أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التماهي














المزيد.....

قصة قصيرة: التماهي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:42
المحور: الادب والفن
    


غادر منطقته القروية بعدما أنهكه الفقر، لا بل كرهاً الأرض، بل ضيقاً من انتظار لقمةٍ تتأخر كل يوم. كان البيت الصغير يضيق بأيدٍ كثيرة، وموائد فقيرة، وعيون معلقة بصور من سبقوه إلى المدينة. حين يعودون في الأعياد، كانوا يبدون مختلفين، وجوه ناعمة، ملابس نظيفة، أحذية لا تعرف الطين، وأيد لم تعد تشبه تلك التي غادرت القرية يوماً. كان ينظر غليهم كما يُنظر إلى خلاص ممكن، لا إلى اختلاف عابر. ومع كل صفعةٍ من الأيام، كأنها توقظ الأوجاع، إذ كان يشعر أن الواقع يدفعه دفعاً ليعلن التمرد الصامت، فيستبدل الانتظار بحلم، وينسى الأوجاع المستوطنة، حتى غدت تلك الهيئة التي رآها فيهم وعداً بالنجاة، لا مجرد صورة.
حين أخفق في إكمال دراسته، لم يكن أمامه إلا أن يكون رجلا قبل الأوان، لذا خرج يبحث عن عمل بأي ثمن، وكان عليه أن يتقدم على منازلة الغربة التي لم يألفها، وأن يتجرأ على بداية لا يمتلك أدواتها. لم يكن قادراً على التعبير عن رفضه لما نشأ فيه، لكن نظراته البعيدة كانت أفصح من الكلمات. الزمن هناك لم يعد زمنه، والذكرى انحصرت في تلك القفار، يوم يطارد العصافير فيها، والطين يلتصق بفردتي حذائه كأنه يذكره بأصله كلما حاول النسيان.
وبوساطة أحد أقربائه، وجد نفسه سائقاً لدى مسؤول، لم يكن يمتلك سوى قميص رث، وبنطال تناسلت خيوطه عند الركبتين. كان الفقر واضحاً في عينيه، كأنه يقيم فيهما إقامة دائمة، مزيج من طفولة مؤجلة وخوف لا يحتاج إلى دليل. أدهشته المدينة منذ اللحظة الأولى: الأضواء، الشوارع المبلطة، البنايات الشاهقة. شعر أنه لا يحتاج إلى أن يحلم، فقد صار داخل الحلم ذاته، أو هكذا خيل له، وأن النجاة ليست في الصبر بل في الاقتراب.
منذ الأيام الأولى، كانت الوحدة تداهمه بأسئلة لا تنتهي. يستوحي من الأمكنة والوجوه ما يعقد به مقارناته الصامتة. يرى أطفال المدينة يحملون الحلوى، فيقفز داخله طفل قديم، كأنه تحرر فجأة من واقعه المؤلم ومن حكايات الجدات التي كانت تملأ ليالي القرية. بدأت تتشكل في داخله غابة من الأماني، تعلّم فيها أكثر مما طُلب منه، من غير معلم ولا وصية.
لم يكن بحاجة أحد أن يقول له كيف يقف، ولا متى يتكلم، ولا بأي نبرة يجيب. كان يلتقط ذلك من نظرات المسؤول، من طريقته في الجلوس، من صمته الذي يسبق الكلام. وحين أشير إليه، بلطف مقصود، إلى أن لهجته القروية لا تليق بالمكان، حاول أن يدير ظهره لتلك النشأة، وأن يغطيها بمنديل النسيان، فينام ومعه ذلك الهاجس، ويستيقظ مأخوذاً به دون أن يعرف مصدره، إلا أنه لم يحتج إلى تكرار النصيحة؛ بدلاً من ذلك بدأ يخفف لهجته وحده، كلمة بعد أخرى، إلى أن صار صوته غريباً عليه. كان عاملا صغيرا لا يكاد يلحظه أحد، لكنه يرى في ذلك المسؤول نموذج الإنسان الحر، من يمتلك إرادته، ويتصرف وفق ما يشاء، بل كأنما يراه كما لو أن الأرض تفسح له الطريق. ومن هنا، تسللت الطاعة إلى داخله بوصفها طريقا للتمدن كما كان يظن، لا خضوعاً.
مرت السنوات وهو يضبط حركاته على إيقاع غيره، فيختار ملابسه كما يراها على ذلك المسؤول، ويقلد مشيته، يلتزم صمته حين يصمت، ويرفع صوته حين يرفعه. لم يكن يفكر في الأمر يوماً؛ كان يشعر فقط أن الاقتراب من تلك الصورة يمنحه أماناً لم يعهده من قبل، فيما الابتعاد عنها قد يعيده إلى ما هرب منه، إلى ذلك الطين الذي التصق بحذائه يوماً. كان يتشبث بها كما لو أنها يد حانية تربت على كتفيه في لحظة ضعف، وأملاً بأن يصير إنساناً مختلفاً على مقاس أهل المدن.
في إجازاته القصيرة، كان يعود إلى أسرته مختلفاً، متشبثاً بأذيال ممزقة لحفنة أماني منقوصة. فلا يجلس كما كان، ولا يتحدث كما كان. إذ يوزع التعليمات بلا وعي، يكره الفوضى، يضيق بالأسئلة، ويغضب من التفاصيل الصغيرة، بل كان حديثه مليئا بعبارات التمجيد لذلك المسؤول، حتى في شؤونه الشخصية. كانوا ينظرون إليه بدهشة صامتة، ثم يبررون ذلك بحاجتهم إليه، حتى وإن أيقنوا أن الغربة قد تغير الناس، وأن النجاح ليس دائما ثمرة الإصرار كما يبدو. لم ينتبه أحد، ولا هو، أن الذي تغيّر لم يكن المكان، بل موقعه من نفسه.
وحين تبدلت الظروف، وغادر عمله بعدما تحولت المدينة إلى شبه مدينة تسكنها الأشباح، لم يستعد ما فقده، إذ ظل يتصرف كما لو أن أحداً ما يزال يراقبه. فيختار كلماته بحذر، يمشي بثقة متكلفة، ويحلم بأحلام تأتيه على هيئة صور قديمة غرست في جوف ذاكرته، في تلك البراءة، فصار إنساناً آخر ولن تتركه الأحلام، ولا يعلم ما تخفيه له الأيام.
كان قد غادر المكان، لكن المكان لم يغادره. لم يكن غالبا، ولم يعد مغلوباً كما كان، لكنه صار ظلاً تعلم كيف يشبه صاحبه، فلم يعد الطين يلتصق بحذائه، بل كأنما يلتصق بروحه، وظلال مثله كانت تتجول في قرى التيه، تبحث عن ظل يؤويها، عن ود صار قديما، وعن أصلٍ لم تعد تعرف كيف تعود إليه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...


المزيد.....




- سوريا.. مهرجان حمص السينمائي.. 30 فيلماً على شاشة بين الركام ...
- -الفن لا يؤكل عيشا في الحرب!-.. مأساة الفنانين التشكيليين وإ ...
- عرض فن -الغيشا الياباني- التقليدي داخل محطات مترو موسكو التا ...
- أزمة مهرجان الموسيقى العربية.. انسحاب علي الحجار ومحمد ثروت ...
- 200 عام من حرب فرنسا على الحجاب.. لماذا يقلقها إلى هذا الحد؟ ...
- مهرجان طوكيو يحتفي بمئوية يوسف شاهين ويعرض 8 من أفلامه
- رياضيون شبان في الفنون القتالية يتدربون في مدارس جبلية عريقة ...
- مكسيم غوركي في نيويورك.. من حفاوة الاستقبال إلى طرده من الفن ...
- إنزال الروبوت إلى فرن من الفولاذ المنصهر.. تجربة مستوحاة من ...
- -القرار بيد البشر-.. الجيش الإسرائيلي يرد على فيلم -نازا- وي ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التماهي