أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمد جاسم دشتي - الاجترار | إلى دوافع النفوس المُجترة















المزيد.....

الاجترار | إلى دوافع النفوس المُجترة


محمد جاسم دشتي

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 08:52
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


من ناحيةٍ إنسانية صرفة، لا يعيش الإنسان في حاضره كاملًا، وربما لم يستطع يومًا أن يفعل ذلك. فاللغة التي جال قرونًا حتى صنع أصواتها ورتّب دلالاتها لم تترك الماضي هملاً؛ صنعت لما كان أزمنةً وتصريفات، وأقامت للمنقضي من القواعد ما يلحن اللسان إن أخطأ فيها، وقد يكون ناطقها غلطًا عرضةً لسخرية المحيط. وكأن الإنسان، منذ أن عرف الكلام، لم يكتفِ بأن يعرف أن الأشياء تنقضي، بل احتاج أن يصنع للمنقضي مكانًا يقيم فيه، وأن يمنح ما كان لغةً يستدعيه بها بعدما عجز أن يمنحه زمنًا يعود إليه.
ولعل الاجترار واحدٌ من أكثر مظاهر هذه الخصومة الإنسانية القديمة مع الزمن؛ فهو ليس تذكّرًا للماضي وحسب، بل استحضارٌ لروحه وإسقاطٌ لظله على الحاضر، والاستلهام منه في تقرير ما نفعله الآن وما نخشى فعله غدًا. إننا لا نستعيد الواقعة كما حدثت تمامًا، وإنما كما بقيت فينا؛ الكلمة بنبرتها، والوجه بتعابيره، والخذلان بمرارته، والفرح بما بقي من شغفه، ثم نعيد بناء المشهد مرةً بعد أخرى، وكأن شيئًا في النفس يرفض التسليم بأن ما انتهى قد أصبح نهائيًا. فالذاكرة تحفظ الماضي، أما الاجترار فلا يكتفي بحفظه، بل يستدعيه للعمل ويمنحه وظيفةً جديدة في حاضرٍ لم يعد ينتمي إليه.
ولعل فرويد أدرك مبكرًا أن الماضي أكثر مكرًا من أن يعود إلينا دائمًا في هيئة ذكرى؛ ففي حديثه عن التذكر والتكرار لاحظ أن الإنسان قد لا يستعيد ما دفنه في نفسه بوصفه ذكرى، وإنما يعيد إنتاجه في حياته، فيكرره من غير أن يعرف أنه يكرره. فنغادر الأشخاص ثم نحمل قوانينهم معنا، وتنتهي العلاقة ولا تنتهي الطريقة التي علمتنا بها أن نخاف، ونخرج من تجربةٍ ونحن نظن أننا تركناها وراءنا، بينما تكون قد خرجت معنا واستقرت في مكانٍ خفي من اختياراتنا. إننا نظن أننا نتخذ قراراتنا الآن، بينما تجلس خلف كثيرٍ منها اجتماعاتٌ قديمة لم تنفضّ بعد.
فالذي آلمه الهجر لا يستعيد واقعة الرحيل وحدها، بل يستعيد معها فكرته عن استحقاقه للحب، والذي أُهين لا يحمل العبارة التي قيلت له فقط، بل يحمل الإنسان الذي شعر أنه أصبحه بعد سماعها، والذي خُدع مرةً يبدأ في البحث عن الخديعة في وجوهٍ لم تخدعه بعد. فالوقائع قد تنتهي في دقائق، بينما تعيش معنا المعاني التي منحناها لها أعوامًا؛ قد يرحل صاحب الكلمة وتبقى الكلمة، وقد يُغلق الباب مرةً واحدة ونظل نحن نفتحه ونغلقه في رؤوسنا ألف مرة.
وللماضي أبوابٌ لا يملك العقل مفاتيحها كلها؛ وقد أدرك مارسيل بروست ذلك حين أعاد إليه مذاق قطعةٍ من المادلين غُمست في الشاي عالمًا كاملًا من طفولته في كومبراي، بعدما عجزت الإرادة عن استحضاره. لم يعد الماضي إليه لأنه بحث عنه، بل لأن طعمًا قديمًا عثر عليه، وكأن بعض ما نظنه قد مضى لا يموت فينا حقًا، وإنما يفقد الطريق إلى الوعي، ثم تكفي رائحةٌ أو أغنيةٌ أو مذاقٌ عابر حتى يعثر على طريق العودة. فالذاكرة ليست مكانًا في العقل وحده؛ قد تحملها ندبة، أو رائحة مدينة، أو أغنيةٌ تهدم في لحظات المسافة بين رجلٍ أصبحناه وفتى كنّاه.
غير أن النفس المُجترّة لا تنتظر أن يزورها الماضي، بل تذهب هي إليه؛ تعود إلى الحادثة، وتفتح أبوابها المغلقة، وتكتب الأجوبة التي لم تقلها، وتمنح نفسها الشجاعة التي تأخرت عن موعدها، وتعيد المحاكمة بعد أن انفضّ مجلسها ورحل شهودها، وكأن الخيال يستطيع، بأثرٍ رجعي، أن يمنح الإنسان سلطةً حرمه منها الزمن. وكم من إنسانٍ ربح قضيته في رأسه بعد انتهاء الخصومة، وكم من عاشقٍ قال أجمل كلامه بعد رحيل من كان ينتظر سماعه، وكم من ابنٍ عرف ما كان يريد قوله لأبيه بعدما أصبح قوله بلا مستمع.
ولعل الاجترار، بهذا المعنى، هو أقرب ما استطاع الإنسان أن يصنعه إلى آلة الزمن؛ يعيده إلى كل شيء ولا يسمح له بتغيير شيء. يرى المكان، ويسمع الكلمات، ويستحضر الوجوه، لكنه يظل عاجزًا عن مدّ يدٍ واحدة إلى داخل المشهد، فلا يسحب كلمةً قيلت، ولا يمنع بابًا من الإغلاق، ولا يؤخر رحيل إنسانٍ ساعةً واحدة. ثم يعود، لا لأنه نسي، بل لأنه لم يقبل تمامًا أن الزمن لا يقبل المرافعة.
لكن دوافع النفوس المُجترّة لا تقف عند الرغبة في تغيير ما لا يتغير؛ فقد نعود لأن العودة نفسها أصبحت آخر ما نملكه من شيءٍ فقدناه، وقد لا يجترّ الإنسان بعض آلامه لأنه عاجزٌ عن التخلص منها، بل لأن التخلص منها يبدو، في مكانٍ خفي من النفس، خيانةً لشيءٍ كان عزيزًا عليه. فالحزن قد يكون آخر ما تبقى من الغائب، والغضب آخر خيطٍ يصلنا بمن ظلمنا، والندم آخر صورةٍ لعمرٍ نعرف أنه لن يعود، وحينها يصبح الشفاء نفسه مخيفًا؛ لا لأن الإنسان يحب ألمه، بل لأنه يخشى أن يفقد معه آخر ما يربطه بما كان.
وفي دوافع الاجترار وجهٌ آخر، وهو الحماية؛ فالعقل المُجترّ يريد أن يحتفظ بالمعرفة التي دفع الإنسان ثمنها، ويحفظ الخديعة حتى يتعرف إليها إن عادت، والإهانة حتى لا يقف أمامها أعزل مرةً أخرى، والخسارة حتى لا يسلك الطريق الذي أوصله إليها. يريد أن يقول لصاحبه: تذكّر حتى لا تتألم مرةً أخرى، ثم يفرط في حمايته حتى يؤلمه كل يومٍ بشيءٍ لم يحدث إلا مرةً واحدة.
ومن هنا قد يعاقب الإنسان حاضرًا بريئًا على جريمةٍ ارتكبها ماضٍ لم يعد موجودًا؛ يتوجس من حبٍ جديد لأن حبًا قديمًا خذله، ويرفض فرصةً لأن أخرى آلمته، ويطالب من لم يعرفهم بالأمس بدفع ديون من عرفهم قبل أعوام. وعندها لا يعود الماضي شاهدًا نستعين به، بل يصبح قاضيًا يجلس في صدر الحاضر؛ يستدعي الشهود أنفسهم، ويسأل الأسئلة ذاتها، ويصدر الأحكام القديمة في قضايا لم تقع بعد.
ومع ذلك، ليس كل رجوعٍ إلى الماضي اجترارًا، مثلما أن النسيان ليس دائمًا قوة؛ ففي العودة شيءٌ من غريزة المعرفة ومحاولة الإنسان القديمة لفهم نفسه. فالخبرة في أحد معانيها ليست إلا ماضيًا جرى فهمه جيدًا، والفرق دقيقٌ بين ماضٍ نعود إليه لنتعلم وماضٍ يعود إلينا ليحكم، وبين أن نحمل الندبة باعتبارها جزءًا من تاريخ الجسد وأن نظل نفتح الجرح كلما بدأ يلتئم كي نتأكد أنه كان موجودًا.
ولعل النضج لا يكون في محو الماضي، ولا في التظاهر بأنه لم يعد يعنينا؛ ففي بعض ما يؤلمنا شيءٌ من تكويننا، وفي الندبة معرفة، وفي الخيبة بصيرة، وفي الأشخاص الذين عبروا حياتنا أجزاءٌ من الصورة التي انتهينا إليها. إنما النضج أن نعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية؛ فلا يصبح موقفٌ واحد تاريخًا كاملًا، ولا خذلانٌ واحد تعريفًا للبشر، ولا حبٌ انتهى حجةً على استحالة الحب، ولا خسارةٌ واحدة نبوءةً بما تبقى من العمر. فنحن نحمل الماضي بالضرورة في لغتنا واختياراتنا ومخاوفنا، لكننا نملك شيئًا لا يملكه الماضي مهما عظم سلطانه علينا؛ القدرة على صنع حدثٍ جديد.
ولعل الإنسان لهذا صنع للماضي كل هذه الأزمنة والتصريفات، لأنه لم يستطع أن يصنع له بابًا يعود منه إليه؛ أجاد وصف ما كان، وأتقن استحضاره، وحفظه في اللغة والصورة والرائحة، وأعطاه من ذاكرته عمرًا أطول من عمر الحادثة نفسها، لكنه بقي عاجزًا أمام أبسط حقائق الزمن وأقساها، وهي أن ما مضى قد مضى. وبينما يستطيع اللسان أن يتقن لغة الماضي، تبقى حكمة العقل في ألّا يجعلها اللغة التي يتحدث بها حاضره.



#محمد_جاسم_دشتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حجر الطيور وفي كسر آلة الزمن: تأملات في ضياع الحلم
- تقاطعات الفنّ الحديث والكلاسيكي في تكوين الذائقة الرجولية ال ...
- ميثالوجيا تقدير الذات | أساطيرنا الشخصية التي نصنعها لننهض
- تأملات في فلسفة ما بعد الرحيل
- الرجماتية والمأذون


المزيد.....




- تحليل: شي يعود إلى واشنطن بعد 9 سنوات.. وبكين في موقع أقوى
- -لماذا لا تعطيهم نيوجرسي؟-.. أحمد الشرع يتحدث عن مزحة مع ترا ...
- الرئيس الأمريكي يكشف عن محادثات -مثمرة للغاية- مع إيران، وما ...
- الخلاص من شاوشانك: الفرق بين الصورة والأصل!
- دول البلطيق تطلب 500 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي لمواجهة ...
- Rollme تطلق ساعة بمواصفات متطورة وسعر منافس
- عالم روسي يطور منظومة لمراقبة الغلاف اللوني للشمس
- لأول مرة.. رصد إشارة راديوية مباشرة من كوكب خارج المجموعة ال ...
- اختبار نظام -راسفيت- الفضائي في الانتخابات الروسية
- ويتكوف وكوشنر يجريان محادثات -بناءة- مع عراقجي في نيويورك لب ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمد جاسم دشتي - الاجترار | إلى دوافع النفوس المُجترة