أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سنان نافل والي - السياق التاريخي للبعثات التبشيرية الكاثوليكية في الشرق - من الإصلاح البروتستانتي إلى اكتشاف المندائيين















المزيد.....

السياق التاريخي للبعثات التبشيرية الكاثوليكية في الشرق - من الإصلاح البروتستانتي إلى اكتشاف المندائيين


سنان نافل والي

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 19:54
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا يمكن فهم ظهور الاهتمام الأوروبي بالمندائيين في العراق والخليج العربي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدها العالم المسيحي الغربي في مطلع العصر الحديث. فالمبشرون الذين وصلوا إلى البصرة والأهوار وجنوب بلاد الرافدين لم يأتوا بوصفهم رحالة فضوليين أو باحثين في الأديان المقارنة، بل كانوا أبناء مرحلة تاريخية استثنائية شهدت واحدة من أعنف الأزمات الدينية في تاريخ أوروبا، وهي الأزمة التي بدأت مع الإصلاح البروتستانتي سنة 1517 وانتهت إلى إعادة تشكيل الكنيسة الكاثوليكية نفسها فيما عُرف لاحقاً بالإصلاح الكاثوليكي أو الإصلاح المضاد. لقد كانت أوروبا في أواخر العصور الوسطى تعيش حالة من التوتر الديني المتصاعد. فالكثير من رجال الدين والمفكرين المسيحيين كانوا ينتقدون فساد المؤسسات الكنسية، وانتشار بيع صكوك الغفران، وضعف التأهيل العلمي للكهنة، وتضخم السلطة البابوية. ومع أن هذه الانتقادات كانت موجودة قبل القرن السادس عشر، فإنها لم تتحول إلى حركة إصلاحية كبرى إلا عندما نشر الراهب الألماني مارتن لوثر في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1517 أطروحاته الخمس والتسعين في مدينة فيتنبرغ. وقد شكل هذا الحدث نقطة تحول كبرى في التاريخ الأوروبي، إذ أدى إلى انقسام المسيحية الغربية إلى معسكرين كبيرين: كاثوليكي وبروتستانتي. يرى المؤرخ الفرنسي جان دوليمو أن أزمة الإصلاح البروتستانتي لم تكن مجرد خلاف عقائدي حول بعض المسائل اللاهوتية، بل كانت زلزالاً حضارياً هدد وحدة العالم المسيحي الغربي التي استمرت قرابة ألف عام. فخلال عقود قليلة خسرت روما أجزاء واسعة من ألمانيا وسويسرا واسكندنافيا وهولندا وإنكلترا، وأصبحت الكنيسة الكاثوليكية تواجه احتمال فقدان موقعها المركزي في أوروبا. ولهذا بدأت البابوية تبحث عن وسائل جديدة لإعادة تنظيم الكنيسة وتعزيز سلطتها الروحية والإدارية. (1) وفي مواجهة هذا التحدي التاريخي، لم تكتفِ الكنيسة الكاثوليكية بمحاربة البروتستانتية، بل شرعت في عملية إصلاح داخلية واسعة النطاق عُرفت في الدراسات الحديثة باسم الإصلاح الكاثوليكي أو الإصلاح المضاد . ويؤكد روني بو-شيا هسيا أن المؤرخين المعاصرين لم يعودوا ينظرون إلى هذه المرحلة بوصفها مجرد رد فعل سلبي على البروتستانتية، بل باعتبارها مشروعاً شاملاً لإعادة بناء الكاثوليكية وتحديث مؤسساتها وتوسيع حضورها العالمي.
مجمع ترنت (1545–1563): إعادة بناء الكاثوليكية
كان الحدث الأكثر أهمية في هذا المشروع الإصلاحي هو انعقاد مجمع ترنت ين عامي 1545-1563 وقد استمر المجمع على فترات متقطعة قرابة ثمانية عشر عاماً، وشهد مناقشات طويلة حول العقيدة والسلطة الكنسية والتعليم الديني وإصلاح رجال الدين. لقد أعاد مجمع ترنت تعريف الهوية الكاثوليكية بصورة دقيقة في مواجهة البروتستانتية. فأكد على سلطة الكنيسة والتقليد الكنسي، وعلى الأسرار المقدسة، وعلى مركزية البابوية، كما وضع برامج واسعة لإصلاح التعليم الكهنوتي وإنشاء المعاهد الدينية وإعادة تنظيم الحياة الرهبانية. ويعد كثير من المؤرخين هذا المجمع نقطة الانطلاق الحقيقية للكاثوليكية الحديثة. ويشير هسيا إلى أن نتائج ترنت لم تقتصر على أوروبا، بل أدت إلى ولادة رؤية عالمية جديدة للكنيسة، قوامها أن الكاثوليكية ليست مجرد دين أوروبي، وإنما رسالة عالمية ينبغي نشرها في جميع أنحاء العالم. ولهذا ارتبط الإصلاح الكاثوليكي ارتباطاً وثيقاً بالتوسع التبشيري خارج أوروبا.


في خضم هذه التحولات ظهرت مجموعة من الرهبنات الجديدة التي لعبت دوراً محورياً في تنفيذ المشروع الإصلاحي والتبشيري للكنيسة ، وكان أبرزها: ( اليسوعيون، الكرمليون الحفاة، الكبوشيون، الأوراتوريون ) وقد تميزت هذه الرهبنات بمستوى علمي مرتفع، وانضباط تنظيمي صارم، واستعداد كبير للعمل في البيئات البعيدة والخطرة. ويصف هسيا هذه الرهبنات بأنها القوات المتقدمة للإصلاح الكاثوليكي أنها كانت الأداة الأساسية التي اعتمدت عليها روما في استعادة نفوذها داخل أوروبا وخارجها. ولم تعد مهمة الراهب مقتصرة على الصلاة والتعليم، بل أصبح أيضاً مبشراً ومترجماً ومستكشفاً وجامعاً للمخطوطات ووسيطاً ثقافياً بين أوروبا والعالم غير الأوروبي. (2)
تأسيس مجمع نشر الإيمان سنة 1622
وسط المناخ المفعم بالتنافس الإمبراطوري المحتدم بين القوى الكاثوليكية الصاعدة وعلى رأسها إسبانيا والبرتغال وفرنسا من جهة، والرغبة البابوية الجامحة في مركزية القرار التبشيري من جهة أخرى، أصدر البابا غريغوري الخامس عشر في 22 يونيو 1622 مرسوماً بابوياً تاريخياً عُرف باسم المرسوم البابوي معلناً رسمياً تأسيس (مجمع نشر الإيمان) لم يكن هذا المجمع مجرد هيئة دينية عادية، بل تحول بسرعة ليصبح وزارة الخارجية الإلزامية والذراع الاستخباراتي والاستراتيجي للفاتيكان في إدارته لملفات التبشير والعلاقات مع الكنائس الشرقية والجماعات المهمشة، بما فيها المندائيون في بلاد الرافدين. لإدراك القيمة الحقيقية لتأسيس المجمع سنة 1622، يجب تفكيك الأزمات الهيكلية التي عانت منها الكنيسة الكاثوليكية في إدارة بعثاتها التبشيرية طوال القرن السادس عشر:1 - هيمنة النظام الإسباني والبرتغالي : حتى أوائل القرن السابع عشر، كانت عملية التبشير العالمي خاضعة كلياً لسلطة التاجين الإسباني والبرتغالي بموجب ما يُعرف بنظام ( البادرادو) ،بموجب هذا النظام، مُنح الملوك الكاثوليك الحق المطلق في تعيين الأساقفة، وتمويل البعثات، وتحديد وجهات المبشرين، مقابل حمايتهم العسكرية. غير أن هذا الارتباط الوثيق بين الصليب والسيف الاستعماري أدى إلى أزمات حادة؛ حيث أصبحت البعثات التبشيرية تُدار وفقاً للمصالح التجارية والسياسية للبرتغال وإسبانيا، لا وفقاً للأجندة الروحية لروما. 2- - الرغبة في المركزية البابوية : أدرك باباوات عصر الإصلاح المضاد إن استمرار تبعية التبشير للملوك يعني فقدان السيطرة البابوية على العقيدة وتوجيه الكنيسة عالمياً. جاء تأسيس مجمع نشر الإيمان سنة 1622 كضربة استراتيجية جريئة هدفت إلى سحب ملف التبشير من أيدي الملوك ووضعه مباشرة تحت الإدارة المركزية للكرسي الرسولي في روما، لضمان وحدة الخطاب اللاهوتي وإخضاع الجميع ( من رهبان فرنسيسكان، ودومينيكان، ويسوعيين، وكرمليين ) لسلطة مركزية واحدة. 3- - التحدي البروتستانتي والمنافسة الاستعمارية : مع دخول قوى برتغالية جديدة وهولندية وبريطانية إلى مسرح التجارة العالمية في المحيط الهندي والشرق الأوسط، بدأت النفوذ الكاثوليكي يتراجع في بعض المحطات الحيوية. تطلب الأمر إنشاء آلية مؤسسية بيروقراطية قوية قادرة على تمويل وإرسال وتوجيه البعثات بكفاءة عالية لمواجهة التمدد البروتستانتي والوجود الإسلامي في الشرق. (3) وكان الهدف في نهاية المطاف من هذه المؤسسة الجديدة هو( نشر الكاثوليكية بين غير المسيحيين، مواجهة البروتستانتية، إعادة الكنائس الشرقية إلى سلطة روما، تنسيق النشاط التبشيري العالمي بصورة مركزية. وتشير الوثائق البابوية إلى أن تأسيس المجمع مثّل تحولاً جذرياً في سياسة الكنيسة، إذ أصبحت روما تشرف مباشرة على البعثات التبشيرية في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط بدلاً من الاعتماد الكامل على التاجين الإسباني والبرتغالي. في هذا السياق اكتسب الشرق الأوسط أهمية استثنائية. فالمنطقة لم تكن موطناً للمسلمين فقط، بل ضمت أيضاً عدداً كبيراً من الكنائس الشرقية القديمة مثل الموارنة والسريان والأرمن والكلدان والأقباط. وقد رأت روما أن هذه الكنائس تمثل فرصة لإعادة توحيد المسيحية تحت سلطتها الروحية. ويؤكد المؤرخ الفرنسي برنار هيبرجيه إن النشاط التبشيري في بلاد الشام والعراق لم يكن مجرد مشروع ديني، بل كان أيضاً مشروعاً ثقافياً وحضارياً طويل الأمد هدف إلى كثلكة المجتمعات المسيحية الشرقية وإعادة دمجها في العالم الكاثوليكي العالمي. وقد أصبحت مدن مثل حلب،الموصل،بغداد،البصرة وأصفهان مراكز رئيسية للنشاط الكاثوليكي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
المصادر
1- Delumeau, Le Catholicisme entre Luther et Voltaire, pp. 15–40.
2- Ronnie Po-Chia Hsia, The World of Catholic Renewal 1540–1770, Cambridge University Press.ch.1-13.

3- Joseph Metzler (Editor), Sacrae Congregationis de Propaganda Fide Memoria Rerum: 1622–1672 (Herder Verlag, Rome-Freiburg-Vienna, 1971–1985).



#سنان_نافل_والي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جذور الحركة التعميدية في أدبيات الشرق القديم
- ماتياس نوربرغ ومخاض الاكتشاف في أوروبا ( 1777-1781)
- المندائيون في رأي الفقهاء والرواة القدماء والمعاصرين
- القواسم المشتركة بين الديانة المندائية والزردشتية
- الحروب النورانية والخلق في الديانة المندائية
- الروها.. ملكة عالم الظلام في الديانة المندائية
- مندائيو إيران والعراق خلال المئة سنة الاخيرة
- رحلة الملاك هيبل زيوا الى عالم الظلام في الديانة المندائية
- النور والظلام في الديانة المندائية
- التوحيد في الديانة المندائية
- المبشرون المسيحيون والمندائية خلال القرن السادس عشر
- صابئة القرآن في المصادر الإسلامية
- الدولة المشعشعية ومذبحة شوشتر
- الإله البابلي مردوخ ورحلته الى العالم السفلي
- الثنوية في الديانة الزردشتية
- المندائية في دراسات المستشرقين
- الطوفان في المصادر البابلية والمندائية
- الشيخ صحن والدولة العثمانية
- في منتصف الطريق
- أبو علاوي _ قصة قصيرة


المزيد.....




- العراق.. مطار النجف الدولي يعلن استئناف الرحلات الجوية الإير ...
- احتجاجات واسعة في ألمانيا مع تصاعد الجدل حول التسلح وعودة ال ...
- سوريا.. مظاهرة في الدرباسية تأكيدا على الوحدة الوطنية ورفض ا ...
- عشية قمة العلمين.. خبراء يكشفون لـRT هل تتشكل خريطة إقليمية ...
- احتجاجات في فرنسا ضد تمويل الحرب
- بريطانيا تتوقع شتاء قاسيا
- الدعاية السياسية.. كيف تكتشف التضليل خلف الأخبار؟
- من إثيوبيا لإيران.. تحديات الأمن المصري
- الجيش السوداني: نفذنا عملية نوعية ضد الدعم السريع في منطقتي ...
- طاقم تحقيق إسرائيلي يصل أبو ظبي للمشاركة في استجواب مساعد طي ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سنان نافل والي - السياق التاريخي للبعثات التبشيرية الكاثوليكية في الشرق - من الإصلاح البروتستانتي إلى اكتشاف المندائيين