نشوان عزيز عمانوئيل
Nashwan Aziz
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:11
المحور:
الادب والفن
ستوكهولم
خريف 2026
نملة..!!
أنا نملة، لكنني لا أحب أن أقول ذلك لأحد. ليس لأنني أخجل من حجمي، بل لأن كلمة «نملة» تجعل الآخرين يتخيلون أن حياتي بسيطة.
وليست بسيطة.
أنا أستيقظ كل صباح على رائحة التراب، وأعرف من خلالها إن كان اليوم سيكون حارًا أو ممطرًا. أعرف خطوات إخوتي من اهتزاز الأرض، وأعرف الخوف قبل أن يصل؛ فالخوف عندنا لا يأتي من بعيد، بل يصعد من تحت الأقدام.
أعيش في مدينة لا نراها من الخارج. ممرات ضيقة، غرف لا نوافذ لها، نساء صغيرات يحملن البيض، وحارسات يقفن عند المداخل كأنهن يعرفن سرًا لا ينبغي لأحد أن يعرفه.
لكن أغرب ما في حياتي أنني أحيانًا أشعر بأنني أكبر من كل هذا.
في إحدى الليالي خرجتُ وحدي.
وجدتُ زهرةً بيضاء سقطت على الأرض.
صعدتُ إليها، ومشيت فوق بتلاتها ببطء. كانت رائحتها شيئًا لم أعرف له اسمًا. لأول مرة شعرت أن العالم ليس مجرد طعام وممرات وعودة إلى العش.
كان هناك شيء آخر.
شيء لا يمكن حمله.
جلستُ على حافة الزهرة، ونظرت إلى السماء.
رأيت القمر.
ظللتُ أنظر إليه طويلًا، حتى خُيّل إليّ أن القمر ينظر إليّ أيضًا.
في تلك اللحظة شعرتُ أنني لست نملة.
ولم أكن إنسانة.
كنتُ مجرد كائن صغير جدًا، يقف للحظة في مكان لا يخصّه، ويشعر بأن الكون كله قد انحنى قليلًا كي يراه.
ثم جاءت الريح.
ارتجفت الزهرة، وسقطتُ عنها.
عدتُ إلى العش.
لم أخبر أحدًا بما حدث.
منذ ذلك اليوم، كلما رأيتُ نملةً صغيرة تحمل شيئًا أكبر من جسدها، لا أساعدها.
أتركها تكمل طريقها.
لأنني أعرف الآن أن بعض الأشياء الثقيلة لا نحتاج إلى من يحملها عنا...
نحتاج فقط إلى أن نعرف أننا نستطيع حملها.
فيروس..!
كان هناك فيروس واحد لم يُصب أحدًا.
لم يكن ذلك لأنه ضعيف.
بل لأنه كان يخاف.
كان يعيش عالقًا على سطح مقبض باب في مستشفى قديم، يراقب الناس يمرون أمامه، ويقتربون منه ثم يبتعدون.
كل الفيروسات التي عرفها كانت تحلم بالدخول إلى جسد جديد.
أما هو، فكان يريد شيئًا آخر.
كان يريد أن يعرف ماذا يوجد في الداخل.
ذات ليلة، جاءت امرأة وجلست قرب الباب.
كانت تبكي.
لم تلمس المقبض.
ظلت هناك ساعات، حتى نامت وهي تسند رأسها إلى الحائط.
سمع الفيروس صوتها وهي تقول في نومها:
— لا تذهب.
لم يعرف لمن كانت تتحدث.
لكنه ظل يستمع.
في الصباح جاءت ممرضة وأخبرتها أن الرجل مات.
لم يتحرك شيء في وجه المرأة.
فقط أغلقت عينيها وقالت:
— كنت أعرف.
ثم أخذت معطفها وغادرت.
بعد دقائق فتح عامل النظافة الباب.
انتقل الفيروس إلى يده.
وأخيرًا دخل جسدًا.
كان سعيدًا.
للمرة الأولى صار داخل عالم دافئ ومظلم.
وجد الدم.
وجد الخلايا.
وجد ملايين الأشياء التي لم يكن يعرف أسماءها.
لكنه اكتشف شيئًا آخر.
كان الجسد الذي دخل إليه لرجلٍ عجوز.
وكان الرجل يحتضر.
توقف الفيروس عن التكاثر.
لأول مرة خالف طبيعته.
لم يرد أن يأخذ شيئًا من هذا الجسد.
كان يريد فقط أن يبقى فيه قليلًا.
كان الرجل يحتضر وحيدًا.
وقبل أن يموت بدقائق، رفع يده المرتجفة ولمس صورة امرأة موضوعة قرب السرير.
ابتسم.
وقال:
— سامحيني.
عندها فهم الفيروس لماذا كانت المرأة تبكي عند الباب.
لم يكن الرجل الذي مات في الغرفة غريبًا عنها.
كان زوجها.
والصورة التي يحملها الرجل كانت صورتها.
في تلك اللحظة حدث شيء غريب.
توقف قلب الرجل.
لكن الفيروس لم يخرج.
ظل في مكانه.
ثانية.
ثانيتين.
ثم شعر بحركة.
نبضة.
ضعيفة جدًا.
ثم أخرى.
فتح الرجل عينيه.
نظر إلى السقف.
ثم ابتسم.
لم يعرف الفيروس ماذا حدث.
ولم تعرف الممرضة، حين دخلت بعد دقائق، لماذا كان جهاز مراقبة القلب يعمل.
أما المرأة، فكانت في مكان آخر من المدينة، جالسة أمام نافذتها.
وفجأة رفعت رأسها.
لم تعرف لماذا.
فقط شعرت أن أحدًا يناديها.
في المستشفى، فتح الرجل فمه وقال كلمة واحدة:
— هي...
ثم انطفأ الجهاز.
وحين دخلت الممرضة ثانية، كان السرير فارغًا.
لم تكن هناك آثار أقدام.
ولا نافذة مفتوحة.
ولا باب تحرك.
فقط بقيت على الوسادة نقطة صغيرة جدًا، بالكاد تُرى.
قالت الممرضة إنها ربما كانت قطرة ماء.
وقال الطبيب إنها ربما كانت شيئًا آخر.
أما الفيروس...
فلم يعثر عليه أحد.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت المرأة تستيقظ كل ليلة في الساعة نفسها.
تفتح النافذة.
وتنتظر.
وفي الليلة السابعة، وجدت على حافة النافذة شيئًا لم تره من قبل.
لمسته بإصبعها.
ثم ابتسمت.
ولا أحد يعرف ماذا رأت.
**ولا أحد يعرف، حتى الآن،
هل كان الفيروس يبحث عن جسدٍ جديد...
أم أن الجسد، في تلك الليلة، كان يبحث عنه..!!
الملل..!!
استيقظتُ في السابعة.
لم يكن لديّ ما أفعله.
وهذه ليست مشكلة كبيرة، فكثير من الناس لا يملكون ما يفعلونه.
المشكلة أنني كنت أملك يومًا كاملًا.
نظرت إلى الساعة.
كانت السابعة ودقيقة.
انتظرت قليلًا.
أصبحت السابعة ودقيقة.
جلست.
كانت السابعة ودقيقة.
ذهبت إلى المطبخ.
وضعت الماء في الغلاية.
انتظرت.
كانت السابعة ودقيقة.
أدركت أنني لا أنتظر الماء.
كنت أنتظر أن يحدث شيء.
أي شيء.
حتى أن يسقط السقف.
حتى أن تنطفئ المدينة.
حتى أن يأتي شخص غريب ويخبرني أن حياتي كانت خطأً مطبعيًا.
لم يحدث شيء.
رن الهاتف.
نظرت إليه.
لم يكن أحد يتصل.
كان الهاتف يرن في رأسي فقط.
أجبته.
قلت:
— نعم؟
جاءني صوتي:
— هل أنت مشغول؟
قلت:
— لا.
قال:
— جيد.
ثم أغلق الخط.
ذهبت إلى النافذة.
في الشارع كان رجل يمشي ببطء.
توقف.
رفع رأسه إلى نافذتي.
نظر إليّ.
ثم أكمل طريقه.
بعد دقيقة عاد.
ثم مرّ مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
بدأت أراقبه.
بعد ساعتين أدركت أنه لم يكن رجلًا.
كان اليوم نفسه.
يمر أمامي.
وفي كل مرة أراه، أعتقد أنه حدث جديد.
جلست على الأرض.
بدأت أعدّ البلاطات.
واحدة.
اثنتان.
ثلاث...
عند البلاطة السابعة شعرت بسعادة مفاجئة.
لأنني وجدت شيئًا أفعله.
عند البلاطة الثامنة عاد الملل.
توقفت.
نظرت إلى يدي.
فكرت أنني أستطيع تحريك إصبع.
حركته.
لم يحدث شيء.
حركته مرة أخرى.
لم يحدث شيء.
فجأة فهمت أن الملل ليس غياب الأشياء.
إنه وجود الأشياء كلها،
دون أن يعني أيٌّ منها شيئًا.
في المساء خرجت إلى الشارع.
مشيت بلا هدف.
كان الناس يعودون إلى بيوتهم.
السيارات تمر.
الأضواء تشتعل.
المطاعم تمتلئ.
العشاق يتشاجرون.
الأطفال يركضون.
كل شيء كان يحدث.
وهذا بالضبط ما أزعجني.
وقفت في منتصف الرصيف.
انتظرت أن أشعر بشيء.
لم أشعر.
ثم اقترب مني رجل عجوز.
قال:
— هل أنت بخير؟
نظرت إليه.
قلت:
— أشعر بالملل.
ابتسم.
قال:
— وأنا أيضًا.
ثم وقف بجانبي.
لم نتحدث.
وبعد دقائق جاء رجل ثالث.
ثم امرأة.
ثم طفل.
وقفوا جميعًا معنا في صمت.
لا أحد يعرف لماذا.
بعد ساعة كان الرصيف ممتلئًا بأشخاص لا يفعلون شيئًا.
ثم بدأ أحدهم بالضحك.
ضحك الآخرون.
لم يكن هناك شيء مضحك.
ومع ذلك ضحكنا.
وفي تلك اللحظة فقط،
للحظة قصيرة جدًا،
شعرت أن الملل قد ترك مكانه.
لكن عندما عدت إلى البيت، وجدته جالسًا على سريري.
كان ينتظرني.
قال:
— تأخرت.
خلعت معطفي.
قلت:
— أعرف.
ثم جلسنا معًا.
ولم يكن لدينا شيء نقوله.
وهكذا مرّ المساء.
وكان ذلك، بطريقة ما،
كل ما أردناه.
#نشوان_عزيز_عمانوئيل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟