أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - عسل اسود : قراءة في فيلم مرّ على عرضه ستة عشر عامًا














المزيد.....

عسل اسود : قراءة في فيلم مرّ على عرضه ستة عشر عامًا


حسن عبد الحسين
كاتب وباحث

(Hasan Abdulhussein)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 00:20
المحور: قضايا ثقافية
    


تناول أحمد حلمي في «عسل أسود» شخصية واحدة تعيش بهويتين في جسد واحد؛ مصريًا عاش سنوات طويلة في الولايات المتحدة، ثم عاد إلى وطنه حاملًا جنسية أخرى، ليرى الأشياء بعينين مختلفتين: عين ابن البلد، وعين من اكتسب جنسية بلد آخر، حيث يفترض أن يكون القانون، في صورته المثالية، كالسيف لا يجامل أحدًا.
ومن خلال هذا التحول، يضع الفيلم المشاهد أمام مفارقة اجتماعية واضحة: كيف يمكن أن تتغير معاملة الإنسان تبعًا للجواز الذي يحمله، لا تبعًا لإنسانيته وحدها؟
وهذه الفكرة لا تتوقف عند مصر، بل يمكن أن نجد صداها، بدرجات مختلفة، في مجتمعات عربية عديدة؛ في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين وغيرها، حيث يواجه الإنسان مشكلات تتعلق بالإهمال وضعف الخدمات وتراجع بعض المؤسسات في مجالات متعددة.
يكون البطل تارةً مصريًا، وتارةً أخرى يُنظر إليه بوصفه أمريكيًا، فيكتشف الفرق في طريقة التعامل معه. وهذه ليست مجرد حيلة سينمائية لإنتاج الكوميديا، وإنما صورة لواقع اجتماعي يمكن للإنسان أن يلمسه في حياته اليومية.
مرّت ستة عشر عامًا على عرض الفيلم، ومع ذلك تبدو بعض الأسئلة التي طرحها حاضرة حتى اليوم؛ وكأن الزمن تغير، بينما بقيت بعض المشكلات واقفة في مكانها.
أن تقضي عمرًا بعيدًا عن بلدك، ولا تعرف معاناة شعوبه إلا من خلال الحكايات التي تتحدث عن طيبة العربي وكرمه وشهامته، ثم تعود لترى بنفسك، قد تكون الصدمة أكبر مما تتوقع.
تكتشف أن الماضي في الذاكرة أجمل من الحاضر. نعتز بما أنجزه الأسلاف، ونستحضر تاريخنا وشجاعتنا وانتصاراتنا، بينما يبدو الحاضر أكثر قسوة، ويظل المستقبل مجهولًا ومحفوفًا بالمخاطر، في ظل الحروب والفقر والأزمات التي مرت بها أجزاء واسعة من العالم العربي.
شدتني في الفيلم جملة:
«أنت مصري تبقى غلبان».
لكنني أجد نفسي اليوم أقول:
«أنت عربي تبقى غلبان».
لا أقصد بذلك أن الغلب نتيجة للهوية العربية، وإنما أقصد المفارقة بين تاريخ طويل حافل بالحضارة والشجاعة ومجابهة الظلم، وبين حاضر لا يزال الإنسان العربي في أجزاء واسعة منه يبحث فيه عن أبسط مقومات الحياة الكريمة.
نستدعي الماضي كثيرًا، ونفخر بما صنعه الأجداد، لكننا لا نسأل بالقدر نفسه: ماذا صنعنا نحن؟
وهنا تصبح المشكلة أكبر من حدود الفيلم نفسه.
حين يصل الشاب إلى مصر، يتفاجأ بأنها ليست مصر التي حدثه والده عنها. لقد حمل معه صورة قديمة للوطن؛ صورة صنعتها الذاكرة والحكايات، ثم اصطدم بالواقع.
وهذه واحدة من أكثر الأفكار إثارة في الفيلم: نحن لا نتذكر الماضي كما كان دائمًا، بل كما نحب أن نتذكره.
فالماضي يتحول إلى ملاذ، وكلما اشتد سوء الحاضر ازداد تعلقنا به. نستحضر التاريخ والآثار والأمجاد، لكننا ننسى أن التاريخ لا يستطيع وحده أن يبني مستشفى، ولا أن ينظم شارعًا، ولا أن يضمن حقًا، ولا أن يجعل القانون عادلًا.
ليس الخطأ في الاعتزاز بالماضي، بل في أن يتحول الماضي إلى بديل عن الحاضر.
فالأهرامات عظيمة، والتاريخ عظيم، والحضارات التي قامت على هذه الأرض تستحق الفخر؛ لكن قيمة التاريخ لا تكتمل باستحضاره، بل بما يدفعنا إليه من عمل في الحاضر.
يصطدم البطل بواقع يرى فيه أن القانون لا يُحترم دائمًا كما ينبغي، وأن الخدمات لا ترتقي إلى ما يتوقعه، وأن المواطن قد يجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع الفوضى بدلًا من أن تكون المؤسسات هي التي تحميه منها.
وهنا يتحول «عسل أسود» من فيلم كوميدي إلى سؤال أكبر:
ماذا يحدث حين يصبح الماضي مصدر فخر، بينما يصبح الحاضر مصدر خيبة؟
ربما تكمن إحدى مشكلات مجتمعاتنا في أننا كثيرًا ما نتعامل مع القضايا بالعاطفة أكثر مما نتعامل معها بالعقلانية. نحب ونكره بسرعة، نمجد هذا ونذم ذاك، نرفع الأشخاص إلى السماء ثم نهوي بهم إلى الهاوية، وأحيانًا يكون موقفنا من الشخص مرتبطًا بانتمائه أكثر مما هو مرتبط بعمله أو بموقفه.
لكن العاطفة ليست المشكلة في ذاتها؛ فالمجتمع بلا عاطفة يتحول إلى مجتمع بارد. المشكلة تبدأ عندما تصبح العاطفة بديلًا عن العقل، وعندما يصبح الانتماء بديلًا عن القانون، والتاريخ بديلًا عن الحاضر، والشعارات بديلًا عن العمل.
وعندما يصبح السؤال: «من قال؟» أهم من السؤال: «ماذا قال؟»، نكون قد انتقلنا من تقييم الأفكار إلى تقييم الأشخاص وفق انتماءاتهم.
وهنا لا تعود المشكلة في وجود العاطفة، بل في غياب التوازن بينها وبين العقل.
لهذا، فإن «عسل أسود» بعد ستة عشر عامًا لا يبدو مجرد فيلم عن شاب عاد إلى مصر، بل عن إنسان يعود إلى واقعه بعد أن عاش طويلًا مع صورة أخرى عنه.
إنه فيلم عن المسافة بين الوطن الذي نتخيله والوطن الذي نعيشه.
عن الماضي الذي نحبه، والحاضر الذي نصطدم به.
عن القانون الذي نريده، والواقع الذي نتعامل معه.
وعن الإنسان الذي قد يكتشف أن تغيير جواز سفره لا يعني بالضرورة تغيير علاقته بالمكان الذي ينتمي إليه.
يضحك الفيلم، لكن خلف الضحكة مرارة.
وربما لهذا بقي عنوانه مناسبًا حتى اليوم:
عسلٌ في الذاكرة، وأسودُ في الواقع.



#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)       Hasan_Abdulhussein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا
- الإنسان والأحلام
- ناجيتُ قبرَكِ
- بين وجع النفس وسلطة الدواء
- سعيتُم فخُذِلتُم
- التعايش مابعد الفقد


المزيد.....




- انتخابات روسيا.. رد على إرهاب نظام كييف
- الدنمارك تتكتم على تفاصيل اتفاقها مع واشنطن حول غرينلاند
- ترامب يطالب زيلينسكي بوقف الضربات على مصافي النفط الروسية
- -كل الخيارات متاحة-.. وزير مصري يكشف أوراق القاهرة في مواجهة ...
- السلطات الإيرانية تنفي رسميا وقف تسيير الرحلات مع العراق
- البيت الأبيض يعد مرسوما لتشديد الرقابة على المنح العلمية الص ...
- سوريا.. إلقاء القبض على ضابط سابق في مخابرات نظام الأسد
- أول تعليق من خوان بيزيرا بعد انتقاله إلى شباب الأهلي
- كواليس حسم الزمالك الاتفاق مع المدير الرياضي الجديد
- محمد الشناوي يدرس الاعتزال دوليًا بسبب حسام حسن


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - عسل اسود : قراءة في فيلم مرّ على عرضه ستة عشر عامًا