أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية البحرينية المعاصرة: حوار مع الكاتب جعفر الديري















المزيد.....


الحركة الإبداعية البحرينية المعاصرة: حوار مع الكاتب جعفر الديري


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 15:45
المحور: مقابلات و حوارات
    


من حضارة دلمون إلى "مقدمة لخلق الأشياء".. حوار يبحث في تراث البحرين وجراح الواقع مع جعفر الديري.

بين تشريح الواقع الاجتماعي بجرأة القاص، وتحليق الصورة الفلسفية بجناحي الشاعر، يقدم الكاتب والبحريني جعفر الديري تجربة أدبية رصينة وشديدة التنوع، تبسط ظلالها على مفاصل المشهد الثقافي المعاصر. في نسجه القصصي عبر مجموعتيه "السبعة" و"قرار نهائي"، يستخدم الديري الرمزية كأداة حية لرصد التحولات الاجتماعية في البيئة البحرينية، قبل أن يتخفف من قيود السرد لينحاز إلى فلسفة اللفظ والموسيقى الفصحى في ديوانه "مقدمة لخلق الأشياء". ولا تتوقف مغامرته الإبداعية عند حدود الكبار، بل تمتد لتصوغ بأناشيد "أمي أزهار وورود" الوجدان الطفولي والتربوي، حاميةً إياه من جفاء عصر الهواتف الذكية.
وفي هذا الحوار الشامل والممتد ، نبحر مع الديري في عوالمه القصصية والشعرية المتداخلة، ونناقش معه تحديات وثقافة أدب الطفل. كما نفتح صفحات توثيقه التراثي في كتابه "حوارات بحرينية"، مستكشفين جهوده في إحياء المهن التقليدية وحضارة دلمون العريقة، في محاولة لفهم كيف يمكن للكلمة أن تظل حارسة للهوية الوطنية والإرث الإنساني
عالم القصة القصيرة والواقع الاجتماعي

* حظيت مجموعتكم الأخيرة "السبعة" بقراءات نقدية متعددة؛ ما هي الإضافة الحقيقية التي أردت تقديمها للمشهد القصصي من خلال هذا العمل؟

- قبل الإجابة على هذا السؤال، أجدني ملزماً بتوجيه جزيل الشكر لكم، نظير هذه الحوارات الغنية، التي تقدّمونها للقرّاء بين حين وآخر، وحيث أنّني دخلت مجال الصّحافة الثقافية منذ العام 2000، أصبحت عندي قناعة بأهمية مثل هذه الحوارات، وإيمان بأثرها على المدى القريب والبعيد. ثانياً، أود التأكيد على أن ما أجيب به هنا، يظل وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، لكنه يثير مزيداً من الأسئلة والمناقشات الهادفة، وفي ذلك خير كثير.
أما بخصوص هذا السؤال، فربما يكون النقّاد والقرّاء أحقّ مني بالإجابة عليه، فهم من قرؤا المجموعة، ووجدوا فيها مادة جيدة للدراسة، أما أنا صاحب المجموعة فلا أود أن أتحدث عنها، فأقول أنها أضافت للمشهد شيئا جديدا، إذ تبقى المجموعة محاولة، نجحت في جوانب معينة.
* تداخل الرمز مع الواقع الاجتماعي يبرز بوضوح في مجموعة "قرار نهائي"؛ كيف توازن في قصصك بين رصد الواقع المعيش وتوظيف الرمزية الأدبية؟
- اهتمامي بالرمز يعود في الأساس إلى كتابتي الشعر، بعد ذلك وجدت لونا آخر من الرمز، يمكن استعماله في القصة القصيرة، ودافعني لاستخدام الرمز هو دافع جمالي، إذ وجدت فيه فضاءًا واسعاً تنطلق فيه المخيّلة، وهو لا ينفصل عن السريالية ولا عن اللغة الشعرية، فجميعها تتكامل مع بعضها، وتخلق تعابيراً في منتهى الجمال.

* العنوان في أعمالك القصصية يحمل دلالات مكثفة؛ كيف تختار عتبات نصوصك (العناوين) لتجذب القارئ وتثير فضوله النقدي؟

- كنت أختار العناوين التي توافق أحداث القصَّة، بعد ذلك ونتيجة للقراءة المكثّفة لقصص أدباؤنا الكبار مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، ونتيجة لمتابعة التأمُّل فيما يكتبه نقاد الأدب، بدأت باستغلال موهبتي الشعرية، وصرت شديد الحرص على خلق عناوين، ذات صبغة شعرية، ولها مدلولات شتى، أو إن صح التعبير لها أكثر من مستوى للفهم.

* يرى بعض النقاد في قصصك تشريحاً عميقاً للمجتمع البحريني؛ ما هي أبرز التحولات الاجتماعية التي تشغلك كقاص وتسعى لتوثيقها؟
- لا تعنيني التحولات الاجتماعية الظاهرة، بقدر أثرها في التحولات النفسية، وقد ارتبطت بمؤلفات تيودور دوستويفسكي منذ وقت مبكر، وشدّتني مقدرته على تعرية نفوس أبطاله، وأثر الأحداث فيها، ومن وظائف القاص الفنان، سبر غور أبطاله، وإذا كان بعض الدارسين يشكلون على بعض المؤرخين أنهم يسجلون تاريخ الصفوة، دون اهتمام برجل الشارع العادي، فإن القاص أيضا يدلي بدلوه هنا، فهو يؤرخ لنفوس أبطاله، وتأريخ عواطفهم وآمالهم.

* ما بين "قرار نهائي" و"السبعة"، كيف تطوّرت أدواتك السردية وتكنيك بناء الشخصيات داخل القصة القصيرة؟

- رغم أن المناخات متشابهة في المجموعتين، إلا أن السبعة، لها معزّة خاصة في قلبي، إذ حاولت فيها الاستفادة من الحكايات والأساطير، ودمجها في صراع يومي، يمكن أن يحدث في أيّ مكان، أي أن بعض قصص هذه المجموعة، استعارت الحكاية ولكن في لباس عصري، وسعت لتجسيد مشكلة الإنسان مع قدره، ومحاولته تغييره، وربما أكون قد تأثرت فيها بما سبق لي أن قرأته من ترجمات لإبداعات مسرحية ليوربيديس، إسخيلوس، سوفوكليس وغيرهم من كتّاب عظام.
الشعر وفلسفة اللفظ

* ديوانكم "مقدّمة لخلق الأشياء" يعكس تجربة خاصة في صياغة النص الفصيح؛ ما الذي يمنحه الشعر لـ جعفر الديري ولا تستطيع القصة القصيرة البوح به؟

- لقد بدأت في الأساس كشاعر، ثم حاولت كتابة القصة، وقد منحتني الكثير. غير أني حين أتأمل فيما نظمت من شعر وفيما كتبت من قصة، أجدني أنا نفسي في كلا الحالتين، فالمواضيع التي تشغلني في الشعر هي نفسها التي تشغلني في القصة. الفرق بينهما يمكن تلخيصه في أنّي لا أستطيع كتابة الشعر بتفكير مسبّق، فأنا أترك للقصيدة أو النص الشعري، الوقت والأوان الذي ينبثق فيه، بينما أستطيع في القصة التعبير عن أفكاري بهدوء وترتيب.

* الصياغة الفصيحة تتطلب وعياً لغوياً وفلسفياً حاداً؛ كيف تولد اللحظة الشعرية لديك، وما هي طقوسك في تهذيب القصيدة؟

- عندما يسألني الأصدقاء عن طبيعة الشعر الذي أحبه، أقول بصدق أن الشعر الوجداني هو ما يستهويني، بل إنني أرى أن لحظات الضعف الإنساني هي أكثر اللحظات التي تبدو فيها شاعرية الشاعر، أما بقية الفنون مثل الفخر والمديح، ففيها الكثير من التكلّف. وأنا لا أتكلّف القصيدة، ولا أحبذ شعر المناسبات، تولد عندي القصيدة من اللحظة الشعرية نفسها، دون تدخل مني، حاولت أن أكسر هذا الطوق الجميل، لكني لم أستطع.

* هل ترى أن القاص بداخلكم يتدخل أحياناً في بنية القصيدة ليعطيها طابعاً سردياً، أم أن الفصل تام بين الشاعر والقاص؟

- أجل، أجد أثراً كبيراً من الشعر في القصة التي أكتبها، لكنه أثر جميل جدّاً، يحوّل كلمات القصة إلى جمل شاعرية عذبة، وبالمثل تلقي القصة بظلالها بكثافة على الشعر، فتقرأ قصيدتي وكانّك تتابع مشهدا سرديا، مليئاً بالغيوم والخيالات، والأشواق الصوفية.

* كيف توظّف الموروث الثقافي والتاريخي للبحرين في بناء صورك الشعرية المبتكرة؟

- ستجد الموروث الثقافي والتاريخي للبحرين، حيّاً في كل ما كتبت، من أدب أو كتابات صحافية. أنا لا أتعامل مع هذا الموروث بصورة جامدة، بل هو كائن حي يتنفس في تفاصيل ما أكتب، وأستعيره أيضا في نصوصي القصصية، والحمد لله أنني عشت جزءًا من حياتي في حياض النخيل والبساتين، وما زلت أشمُّ عبير أوراق الشجر، ونفحات الأزهار، وحتى لو لم يظهر ذلك بصورة واضحة في شعري، فهو داخل في نسيج النص الشعري.
* في زمن يراه البعض "زمن الرواية والقصة"، كيف تنظر إلى مستقبل الشعر الفصيح وقدرته على الوصول للقارئ المعاصر؟

- هذا السؤال ذو شجون، وكلٌّ يدلي فيه بدلوه من الجهة التي توافق نفسه وشعوره، وأعتقد أن فن الشعر ما زال المهيمن على الفنون الأدبية، حتى لو تصدّرت الرواية المشهد اليوم، فلا يعني ذلك أن الشعر تخلّف الى الوراء، فهو أقرب الفنون للنفس، والتعبير بالشعر حاجة في نفس كل إنسان، وهذه الخواطر التي يكتبها الناس هي صورة من هذا الشعر، بسيطة وجميلة.
أدب الأطفال والبناء الوجداني

* الانتقال من السرد الموجّه للكبار إلى أناشيد الأطفال في "أمي أزهار وورود" مغامرة صعبة؛ ما هي التحديات التي واجهتك في الكتابة للطفل؟

- هناك تحديات لا شك تواجه المهتمين عموما بأدب الطفل، لكن هناك أيضا فرص كبيرة للنشر والتفاعل، لو انك عدت الى زمن كامل الكيلاني مثلا وهو رائد عظيم، وتصورت حجم الجهد الذي بذله في ترسيخ هذا الفن، لوجدت ما يعانيه الكتّاب اليوم محدوداً أمام ما بذله لوحده، فالفرق كبير بين أن أحرث أرضا غير مؤسسة أساسا للزراعة، وبين فلاّح يأتي بعد ذلك فيزرع فيها وقد تهيئت تماما للحصاد. وحتى لا أخرج عن إطار سؤالك المهم، ربما أحدّد تحد أكبر من سواه وهو، محدودية ثقافة الآباء، وعدم مقدرة الكثيرين منهم على تمييز الغث من السمين. وقد شهدت العديد من الآباء في المعارض، لا يولون أهمية لاختيار ما يناسب ويهذِّب عقول أطفالهم، وإنما يطالعون القصة أو المجموعة الشعرية بشكل سريع، ويشترون أي واحدة منها، وربما كانت أقل مستوى من غيرها المصفوفة إلى جانبها في رفِّ واحد.

* "أمّي أزهار وورود" تحمل طابعاً تربوياً وجمالياً؛ ما هي الرسائل والقيم الأساسية التي حرصت على غرسها في وجدان الطفل من خلال هذه الأناشيد؟

- الحديث عن فضل الوالدين، حديث لا ينتهي، لأن الأبناء عندما يتحدثون عن آبائهم، إنما يعبرون عن غبطة وسعادة تنشر الفرح والسرور في قلوبهم، فعطاء الأبوين لا حدود له، وهو الحب الجدير بوصفه بأعظم درجات الحب الإنساني، اللهم إلا الحب المتعلق بالله عز وجل، وقد أردت من تسمية مجموعة الأناشيد هذه "أمِّي أزهار وورود" أن أبين أن كل دعوة للقيم الإنسانية، هي انعكاس لمدى الحب الذي تغلغل في مشاعر الأبناء تجاه آبائهم.

* كيف تختار الإيقاع الموسيقي واللغة المناسبة للطفل لضمان تفاعله مع النص الأدبي في عصر الهواتف الذكية؟

- لا أظن المهتمين بأدب الطفل وشئون الطفولة عموما، ابتلوا بمعضلة أكبر من الهواتف الذكية، فرغم ما تقدّمه من خدمات، تظلّ أكبر تحد يواجه الأدباء وهم آباء أيضا، لقد سرقت الهواتف الأطفال من أحضان أمهاتهم، ونأت بهم من متع روحية عظيمة كان ينعم بها آباؤهم، ومنها القراءة. ومن يكتب شعرا للأطفال يعاني أكثر برأيي من الذي يكتب القصة، من حيث اختيار بحور الشعر المناسبة، وتحسُّس الجرس الموسيقي، وعنّي شخصيا، أغني الأنشودة بيني وبين نفسي، وألقيها أيضا على الأطفال، لأعرف مدى بساطتها، ومقدار إدراكهم لمعانيها. ومن قال أن نظم الشعر للأطفال صعب، صدق في ذلك، ولكن ذلك يصح عندما نتحدث عن الشعراء الجادين، الذين يؤمنون بأهميّتة وأثره التربوي في نفوس الأطفال.

* هل تفتقر الساحة الأدبية العربية والمحلية إلى دعم حقيقي لأدب وثقافة الطفل، وكيف يمكن الارتقاء بهذا الفن؟

- تحظى الساحة محليا وعربيا، بدعم حقيقي لأدب وثقافة الطفل، وليس أدل على ذلك من كثرة الإنتاجات الأدبية، بل إن هذا الدعم نفسه تسبّب في استسهال الكتابة للطفل. أمَّا الارتقاء بهذا الفن، فيتم بإعادة الاعتبار لجهود الروّاد، وما يؤلمني حقيقة، هو التنكّر لجهودهم، فأنت عندما تقرا ليوسف الشاروني مثلا أو عبد التواب يوسف، فضلا عن كامل الكيلاني وآخرين، ستلاحظ الفرق الكبير بينهم وبين من يكتب اليوم للأطفال، لقد اختفى ذلك الأسلوب الحكائي الرائع، وذلك التشويق الذي يأخذ بمجامع القلوب، ولا بأس بالتجريب، لكن بشرط أن يقرأ الطفل قصة مشوقة، وليس قطعة باردة لا روح فيها.

* إلى أيّ مدى تساهم الأناشيد المدرسية والطفولية في تشكيل الهوية الوطنية والجمالية للأجيال القادمة؟

- هي تساهم في ذلك لا شك، وفوائدها جمَّة، لكن ذلك يحدث على يد مدرسين ومدرسات يدركون حجم ما عليهم من مسؤوليات، فيكونون بمثابة العين المبصرة لتلاميذهم، يوضحون لهم أن تشكيل الهوية الوطنية، والجمالية، يجب أن يتم من خلال إيلاء لغتنا العربية، ما تستحقه من اهتمام، ويحببون للأطفال القراءة باللغة العربية، فلطاما دعا المصلحون وبينوا أن لغة القرآن الكريم خير ما يربط ويوطد هويتنا الوطنية.
التوثيق التراثي والحواري

* كتابكم "حوارات بحرينية حول الثقافة والفنون والتراث" جمع شخصيات محلية ودولية؛ ما هو الخيط الناظم الذي يربط كل هذه الحوارات؟

- تنظمها اللغة العربية أوّلا، فجميعهم ممّن يتحدث اللغة العربية، وجميعهم قرأ وتأمل في فنون وثقافات أخرى وهضمها، وأنتج اسمه ولونه الخاص به، وثانيا: ينظمها الإحساس الصادق بهموم الإنسان، وهو موضوع طالما تحدّث عنه الجميع، لكنه يظلُّ خيطا ناظما في غاية الأهمية.

* ركَّز كتابكم الحواري على حضارة دلمون والتراث البحريني؛ كيف يمكن استثمار هذا الإرث الحضاري لتعزيز الهوية الثقافية عالمياً؟

- قطعت مملكة البحرين شوطا طويلاً في هذا المجال، وحوّلت الحوار حول حضارة دلمون وتراث البحرين، إلي استثمار حقيقي، وخيطاً يصلها بقوة بالحضارات والثقافات العالمية، وأنا من جانبي ككاتب، حاولت عرض شيء مبسّط عن حضارة البحرين وتراثها، توجهت به للناشئة خاصة، لأجل التعريف بهذه الحضارة العريقة، التي كانت ولا تزال بمثابة الحاضنة لكل جميل يأتيها من المشرق والمغرب.
* نشرت بحوثاً ومقالات هامة تُعنى بصناعات تقليدية مثل "نسج الخوص"؛ ما الذي دفعك للغوص في توثيق هذه المهن وحمايتها من الاندثار؟

- لقد أجبت أخي الكريم على السؤال، حين قلت: حمايتها من الاندثار، فعلى رغم الاهتمام الرسمي والشعبي بهذه المهن، ومزاولة العديد من أهل البحرين لها، تبدو معرفة أبناء هذا الجيل محدودة بها، والواجب على الجميع الترويج لها، كجزء من الهوية، واستثمارها ماديّاً أيضا، أتذكر أني قرأت ذات يوم عن رجل الصناعة المصري طلعت حرب، أنه كان مهتما جدا باستثمار هذه الصناعات، حتى أنه أنشأ مصنعاً لهذه الغاية، وكان يبدي سخطه على الموظفين والعمّال عندما يشترون شيئا من هذه الصناعات من الخارج، بينما هي تتوافر في الداخل بسعر أقل.

* من واقع تجربتك، كيف ترى تفاعل الأجيال الجديدة مع التراث المادي وغير المادي في البحرين؟

- هناك لا شك جهود أهلية ورسمية في هذا الإطار، تستحق الإشادة، وربما يجوز لنا أن نسميها صحوة، فالاهتمام بالتراث المادي وغير المادي، يزداد يوما بعد آخر، ونشاهد يوميا حسابات جديدة تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا في الانستغرام، تعنى بهذا التراث، وهو أمر يلاحظ أيضا في جميع دول الخليج العربي. لكن ما ألاحظه على هذه الحسابات الشبابية غالبا، أنها تطرح أو تعيد طرح مواضيع تراثية قديمة، أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهو وان كان مؤشرا على زياده الاهتمام، إلا أنّ خلو هذه الحسابات من الدراسات الجادة المحلّلة والمفككة لهذا التراث، يعني أن الوقت لم يحن بعد لاستثمار هذا التراث بشكل أكثر فائدة.

* هل ترى أن التوثيق التراثي في الخليج يحتاج إلى أدوات إعلامية وصحفية أكثر حداثة لضمان استمراريته؟

- لا شك أن توافر الأدوات الإعلامية والصحافية التي تواكب الحداثة، مهم ليس لتوثيق التراث وحسب، بل لكافة شئون الحياة، ومن المهم أيضا، أن تعنى الجامعات بهذا اللون من التوثيق، وتشجّع الباحثين على المبادرة بجمع هذا التراث، وطرح الرسائل الجامعية حوله، ولكي لا يتحول هذا التوثيق إلى كتاب وينتهي الأمر، عليها أن تشجع هذا المنتج ليتحول إلي منتجات أخرى.
الصحافة والنقد وإدارة الفعاليات الثقافية

* تكتب المقالات والتحليلات الثقافية في صحف بارزة كالأيام وأخبار الخليج واليمامة؛ كيف توازن بين عين الصحفي الناقد وقلم الأديب المبدع؟
- صدقني أستاذي العزيز، أنني لم أكتب يوما شيئا، إلا وروح القص تخيّم على حروفه، أنا قاص أو كاتب للأدب قبل كل شيء، حتّى في حواراتي ومتابعاتي، كنت أغلّف هذه المواضيع بحس الكتابة الأدبية.

* ما هو تقييمك لواقع النقد الأدبي في الصّحافة العربية اليوم؟

- لعلَّ من أعظم الهبات التي وهبنا الله إياها، أنّ الحدود لم تعد قائمة بين النقّاد والأدباء، أصبحنا نقرأ لناقد من مصر، يكتب عن شاعر أو كاتب من البحرين، لقد أكسبت هذه الكتابات النقدية، النقد العربي دفعة قوية، وبغض النظر عن رأي النقاد الكبار، بأن كثيرا من هذا النقد المنشور لا يرتقي لأن يقال عنه نقد منهجي وإنما هو نقد انطباعي، تظلُّ هذه المساحة المفتوحة، مكاناً خصباً، تنمو فيه التجارب النقدية والأدبية كذلك.
* هل يواكب النقد الطفرة الكبيرة في الإصدارات الأدبية؟

- أجل، المجلات الثقافية سواء المحكّمة أو غير المحكّمة، متوفرة ولله الحمد، وإذا أضفنا إليها المجلات الإلكترونية والمواقع الثقافية على شبكة الإنترنت، فسنجد تنوعا ثريّا فيما تطرحه هذه المجلات والمنصّات، يواكب كل جديد، والمؤكد أيضا أن الذكاء الاصطناعي، ساهم في تثقيف المشتغلين بالنقد، وجرأهم على الدخول في مضاميره.

* نشاطك في إدارة الندوات بـ "ملتقى القصة في البحرين" يضعك في قلب الحراك الثقافي؛ كيف تقرأ الحيوية الأدبية التي تشهدها "أسرة الأدباء والكتاب البحرينية"؟

- لقد أصدرت كتابا قبل عام من الآن، بعنوان "أسرة الأدباء والكتاب.. أنشطة ثقافية مختارة"، جمعت فيه أرشيفا من الفعاليات والنقاشات والمقالات، الخاصة بأسرة الأدباء والكتاب، وهو يؤرخ لعمر هذه المؤسسة الرائدة على مستوى الخليج العربي، وإذا قرأته- وهو بالمناسبة متوفر في النت، مجانا للتحميل، ستكتشف مدى حيوية أسرة الأدباء، وحرصها على تقديم الأنشطة الثقافية طوال العام، فهي تضمّ تحت جناحيها أكثر من لجنة داخلية، فإلى جانب لجنة القصة القصيرة، هناك لجنة للشعر، واللجنة الخاصة بأدب الطفل، ولجنة أخرى معنية بالشباب، إلى جانب ملتقى القصة.

* ما هي المعايير التي تجدها مهمّة لإنجاح الأمسيات الأدبية، وجعل منصَّات المؤسسات الثقافية جاذبة للجمهور وللمبدعين الشباب؟

- من المهم أن يجد الجميع فرصتهم لإظهار ما لديهم، إذا شعر الكاتب الناشيء بالغبن، فلن يعاود المجيء، بل سيسيء للمؤسسة، وهذا أمر في غاية الأهمية، فالعمر يتقدّم بالإنسان ومن المهم الحفاظ على الشبيبة التي ارتبطت بالمؤسسة، وكما أن الأندية الرياضية الكبرى، تهتم بالمواهب الكرويّة منذ الصغر وتضع لها برنامجا يكفل لها، اللياقة الجسدية، حتى تصل إلى مستوى المنافسة مع الفرق الأخرى، كذلك على المؤسسات صاحبة المنصات الثقافية، اجتذاب الشباب ورعايتهم دون تمييز، بحيث تكبر مواهبهم فيها، وتصبح شجرة مثمرة بحبّات الأدب الناضجة.

* بعد هذا المشوار المتنوع بين الشعر والسرد والصحافة والتراث؛ ما هو المشروع الإبداعي المؤجل الذي ما زال جعفر الديري يحلم بإنجازه؟

- الرواية، ولا أعلم حتى متى سأظل أهاب الرواية؟! إني لأغبط كلّ كاتب يكتب رواية، ويتبعها بأخرى، وأتساءل: هل أنا على حق أم أنه خوف لا مبرر له؟ إذا شاهدت الكم الهائل من الروايات التي تصدر كل عام، تشجعت وقلت لنفسي، لن تكون أقل مستوى من كثير مما ينشر، وإذا قرأت رواية عظيمة لنجيب محفوظ أو آرنست همنغواي، أو تولستوي تردّدت وأحجمت عن النشر، أنا أحاول كتابة الرواية لكنني أتهيَّب نشرها، فعسى أن يوفقني الله تعالى لكتابة رواية جيدة ونشرها قريباً للناس.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة :مع الأديب الليبي حسين بن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة فوزية العكرمي
- الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعرة وردة أيوب عز ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:الهادي العثماني: الشاعر ا ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع سفيرة الكلمة وال ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة بسمة المرواني
- التجربة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الكاتبة التونسية سلو ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية راضية ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :الشاعر التونسي سليمان بن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية سلوى ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:عادل لطيفي في حديث من الق ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة اله ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ع ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية فائزة ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعر التونسي محمد عل ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة مجيدة محمدي
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س ...


المزيد.....




- ترامب يعلن تشكيل -قوة الذكاء الفائق-.. وهذه أبرز مهامها
- أنجلينا جولي تشارك صورا لدمار غزة وتتساءل عما حدث للعائلات ا ...
- هاواي.. المملكة السليبة
- البرازيل تختار بين لولا وفلافيو بولسونارو.. وترامب يحضر في خ ...
- من يدقق في خلفيات الطيارين الأجانب؟ حادثة -فلاي دبي- تكشف خل ...
- بورتسودان تشتعل غضبا بعد جريمة قتل مروعة
- نظريات المؤامرة تطارد رحلة فلاي دبي: إسرائيل والسعودية والإم ...
- سفينة محملة بـ1500 طن من المتفجرات تهدد نهر التايمز منذ ثمان ...
- ماذا وراء عودة البرغوثي؟.. دعوة أمريكية للإفراج عنه وموقف عر ...
- ثلاث هزات أرضية متتالية في جنوب تركيا شعر بها سكان الشمال ال ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية البحرينية المعاصرة: حوار مع الكاتب جعفر الديري