أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية















المزيد.....

الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 13:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شَكّل المهلةُ والتحديد الأمريكي الأخير القاضي بإلزام الأحزاب الكردية بتوحيد قوات البيشمركة بمثابة "إنعاش أخير" ومحاولة صريحة لإنقاذ ما تبقى من أوراق القوة في أيدي الكرد أمام التحولات السياسية والعسكرية العاصفة التي تشهدها المنطقة. ومع ذلك، فإن التطورات المتسارعة في إقليم كردستان العراق، وما يرافقها من إعادة رسم جيوستراتيجي للشرق الأوسط، تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الإقليم وكيانه الدستوري؛ حيث تقف التجربة الكردية اليوم أمام امتحان تاريخي غير مسبوق لا يعود فقط للضغوط والأطماع الإقليمية، بل بالنطاق الأكبر لبنية الحكم الداخلي والسياسات الضيقة التي مارستها القوى الحزبية النافذة على مدار العقود الماضية.
من نضال التحرر إلى "خصخصة السلطة" والتوريث العائلي
عقب انتفاضة عام 1991 والتطورات التي تلتها وصولاً إلى تثبيت الفيدرالية في دستور 2005، حظي الإقليم بفرص استراتيجية نادرة لبناء نموذج متقدم للحكم الرشيد والمؤسسات الوطنية الجامعة. إلا أن المشهد سرعان ما انحرف نحو تقاسم النفوذ وتكريس سياسة "الإدارتين". لقد تحولت القوى السياسية التقليدية من أحزاب تحمل تطلعات شعب مظلوم يصبو للحرية والكرامة، إلى كيانات أشبه بـ "الشركات الخاصة" التي تُدار بمفهوم المحاصصة الصريحة والصراع العائلي المحموم داخل الحزبين الرئيسيين على احتكار السلطة والمال. صِراعاتُ العوائل النافذة وتوزيع المناصب والامتيازات على المقربين وشبكات الولاء الضيقة أدت إلى إهمال متزايد للمصلحة القومية العليا والحرص على الحقوق المعيشية والخدمية للمواطنين.
هذا المنهج أدى إلى تجريف مفهوم "الأمن القومي الكردي" لصالح أمن الحزب والعائلة والمنطقة المحدودة، واستُنزِفت أوراق القوة في صراعات بينية على عائدات النفط والمعابر الحدودية والموارد الاقتصادية، مما أفقَد النخبة الحاكمة شرعيتها الشعبية وأحدث فجوة عميقة بين المواطن والسلطة.
اختراق المشهد وبروز كيانات غامضة
هذا التآكل في ثقة الشارع بالنخب التقليدية أوجد فراغاً سياسياً خطيراً مَهّد لظهور حركات وأحزاب جديدة وغامضة على الساحة الكردية، تتلفح بشعارات المعارضة بينما تحوم الشكوك حول مصادر تمويلها وأهدافها الحقيقية. ويبرز حراك مثل "الجيل الجديد" كنموذج لهذه الكيانات التي باتت تُمارس أدواراً تُضعف الموقف الكردي؛ حيث لم تتردد في التحالف والتنسيق مع ألدّ أعداء الإقليم في بغداد من القوى والأحزاب المتشددة التي تعمل ليل نهار على تقويض الكيان الكردي وإلغاء وجوده الدستوري.
إن ارتماء هذه القوى الطارئة في أحضان أطراف بغداد المناهضة للحقوق الكردية، تحت ذريعة الاستقواء على الأحزاب الحاكمة، يمثل طعنة في ظهر التطلعات القومية والأمن القومي الكردي، ويُسهم في إفراغ القضية الكردية من بعدها التحرري والوطني لصالح أجندات تهدف لتفكيك الإقليم من الداخل.
تقاطع المصالح وبروز تحالفات الضرورة الانتهازية
تتجلى حالة غياب الفكر القومي والاستراتيجي لدى قيادات الأحزاب بأوضح صورها في التفاهمات الأخيرة بين الاتحاد الوطني وحراك "الجيل الجديد" بهدف إزاحة الحزب الديمقراطي الكردستاني من معادلة التشكيل الحكومي. إن هذا التقارب التكتيكي—الذي جاء أعقاب الإفراج عن رئيس الحراك المسجون في إطار تسوية وسياسة صفقات ملتبسة—يُقدم دليلاً قاطعاً على أن المحرك الأساسي لهذه القوى ليس بناء مشروع وطني جامع أو الدفاع عن الحقوق التاريخية للشعب الكردي، بل هو الوصول إلى السلطة واحتكار الامتيازات المالية والمناصب بأي ثمن.
هذا التحالف المصلحي بين حزب تقليدي ينتمي لمنظومة الحكم السابقة وكيان طارئ يدّعي المعارضة بينما يقيم حلفاً وثيقاً مع أطراف بغداد المتشددة المناهضة للكيان الكردي، يُثبت للمواطن الكردي وللمجتمع الدولي أن الخلافات الحزبية أصبحت تُدار بمنطق "أنا ومن بعدي الطوفان"، حيث تُضحّى بالحقوق القومية والمكتسبات الدستورية للإقليم على مذبح المناكفات الشخصية والسياسية الضيقة.
وهم الرهان على "الحليف الدولي"
على المستوى الدولي، أثبتت التجربة أن الاعتماد الصرف على المظلة الأمريكية أو الغربية ينم عن عدم فهم عميق للديناميكيات الجيوستراتيجية. فالدعم العسكري والأمني الذي قدمه التحالف الدولي لقوات البيشمركة خلال الحرب ضد تنظيم "داعش" لم يكن عقد شراكة استراتيجية دائمية أو مظلة حماية سياسية مطلقة لبناء كيان مستقل، بل كان تحالفاً وظيفياً فرضته المصلحة الأمنية المؤقتة لدحر الإرهاب.
ومع تغيّر الأولويات الأمريكية، واتباع واشنطن سياسة براغماتية تقوم على تقليص الالتزامات العسكرية المباشرة والتعامل مع الملفات عبر العاصمة المركزية بغداد، وجد الإقليم نفسه أعزل استراتيجياً. إن عجز الأحزاب عن توحيد قوات البيشمركة وضمان استقلالية المؤسسة الأمنية بوزارة موحدة وخالية من الولاءات الحزبية والعائلية (الوحدة 70 والوحدة 80)، جعل عواصم القرار الدولي تنظر إلى الإقليم كملف هش يولد الأزمات باستمرار، بدلاً من التعاطي معه كشريك مؤسسي موثوق.
إعادة رسم الخريطة الإقليمية والتطويق السياسي
تأتي هذه الهشاشة الداخلية في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى: بدءاً من الانسحاب والتراجع التدريجي للتواجد العسكري الأمريكي، مروراً بالمتغيرات الميدانية في سوريا، وصولاً إلى ظهور تكتلات وتحالفات أمنية جديدة بين القوى الإقليمية المركزية. وفي ظل غياب الرؤية الكردية الموحدة، تستغل الدول المجاورة والقوى المتشددة في بغداد الاتفاقات الأمنية وبنود "ضبط الحدود" لتطويق الإقليم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
إن الخطورة لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في انزلاق القوى الحزبية والعائلية نحو تقديم تنازلات أمنية منفردة لتلك الدول ولأطراف بغداد ضماناً لبقائها في السلطة ومسك زمام مناطق نفوذها. هذا السلوك يهدد بتحويل الإقليم من كيان دستوري صاحب قرار سيادي، إلى مجرد مقاطعات نفوذ مقسمة تستخدمها القوى الإقليمية كأوراق مساومة في صراعاتها المستقبلية، مما يمهد لاقتتال وتجاذب داخلي أوسع يعيد التجربة عقوداً إلى الوراء.
المسؤولية التاريخية عن المستقبل
إن التهديدات والمخاطر الوجودية التي تحيط بالإقليم اليوم لا يمكن إغفال أسبابها الذاتية. فالأخطار التكتيكية والإقليمية يمكن الصمود أمامها وإفشالها عندما تكون الجبهة الداخلية متماسكة والمؤسسات الوطنية قائمة على قواعد الشفافية ودولة القانون.
تتحمل القيادات والأحزاب الحاكمة، ومعها التحالفات الطارئة والمشبوهة التي تساوم على حقوق الشعب، المسؤولية الأولى والأخيرة عن تراجع المشروع القومي وتشتيت أوراق قوته. لقد فضلت المصالح العائلية والامتيازات الحزبية الضيقة على بناء وطن ومؤسسات جامعة تحمي مستقبل الإقليم وشعبه. وإن العودة إلى الجذور—عبر فصل الأحزاب والعوائل عن إدارة موارد الإقليم، وتوحيد السلاح تحت مظلة وطنية، والوقوف بحزم ضد المحاولات الخارجية والداخلية لتفتيت الصف الكردي—هي السبيل الوحيد المتبقي لتفادي السيناريوهات الأكثر قسوة، وللحفاظ على ما تبقى من مكتسبات تاريخية تعمدت بدماء وشواهد نضال الشعب الكردي.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمازيغ والشعوب المغلوبة وحقيقة الحضارة: قراءة نقدية في الق ...
- بغداد والمحكمة الاتحادية: لعبة سياسية أم خنجر مسموم في ظهر ك ...
- الاستفتاء للدولة الكردية: عندما غلّبت المصالح الشخصية على ال ...
- حلف مكة الدفاعي: هندسة الجيوسياسة الإقليمية في زمن ما بعد ال ...
- من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقاد ...
- كيف تحول حلم الدولة الكردية إلى رهينة للسلطة والمصلحة الحزبي ...
- كردستان أمام عاصفة الانسحاب الأمريكي


المزيد.....




- مسؤولون أمريكيون بزيارة نادرة إلى ميانمار للإفراج عن جندي سا ...
- وزير الدفاع الإيطالي: تضرر إحدى طائراتنا بهجوم على قاعدة في ...
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين في دونيتسك والحصيلة الأسبوعية ل ...
- ميدان سباق الخيل في موسكو يفتتح أبوابه بعد ترميم شامل
- انطلاق انتخابات مجلس الدوما الروسي في طرابلس (صور)
- ميرتس: حقبة الصداقة غير المشروطة بين واشنطن وبروكسل انتهت
- باب المندب: كيف وصل الحوثيون إلى مكمن الضعف الاستراتيجي للسع ...
- التصعيد يتسع بالمنطقة.. باكستان تطالب إيران بـ-كبح- الحوثيين ...
- روبيو يفاجئ الجمهوريين بشأن انتخابات 2028.. هل يبتعد عن السب ...
- -تفسير سطحي ومتطرف-.. هرتسوغ: الصراع بين إسرائيل والعرب يتجا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية