلى امتداد لتنظيمه الحزبي، يكسب ربما انسجاماً ونفوذاً أيديولوجياً داخلياً، غير أنه قد يخسر ما هو أثمن: الثقل الاجتماعي الحقيقي القادر على تحريك الجماهير في اللحظات الحاسمة. والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن نموذج النقابة والمنظمة الجماهيرية المرتبطة بالحزب لم يكن خاطئاً في مطلق الأحوال، إذ أدى في مراحل تاريخية بعينها دوراً محورياً لا يمكن إنكاره، ولا سيما في حقب تنامي دور اليسار وصعوده الجماهيري، حين كانت المركزية التنظيمية ضرورة فرضها الواقع القمعي وحاجة النضال إلى تماسك صفوفه وحماية كوادره. وقد استطاعت النقابات والاتحادات التابعة في تلك المراحل أن تكون حاضنة فاعلة للعمل النقابي والجماهيري في ظروف بالغة القسوة.

غير أن الزمن تغير تغيراً جوهرياً، وتغيرت معه آليات التفكير والعمل الجماهيري. فالجماهير اليوم، وخاصة الأجيال الجديدة التي نشأت على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات والتنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة في صنع القرار، لم تعد تقبل بأن تكون مادة للتعبئة في خدمة أجندة حزبية محددة مهما كانت صدق نواياها. فالقوة الجماهيرية الفعلية لا تبنى اليوم بالقرار التنظيمي، وإنما بالتجذر في حياة الناس اليومية وتمثيل مصالحهم بصدق وفاعلية بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية.

وتسعى هذه القراءة إلى إثارة نقاش جاد حول ضرورة مراجعة نموذج "النقابة التابعة والمنظمة الجماهيرية الموالية"، والبحث في نموذج مغاير يقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة حقيقياً تستند إلى المواثيق الدولية لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها المشاركة الفاعلة لليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد.

سيتناول هذا المقال الحالة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية لا نموذجاً نظرياً مجرداً، مستخلصاً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. ففي العراق تحديداً، تتجلى هذه الإشكالية بصورة حادة، إذ اضطرت قوى اليسار في معظم مراحلها إلى العمل تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة، أبرزها النظام البعثي الذي حكم البلاد من عام 1968 حتى عام 2003، مما أفرز إرثاً تنظيمياً لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم.
غير أن الظروف الجديدة التي أعقبت التحولات السياسية وسقوط النظام البعثي الدكتاتوري ووجود هامش نسبي للحريات والنشاط العلني رغم سلطة الميليشيات الدينية والقومية الحاكمة، تستدعي إعادة النظر الهادئة والبناءة في هذا النهج، والتفكير الجدي في نماذج تنظيمية أكثر انفتاحاً واستقلالية، تستطيع احتضان قطاعات اجتماعية أوسع وتعبر عن مصالحها بصدق أعمق

وتكتسب هذه المراجعة أهميتها المضاعفة حين نستحضر التجربة المريرة مع النقابات الصفراء المسيسة، أي النقابات التي أنشأتها الأنظمة الدكتاتورية أو سيطرت عليها لخدمة أغراضها، إبان الحقب الدكتاتورية في العراق وعموم دول المنطقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة والإخضاع عوضاً عن تمثيل مصالح الجماهير. وهذا الإرث ما زال حاضراً في الوعي الجمعي، حيث ما زالت السلطات الحاكمة في بغداد وإقليم كردستان تسير على النهج ذاته في النقابات الرسمية الموالية لها، مما يجعل تقديم نموذج مغاير قائم على الاستقلالية الحقيقية والقيادة الجماعية والديمقراطية الداخلية والتعددية الفكرية ضرورةً ملحة لاستعادة الثقة الشعبية وتوسيع دائرة التأثير.


من الارتباط العضوي إلى الاستقلالية

بعد عام 2003 حرصت معظم التنظيمات اليسارية على إدامة وإنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة. وقد أفضى ذلك في أحيان كثيرة إلى تعدد المنظمات والنقابات في القطاع الواحد، وفي بعض الحالات وصل الأمر إلى ازدواجية المنظمات داخل الحزب الواحد نفسه، نتيجة انقسامات داخلية أو تنافس على الأدوار الجماهيرية، مما أفرز مشهداً جماهيرياً يتسم بتشتت الطاقات وتعدد التسميات وتضاؤل الفاعلية الفعلية على ارض الواقع.
وهذا الواقع يدعو إلى تأمل هادئ وبناء في الثمن الذي دفعته المنظمات الجماهيرية من رصيدها التمثيلي جراء هذا الارتباط العضوي. فالنقابة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيم بعينه تجد صعوبة حقيقية في احتضان العاملات والعمال بكل تنوعهم الفكري والقومي والديني والحزبي، فتضيق دائرة تأثيرها وتنحصر في شريحة محددة. وكذا المنظمات النسوية التي ترتبط عضوياً بحزب معين تجد صعوبة حقيقية في استقطاب النساء من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، مهما كان صدق نوايا قائداتها. والاتحاد الطلابي يتحول تدريجياً إلى ساحة للتجاذبات الحزبية، يخسر فيها الطلاب والطالبات مساحتهم المستقلة، وقد يشعرون بأنهم مادة للتجنيد السياسي لا فاعلون في حركة تمثل مصالحهم الحقيقية.
والمقترح هنا ليس التخلي عن العمل الجماهيري أو الانسحاب منه، وإنما الارتقاء به نحو نماذج أكثر استقلالية وأوسع تمثيلاً. فالمشاركة في بناء نقابة تقدمية مستقلة واحدة وقوية تضم عشرات الآلاف يتفوق في قيمته الاجتماعية والحقوقية على عشرات المنظمات الصغيرة المتفرقة، لأن النقابة المستقلة الكبيرة تملك من الثقل والمصداقية ما يمكنها من الدفاع الفعال عن مصالح منتسبيها ومواجهة الانتهاكات بصوت أعلى وأثر أعمق. واليساريون واليساريات الذين يعملون في هذه النقابات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم يمكنهم اكتساب نفوذ اجتماعي وسياسي جماهيري أعمق مما يكتسبونه من خلال قيادة منظمات تابعة ذات أثر محدود، وهذا كله يصب في نهاية المطاف في خدمة المشروع اليساري ذاته.

وتكشف تجربة شخصية عشتها في صيف عام 1992 عمق هذه الإشكالية وجذورها. حين اجتمعنا مع عدد من رفيقات ورفاق اليسار والعاطلين عن العمل لبناء اتحاد للعاطلين في اقليم كردستان، كان الخلاف الأول الذي نشأ بيننا ليس حول الهيكل التنظيمي أو آليات العمل، وإنما حول البيان التأسيسي ذاته. اقترح بعض الرفاق بياناً مشبعاً بالعبارات الأيديولوجية اليسارية كالإمبريالية والاشتراكية وما شابهها، فاختلفت معهم في ذلك، ورأيت أن ما نسعى إليه هو بناء اتحاد للعاطلين جميعاً، من كافة الأفكار والتوجهات، لا اتحاداً لعاطلي اليسار وحدهم. كنا أمام خيار جوهري: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم نبني واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟ ذلك السؤال الذي طرح في صيف 1992 لا يزال في صميم الإشكالية التي نناقشها اليوم.

ضعف التنسيق والتشتت وانعكاسه على النضال الجماهيري والنقابات والاتحادات

لا يمكن معالجة إشكالية تشتت النقابات والمنظمات الجماهيرية بمعزل عن ظاهرة أعمق وأشد تأثيراً، وهي حالة ضعف التنسيق والعمل المشترك التي أثرت على مسيرة قوى اليسار وأثقلت كاهلها في مراحل مفصلية. فالتشتت الجماهيري الذي نراه في المشهد النقابي والمنظماتي يعكس في جانب منه تشتتاً سياسياً وتنظيميا سابقاً، تجلى في تعدد التنظيمات اليسارية وتباين مواقفها إزاء بعض القضايا، وهو تباين طبيعي ومشروع في حد ذاته، غير أنه حين يتحول إلى احتقان وصراع يضعف العمل المشترك فإنه يلقي بظلاله الثقيلة على الفضاء الجماهيري برمته.
ومنذ نهاية القرن المنصرم، واجهت قوى اليسار العراقي تحدي بلوغ حد أدنى من التنسيق المشترك في المحطات الحاسمة، وكان الاختلاف حول المواقف السياسية، من التعامل مع الاحتلال إلى الموقف من العملية السياسية إلى تقييم تجارب اليسار، يتحول أحياناً من نقاش فكري مثمر يتقبل الاختلاف إلى احتقان يصعب التعاون الميداني رغم نقاط الالتقاء الكثيرة. والأثر الجماهيري لهذا الواقع كان ملموساً، إذ كانت حالات التوتر الداخلي تضعف قدرة اليسار على تقديم نفسه بصورة موحدة أمام الجماهير التي تراهن عليه حاملاً لمشروع التغيير.
وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على المنظمات الجماهيرية والنقابية. فحين تتباعد قوى اليسار في مواقفها، لا تسلم النقابات والاتحادات من أثر ذلك التباعد، إذ تجد نفسها أحياناً أمام تجاذبات تشتت طاقتها وتصرفها عن مهمتها الأصلية في الدفاع عن حقوق منتسبيها. وبدلاً من أن توجَه الجهود نحو مواجهة الانتهاكات والمطالبة بالحقوق، تستنزف أحياناً في صراعات داخلية بين القوى اليسارية في ما بينها، وفي خلافات قد لا تخدم العمال ولا تقدم مصالحهم.
كذلك أفرز غياب التنسيق نمطاً يقوم على التنافس داخل الدائرة الجماهيرية ذاتها عوضاً عن التوسع نحو قطاعات اجتماعية جديدة لم تصلها قوى اليسار بعد. والنتيجة أن الخريطة الجماهيرية ظلت محدودة المساحة رغم تعدد التنظيمات، لأن هذا التعدد لم يفضِ دائماً إلى توزيع العمل ومخاطبة شرائح مختلفة، وإنما أفضى إلى التداخل والتكرار في الرقعة ذاتها.
وثمة مفارقة مؤلمة جديرة بالتأمل، إذ يرفع اليسار شعار وحدة الجماهير الكادحة، في حين أن هذا النهج التنظيمي أفضى من غير قصد إلى تشتت النضال والجهود المشتركة وإضعاف الحركة النقابية والجماهيرية على أرض الواقع.
وفي هذا السياق تتضح القيمة الاستراتيجية لبناء منظمات جماهيرية ونقابات مستقلة حقيقياً، لأنها تشكل الفضاء الذي يمكن فيه لليساريين واليساريات المنتمين إلى تنظيمات مختلفة أن يعملوا جنباً إلى جنب حول نقاط التقاء و مصالح مشتركة وواضحة. فالنقابات والاتحادات المستقلة تفرض منطقها الخاص القائم على الدفاع عن الحقوق، وهذا المنطق يتجاوز الخلافات الأيديولوجية حين يتعلق الأمر بمواجهة الفصل التعسفي أو انتزاع حق مكتسب أو زيادة الأجور والمطالبة بالمزيد من الحقوق والمساواة. وتكشف تجارب الحركات النقابية والجماهيرية في سياقات مشابهة أن العمل المشترك داخل نقابات واتحادات مستقلة يرسخ تدريجياً ثقافة التعاون وبناء القوة الجماهيرية الجماعية على الأرض، مما ينعكس إيجاباً على مناخ العلاقة بين قوى اليسار ذاتها.

دروس من تجارب نقابية فاعلة

وتكشف التجارب التاريخية والمعاصرة أن النقابات التقدمية المستقلة الفاعلة كانت في أحيان كثيرة عاملاً محورياً في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأن قوتها لم تنبع من ارتباطها بهذا الحزب أو ذاك، بل من تجذرها الحقيقي في قواعدها العمالية والجماهيرية.
ففي تونس، أدى الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم التحفظات الموجودة، دوراً محورياً في إسقاط الدكتاتورية عام 2011، و وفر غطاءً مؤسسياً للحوار الوطني بعدها، ونجح إلى حد مناسب في تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى مطالب منظمة. وقد كان ثقله الجماهيري المتجذر في قطاعات واسعة من العمال والمهنيين هو ما منحه تلك القدرة التفاوضية التي عجزت عنها الأحزاب السياسية مجتمعةً.
وفي جنوب أفريقيا، شكل الكونغرس الجنوب أفريقي لنقابات العمال ركيزة أساسية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، وأثبت أن النقابات المستقلة القوية تستطيع أن تكون في آنٍ واحد جبهةً للدفاع عن الحقوق العمالية ومنصةً للنضال من أجل الكرامة الإنسانية والتحرر والمساواة، دون أن تذوب في أي حزب سياسي بعينه.
وفي البرازيل، نشأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي حركة نقابية مستقلة في قطاع صناعة السيارات، قادها عمال مصانع ساو باولو في مواجهة الديكتاتورية العسكرية، وأثبتت أن الإضراب المنظم أداةٌ سياسية بامتياز حين تقف خلفه نقابة تقدمية متجذرة في قواعدها الجماهيرية. وقد تطورت هذه الحركة النقابية لتفرز لاحقاً حزب العمال الذي وصل إلى السلطة، في نموذج نادر على بناء قوة سياسية حقيقية انطلاقاً من العمل النقابي الميداني.
وفي الهند، ربطت نقابات عمال المناجم والنسيج تاريخياً بين النضال العمالي اليومي على الأجور وظروف العمل وبين التغيير الاجتماعي الأشمل، مثبتةً أن النقابة القادرة على احتضان الجماهير الشعبية بتنوعها الديني والإثني والطبقي تستطيع أن تتجاوز حدود المطلب الاقتصادي الضيق وتتحول إلى قوة تغيير اجتماعي عميق.
وعلى صعيد التجارب المعاصرة في الديمقراطيات الغربية، يقدم اليسار الدنماركي نموذجاً جديراً بالتأمل، وإن كان لا يخلو هو الآخر من تحفظات كثيرة. ففي الدنمارك، لم يعد أمام الأحزاب اليسارية والاشتراكية خيار بناء نقابات خاصة بها أو موالية لها، إذ إن الاتحاد النقابي الرئيسي القائم كيان مستقل وقوي، الأمر الذي جعل العمل داخل النقابات المستقلة والمشاركة الفاعلة في هياكلها السبيل العملي لتعزيز التوجهات الجذرية والتقدمية من الداخل، عبر الإقناع والممارسة والنضال الميداني في مختلف القطاعات. وقد أفرز هذا المسار نقابات ذات ثقل شعبي حقيقي، فيما تكتسب قوى اليسار داخلها نفوذاً اجتماعياً وسياسياً أعمق بكثير مما كان يمكن أن تكتسبه لو اكتفت بقيادة منظمات ونقابات صغيرة موالية لأحزابها.

وما تكشفه هذه التجارب مجتمعةً هو أن النقابات والمنظمات الجماهيرية الفاعلة المستقلة لا تكتفي بالدفاع عن الحقوق الآنية، إذ تستطيع أن تبني على مدى السنوات ثقافة تنظيمية وقدرة مؤسسية تجعلها رافعةً للتغيير في اللحظات الحاسمة. وهذا بالضبط ما افتقر إليه اليسار العراقي في لحظات احتجاجات تشرين 2019 وسواها، وما ينبغي أن يشكل بوصلة العمل الجماهيري اليساري في المرحلة القادمة.


الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة

تبرز هنا فرصة مهمة لم تستثمر بالقدر الكافي، وهي توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقياً، إلى جانب منظمات جماهيرية وحقوقية ونسوية تستند في عملها إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة، عوضاً عن البرامج والتوجهات السياسية لتنظيمات اليسار في هذا المجال. وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في دول الجنوب العالمي التي تعاني حركتها النقابية والجماهيرية من ضعف بنيوي حاد، إذ توفر هذه الاتفاقيات أرضية صلبة وشرعية أخلاقية وقانونية تتجاوز الحدود المحلية، وتمنح النضال النقابي بعداً كونياً يصعب استهدافه بتهمة التحيز السياسي أو الأيديولوجي.
في مقدمة هذه المرجعيات يأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل في مادته الثالثة والعشرين الحق في العمل وفي اختيار العمل بحرية وفي شروط عمل عادلة ومرضية، ويقر صراحةً بحق الجميع في تأسيس النقابات والانتساب إليها. ويكمل هذا الإطار العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادق عليه العراق، والذي يلزم الدول صراحةً بضمان الحرية النقابية وحماية العمال من الانتهاكات.
أما اتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية فتشكل الركيزة العملية الأمتن في هذا السياق. وأبرزها اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 التي تكفل للعمال دون تمييز الحق في تأسيس المنظمات والانضمام إليها دون ترخيص مسبق من السلطة. وتضاف إليها اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 التي تحمي العمال من أي تدخل في شؤون نقاباتهم. وتثري هذه المنظومة كذلك اتفاقية العمل الجبري رقم 29 واتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 فضلاً عن اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 التي تحظر كل أشكال التمييز في بيئة العمل.
على صعيد حقوق المرأة تحديداً، تمثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) المرجعيةَ الأشمل والأكثر إلزاماً، إذ تقر بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملةً غير منقوصة. وتستكملها إعلان بيجين ومنهاج عمله الذي يعد حتى اليوم من أكثر الوثائق الدولية شمولاً في تناول قضايا المرأة ومتطلبات تمكينها.
وما تجدر الإشارة إليه أن ما يرد في هذه الاتفاقيات يتوافق في جوهره مع ما تطرحه كافة قوى اليسار من مطالب على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء، وهي في الوقت ذاته تعمقها ويوفر لها غطاءً قانونياً دولياً. والاستناد إلى هذه المرجعيات لا يوفر إطاراً قانونياً وأخلاقياً قوياً للنضال النقابي والجماهيري والنسوي فحسب، وإنما يسهم أيضاً في تقليص حساسية اتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لأن المطالب تتحول من شعارات أيديولوجية عامة إلى حقوق معترف بها دولياً وقابلة للدفاع عنها أمام المجتمع والسلطات على حدٍ سواء.

الاقتصاد الريعي وتعقيدات التنظيم النقابي

يضاف إلى ما سبق التحدي الهيكلي الذي تفرضه الطبيعة الريعية للاقتصاد في العراق وإقليم كردستان، وهي سمة مشتركة تتقاسمها معظم الدول النفطية في الشرق الأوسط، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مسألةً بالغة التعقيد تستدعي التفكير العلمي العميق. فحيث تعتمد نسبة كبيرة من القوى العاملة على رواتب الدولة والقطاع العام، تنشأ علاقة تبعية مباشرة مع السلطة تقيد هامش التنظيم المستقل وتضعف الدوافع الذاتية نحوه. وتكشف الأرقام الرسمية عمق هذه التبعية، إذ بلغت نسبة الإيرادات النفطية من إجمالي موازنة العراق العامة نحو 89% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، فيما أشارت بيانات النصف الأول من عام 2025 إلى أن النفط شكل نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، مما يجعل العراق من أكثر اقتصادات العالم اعتماداً على مورد واحد، ويضيق هامش أي استقلالية نقابية حقيقية في مواجهة دولة تمتلك أدوات العقاب والمكافأة معاً.
في الاقتصادات الإنتاجية يتحرك العمال نحو التنظيم النقابي لأن قوتهم التفاوضية مع أصحاب العمل الخاصين تستلزم عملاً جماعياً منظماً. في الاقتصاد الريعي يسود منطق مغاير، إذ تصبح العلاقة بين مواطن ودولة توزع الريع، مما يحول المطالب العمالية من نضال على حقوق تعاقدية واضحة إلى مساعٍ تحاط بمخاوف تتعلق بالأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي.

ولعل أبلغ مثال على ذلك ما جرى إبان احتجاجات تشرين 2019 في العراق، تلك الانتفاضة الشعبية الواسعة التي هزت المنظومة السياسية برمتها، حين عجزت النقابات القائمة عن تحويل زخم الشارع إلى إضرابات عمالية منظمة توقف العملية الإنتاجية وترغم الحكومة على الاستجابة. ذلك لأن غالبية العمال المحتجين كانوا موظفين حكوميين تربطهم برواتب الدولة علاقة تبعية مباشرة، فوجدوا أنفسهم أمام معادلة مؤلمة: إما الاحتجاج وتحمل تبعاته الوظيفية، أو الصمت والإبقاء على مصدر رزقهم الوحيد.
وفي إقليم كردستان يتجلى هذا النمط بصورة أكثر حدة، إذ شهدنا موجات متكررة من الاحتجاجات بسبب تأخر صرف الرواتب، ومع ذلك ظلت هذه الاحتجاجات عفوية ومتقطعة وعاجزة عن التحول إلى حركة نقابية منظمة ومستدامة. والسبب الجوهري أن العامل-ة الكردستاني الذي يطالب بحقوقه يعرف في الوقت ذاته أنه يعتمد كلياً على الحكومة ذاتها التي يحتج عليها، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مجازفة شخصية يصعب على الفرد تحملها منفرداً.
وقد كشف هذا الواقع عن حاجة ماسة إلى نقابات تبني وعياً تدريجياً بأن الحق النقابي ليس تمرداً على الدولة، وإنما ضماناً لكرامة العامل في مواجهة أي جهة كانت، وتقدم الحماية الجماعية بديلاً عن الهشاشة الفردية.

هذا الواقع يستدعي من اليسار تطوير سياسات نقابية متمايزة تأخذ في اعتبارها خصوصية البيئة الريعية، عوضاً عن استنساخ نماذج ولدت في سياقات اقتصادية مختلفة. وتقتضي هذه السياسات التركيزَ على بناء وعي مجتمعي تدريجي بأن الحقوق النقابية والجماهيرية ليست منحةً تمنحها السلطة وتسترجعها، إذ هي حقٌ أصيل تكفله المواثيق الدولية وتستلزمه المواطنة الكاملة. كما تستوجب توسيع مفهوم التنظيم ليشمل المطالبة بالشفافية في توزيع الثروة الريعية ومساءلة المسؤولين عن إدارتها، وهي مطالب تمس الجميع وتستطيع تجاوز الحواجز السياسية لبناء تضامن اجتماعي أوسع.


الجهات الدولية المانحة وإشكالية الاستقلالية

لا تكتمل قراءة مشهد التشتت النقابي والجماهيري دون الإشارة إلى دور الجهات الدولية المانحة. والإنصاف يقتضي الاعتراف أولاً بأن التمويل الدولي والخبرة العالمية أسهما في دعم نشاط نقابي وحقوقي وجماهيري حقيقي في مراحل مختلفة، وأن كثيراً من المنظمات استفادت من هذا الدعم في بناء قدراتها وتوسيع حضورها. غير أن ثمة جانباً آخر من هذه الصورة يستحق التأمل النقدي الصريح، ولا سيما فيما يخص الجهات المرتبطة بحكومات رأسمالية غربية تعكس في نهاية المطاف سياسات بلدانها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهي مصالح لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الطبقات العاملة والجماهير الشعبية التي تدعي هذه الجهات دعمها.
فقد وجهت كثير من هذه الجهات تمويلها بما يخدم أجندة ترويج نموذج بعينه من "المجتمع المدني"، نموذج يركز على الإصلاح ضمن المنظومة الطبقية القائمة ويتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية، في حين تهمش النقابات والاتحادات ذات التوجه الطبقي الواضح والمطالب العمالية والجماهيرية الجذرية. وقد أفضى ذلك إلى نشوء منظمات مصممة لخدمة متطلبات التقارير والمشاريع أكثر من خدمة احتياجات قواعدها الجماهيرية، تنتهي بانتهاء دورة التمويل ولا تترك خلفها بنية مؤسسية راسخة.
وعلى صعيد أعمق، أسهم هذا النمط التمويلي في إعادة رسم خريطة الأولويات النضالية، إذ تحولت موارد وطاقات بشرية كان يمكن توجيهها نحو بناء حركة نقابية وجماهيرية مستقلة وقوية نحو أنشطة ومشاريع وقتية. وقد رافق ذلك أحياناً تعزيز ظاهرة الشخصنة في النقابات والمنظمات، حيث باتت العلاقة تقوم بين الممول وأفراد بعينهم لا بين الممول والمنظمة كمؤسسة جماعية، مما أضعف البنى التشاركية وحول قيادة بعض المنظمات إلى امتيازات شخصية مرتبطة بالوصول إلى شبكات التمويل الخارجي، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن ثقة القاعدة الجماهيرية.
وهذه ليست دعوةً إلى العداء المطلق لكل تعاون دولي، فثمة تضامن أممي حقيقي مع الحركات العمالية والنقابية والجماهيرية والنسوية تجسده منظمات عمالية وحقوقية دولية مستقلة كالاتحاد الدولي لنقابات العمال ومنظمات حقوقية ونسوية مختلفة. إنها دعوة إلى وعي طبقي نقدي في التعامل مع التمويل الحكومي الغربي، والتمسك بمبدأ أن أولويات الحركة النقابية والجماهيرية يجب أن تنبثق من احتياجات العمال والجماهير لا من اشتراطات الممولين، وأن استقلالية القرار شرط غير قابل للتفاوض مهما كانت قيمة التمويل المعروض.


الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر، نحو يسار جماهيري موحد

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بصورة تتجاوز ما هو مرئي على السطح. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة في تاريخ الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية، وجد اليسار نفسه في فراغ تنظيمي مؤلم: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات إلى إضرابات منظمة ترغم السلطات الحاكمة في بغداد وأربيل على الاستجابة، ولا حركة طلابية موحدة تمتلك قوة مؤسسية حقيقية، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ قادرة على ترجمة الغضب الشعبي إلى مطالب مستدامة. في مكان كل ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة بتنسيق محدود وصراعات تنظيمية متكررة.

وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها لا يمكن لأي قوة سياسية جادة تجاهلها. فالثورة الرقمية أعادت رسم خريطة القوة والتأثير، وأتاحت للشبكات الأفقية والمبادرات المستقلة تحقيق حضور ميداني واسع في وقت قياسي. وقد كشفت حركات الاحتجاج، من ساحات العراق إلى حركات العدالة الاجتماعية في أنحاء العالم، أن التنظيم الأفقي المرن قادر على توليد طاقة تعبوية هائلة تعجز عنها الهياكل ذات المركزية المفرطة.

يضاف إلى ذلك تحول عميق في منظومة قيم الأجيال الجديدة تجاه التعددية الفكرية والشفافية ونبذ المركزية الكبيرة. فجيل الشباب اليوم نشأ على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات المتعددة، ويمتلك قدرة نقدية ومقارنة عالية، ويضع الشفافية في صنع القرار والمساءلة في استخدام الموارد شرطاً أساسياً لمنح ثقته لأي تنظيم. كما شهدنا صعوداً واضحاً لنماذج القيادة الجماعية التشاركية، إذ تثبت التجارب الناجحة في الحركات الاجتماعية المعاصرة أن القيادة الموزعة المنبثقة من داخل المجموعات أكثر استدامةً وأقل هشاشةً من نموذج القيادة الفردية المحورية.

وفي ظل هذه التحولات مجتمعةً، باتت الجماهير وخاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج لا تثق بنقابات ومنظمات الواجهة التابعة للأحزاب، وتفضل أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة التي تحترم استقلاليتها الفكرية وتتيح المشاركة الفعلية في صنع القرار وتتعامل مع التنوع بوصفه ثروة لا عبئاً. بل ثمة شرائح متنامية، خاصة بين الشباب، تبدي انزعاجاً متزايداً من العمل الحزبي التقليدي. وهذه الظاهرة تستحق التأمل والدراسة الجادة من اجل فهم جذورها وتحليلها بجدية، بدلاً من مواجهتها بالرفض والإدانة، وهو ما يفرض على اليسار تطوير اشكال تنظيم أكثر ديمقراطية وجماعية ومرونة.

وهذا المنطق الجديد قد يفتح أمام اليسار فرصة حقيقية للتجديد الفكري والتنظيمي وتوسيع قاعدته الاجتماعية. فالخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، وانما بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال نحو بناء ودعم نقابات واتحادات تقدمية مستقلة وقوية يعمل فيها اليساريون واليساريات بمختلف توجهاتهم.


والطريق إلى الوحدة الحقيقية على أرض الواقع يمر عبر مسارين متكاملين لا يقوم أحدهما دون الآخر:


المسار الأول - النقابي والجماهيري: المشاركة الجماعية في بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة وقوية، تجمع الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة ومطالبهم الحيوية. وفي هذه المنظمات المستقلة يستطيع اليساريون واليساريات أن يسهموا بأفضل ما لديهم: قيم العدالة الاجتماعية والتضامن والنضال من أجل الكرامة الإنسانية والمساواة.

المسار الثاني - السياسي والتنظيمي: التنسيق والعمل المشترك على الصعيد الحزبي والسياسي عبر أطر تحالفية متنوعة، على مستوى البلد أو المحافظات أو حول مطالب بعينها، كخطوات تدريجية نحو بناء إطار يساري تقدمي واسع وموحد متعدد المنابر، يضم كافة القوى اليسارية والتقدمية إلى جانب النقابات والمنظمات العمالية والجماهيرية وفق نقاط الالتقاء الآنية. فتغيير الوضع في العراق وإقليم كردستان يتطلب تحشيد كل تلك الطاقات في مشروع واحد متماسك.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة لا تدعي تقديم خارطة طريق جاهزة أو وصفة تنظيمية مكتملة، إذ إن الخطوات العملية وآليات البدء وتفاصيل التطبيق في سياقات مختلفة هي في جوهرها مسائل تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. والهدف الأساسي من هذه القراءة هو إثارة هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية، على أمل أن يفضي إلى نقاش فكري وعملي يسهم في تطوير الرؤية وبناء الإجابات المشتركة.

ذلك هو معنى العمل الجماهيري الحقيقي في عصرنا: أن يخدم شغيلات وشغيلة اليد والفكر ويبني قوتهم ويوحدها ويشارك في تغيير حياتهم نحو الأفضل، وأن يجسد قيم اليسار في الممارسة اليومية لا في الخطاب السياسي وحده. فالقوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية ومواقفه السياسية، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة وواسعة التأثير، متجذرة في حياة الناس اليومية وقادرة على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وتحويل طاقاتهم الاجتماعية إلى قوة تغيير حقيقية تفتح الطريق نحو البديل الاشتراكي.


***********************************************

المصادر والمراجع

أولاً: مصادر التجارب النقابية
[1] تونس: دور الاتحاد العام التونسي للشغل في ثورة 2011 والانتقال الديمقراطي
https://internationalviewpoint.org/spip.php?article5575
[2] جنوب أفريقيا: تأسيس COSATU ودوره في النضال ضد الفصل العنصري
https://sahistory.org.za/article/congress-south-african-trade-unions-cosatu
[3] البرازيل: نشأة الحركة النقابية المستقلة وتأسيس حزب العمال
https://en.wikipedia.org/wiki/Workers%27_Party_%28Brazil%29
[4] الهند: تاريخ الحركة النقابية وارتباطها بحركة التحرر الوطني
https://thelaw.institute/introduction-to-law/india-labour-movement-historical-overview/
[5] الدنمارك: حول النقابات الدنماركية
https://en.wikipedia.org/wiki/Danish_Trade_Union_Confederation

ثانياً: المواثيق والاتفاقيات الدولية
[6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)
https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights
[7] العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights
[8] منظمة العمل الدولية
https://www.ilo.org/ar
[9] اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 (1948)
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c087.pdf
[10] اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 (1949)
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c098.pdf
[11] اتفاقية العمل الجبري رقم 29 (1930)
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c029.pdf
[12] اتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 (1957)
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c105.pdf
[13] اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 (1958)
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c111.pdf
[14] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)
https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/convention-elimination-all-forms-discrimination-against-women
[15] إعلان بيجين ومنهاج عمله (1995)
https://www.unwomen.org/ar/how-we-work/intergovernmental-support/world-conferences-on-women

ثالثاً: مصادر الاقتصاد الريعي العراقي
[16] صندوق النقد الدولي، تقرير المادة الرابعة حول العراق 2025،
https://www.imf.org/en/news/articles/2025/07/08/pr-25243-iraq-imf-executive-board-concludes-2025-article-iv-consultation
[17] صندوق النقد الدولي، تقرير العراق 2024،
https://www.imf.org/en/news/articles/2025/05/15/mcs-iraq-concluding-statement-of-the-2025-imf-article-iv-mission




*********************
نشر المقال بالتزامن باللغة الإنكليزية في الموقع اليساري العالمي ZNetwork، وهو مترجم ومتوفر أيضاً بعشرات اللغات التي يدعمها الموقع.
https://znetwork.org/znetarticle/the-left-trade-unions-and-mass-organizations



#رزكار_عقراوي (هاشتاغ)       Rezgar_Akrawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ...
- الفاشية الرقمية، حين يلتقي رأس المال الاحتكاري باليمين المتط ...
- إسرائيل، الأبارتهايد وعقوبة الإعدام، حين يصبح القانون سلاحا ...
- الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج في الدول الأوروب ...
- القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المو ...
- الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية ...
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ...
- مقالاتي وتحليلاتي حول اليسار الالكتروني والذكاء الاصطناعي وا ...
- الرؤية الرأسمالية للذكاء الاصطناعي: الربح، السلطة، والسيطرة
- اليسار العراقي عشية انتخابات 2025: بين الوحدة والتجدد
- جيل Z 212 واحتجاجات الشباب في المغرب: من الفضاء الرقمي إلى ا ...
- بثلاثين لغة عالمية، يصدر كتابي حول الذكاء الاصطناعي مجانا بد ...
- رقابة وسيطرة ناعمة، عبر الذكاء الاصطناعي كأداة قمع سياسي متد ...
- هل نعيش في عبودية رقمية؟ كيف يسيطر الذكاء الاصطناعي على عقول ...
- البابا والفاتيكان، حق إلهي أم احتكار ذكوري؟ رجال كهول يقصون ...
- كسر الفجوة الرقمية بين اليسار والرأسمالية، مهمة اليسار العاج ...
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ...
- الذكاء الاصطناعي، رؤية اشتراكية
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ...
-   الحزب الشيوعي وسائرون، أجمل تحية وتهنئة بذكرى التأسيس، ملا ...


المزيد.....




- سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش ...
- الجبهة الديمقراطية: حماية المحكمة وإجراءات قضاتها ضرورة قان ...
- Power, Men’s Silence, and the Urgent Need to Overhaul Mascul ...
- Let’s Not Make a Deal
- The Left, Trade Unions, and Mass Organizations
- تصدع داخل حزب العمال ومنافسو ستارمر يعيدون فتح ملف -بريكست- ...
- تعازينا الحارة في وفاة والد شهاب احد معتقلي بانر فلسطين
- بلاغ المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي
- مهدي عامل (توطئة لمختارات »الماركسية العربية والتحرر الوطني« ...
- ردي على مقال جريدة جريدة المُناضل-ة الموقع بقلم الصديق علي أ ...


المزيد.....

- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رزكار عقراوي - اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية