أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟















المزيد.....

من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 23:07
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


الجواب بحسب محافظة طرطوس هو "السلم الأهلي"، لا أقل. لكن لماذا يخشى السلم الأهلي الطرطوسي، وربما السوري، من صورة رزان زيتونة المغيبة منذ نحو 13 عاماً، ورائد الفارس الذي اغتيل قبل ثمانية أعوام؟ لم تقل المحافظة في بيانها السبب، وهي تذرعت أولا باعتبارات إجرائية حول ترخيص المعرض الذي تجول به "الذاكرة الإبداعية للثورة السورية" في أرجاء البلد، وسبق أن حط رحاله في ست محافظات، قبل أن تقول شيئاً عن "وجود خلل في المحتوى من شأنه الإضرار بالسلم الأهلي"، وقبل أن تؤكد "حرص المحافظة على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي". تكرار تعبير السلم الأهلي مرتين في جملة واحدة يشير إلى الهواجس غير المصرح بها عند مسؤولي المحافظة.
نلح في طرح السؤال: لماذا من شأن رسم فني لرزان ورائد أن يضر بالسلم الأهلي، وبالنسيج المجتمعي؟ لماذا يمثل رسما رزان ورائد "خللاً في المحتوى"؟ من الآخر: رزان ورائد عنوانان لجريمتين كبيرتين ارتكبهما إسلاميون، هم في السلطة اليوم، بحق ثائرين غير إسلاميين. رزان اختطفت مع زوجها وائل حمادة، ومع سميرة الخليل وناظم حمادي، وكل ما هو متاح من قرائن يرجح مسؤولية جيش الإسلام "المندمج" في الحكم الحالي عن الجريمة. ومعلوم أن رزان محامية وناشطة حقوق إنسان وكاتبة مميزة، كانت من مؤسسي لجان التنسيق المحلية منذ بداية الثورة، وتفرغت في عام 2013 لإدارة مركز توثيق الانتهاكات، وكانت الكاتبة الرئيسية لتقاريره الموثقة، ومن أهمها تقريران خلال أسبوع واحد عن المجزرة الكيماوية في آب 2021. وكان زوجها وائل حمادة ناشطاً سياسياً وحقوقياً، اعتقل مرتين بعد الثورة من قبل الحكم الأسدي وتعرض لتعذيب قاس. وكانت سميرة الخليل معتقلة سياسية سابقة ومنخرطة منذ البداية في الثورة السورية، وهي لجأت إلى دوما في أيار 2013 إثر ملاحقتها من قبل النظام. أما ناظم حمادي فهو شاعر وحام وناشط حقوقي كان متوارياً في دمشق لعامين ونصف منذ بداية الثورة ولجأ إلى دوما في أيلول برفقة وائل. المرأتان والرجلان غير معلومي المصير منذ ذلك الوقت، ما يضفي فرادة استثنائية على الجريمة.
أما رائد الفارس فقد اغتيل مع رفيقه حمود جنيد في تشرين الثاني 2018، والقرائن المتوفرة تشير إلى انتماء مرتكبي الجريمة إلى هيئة فتح الشام، وريثة جبهة النصرة، وسابقة هيئة تحرير الشام التي ينحدر أكثر حكام اليوم من أوساطها. ومعلوم أن رائد هو الملهم الأبرز للافتات كفر نبل التي كانت من أهم التعبيرات الفنية عن الثورية السورية. كما أسس راديو فريش عام 2012، لنقل أخبار المناطق المحررة، وأسهم في تأسيس "اتحاد المكاتب الثورية" الذي يضم منظمات مدنية وإعلامية متعددة في المنطق الخارجة عن سيطرة النظام. وكان حمود جنيد مقاتلاً ضد النظام، قبل أن يتفرغ للتصوير ويشارك رائد العمل.
وقصة اغتيال رائد وحمود، وقبلها قصة اختطاف وتغييب زرن وسميرة ووائل وناظم، من أكبر قصص تدمير الثورة السورية من داخل من قبل مجموعات إسلامية متطرفة. ولا يبدو أن الحكم الانتقالي الحالي يشعر بالحاجة إلى قول أو فعل شيء بخصوص هاتين الجريمتين، كأنهما لم تقعا.
لكنهما وقعتا بالفعل. محافظة طرطوس التي تعترض على صورتين تضع نفسها في استمرار مع المشتبه بهم بجرائم قتل وتغييب قسري، وليس في استمرار مع ضحايا القتل والتغييب. ما هو خطر على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في نظرها ليس قتل وتغييب ثائرات وثائرين محترمين، سبق نضالهم ضد الحكم الأسدي وجود التشكيلات المرتكبة، بل تذكر المقتولين والمغيبين. الخطر على السلم الأهلي ليس الجرائم ومرتكبيها، وليس محو الفرق بين الجريمة والسلطة، بل تذكر بعض ضحايا الجرائم.
ترى كيف يبدو الحال من وجهة نظر الأهالي؟ بوصفي واحداً منهم، يبدو أنه يقال لنا إن تذكر أحبابنا، وإبراز صورهم، هو عدوان خطير على السلم الأهلي، ما دام مجرد وجود صور لاثنين منهم هو "خلل في محتوى" معرض واسع عن شهداء الثورة السورية ومعتقليها. علما أن صور رزان وائد لم ترفق بأي اتهام للجناة المرجحين. فهل ينتظر مثلاً منا أن نضمن راحة بال الخاطفين بأن ننسى أحبابنا، كي لا تأخذ على خاطرها محافظة طرطوس؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لو عرضت الصور دون إشكال؟ هل كان يحتمل أن يبادر أهل رائد وحمود إلى اغتيال اثنين من هيئة تحرير الشام في طرطوس أو غيرها؟ أو يبادر أهالي رزان وسميرة ووائل وناظم إلى اختطاف امرأتين ورجلين من الهيئة وتغييبهم؟ أو ربما مقايضتهم بمعلومات عن مخطوفي جيش الإسلام الأربعة؟
الواقع أن هناك ما يسيء للسلم الأهلي فعلاً في الواقعة، هذا أن كان الأهلي يحيل على أهل البلد، إلى "أولاد البلد" من السوريين على اختلافهم، وهو بالتحديد مسلك محافظة طرطوس الذي يقول ضمناً إن جرائم الإسلاميين بحق ثائرين غير إسلاميين ليست جرائم. وهو ما يقول لغير الإسلاميين إن حياتهم أقل شأناً، وضحاياهم ليسوا ضحايا، وحقوقهم ليست حقوقاً. هل يبقى سلم أهلي بعد ذلك؟
كل هذا ونحن نتكلم على مجرد عرض صورتين لم ترفقا بأي اتهامات، وليس على مطالبة بتحقيق العدالة، وليس على دعوة إلى توقيف ومحاكمة المشتبه بهم، وليس على وجوب اعتراف السلطة بهذه الجرائم وكشف الحقيقة بشأنها.
واقعة طرطوس تثير أسئلة سورية عامة.
يتصل أولها بالحق في التذكر العلني العام. هل للسوريين حقوق متساوية في تذكر أحبابهم من الشهداء والمفقودين، في الحداد عليهم، في معرفة الحقيقة عن مصائرهم، في معرفة أمكن دفنهم؟ أم ترانا نلاحق نحن لأننا نرتكب جرائم الذاكرة بالقول إن لنا قضية عامة، والمثابرة على استحضار صور أحبابنا وسيرهم؟ هل نقض مضجع السادة القتلة والخاطفين بوجودنا وإصرارنا على التذكر؟ وهل إذا ثابرنا على هذا العمل، نستحق أن نغيب نحن أيضاً، وربما نقتل؟
في أواخر الشهر الأول من عام 2025 ثبِّتنا على باب البناء الذي كان فيه مركز توثيق الانتهاكات الذي اختطفت منه رزان وسميرة مع وائل وناظم في دوما، لوحة من عشرين كلمة تذكر الواقعة وتاريخها أسماء الأربعة، وبعد ثلاثة أشهر كانت قد أزيلت. وفي وقت مبكر من شهر نيسان ثبت صديق للمغيبين الأربعة لوحة مماثلة المضمون في الموقع نفسه وخلال أسابيع كانت قد طمست. في دوما كما في طرطوس، تبدو الحرب ضد الذاكرة هنا استمراراً لتغييب وقتل الثائرين الديمقراطيين المستقلين.
وكان يمكن لشراكة محافظة طرطوس في هذه الحرب أن تكون هامشية، لولا أن الحرب ضد الذاكرة تحيل على شيء أكبر: الحق في العدالة للثائرين السوريين الذين قتلهم أو غيبهم إسلاميون. هناك قضية في هذا الشأن لا يمكن الالتفاف عليها، وهي الامتحان الحقيقي للعدالة في سورية. هي، وليس محاكمة المجرمين الأسديين (وربما الدواعش).
ومن وراء قضيتي الذاكرة والعدالة، يحيل مسلك محافظة طرطوس والتذكر الانتقائي للضحايا على سؤال ثالث يتصل بملكية البلد. هل سورية ملك السوريين، ولهم فيها الحقوق ذاتها؟ لنا مثلما لمحافظ طرطوس وشركاه؟ أم هي ملك من يحكمونها مثلما كان الحال في الحقبة الأسدية؟ حتى إذا تعرض ملكهم للمنازعة ارتضوا بتدميرها، بـ"حرق البلد"، من أجل بقائهم "إلى الأبد"؟
وليس هناك ترجمة للملكية العامة للبلد من قبل أهل البلد غير الحريات السياسية والمدنية، حريات الاعتقاد، والرأي والتعبير والنشر، والتجمع والتنظيم والاحتجاج السلمي، والترشح والانتخاب، ومنها بطبيعة الحال نقد ومساءلة شاغلي المواقع العمومية بدون استثناء. ما يضمن السلم الأهلي هو المساواة بين أهل البلد في حقوق التذكر والعدالة وامتلاك السياسة، وليس القرار التعسفي بمنع صور ضحايا الجرائم التي ارتكبها الطرف الذي ينتسب اليه من قرروا المنع.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يتضامن مع المعتقلين السياسيين الإيرانيين؟
- نموذج الحُكْم اليدوي: مُداخلة في شأن السلطة والمعرفة والذاتي ...
- سورية بعد ربع قرن من 11 أيلول 2001
- سورية والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي
- بخصوص الحكم بإعدام بشار الأسد
- التعذيب والأبد بين عهدين سوريين
- -أطول واحد بالحارة-: بروفايل سوري
- سورية والأزمة الوطنية الجيليّة
- قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
- أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
- الشرعية في مجتمع مُنقسِم
- السويداء والمصالحة الوطنية السورية
- التبعية العربية والعدمية الإسلامية
- لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!
- خواطر في المسألة العربية
- الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
- تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
- انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
- من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
- جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب


المزيد.....




- إنفيديا تطلق أداة جديدة لإبقاء الذكاء الاصطناعي -تحت السيطرة ...
- ابتلعت موجات تسونامي زوجته، فكرَّس سنوات من حياته للغوص ليبق ...
- نتنياهو يحذّر من هجوم محتمل على إسرائيل قبل الانتخابات: -لا ...
- عرض من إيران لمواطني الشرق الأوسط: مكافأة تصل إلى 40 ألف دول ...
- من يتحمل المسؤولية القانونية عندما يخرج الذكاء الاصطناعي عن ...
- دبابة -T-80BM- تدمر مركز تحكم بالطائرات المسيرة للعدو في اتج ...
- رشاد عبدالغني: توجيهات الرئيس السيسي للحكومة والمحافظين تضع ...
- النائب عمرو فهمي: توجيهات الرئيس السيسي للحكومة تعزز مسار ال ...
- النائب عماد الغنيمي: اجتماع الرئيس السيسي بقيادات الدولة يعك ...
- محافظ القليوبية يوجه بسرعة التعامل مع عطل مفاجئ بمحطة مياه ع ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟