راوية رياض الصمادي
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 00:04
المحور:
الادب والفن
مقدمة: لماذا "أعشقني"؟
بين عامي 2010 و2011، أعلنت جائزة دبي الثقافية للإبداع فوز رواية "أعشقني" للدكتورة سناء الشعلان بالجائزة الثانية في حقل الرواية عن نسختها المخطوطة. كانت هذه الرواية، التي صدرت لاحقاً عن مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع في 234 صفحة موزعة على ثمانية فصول، بمثابة زلزال أدبي في المشهد الروائي العربي. لم تكن "أعشقني" مجرد رواية خيال علمي، بل كانت مختبراً سردياً جسوراً لطرح أسئلة وجودية عن الهوية والجسد والحب والحرية، في زمن يسبق فيها الخيال العلمي واقعنا الرقمي بسنوات.
هذه الدراسة لا تكرر ما قيل عن "الخيال العلمي" أو "الحجاجية" أو "اللغة النسوية". بل تسأل: كيف تتحول الرواية إلى فضاء لعبور الهويات، حيث يصبح الجسد مسرحاً للصراع بين الذات والآخر، وبين الحرية والقيد، وبين الحب والموت؟ وكيف تستخدم الشعلان تقنية "زرع الدماغ" لا كحيلة علمية، بل كاستعارة عميقة عن الغربة الوجودية للإنسان المعاصر؟
---
أولاً: الفضاء الاستشرافي: من 2012 إلى 3010
1. زمن الرواية: اختراق ألفي عام
تنتمي "أعشقني" إلى روايات الخيال العلمي الاستشرافية، حيث تمتد أحداثها عبر أكثر من ألفي عام، من تاريخ البشرية إلى عام 3010 ميلادي. هذا البعد الزمني ليس مجرد خيار فني، بل هو آلية سردية تسمح للشعلان بمساءلة الحاضر من خلال المستقبل. فالمستقبل هنا ليس هروباً، بل مرآة مكبرة لأزمات الحاضر: أزمة الهوية، وأزمة الجسد، وأزمة الحب في زمن الرقمنة.
2. الفضاء: المجرة كمرآة للأرض
تدور أحداث الرواية في مجرة بعيدة، حيث يتم نقل دماغ ضابط في المجرة إلى جسد فتاة. هذا الفضاء الكوني ليس مجرد خلفية، بل هو فضاء رمزي يعكس وحدة التجربة الإنسانية عبر الزمان والمكان. فالمجرة هنا تشبه الأرض: فيها صراعات السلطة، وفيها قمع المرأة، وفيها بحث عن الحب والحرية.
---
ثانياً: البعد الخامس: الحب كقوة وجودية
1. الحب في مواجهة الرقمنة
تنطلق الرواية من فكرة بطلتها التي تقول: "وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق". هذا البعد الخامس، الذي تعتبره البطلة "الأهم في تشكيل معالم وجودنا"، هو الحب. وفي زمن تتحول فيه البشرية إلى "خراب إلكتروني بشع"، يصبح الحب "الكفيل بإحياء هذا الموات، وبعث الجمال".
2. الحب كفعل مقاومة
في هذا السياق، يتحول الحب من عاطفة فردية إلى فعل مقاومة ثقافية. فالرواية تدافع "دفاعاً مستميتاً عن الحق في الحياة وفي الحب"، وتسعى إلى "تغيير الذهنيات". الحب هنا ليس ترفاً عاطفياً، بل هو القوة الوحيدة القادرة على مواجهة "الرقمنة" التي تهدد إنسانية الإنسان.
---
ثالثاً: الجسد كموقع للصراع
1. زرع الدماغ: استعارة الغربة الوجودية
تقوم الحبكة المركزية للرواية على عملية زرع دماغ ضابط في المجرة إلى جسد فتاة. هذه العملية، التي قد تبدو حيلة خيال علمي، هي في العمق استعارة عن الغربة الوجودية. فالبطل/البطلة يعيش حالة من الانفصال بين عقله (الذي يحمل ذاكرة رجل) وجسده (الذي هو جسد امرأة). هذه الحالة هي استعارة مكبرة لحالة الإنسان المعاصر: الغريب في جسده، وفي وطنه، وفي زمنه.
2. الجسد كساحة للصراع الجندري
في الرواية، يتحول الجسد إلى ساحة صراع بين الهوية الجنسية والهوية الإنسانية. البطل/البطلة، الذي كان رجلاً وأصبح امرأة، يعيش صراعاً مزدوجاً: صراعاً مع جسده الجديد، وصراعاً مع المجتمع الذي يفرض عليه قيوداً جديدة لم يكن يعرفها كرجل. هذا الصراع يكشف زيف التقسيمات الجندرية، ويظهر أن القيود المفروضة على المرأة هي قيود مصطنعة، لا علاقة لها بالطبيعة.
3. الجسد والعنف: شمس التي قُطع رأسها
في مقابل ذلك، تقدم الرواية شخصية "شمس"، الشابة المتعلمة والمتنورة فكرياً، التي يتم اعتقالها وتعذيبها، ويقطع رأسها، بسبب فكرها التنويري للحرية والعدالة. هذه الشخصية تكشف العنف الممنهج ضد المرأة، ليس فقط من النظام الحاكم، بل من الأشخاص القريبين منها: الأب، الابن، الأخ، الزوج، الحبيب. وهكذا يتحول الجسد الأنثوي إلى موقع للعنف، بينما يتحول الجسد الذكوري (في حالة زرع الدماغ) إلى موقع للغربة.
---
رابعاً: اللغة كجسد ثانٍ
1. الكثافة الدلالية: لغة تتجاوز البلاغة
تعتمد الشعلان في "أعشقني" على لغة مكثفة وكثيفة، غنية بالدلالات الحسية والروحية، تتقاطع فيها السردية الشعرية مع البعد العاطفي الإنساني والروحي والبناء الفكري. وقد تجاوزت اللغة هنا الوظيفة البلاغية التقليدية، لتغدو عنصراً جمالياً منتجاً للمعنى، قائماً على الإيحاء لا التصريح، وعلى الإيماءة الدلالية لا المباشرة.
2. الانزياح: من المألوف إلى الرمزي
تُوظف الرواية الانزياح كتقنية أسلوبية، تُخرج اللغة من مألوفها التداولي إلى أفق رمزي جمالي روحي، ترتبط فيه الإيحاءات بالحالة النفسية والوجودية للشخصيات. هذا الانزياح ليس مجرد تقنية لغوية، بل هو رؤية دلالية تسهم في تعميق المعنى وتوسيع أفق التأويل.
3. اللغة النسوية: مؤشرات لاكوف
تُظهر دراسة أكاديمية نُشرت في مجلة "دراسات: العلوم الإنسانية والاجتماعية" أن لغة الرواية تحمل مؤشرات جنسوية واضحة وفق منهج روبن لاكوف، تشمل: استخدام القيود التشكيكية، والألفاظ المؤدبة، والقيود المشددة، والألفاظ الدالة على قوة المشاعر، والصفات الفارغة، والإحالة المباشرة، واختيار الألفاظ الخاصة بعالم المرأة، والطلب غير المباشر. هذه المؤشرات لا تقتصر على الشخصيات النسائية، بل تمتد إلى اللغة السردية نفسها، مما يجعل الرواية نصاً نسوياً بامتياز.
---
خامساً: التجريب الروائي: تهشيم العمود السردي
1. الانفتاح على الفنون
تُظهر دراسة بعنوان "التطورات السردية والمتغيرات في الرواية العربية" أن "أعشقني" تمثل نموذجاً للتجديد والتمرد على سلطة النموذج الروائي التقليدي. وقد عمدت الرواية إلى تهشيم العمود السردي، والانفتاح على الفنون، وتعالق الأزمنة والأمكنة. هذا التجريب ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتفكيك البنى التقليدية التي تكرس سلطة النموذج الواحد.
2. الحجاجية: التخييل كفعل تغيير
تقدم دراسة "حجاجية التخييل في الخطاب الروائي العربي" مقاربة تداولية للرواية، وتخلص إلى أنها "تنشد تغيير الذهنيات"، وأنها "انبنت على منظومة حجاجية تخاطب العقل حينا والوجدان أحيانا"، بأسلوب "يحطم تقاليد الحكي في الكتابة السردية العربية". هذا الحجاج لا يقتصر على الأفكار، بل يمتد إلى اللغة والبناء، مما يجعل الرواية فعلاً ثقافياً، وليس مجرد نص أدبي.
---
خاتمة: الجسد الذي يعبر.. الهوية التي تُعاد
في نهاية هذه القراءة، يمكن القول إن "أعشقني" ليست رواية عن الخيال العلمي، بل رواية عن الهوية والجسد. إنها نص يطرح أسئلة جذرية: ما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟ هل هو الجسد، أم العقل، أم الحب؟ وهل يمكن للهوية أن تعبر من جسد إلى آخر، من جنس إلى آخر، من زمن إلى آخر، دون أن تفقد جوهرها؟
تقدم الشعلان، عبر هذه الرواية، مشروعاً سردياً جسوراً، لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يعيد تشكيله. إنها تستخدم الخيال العلمي كأداة لتفكيك المسلمات، وتستخدم الجسد كموقع لصراع الهويات، وتستخدم الحب كقوة لمقاومة الرقمنة والموت.
والسؤال الذي يبقى: إذا كان الحب هو البعد الخامس، فما هي الأبعاد الأخرى؟
الجواب: الطول والعرض والارتفاع والزمان.. وكلها بلا معنى دون البعد الخامس.
---
المصادر والمراجع
أولاً: النص الأساسي
1. الشعلان، سناء. أعشقني. مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمّان، 2012 (الطبعة الأولى، 234 صفحة، 8 فصول).
2. الترجمة الفرنسية: Je m adore، ترجمة Mohamed Tahiri، دار Harmattan، 2021، 25 يورو.
3. الطبعة الأوردية: مجھے پیار کرو (Mujhe Pyar Karo)، مركز التنور الثقافي الفنلندي العربي، 2024.
ثانياً: الدراسات الأكاديمية
4. غزلان، آمال. "التطورات السردية والمتغيرات في الرواية العربية: رواية أعشقني لسناء شعلان أنموذجا". مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، الجزائر، 2023، 17 صفحة.
5. بوزوادة، حبيب. "حجاجية التخييل في الخطاب الروائي العربي: مقاربة تداولية لرواية (أعشقني) لسناء شعلان". مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، المجلد 12، العدد 3، 2020، صص 23-47.
6. بن لقريشي، عمار. "المساحة الحرة للجنس في رواية الخيال العلمي العربية: رواية أعشقني". جامعة المسيلة، الجزائر.
7. بنية الشخصية في رواية "أعشقني" لسناء شعلان. رسالة ماجستير، جامعة محمد بوضياف المسيلة، الجزائر، 2023.
8. عجائبية الجسد السردية في رواية أعشقني لسناء شعلان. جامعة سوق أهراس، الجزائر.
9. يوسف آبادي، عبدالباسط؛ يوسف آبادي، فائزة؛ عبدالله زاده، فؤاد. "Investigating the Feminine Language Features in the Novels Adore Me and My Bird Based on Robin Lakoff s Model". -dir-asat: Human and Social Sciences، المجلد 52، العدد 3، 2025.
ثالثاً: القراءات والدراسات النقدية
10. ضمرة، نازك. "قراءة في رواية (أعشقني) لسناء شعلان". الموقف الأدبي، المجلد 44، العدد 528، 2015، صص 159-164.
11. مداس، عبد الحكيم. "اللّغة في بعدها الجماليّ والدّلاليّ في رواية أعشقني للدّكتورة سناء الشّعلان". مجلة الواحة العمانية، 22 ديسمبر 2025.
12. الغماز، سيف الدين. "Violence against Women in Selected Works of Sanaa Shalan". مؤتمر طلاب الدراسات العليا الشباب الحادي عشر، جامعة ماليزيا الوطنية (UKM)، 2017.
13. قراءة انطباعية في رواية (أعشقُني) للدكتورة سناء الشعلان. صحيفة عمون، 21 يونيو 2014.
رابعاً: مصادر إخبارية
14. "رواية أعشقني للأردنية سناء الشعلان تفوز بجائزة دبي للإبداع". وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 20 سبتمبر 2011.
15. "صدور رواية أعشقني لسناء الشعلان". البيان الإماراتية، 24 يوليو 2012.
16. "أعشقني". الجريدة الكويتية، 12 سبتمبر 2012.
17. "الروائية سناء الشعلان تصدر أعشقني". الدستور الأردنية.
خامساً: الترجمات
18. Shalan, Sanaa. Melodies of the Palestinian (الترجمة الإنجليزية لـ "تقاسيم الفلسطيني")، ترجمة د. شهيرة زرناجي، 2024.
19. Shalan, Sanaa. Je m adore (الترجمة الفرنسية لـ "أعشقني")، ترجمة Mohamed Tahiri، دار Harmattan، 2021.
#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟