راوية رياض الصمادي
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 00:22
المحور:
الادب والفن
مقدمة: لماذا التكثيف؟
حين صدرت مجموعة «تقاسيم الفلسطيني» للدكتورة سناء الشعلان عام 2015 عن دار أمواج الأردنية، لم تكن مجرد إضافة جديدة إلى مكتبة الأدب الفلسطيني، بل كانت تجربة سردية متفردة في توظيف القصة القصيرة جداً كسلاح ثقافي في مواجهة الاحتلال والتشويه والنسيان. تتكون المجموعة من مائة وأربع وسبعين قصة قصيرة موزعة على سبعة أقسام كبرى: تقاسيم الوطن، تقاسيم المعتقل، تقاسيم المخيم، تقاسيم الشتات، تقاسيم العرب، تقاسيم العدو، وتقاسيم البعث.
هذه الدراسة لا تكتفي بما قيل عن السرد المضاد أو الفانتازيا أو سيميائية العنوان، بل تسأل: كيف يتحول التكثيف السردي من تقنية جمالية إلى فعل مقاومة ثقافية؟ وكيف تنتج نصوص الشعلان، عبر جماليات الومضة، وعياً فلسطينياً لا يمكن طمسه؟
---
أولاً: البنية السبعية: تقسيم مقدس لمقاومة مقدسة
1. الرقم سبعة ودلالته الرمزية
تنقسم المجموعة إلى سبعة أقسام كبرى تحمل عناوين: تقاسيم الوطن، تقاسيم المعتقل، تقاسيم المخيم، تقاسيم الشتات، تقاسيم العرب، تقاسيم العدو، وتقاسيم البعث. هذا التقسيم السبعي ليس عشوائياً، إذ يشير إلى محاولة الكاتبة منح القضية الفلسطينية بعداً مقدساً، فالرقم سبعة من الأرقام المقدسة في التراث العربي والإسلامي، مما يضفي على التجربة الفلسطينية هالة من القدسية تستعصي على المحو.
2. البنية المتسعة: تغطية فضاءات الوجود الفلسطيني
تمنح هذه البنية المتسعة المجموعة قدرة على تغطية فضاءات متعددة من الوجود الفلسطيني بمعناه الجماعي والفردي. فكل قسم يمثل فضاءً وجودياً من فضاءات الفلسطيني: من الوطن إلى المعتقل إلى المخيم إلى الشتات، ومن العلاقة مع العرب إلى العلاقة مع العدو إلى حلم البعث والنهضة. وهذا التقسيم يحول المجموعة من مجرد مجموعة قصص متفرقة إلى مشروع سردي متكامل يؤرخ للقضية الفلسطينية في أبعادها المختلفة.
---
ثانياً: جماليات الومضة: القصة التي لا تتجاوز صفحة
1. حجم القصة كخيار مقاوم
تشير الدراسات إلى أن القصص في «تقاسيم الفلسطيني» لا تتجاوز الصفحة أو نصف الصفحة من الحجم المتوسط. هذا الاختصار ليس مجرد اقتصاد في الكتابة، بل هو مقاومة ضد الإرهاق. فالقارئ الذي يواجه مأساة فلسطين بكامل تفاصيلها قد ينهار أو يهرب، لكن القصة القصيرة جداً تخفف وطأة الأحداث، وتسمح للقارئ بجرعات متتالية من الألم دون أن يُغرق فيه.
2. التكثيف كآلية بلاغية
تُظهر دراسة ماجستير نُوقشت في جامعة الشهيد حمه لخضر بالجزائر، حملت عنوان "التكثيف والإيحاء وأبعادهما الدلالية في المجموعة القصصية تقاسيم الفلسطيني"، أن التكثيف في هذه المجموعة يعمل على مستويين: المستوى الدلالي (الانزياح والتكثيف الدلالي) والمستوى الإيحائي (الترميز والذاكرة الإيحائية المكانية). ويعتمد التكثيف في القصة القصيرة جداً على بناء لغوي مكثف للجملة يلتزم بفنون بلاغية تتعلق بالمعنى (كالحذف والإيجاز) وأخرى تتعلق بالبيان (كالتشبيه والاستعارة)، بما في ذلك الرمز والمفارقة التي تحيل إلى فضاءات دلالية كبرى.
3. الاقتصاد اللغوي: كل كلمة تُحسب
في «تقاسيم الفلسطيني»، لا توجد كلمة زائدة. كل جملة تحمل حملها الدلالي الكامل. هذا الاقتصاد ليس نتيجة عجز، بل اختيار واعٍ. فالتكثيف يتطلب ترك الحشو والتكرر في الأفعال والأسماء والصفات، وترك الوصف المركب الذي من شأنه تحقيق الإطالة، واختزال عدد الشخصيات، وتركيز الحوار. وبهذا تصبح حياة الفلسطيني نفسها — القصيرة والمكثفة والمعبأة بالألم — هي الشكل الأدبي الأنسب لها.
---
ثالثاً: الفانتازيا والواقعية السحرية: تجاوز الواقع لتحمله
1. لماذا الفانتازيا في نصوص عن فلسطين؟
لأن الواقع أقسى من الخيال. الفانتازيا هنا ليست هروباً، بل تجاوز للعقل ليتمكن من استيعاب ما لا يُستوعب. يشير الناقد رائد الحواري إلى أن “تقديم الأفكار بطريقة تتجاوز العقل هو أسلوب يشير إلى حجم المعاناة التي تثقل كاهل القاصة”. وتُظهر قراءة الدكتورة فاطمة الزغول في ندوة مبادرة نون للكتاب أن المجموعة توظف الواقعية السحرية والفنتازيا والأسطورة وتقنية الأنسنة في تصوير الفلسطيني بوصفه كائناً مقاوماً يتجاوز الواقع القاسي.
2. الأنسنة: الأشجار التي تقاوم
من أبرز تقنيات الفانتازيا في المجموعة الأنسنة، حيث تُمنح الأشياء والظواهر الطبيعية حياة ووعياً. وفي النصوص، تقابل الفانتازيا والواقعية السحرية تفاصيل رمزية دقيقة: الأشجار التي تقاوم الاحتلال، البحر الذي يبتلع المهجرين، الأموات الذين يهاجمون العدو، والمرأة التي تنذر أولادها للمقاومة. هذه الصور ليست زخرفاً، بل آليات تكثيف تختصر الزمن والمكان والسببية، وتسمح بتحميل الجملة الواحدة بطبقات من المعنى.
---
رابعاً: العتبات النصية: مدخل سيميائي للتكثيف
1. عنوان المجموعة: «تقاسيم الفلسطيني»
يدرس الباحثان نبأ الجميلي ومحمد شيرين تشكار سيميائية العنوان في المجموعة، فيبحثان في التحليل الداخلي للعنوان من خلال الجوانب الفكرية للقاصة، وأثر العنوان في مجموعتها، والإعلاء من الطابع الرمزي، والآليات الحجاجية، والتحليل الخارجي من خلال الجانب التركيبي الذي يشتمل على صور جمالية ومحسنات بديعية. هذا الاشتغال على العنوان يعكس وعياً سيميائياً بالعتبات النصية، حيث يصبح العنوان بوابة دلالية لا يمكن تجاوزها.
2. البياض والسواد: لعبة الغلاف
في قراءته للمتوازي النصي، يلاحظ الدكتور الغالي بنهشوم أن العنوان شهد تقاطعاً بين المستوى السيميائي الأيقوني المرتبط بشكل الخط ولونه الأبيض الممتد في النصف الأعلى من الغلاف الموشح بالسواد، مما يفسر أن الكاتبة لجأت منذ البداية إلى ممارسة لعبة البياض والسواد. هذا التلاعب البصري بالغلاف هو استعارة بصرية للتكثيف: الأبيض والأسود، الوجود والغياب، الحضور والمحو.
---
خامساً: السرد المضاد: الكتابة كفعل مقاومة
1. مفهوم السرد المضاد
تطبق دراسة للباحثين آسيا قادري وعبد الغني بارة، نُشرت في مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، مفهوم "السرد المضاد" (Counter-Narrative) كما صاغه بيل أشكروفت، على مجموعة «تقاسيم الفلسطيني». وتخلص الدراسة إلى أن السرد القصصي “استعاد الواقع المأساوي الفلسطيني وأعاد تمثيله لغة وتخييلاً، تمثيلاً يبرز دوره في المقاومة الثقافية”. فالنصوص “تقول المأساة الفلسطينية بكثير من التفاصيل النصية التي تصدم القارئ، وتربك فيه محدودية معرفته المكتسبة عما يجري في فلسطين من محو وإلغاء ومأساة إنسانية”.
2. التأويل كفعل مقاومة
في هذه المقاربة، القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل شريكاً في المقاومة. فالسرد المضاد “يبرز كمنجز إبداعي يستدعي قارئاً متفاعلاً، تفاعلاً يكشف به عن الفضاء الماثل في تقاسيم الفلسطيني”. والتأويل هنا ليس ترفاً نقدياً، بل فعل ثقافي مقاوم، حيث يتحول القارئ من متفرج إلى مشارك في بناء المعنى، وتتحقق المقاومة النصية قراءة وتأويلاً.
3. البنية التأويلية: من الإنجاز إلى التلقي
تؤكد الدراسة أن بين الإنجاز والتلقي يأتي التأويل كرؤية منهجية نصية تسعى إلى استظهار دور السرد المضاد في بعث وإحياء المقاومة الثقافية ضد اغتصاب الإنسانية في فلسطين. وهذا يعني أن مقاومة النص لا تكتمل إلا بقراءة واعية، تشارك في إنتاج المعنى، وتواجه محاولات التشويه والطمس.
---
سادساً: التكثيف كأسلوب حياة
1. الاقتصاد اللغوي: كل كلمة تُحسب
في «تقاسيم الفلسطيني»، لا توجد كلمة زائدة. كل جملة تحمل حملها الدلالي الكامل. هذا الاقتصاد ليس نتيجة عجز، بل اختيار واعٍ. فالتكثيف يتطلب ترك الوصف المركب، واختزال عدد الشخصيات، وتركيز الحوار. وبهذا تصبح حياة الفلسطيني نفسها — القصيرة والمكثفة والمعبأة بالألم — هي الشكل الأدبي الأنسب لها.
2. القصة القصيرة جداً: مرآة للواقع الفلسطيني
تشير دراسة منشورة في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة إلى أن التكثيف في القصة القصيرة جداً يقوم على بناء لغوي بالغ للجملة يلتزم بفنون بلاغية تتعلق بالمعنى كالحذف والإيجاز، وأخرى تتعلق بالبيان كالتشبيه والاستعارة، بالإضافة إلى الحلم والرؤيا والمفارقة والرمزية التي تحيل إلى فضاءات دلالية كبرى. وفي «تقاسيم الفلسطيني»، يتحول هذا التكثيف إلى مرآة تعكس إيقاع الوجود الفلسطيني: سريع، مفعم، لا يحتمل الانتظار.
3. التكثيف والانزياح الدلالي
تناولت رسالة الماجستير الجزائرية "تقنية التكثيف ووظائفها" و"التكثيف والانزياح الدلالي" في مختارات من المجموعة، مركزة على جمالية التكثيف وأبعادها. ويُظهر التحليل أن التكثيف في هذه النصوص ليس مجرد اختصار، بل هو آلية إنتاج دلالي: كل كلمة مكثفة تحمل طبقات من المعنى، وكل جملة مختصرة تفتح آفاقاً للتأويل.
---
خاتمة: من الشظايا إلى الصورة الكاملة
في نهاية هذه القراءة، يمكن القول إن «تقاسيم الفلسطيني» ليست مجرد مجموعة قصصية، بل مشروع مقاومة ثقافية يقوم على جماليات التكثيف. الشعلان لا تكتب قصصاً طويلة عن فلسطين، لأن فلسطين لا تحتاج إلى إطالة. إنها تكتب شظايا — كل شظية تحمل حكاية، وكل حكاية تحمل وجعاً، وكل وجع يحمل حقيقة لا يمكن طمسها.
مائة وأربع وسبعون شظية، تتوزع على سبعة أقسام، تشكل بمجموعها صورة فلسطين الكاملة: الوطن الجريح، المعتقل الصامد، المخيم المقاوم، الشتات الحالم، العرب المتخاذلون، العدو الغاصب، والبعث القادم. هذه الصورة لا يمكن محوها، لأنها مكتوبة في وعي القارئ، لا على ورق فقط.
وقد نالت المجموعة جائزة فلسطين العالمية للآداب للعام 2022 (الجائزة الذهبية الأولى في حقل المجموعة القصصية المنشورة)، مما يؤكد قيمتها الأدبية والثقافية. كما صدرت لها طبعة إيرانية باللغة العربية عام 2022، وطبعة إنجليزية بعنوان Melodies of the Palestinian عام 2024، وطبعة بالأوردية، مما يوسع دائرة تأثيرها لتتجاوز حدود اللغة العربية.
والسؤال الذي يبقى: إذا كانت الشظايا تكفي لبناء صورة كاملة، فما حاجة الفلسطيني إلى الروايات الطويلة؟
الجواب: لا حاجة. فلسطين نفسها قصة قصيرة جداً.. لكنها لا تنتهي.
---
المصادر والمراجع
أولاً: النص الأساسي
1. الشعلان، سناء. تقاسيم الفلسطيني. دار أمواج للنشر والتوزيع، عمّان، 2015 (الطبعة الأولى، 182 صفحة).
2. الترجمة الإنجليزية: Melodies of the Palestinian، ترجمة د. شهيرة زرناجي، 2024، 342 صفحة.
3. الطبعة الإيرانية: الطبعة الثانية باللغة العربية، 152 صفحة، معرض طهران الدولي للكتاب، 2022.
ثانياً: الدراسات الأكاديمية
4. الجميلي، نبأ حسن علي؛ تشكار، محمد شيرين. "تعالقات العنوان وتماسك النص في مجموعة «تقاسيم الفلسطيني» لسناء شعلان". ورقة مؤتمر، السعودية، 2025.
5. قادري، آسيا؛ بارة، عبد الغني. "السرد المضاد والمقاومة الثقافية: قراءة تأويلية في المجموعة القصصية «تقاسيم الفلسطيني» لسناء شعلان". مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، المجلد 12، العدد 3، 2020، صص 241-253.
6. خزان، زهية؛ طويل، خولة؛ حوامد، هاجر. "التكثيف والإيحاء وأبعادهما الدلالية في المجموعة القصصية «تقاسيم الفلسطيني» للكاتبة سناء الشعلان". رسالة ماجستير، جامعة الشهيد حمه لخضر، الوادي، الجزائر، 2025، بإشراف د. نوال بومعزة.
7. العمرية، جليلة؛ نسرين، جليلة. "الشخصية في المجموعة القصصية «تقاسيم الفلسطيني» لسناء شعلان - مقاربة سيميائية". جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، 2020.
8. The Art of the Remix: Translating Creative Text “Melodies of the Palestinian Sanaa Shalan”. Aleph، المجلد 11، العدد 4، 2024، صص 357-376.
ثالثاً: القراءات والدراسات النقدية
9. بنهشوم، د. الغالي. "المتوازي النصي في مؤلَّف (تقاسيم الفلسطيني - مجموعة قصصية) للأديبة سناء الشعلان". مجلة عاشقة الصحراء، 3 أكتوبر 2018.
10. الحواري، رائد محمد. "الفانتازيا في مجموعة «تقاسيم الفلسطيني» لسناء الشعلان". وكالة أنباء عرار، 25 سبتمبر 2018.
11. ندوة مبادرة نون للكتاب: "مبادرة نون للكتاب تنصت إلى «تقاسيم الفلسطيني» للأديبة سناء الشعلان". صحيفة الدستور، 2026. شارك فيها الناقد أسيد الحوتري، والناقد منذر اللالا، والدكتورة فاطمة الزغول.
12. دراسة الواقعية السحرية: "الواقعية السحرية في مجموعة «تقاسيم الفلسطيني» القصصية لسناء الشعلان". 7 فبراير 2026.
رابعاً: مصادر إخبارية
13. وكالة رم. "رسالة ماجستير في الجزائر عن رواية (تقاسيم الفلسطيني) لسناء الشعلان بنت نعيمة". 28 مايو 2025.
14. صحيفة عمون. "الشعلان تحاضر في مبادرة نون للكتاب حول «تقاسيم الفلسطيني»". 2 فبراير 2026.
15. الوفاق. "«تقاسيم الفلسطيني» تفوز بجائزة فلسطين العالمية للآداب". 20 أغسطس 2023.
16. الوفاق. "صدر حديثاً.. طبعة باللغة الأوردية لـ «تقاسيم الفلسطيني»". 13 أغسطس 2024.
17. الجزيرة نت. "«تقاسيم الفلسطيني» تجسيد للحلم ومحاكمة للسياسة". 1 أغسطس 2015.
#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟