أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نشوان عزيز عمانوئيل - قصص قصيرة... مفاتيح















المزيد.....


قصص قصيرة... مفاتيح


نشوان عزيز عمانوئيل
Nashwan Aziz


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 09:55
المحور: الادب والفن
    


مفاتيح..!! مفاتيح..!!
قصص قصيرة

نشوان عزيز عمانوئيل
ستوكهولم
2026


1

كان ذلك منذ زمن قد مضى.. في شتاءٍ بعيدٍ من شتاءات ستوكهولم، حين كانت المدينة تبدو كأنها قطعة زجاجٍ شفّافة معلّقة بين السماء والبحر.
الثلج لم يكن يتساقط يومها، لكنه كان يغطي الأرصفة ببياضٍ صامت، والهواء كان حادًا كحدّ سكينٍ رفيع.

كنتُ أعمل سائقًا، أقود الشاحنة في الصباح الباكر، وأوزّع البضائع على الضواحي البعيدة، ثم أعود آخر النهار إلى وسط المدينة. كان الليل يأتي سريعًا، كما لو أنه يسرق النهار من جيب السماء.

في تلك الليلة، انتهيت متأخرًا. أوقفت الشاحنة قرب المياه في حيّ غاملا ستان، حيث الأزقة الضيقة التي تشبه ممرات الحكايات القديمة.
كنتُ متعبًا… لكن ليس تعب الجسد فقط. كان هناك شيء ثقيل في صدري، شيء لا اسم له وكأن روحي انزلقت فوق الرصيف.. سرتُ بلا هدف.
المصابيح الصفراء على الجدران الحجرية بدت كأنها عيون قديمة تراقبني.
والصمت… كان كثيفًا، حتى أن وقع خطواتي بدا غريبًا، كأنه لشخصٍ آخر يمشي خلفي بصعوبة بالغة.. وبينما كنت اتطلع صوب نهاية الرصيف الداكن
عند زاوية زقاقٍ ضيق، رأيت دكانًا صغيرًا لم ألحظه من قبل.
باب خشبي داكن، نافذة مغطاة بستارة مخملية خضراء، وفوقها لوحة قديمة مكتوب عليها بخط ذهبي متآكل:
“الأشياء التي لا تُشترى”.

ترددتُ لحظة.
ثم دفعت الباب.

رنّ جرسٌ صغير، لكن صوته لم يكن معدنيًا… كان أشبه برنين كأسٍ بلوريّ في قاعةٍ فارغة.

داخل الدكان، لم يكن هناك ما يُباع بالمعنى المعروف.
لا أرفف، لا صناديق.
فقط طاولات صغيرة، فوق كلٍّ منها صندوق خشبي.. ومن خلف طاولة في الزاوية، جلس رجل مسنّ، بملامح لا تنتمي لعمر محدد. كان يرتدي معطفًا طويلًا بلون الليل، وعيناه لامعتين بطريقة لا تُفسَّر.
قال بهدوء:
— تأخرتَ.
تجمدتُ في مكاني.
قلت:
— هل نعرف بعضنا؟

ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها لا تخصّني وحدي... وكأن الشارع كله أبتسم فجأة.. ثم قال
— نحن لا نتعارف… نحن نتذكر.

أشار إلى صندوقٍ أمامي.
— افتحه.

اقتربتُ.
يدي كانت باردة.
فتحت الغطاء.

لم يكن في الداخل شيء مادي.
لكن فجأة، رأيتُ مشهدًا…
كنتُ طفلًا في ساحةٍ بعيدة، أركض بلا خوف، أضحك بصوتٍ عالٍ، والسماء زرقاء بشكلٍ لا يُصدّق.
رائحة التراب بعد المطر.
صوت جدتي تناديني.
يد أبي على كتفي... أغلقتُ الصندوق بسرعة.
أنفاسي كانت متسارعة.

قال الرجل:
— هذا ما فقدته.
كان كلامه بسيطًا، لكنه أصابني في نقطة لا أراها عادة.

قلت له، وكأنني أساومه:
— وماذا لو لم أستطع؟

ابتسم، وقال:
— إذًا ستحتفظ بالصندوق… مغلقًا.

ثم فجأة…
انطفأت الأنوار للحظة... غاب كل شيء وانطفأت عيون المدينة... لم يكن هناك رجل.
ولا طاولات.
ولا صناديق.

كنتُ وحدي في زقاقٍ ضيق، أمام جدار حجري شامخ وقديم.
لا باب.
لا دكان.

عدتُ إلى السيارة مرتبكًا.
أقنعتُ نفسي أن الإرهاق صنع لي هلوسة لطيفة.
لكن…
في جيب معطفي، وجدتُ مفتاحًا صغيرًا، من نحاسٍ قديم، عليه نقشٌ دقيق يشبه الهلال.

احتفظتُ به سنوات.
لم أجد له قفلًا.
لكني كلما شعرتُ أن الحياة تضيق، أضعه في راحة يدي، وأتذكر الصندوق المفتوح، والطفل الذي يركض بلا خوف.

وفي بعض الليالي، حين أقود قرب المياه، أشعر أن أحد الأزقة في غاملا ستان يناديني بصمت…
وكأن الدكان ما زال هناك، ينتظرني لأدفع الثمن.

ربما لم تكن الحكاية عن دكانٍ أصلًا.
ربما كانت عن بابٍ داخليّ لم أجرؤ بعد على فتحه بالكامل.




2





قبل أعوامٍ كثيرة، في خريفٍ باردٍ من ليالي ستوكهولم، كنتُ قد خرجتُ لتوّي من مكتبةٍ قرب ميدان سيرغيل.
كانت السماء منخفضة، كأنها سقفٌ رماديّ يضغط على الرؤوس، والناس يمشون مسرعين كأنهم يهربون من فكرةٍ ما.

كنتُ يومها أشعر بأنني غريبٌ حتى عن ظلي.
ليس حزنًا محددًا… بل شعورٌ بأن العالم يسير في اتجاهٍ وأنا في اتجاهٍ آخر.

عند درج المترو المؤدي إلى محطة تي-سنترالن، رأيتُ امرأة عجوز تجلس على كرسيٍّ صغير.
لم تكن تشبه المتسوّلين المعتادين.
كانت ترتدي عباءة داكنة، وعلى رأسها وشاح أزرق بلون بحرٍ عميق.
وأمامها لم يكن كوب نقود… بل صندوق صغير من خشب الجوز، مفتوح.

نظرت إليّ مباشرةً، كما لو أنها كانت تنتظرني.

قالت بصوتٍ هادئ:
— أنتَ تبحث عن شيءٍ ضاع منك في هذه المدينة.

توقفتُ.
قلتُ مبتسمًا نصف ابتسامة:
— الجميع أضاع شيئًا هنا.

هزّت رأسها.
— لا. أنت أضعتَ اسمك الحقيقي.

ارتبكتُ.
— اسمي واضح... شعرتُ بقشعريرة
قلتُ:
— ومن أنتِ؟

ابتسمت ابتسامةً صغيرة، وقالت:
— أنا بائعة الأسماء.

مدّت يدها إلى الصندوق، وأخرجت قصاصة ورق قديمة، مطوية بعناية.
قالت:
— افتحها… لكن لا تقرأ بصوتٍ عالٍ... فتحتُ القصاصة ببطءٍ، كأنني أخشى أن أوقظ شيئًا نائمًا بين الحروف.
كان هناك شيئًا يشبه أسمي مكتوبًا بخطٍّ دقيق... سكتنا لحظة.
كان صوت القطارات تحتنا يصعد كهديرٍ مكتوم، والناس يعبرون دون أن يلتفتوا إلينا.
أغلقت عينيها، وتمتمت بكلماتٍ لم أفهمها، كلمات تشبه لغات الحكايات القديمة، كأنها خرجت من صفحات ألف ليلة وليلة.

ثم وضعت في يدي خاتمًا نحاسيًا بسيطًا، عليه حجر صغير أخضر.

— متى شعرتَ أنك تذوب في هذه المدينة، انظر إلى هذا الحجر. سيذكّرك أنك لستَ من الإسفلت وحده...
وفي اللحظة التي التفتُّ فيها لأُفسح الطريق لشخصٍ صعد الدرج…لم يكن هناك شيء

لا كرسي.
لا صندوق.
لا عباءة.

وقفتُ مشدوهًا، أبحث بعينيّ بين الوجوه.
لم أجدها.

لكن الخاتم كان في يدي.

احتفظتُ به سنوات.
لم يكن له قيمة تُذكر، مجرد معدن رخيص ربما.
لكن كلما ضاق صدري في ليالي الشمال الطويلة، وكلما شعرتُ أنني قطعة غيار في آلةٍ ضخمة، كنتُ أنظر إلى الحجر الأخضر… وأتذكر أن هناك امرأةً غامضة جلست ذات مساء قرب درج المترو في محطة تي-سنترالن، وقالت لي إن لي اسمًا لا يعرفه أحد.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررتُ قرب ميدان سيرغيل، أبطئ خطواتي قليلًا…
كأنني أخشى أن أسمعها تناديني باسمي الحقيقي أمام الجميع.





3




قبل سنواتٍ طويلة، سافرتُ إلى مدينةٍ قديمةٍ على أطراف الصحراء.
لم أكن أعرف لماذا اخترتها تحديدًا، لكن اسمها كان يتردّد في رأسي كأن أحدًا يهمس به في الليل.

وصلتُ عند الغروب.
المدينة كانت تغلي بالأصوات: الباعة ينادون، النحاس يُطرَق، وروائح الكمّون والجلود المدبوغة تتداخل في الهواء.
لكن خلف كل ذلك، كان هناك شيءٌ آخر…
صمتٌ عميقٌ يسكن تحت الضجيج.

نزلتُ في رياضٍ قديم داخل المدينة.. باحته مفتوحة على السماء، وفي وسطها نافورة صغيرة.
الماء كان يسقط بصوتٍ يشبه العدّ التنازلي لشيءٍ لا أعرفه.

في الليلة الأولى، لم أنم.

كنتُ أشعر بأن أحدًا يمشي فوق السطح.
خطوات بطيئة… محسوبة.
ليست خطوات لصّ.
ولا خطوات حيوان.
بل كأن شخصًا يتأكد أنني ما زلتُ هنا.

في الصباح سألتُ صاحب الرياض، رجلًا هادئًا بعينين متعبتين.

ابتسم وقال:
— السطوح في هذه المدينة تحفظ آثار من مرّوا فوقها.

لم يعجبني الجواب.
لكنه لم يُكمل.

في اليوم الثالث، وأنا أضيع متعمّدًا في الأزقة الضيقة، رأيتُ بابًا صغيرًا، أخفض من بقية الأبواب.
لا لوحة.
لا زخرفة.
فقط خشب داكن، ومقبض نحاسي قديم.

شعرتُ برغبةٍ غريبة في أن أطرقه.

طرقتُ.

فُتح الباب فورًا، كأن الطارق كان متوقّعًا.

كان في الداخل رجل نحيل جدًا، بشرته بلون الورق القديم.
قال دون مقدمات:
— تأخّرت.

توقّفتُ.
— عن ماذا؟

قال:
— عن رؤيتك لنفسك.

لم أفهم.
لكني دخلت.

الغرفة كانت شبه فارغة.
في وسطها مرآة طويلة، غير مؤطرة، موضوعة على الأرض ومائلة قليلًا.
لم أرَ نفسي كما أعرفني.
رأيتُ رجلًا يشبهني
ثم بدأ المشهد في المرآة يتغيّر.

رأيتُ نفسي أكبر سنًا.
أكثر تعبًا.
وحدي في غرفةٍ بيضاء.
لا أوراق.
لا أصدقاء.
لا صوت.

صرختُ:
— ما هذا؟

قال الرجل بهدوء:
— هذا أحد الاحتمالات.
— احتمال ماذا؟

اقترب مني قليلًا، حتى شعرتُ بأنفاسه.
بعدها أدرتُ وجهي بعيدًا عن المرآة.
خرجتُ مسرعًا إلى الزقاق.
التفتُّ خلفي…
لم يكن هناك باب.
جدارٌ فقط.
عدتُ إلى الرياض مرتبكًا.
في تلك الليلة، لم أسمع خطوات على السطح.
لكنني سمعت شيئًا آخر…
صوت ماء النافورة في الباحة.
كان مختلفًا.
كأنه يهمس باسمي.

في الصباح، حين هممتُ بالمغادرة، مررتُ قرب المرآة الصغيرة في غرفتي.
توقفتُ للحظةٍ قصيرة…
قصيرة جدًا…
لم تتحرّك صورتي عندما تحرّكت.
حين عدتُ إلى بلدي.
استأنفت حياتي.
كل شيء بدا طبيعيًا.
لكن منذ ذلك السفر، كلما نظرتُ في مرآةٍ لفترةٍ أطول من اللازم…
أشعر بأن هناك احتمالًا آخر يقف خلف الزجاج، ينتظر أن أختار.




نشوان عزيز عمانوئيل
ستوكهولم
2026


1

كان ذلك منذ زمن قد مضى.. في شتاءٍ بعيدٍ من شتاءات ستوكهولم، حين كانت المدينة تبدو كأنها قطعة زجاجٍ شفّافة معلّقة بين السماء والبحر.
الثلج لم يكن يتساقط يومها، لكنه كان يغطي الأرصفة ببياضٍ صامت، والهواء كان حادًا كحدّ سكينٍ رفيع.

كنتُ أعمل سائقًا، أقود الشاحنة في الصباح الباكر، وأوزّع البضائع على الضواحي البعيدة، ثم أعود آخر النهار إلى وسط المدينة. كان الليل يأتي سريعًا، كما لو أنه يسرق النهار من جيب السماء.

في تلك الليلة، انتهيت متأخرًا. أوقفت الشاحنة قرب المياه في حيّ غاملا ستان، حيث الأزقة الضيقة التي تشبه ممرات الحكايات القديمة.
كنتُ متعبًا… لكن ليس تعب الجسد فقط. كان هناك شيء ثقيل في صدري، شيء لا اسم له وكأن روحي انزلقت فوق الرصيف.. سرتُ بلا هدف.
المصابيح الصفراء على الجدران الحجرية بدت كأنها عيون قديمة تراقبني.
والصمت… كان كثيفًا، حتى أن وقع خطواتي بدا غريبًا، كأنه لشخصٍ آخر يمشي خلفي بصعوبة بالغة.. وبينما كنت اتطلع صوب نهاية الرصيف الداكن
عند زاوية زقاقٍ ضيق، رأيت دكانًا صغيرًا لم ألحظه من قبل.
باب خشبي داكن، نافذة مغطاة بستارة مخملية خضراء، وفوقها لوحة قديمة مكتوب عليها بخط ذهبي متآكل:
“الأشياء التي لا تُشترى”.

ترددتُ لحظة.
ثم دفعت الباب.

رنّ جرسٌ صغير، لكن صوته لم يكن معدنيًا… كان أشبه برنين كأسٍ بلوريّ في قاعةٍ فارغة.

داخل الدكان، لم يكن هناك ما يُباع بالمعنى المعروف.
لا أرفف، لا صناديق.
فقط طاولات صغيرة، فوق كلٍّ منها صندوق خشبي.. ومن خلف طاولة في الزاوية، جلس رجل مسنّ، بملامح لا تنتمي لعمر محدد. كان يرتدي معطفًا طويلًا بلون الليل، وعيناه لامعتين بطريقة لا تُفسَّر.
قال بهدوء:
— تأخرتَ.
تجمدتُ في مكاني.
قلت:
— هل نعرف بعضنا؟

ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها لا تخصّني وحدي... وكأن الشارع كله أبتسم فجأة.. ثم قال
— نحن لا نتعارف… نحن نتذكر.

أشار إلى صندوقٍ أمامي.
— افتحه.

اقتربتُ.
يدي كانت باردة.
فتحت الغطاء.

لم يكن في الداخل شيء مادي.
لكن فجأة، رأيتُ مشهدًا…
كنتُ طفلًا في ساحةٍ بعيدة، أركض بلا خوف، أضحك بصوتٍ عالٍ، والسماء زرقاء بشكلٍ لا يُصدّق.
رائحة التراب بعد المطر.
صوت جدتي تناديني.
يد أبي على كتفي... أغلقتُ الصندوق بسرعة.
أنفاسي كانت متسارعة.

قال الرجل:
— هذا ما فقدته.
كان كلامه بسيطًا، لكنه أصابني في نقطة لا أراها عادة.

قلت له، وكأنني أساومه:
— وماذا لو لم أستطع؟

ابتسم، وقال:
— إذًا ستحتفظ بالصندوق… مغلقًا.

ثم فجأة…
انطفأت الأنوار للحظة... غاب كل شيء وانطفأت عيون المدينة... لم يكن هناك رجل.
ولا طاولات.
ولا صناديق.

كنتُ وحدي في زقاقٍ ضيق، أمام جدار حجري شامخ وقديم.
لا باب.
لا دكان.

عدتُ إلى السيارة مرتبكًا.
أقنعتُ نفسي أن الإرهاق صنع لي هلوسة لطيفة.
لكن…
في جيب معطفي، وجدتُ مفتاحًا صغيرًا، من نحاسٍ قديم، عليه نقشٌ دقيق يشبه الهلال.

احتفظتُ به سنوات.
لم أجد له قفلًا.
لكني كلما شعرتُ أن الحياة تضيق، أضعه في راحة يدي، وأتذكر الصندوق المفتوح، والطفل الذي يركض بلا خوف.

وفي بعض الليالي، حين أقود قرب المياه، أشعر أن أحد الأزقة في غاملا ستان يناديني بصمت…
وكأن الدكان ما زال هناك، ينتظرني لأدفع الثمن.

ربما لم تكن الحكاية عن دكانٍ أصلًا.
ربما كانت عن بابٍ داخليّ لم أجرؤ بعد على فتحه بالكامل.




2





قبل أعوامٍ كثيرة، في خريفٍ باردٍ من ليالي ستوكهولم، كنتُ قد خرجتُ لتوّي من مكتبةٍ قرب ميدان سيرغيل.
كانت السماء منخفضة، كأنها سقفٌ رماديّ يضغط على الرؤوس، والناس يمشون مسرعين كأنهم يهربون من فكرةٍ ما.

كنتُ يومها أشعر بأنني غريبٌ حتى عن ظلي.
ليس حزنًا محددًا… بل شعورٌ بأن العالم يسير في اتجاهٍ وأنا في اتجاهٍ آخر.

عند درج المترو المؤدي إلى محطة تي-سنترالن، رأيتُ امرأة عجوز تجلس على كرسيٍّ صغير.
لم تكن تشبه المتسوّلين المعتادين.
كانت ترتدي عباءة داكنة، وعلى رأسها وشاح أزرق بلون بحرٍ عميق.
وأمامها لم يكن كوب نقود… بل صندوق صغير من خشب الجوز، مفتوح.

نظرت إليّ مباشرةً، كما لو أنها كانت تنتظرني.

قالت بصوتٍ هادئ:
— أنتَ تبحث عن شيءٍ ضاع منك في هذه المدينة.

توقفتُ.
قلتُ مبتسمًا نصف ابتسامة:
— الجميع أضاع شيئًا هنا.

هزّت رأسها.
— لا. أنت أضعتَ اسمك الحقيقي.

ارتبكتُ.
— اسمي واضح... شعرتُ بقشعريرة
قلتُ:
— ومن أنتِ؟

ابتسمت ابتسامةً صغيرة، وقالت:
— أنا بائعة الأسماء.

مدّت يدها إلى الصندوق، وأخرجت قصاصة ورق قديمة، مطوية بعناية.
قالت:
— افتحها… لكن لا تقرأ بصوتٍ عالٍ... فتحتُ القصاصة ببطءٍ، كأنني أخشى أن أوقظ شيئًا نائمًا بين الحروف.
كان هناك شيئًا يشبه أسمي مكتوبًا بخطٍّ دقيق... سكتنا لحظة.
كان صوت القطارات تحتنا يصعد كهديرٍ مكتوم، والناس يعبرون دون أن يلتفتوا إلينا.
أغلقت عينيها، وتمتمت بكلماتٍ لم أفهمها، كلمات تشبه لغات الحكايات القديمة، كأنها خرجت من صفحات ألف ليلة وليلة.

ثم وضعت في يدي خاتمًا نحاسيًا بسيطًا، عليه حجر صغير أخضر.

— متى شعرتَ أنك تذوب في هذه المدينة، انظر إلى هذا الحجر. سيذكّرك أنك لستَ من الإسفلت وحده...
وفي اللحظة التي التفتُّ فيها لأُفسح الطريق لشخصٍ صعد الدرج…لم يكن هناك شيء

لا كرسي.
لا صندوق.
لا عباءة.

وقفتُ مشدوهًا، أبحث بعينيّ بين الوجوه.
لم أجدها.

لكن الخاتم كان في يدي.

احتفظتُ به سنوات.
لم يكن له قيمة تُذكر، مجرد معدن رخيص ربما.
لكن كلما ضاق صدري في ليالي الشمال الطويلة، وكلما شعرتُ أنني قطعة غيار في آلةٍ ضخمة، كنتُ أنظر إلى الحجر الأخضر… وأتذكر أن هناك امرأةً غامضة جلست ذات مساء قرب درج المترو في محطة تي-سنترالن، وقالت لي إن لي اسمًا لا يعرفه أحد.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررتُ قرب ميدان سيرغيل، أبطئ خطواتي قليلًا…
كأنني أخشى أن أسمعها تناديني باسمي الحقيقي أمام الجميع.





3




قبل سنواتٍ طويلة، سافرتُ إلى مدينةٍ قديمةٍ على أطراف الصحراء.
لم أكن أعرف لماذا اخترتها تحديدًا، لكن اسمها كان يتردّد في رأسي كأن أحدًا يهمس به في الليل.

وصلتُ عند الغروب.
المدينة كانت تغلي بالأصوات: الباعة ينادون، النحاس يُطرَق، وروائح الكمّون والجلود المدبوغة تتداخل في الهواء.
لكن خلف كل ذلك، كان هناك شيءٌ آخر…
صمتٌ عميقٌ يسكن تحت الضجيج.

نزلتُ في رياضٍ قديم داخل المدينة.. باحته مفتوحة على السماء، وفي وسطها نافورة صغيرة.
الماء كان يسقط بصوتٍ يشبه العدّ التنازلي لشيءٍ لا أعرفه.

في الليلة الأولى، لم أنم.

كنتُ أشعر بأن أحدًا يمشي فوق السطح.
خطوات بطيئة… محسوبة.
ليست خطوات لصّ.
ولا خطوات حيوان.
بل كأن شخصًا يتأكد أنني ما زلتُ هنا.

في الصباح سألتُ صاحب الرياض، رجلًا هادئًا بعينين متعبتين.

ابتسم وقال:
— السطوح في هذه المدينة تحفظ آثار من مرّوا فوقها.

لم يعجبني الجواب.
لكنه لم يُكمل.

في اليوم الثالث، وأنا أضيع متعمّدًا في الأزقة الضيقة، رأيتُ بابًا صغيرًا، أخفض من بقية الأبواب.
لا لوحة.
لا زخرفة.
فقط خشب داكن، ومقبض نحاسي قديم.

شعرتُ برغبةٍ غريبة في أن أطرقه.

طرقتُ.

فُتح الباب فورًا، كأن الطارق كان متوقّعًا.

كان في الداخل رجل نحيل جدًا، بشرته بلون الورق القديم.
قال دون مقدمات:
— تأخّرت.

توقّفتُ.
— عن ماذا؟

قال:
— عن رؤيتك لنفسك.

لم أفهم.
لكني دخلت.

الغرفة كانت شبه فارغة.
في وسطها مرآة طويلة، غير مؤطرة، موضوعة على الأرض ومائلة قليلًا.
لم أرَ نفسي كما أعرفني.
رأيتُ رجلًا يشبهني
ثم بدأ المشهد في المرآة يتغيّر.

رأيتُ نفسي أكبر سنًا.
أكثر تعبًا.
وحدي في غرفةٍ بيضاء.
لا أوراق.
لا أصدقاء.
لا صوت.

صرختُ:
— ما هذا؟

قال الرجل بهدوء:
— هذا أحد الاحتمالات.
— احتمال ماذا؟

اقترب مني قليلًا، حتى شعرتُ بأنفاسه.
بعدها أدرتُ وجهي بعيدًا عن المرآة.
خرجتُ مسرعًا إلى الزقاق.
التفتُّ خلفي…
لم يكن هناك باب.
جدارٌ فقط.
عدتُ إلى الرياض مرتبكًا.
في تلك الليلة، لم أسمع خطوات على السطح.
لكنني سمعت شيئًا آخر…
صوت ماء النافورة في الباحة.
كان مختلفًا.
كأنه يهمس باسمي.

في الصباح، حين هممتُ بالمغادرة، مررتُ قرب المرآة الصغيرة في غرفتي.
توقفتُ للحظةٍ قصيرة…
قصيرة جدًا…
لم تتحرّك صورتي عندما تحرّكت.
حين عدتُ إلى بلدي.
استأنفت حياتي.
كل شيء بدا طبيعيًا.
لكن منذ ذلك السفر، كلما نظرتُ في مرآةٍ لفترةٍ أطول من اللازم…
أشعر بأن هناك احتمالًا آخر يقف خلف الزجاج، ينتظر أن أختار.



#نشوان_عزيز_عمانوئيل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وصفة بديلة
- ثلاث قصص قصيرة جدا
- بين الضوء والظلال
- إضاءة نقدية
- قصص قصيرة
- نصوص
- قضية سلوان موميكا... وجهة نظر
- في عناق اللحظة... قصة قصيرة جدا
- على حافة اللاشيء
- اغنية النهر
- الإنجاب بين الغريزة والواجب الأخلاقي
- لغة النار
- ثلاث قصص قصيرة
- سمفونية الفراغ
- قصة قصيرة إلينورا
- قصة قصيرة
- أرواح الليل
- مرايا الليل
- همسات مجهولة
- قصائد هايكو


المزيد.....




- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...
- فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
- سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...
- بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من - ...
- شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
- وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط ...
- فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...
- انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نشوان عزيز عمانوئيل - قصص قصيرة... مفاتيح