أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الدين والدولة والنزاع على السيادة في سورية اليوم















المزيد.....

الدين والدولة والنزاع على السيادة في سورية اليوم


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 20:06
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


يتنازع اليوم في سورية منطقان قانونيان سياسيان، منطق ديني إسلامي يريد لـ"الشريعة" أن تكون قانون البلد، ثم منطق الدولة الوطنية التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة أمامه بصرف النظر عن الجنس والمعتقد والتفضيلات السياسية. الحكم السوري الحالي يتقلب بين المنطقين بفعل التناقض بين موقعه الدولتي وتكوينه الديني: دون أن يستطيع أن يكون واضحاً، لا مع شركائه العقديين الأصليين، وكانوا معاً قد صعدوا إلى شجرة عالية من المزايدة الدينية لا يسهل له ولهم النزول عنها، ولا مع عموم السوريين من غير المسلمين السنيين، وقطاعات من المسلمين السنيين غير متدينة أو غير مؤمنة، أو لا تربط بين إيمانها المحتمل وبين نظام قانوني وسياسي محدد. في سورية تبلغ نسبة غير المسلمين السنيين العرب نحو الثلث بين ما يقارب 25 مليونا من السكان. ولكن هذا التقدير المبني على معطيات قديمة لا يقول شيئاً مهماً عن التفضيلات السياسية والقانونية لا للمسلمين السنيين ولا لغيرهم. هذه التفضيلات شأن متغير بتغير الأزمنة، تصعد فيها ميول وحساسيات فكرية وأخلاقية وعقدية وتنحدر أخرى، وليس هناك ما يسوغ الاعتقاد بأن هذه القاعدة العامة فقدت صلاحيتها اليوم. ورغم الصوت العالي للسلفيين فليس هناك ما يبرر الظن بأنهم أوسع قاعدة اجتماعية من غيرهم، أو أنهم والإسلاميين بعامة "التعبير الطبيعي" عن المجتمع السوري. ليس هناك تعبير طبيعي عن المجتمع السوري أو غيره، كل ما هناك هي تعبيرات تاريخية تتغير من حقبة إلى أخرى.
على ماذا يتنازع منطقا الدين والدولة في سورية اليوم؟ على السيادة. والسيد، وفقاً لبعض فقهاء القانون، هو من يقرر بشأن حالة الاستثناء، أي من يستخدم القانون لتعليق القوانين أو ما نعرفه في سورية باسم حالة الطوارئ. لكن نُعرِّف السيد هنا بأنه من يضع القوانين، ومن تنعقد له الولاية العامة، ومن يحتكر العنف ووسائل الإكراه.
لا تضمن الأوامر والنواهي الدينية العدالة في بلد متعدد الأديان والمذاهب مثل سورية. والولاية لها لا يمكن أن تكون عامة بالنظر إلى هذا الواقع نفسه، واقع وجود غير مسلمين بنسبة مهمة، وقطاعات من المسلمين لا يريدون أن يحكموا بقواعد دينية. وهذا واقع لا يتغير بالإكراه، فإن فرض غصباً، فسيزول غصباً وبكلفة عالية، على الجميع وعلى الدين نفسه. السيادة لا يمكن أن تكون دينية بالتالي. وهي اتجهت في الأزمنة الحديثة لأن تستقر في الدولة كمؤسسة أو مركب من المؤسسات العامة الممثلة بصورة ما لمجتمع سكانها. هذا واقع عالمي لا خارج له ولا منأى منه، والعالم مصلحة عامة للبشر أجمعين، ولنا بينهم، وإن توجب إصلاح أنظمته المتزايدة الاختلال اليوم على نحو أوفق للعدالة.
وما يبدو أن الإسلاميين بعامة يريدونه، والسلفيون منهم بخاصة، ليس أن يتمتعوا بالحرية السياسية والاجتماعية مثل غيرهم وإلى جانب غيرهم، أن تكون لهم منظمات وشبكات تعمل سلمياً وبحرية فلا سجون ولا تعذيب، بل أن يكونوا وحدهم أحراراً، يقررون بشأن حقوق وحريات غيرهم، وحياتهم كذلك. وهذا يتجاوز أن تكن السيادة لهم والدولة ملكهم، إلى ملكية المجتمع ذاته. الدولة الدينية، وينبغي أن يقال ذلك بوضوح، ليست دولة عامة، بل هي حكم فئوي نخبوي، ينكر العدالة والحقوق على من لا يوالونه، فلا يقف في تمييزه عند غير المسلمين، بل لن يلبث أن يشمل أكثر المسلمين أنفسهم. وهو لا يسمح بقيام مجتمع أصلاً لأنه شديد التدخلية في الحريات الاجتماعية والحياة الخاصة.
واستناداً إلى مثل هذه الاعتبارات، كان كاتب هذه السطور قد اقترح قبل سنوات تصوراً للعلمانية يقوم على الفصل بين الدين والسيادة، وليس بين الدين والسياسة. فبينما لا ينبغي أن يحول حائل دون تمتع الإسلاميين بالحريات والحقوق السياسية التي كانت تنكر عليهم (وعلى غيرهم)، فيشكلون منظماتهم وجمعياتهم السياسية، ويترشحون وينتخبون ويصدرون الصحف، إلا أن السيادة ينبغي أن تقر في الدولة وقوانينها الوضعية الجامعة التي تسري على للجميع. أي ألا يكون للإسلاميين نفاذ إلى وسائل الإكراه وقواه، وألا تكون ولايتهم عامة. الولاية الدينية خاصة وطوعية، يضبط أنفسهم بها المسلمون المؤمنون، لا تتعداهم إلى غيرهم.
وما يبنى على ذلك هو تصور "تسوية تاريخية"، يكسب فيها الإسلاميون شيئاً ويتخلون عن شيء: يكسبون السياسة ويتخلون عن السيادة. وتكسب الدولة شيئاً وتتخلى عن شيء: تكسب السيادة بلا منازعة، بخاصة احتكار العنف والولاية العامة على جميع السكان، وتتخلى عن الحكم المطلق غير الدستوري، ويكسب المجتمع شيئين: حريات دينية وسياسية، ودولة اجتماعية عامة، لكن تنضبط مجموعاته المتنوعة بالنظام القانوني الواحد.
لكن هل يحتمل للإسلاميين الذين لم يعرضوا أدنى ميل للتسوية قبل السلطة، أن يقبلوها اليوم وهم في السلطة؟ ما الذي يجبرهم على ذلك؟ شيئان. أولهما مطالب وحاجات المجتمع السوري الخارج من 15 عاما من الثورة والحرب، والذي ليس هناك حلول لمشكلاته في الدين، مثلما هو ظاهر من سيرة الحكم الحالي خلال ما يقترب من عامين. فإما يحكم بالقوة الوحشية ويحكم على نفسه بالسقوط بعد حين يطول أو يقصر، أو يتحول باتجاه حكم تمثيلي تعددي. وهو ما يدعو إليه الشيء الآخر: منطلق الدولة الموضوعي، وهذا منطق بشري وضعي، يقوم على اعتبارات حقوقية ومؤسسية وتنموية لا دين لها. ليس الحلال والحرام ما يجعلان الدولة تمنع شيئاً وتلزم بشيء آخر، بل مقتضيات دنيوية عقلانية، حوافزها اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية. الحلال والحرام يحكمان سلوك الأفراد والمجموعات المؤمنة في تفاعلاتهم البينية.
ما هي الخيارات غير التسوية التاريخية المقترحة؟ دولة دينية، تفرض نفسها بالقوة على الجميع، تستأثر بالسيادة والسياسية معاً، وتحيل غير المسلمين إلى مواطنة من الدرجة الثانية أو أقل، وتبيح دم من فقدوا إيمانهم من المسلمين؛ أو علمانية أتاتوركية، تحرم الجماعات الدينية من السياسة والظهور العام، وتسحق من يعترض على هذا الترتيب؛ أو إدارة الأزمة الدينية والدولتية على الطريقة الأسدية: تركيز السيادة والسياسة في مركب سياسي أمني ضيق، يقرر مساحات العمل الديني (وغير الديني) وصوره المقبولة. وكان قد راج في حقبته تصور للعلمانية يضاد الحريات السياسية للإسلاميين، ولا يدافع عنها لغيرهم. سميتُه في سنوات ما قيل الثورة العلمانية التسلطية وأحياناً العلمانية الجهادية.
ويمكن تصور إدارة مغايرة للأزمة الدينية الدولتية نرجح أن يتبعها الحكم الحالي لأنه يفتقر إلى الموارد الفكرية والأخلاقية التي تتيح له معالجة جذرية للأزمة، ولأن من شأن دوامها أن تسهل المسالك التسلطية المتوافقة من وجه آخر مع التناقض بين موقعه الدولتي الحالي وتكوينه الديني الموروث.
وبالنظر إلى هذه الاحتمالات الأربعة، لا يبدو أن هناك تصور منافس سياسياً وأخلاقياً لتسوية تاريخية تقوم على الحرية الدينية وسيادية الدولة من أجل التخلص من التسلطية التي تعيش على التناقضات غير المحلولة (فضلا عن ضربي الطغيان الديني أو الدولتي (الموافقين لاحتمالين الأول والثاني، الأتاتوركي والطالباني). أي ان هذا التصور الملائم لعلمانية مطابقة هو الأنسب كذلك للديمقراطية.
والواقع أن هذا التصور يتوافق مع صلاح أمر الدين والدولة معاً. فلا يكون الدين إيماناً ولا يتوافق مع اتساع مساحة الروح في الأنفس إلا بقدر ما ينفصل كلياً وبكل الصور عن الإكراه المولد بالمقابل للنفاق والكراهيات، بالنظر إلى بداهة أن الناس يَكرهون ما يُكرهون عليه. ولا تكون الدولة دولة عامة، دولة يتماهى بها ويدافع عنها مواطنوها، إلا بقدر ما تكون دولة قانون وحرية، تضمن الحقوق ذاتها لجميع سكانها وتعمل في خدمتهم. أي أن التسوية التاريخية المقترحة تكفل مطابقة كل من الدين والدولة لأفضل تصورين لهما، أكثر من الأوضاع التي تسيطر فيها دولة طغيانية على العمل والتفكير الديني، أو تتحكم فيها سلطة دينية بحقوق وحريات السكان المتنوعين.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟
- من يتضامن مع المعتقلين السياسيين الإيرانيين؟
- نموذج الحُكْم اليدوي: مُداخلة في شأن السلطة والمعرفة والذاتي ...
- سورية بعد ربع قرن من 11 أيلول 2001
- سورية والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي
- بخصوص الحكم بإعدام بشار الأسد
- التعذيب والأبد بين عهدين سوريين
- -أطول واحد بالحارة-: بروفايل سوري
- سورية والأزمة الوطنية الجيليّة
- قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
- أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
- الشرعية في مجتمع مُنقسِم
- السويداء والمصالحة الوطنية السورية
- التبعية العربية والعدمية الإسلامية
- لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!
- خواطر في المسألة العربية
- الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
- تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
- انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
- من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده


المزيد.....




- صدام بين مرشحين لمنصب حاكم كاليفورنيا بسبب علاقة أحدهما بترا ...
- الإمارات: سلطاتنا القضائية هي المختصة بالتحقيق في حادثة -فلا ...
- من الدافع للسلاح ومن هبط بها.. 7 أسئلة تكشف تفاصيل محاولة اخ ...
- شاهد.. قصة طيار -فلاي دبي- الهندي الذي تصدى لهجوم مساعده وأن ...
- تدهور الحالة الصحية للرئيس السوداني المعزول عمر البشير ونقله ...
- لقاء سري بين دمشق وحزب الله في تركيا لتهدئة التوترات.. أول ...
- باكستان تشن غارات جوية داخل أفغانستان.. وطالبان: مقتل 9 مدني ...
- هجوم حوثي واسع وغارات سعودية.. التصعيد يتمدد في اليمن ويقترب ...
- ترامب يهدّد بـ-إبادة إيران-: استئناف الهجمات بعد انتخابات ال ...
- نهاية سيئة لأسطورة؟ ميسي اعتزل دوليا ورونالدو يترك منتخب بلا ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الدين والدولة والنزاع على السيادة في سورية اليوم