قاسم مرزا الجندي
(Qasim Algindy)
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 00:18
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة
تتميز العقيدة الإيزيدية بموقف فلسفي خاص من إشكالية الخير والشر، إذ ترفض الثنائية المانوية التي تفترض وجود إلهين متصارعين، كما ترفض التصور الإبراهيمي الذي يجعل الشر قوة خارجية متمردة على الإرادة الإلهية. ففي المنظور الإيزيدي، يشكل الخير والشر قوتين متجذرتين في النفس البشرية ذاتها، ومصدرهما واحد وهو الخالق الأعظم (خودا / ئێزدان) الذي خلق الكون من التناقضات في وحدة متكاملة وتآلف بين الأضداد، كالخير والشر، والنور والظلام.
ينتج عن هذا التصور الفلسفي مفهوم خاص للعقاب الإلهي، فليس العقاب خارجياً كما في الأسطورة الإبراهيمية التي تصوّر الجحيم مكاناً للعذاب الجسدي، بل هو عذاب داخلي ناتج عن اختلال التوازن الروحي مع المادة في نفس الإنسان. وتُفسَّر الأمراض الجسدية والنفسية وغيرها من الأحداث والمشاكل في هذا السياق بوصفها انعكاساً لفساد الروح نتيجة الأفعال الشريرة، إذ تُعتبر نتيجة لعقاب الإنسان من قبل روحه بسبب سوء أعماله.
يُجسّد العقل في الفلسفة الإيزيدية رمزاً للخير، بينما ترمز النفس إلى الشر، وكلاهما في صراع مستمر حول الرغبات وتحقيقها. ويعتبر الإنسان حراً في الاختيار بين الخير والشر إلى حد ما، غير أن هناك دائماً أموراً خارجة عن سيطرة الإرادة الإنسانية قد تجبره على السير في أحد هذين الاتجاهين. وتؤكد النصوص الدينية أن الخير والشر يتواجدان في نفس الإنسان، وهي التي تحدد القدرة على السيطرة على الأهواء والغرائز باتجاه الخير بمساعدة قدرات الروح التي تستمد قدرتها من قدرة الخالق. وفيما يلي أهم الأسس الفلسفية لمفهوم الخير والشر:
وحدة الوجود وتكامل الأضداد
يتميز المنظور الإيزيدي برؤية فلسفية عميقة تتجاوز الثنائيات التقليدية، حيث لا يُنظر إلى الخير والشر كقوتين متناحرتين في الكون، بل كتجليات متكاملة لإرادة إلهية واحدة. فالإله الأعظم (خودا) خلق الكون بجميع تناقضاته في إطار وحدة شاملة، حيث تكتمل الصورة الإلهية بالأضداد المتآلفة، وهذا التصور يتجاوز فكرة :
الثنائية المانوية التي تفترض وجود إله للخير وآخر للشر في صراع أبدي.
وكذلك التصور الإبراهيمي التقليدي الذي يجعل الشر قوة خارجية متمردة على الإرادة الإلهية.
أما في الفلسفة الإيزيدية، فإن ميدان الصراع بين الخير والشر هو النفس البشرية، حيث تتجذر قوتا الخير والشر في أعماق النفس البشرية ذاتها، حيث يمثل:
العقل رمز الخير ومنبع الحكمة والترقي الروحي.
النفس رمز الشر وموطن الأهواء والغرائز المادية.
وهذا الصراع الداخلي المستمر هو جوهر التجربة الإنسانية، حيث تكمن حرية الإنسان في قدرته على الاختيار بين هاتين القوتين.
مفهوم العقاب الإلهي الداخلي
يقدم الفكر الإيزيدي تصوراً فريداً للعقاب الإلهي، حيث لا يكون العقاب خارجياً يُفرض من سلطة عليا، بل هو عذاب داخلي ناتج عن اختلال التوازن الروحي.
وهناك انعكاس طبيعي للأفعال الشريرة على صحة الإنسان النفسية والجسدية، وعلى المشاكل والأحداث التي يلاقيها الإنسان في حياته. هذه الانعكاسات تصدر من روح الإنسان نفسه لعدم وجود توازن بين الروح والمادة، وهناك استثناءات لكل قاعدة، لأنه في كل حالة هناك أمور خفية ربما غيبية غير معروفة لدى الإنسان.
أي أن هناك عقاب ذاتي تمارسه الروح على نفسها نتيجة انحرافها عن مسار الخير، أو التوازن بين النفس والعقل. فالأمراض والآلام ليست عقوبات إلهية مفروضة من الخارج، بل هي تجليات لفساد الروح وابتعادها عن التوازن الأصلي. ونستطيع أن نقول إنها عقوبات في القانون الإلهي من الروح.
حرية الإرادة والقدر
يعترف الفكر الإيزيدي بحرية الإنسان في الاختيار، لكنه يقر في الوقت نفسه بوجود قوى خارجة عن سيطرة الإرادة الإنسانية. فالإنسان حر في اختياراته الأخلاقية، لكن هذه الحرية ليست مطلقة، بل محاطة بظروف وقوى قد تدفعه في اتجاه أو آخر.
حرية الإرادة والقدر في الفكر الإيزيدي يحتلّ موقعًا محوريًا في فهم العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين إرادة الإنسان الحرة والقوى الغيبية التي تحيط به. ويقوم الموقف الإيزيدي من هذه المسألة على توازن دقيق لا يقع في التطرف الذي ينكر حرية الإنسان إنكارًا كاملًا، ولا في الإطلاق الذي يجعل الإرادة الإنسانية مطلقة بلا حدود.
يعترف الفكر الإيزيدي بحرية الإنسان في الاختيار، ويرى أن الإنسان كائن عاقل ومكلّف، يمتلك القدرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى اتخاذ القرارات الأخلاقية بنفسه. وهذه الحرية ليست وهماً أو مجرد شعور زائف، بل هي حقيقة أصيلة في تكوين الإنسان، وهي الأساس الذي يقوم عليه التكليف الأخلاقي والمسؤولية. فلو لم يكن الإنسان حراً في اختياراته، لسقط عنه اللوم والعتاب، ولما كان للثواب والعقاب معنى.
ومن جهة أخرى، يقرّ الفكر الإيزيدي في الوقت نفسه بوجود قوى خارجة عن سيطرة الإرادة الإنسانية، سواء كانت هذه القوى طبيعية أو غيبية أو اجتماعية. فالإنسان على الرغم من حريته، يتحرك في عالم تحكمه سنن وقوانين وقوى لا يستطيع التحكم فيها بالكامل. وهذا الاعتراف لا ينفي الحرية، بل يضعها في سياقها الصحيح، ويجنّب الإنسان الغرور الذي قد يجعله يظن أنه مطلق التصرف في الكون.
وهكذا، فإن الحرية في الفكر الإيزيدي ليست مطلقة، بل هي حرية مقيّدة بظروف وقوى قد تدفعه في اتجاه أو آخر. فالإنسان حر في اختياراته الأخلاقية، لكنه في الوقت نفسه ابن بيئته وظروفه وتاريخه، ويتأثر بعوامل كثيرة قد تيسّر له طريقاً وتغلق أمامه آخر. وهذا الفهم يحفظ للإنسان كرامته ومسؤوليته، ويحفظ للقوى الغيبية قدرها وهيمنتها، فيتوازن بذلك الإقرار بالحرية مع الإقرار بالقدر، ويبقى الإنسان مسؤولاً عن اختياراته ضمن الحدود التي أُتيحت له.
فلسفة التناسخ (كراس كهورين) الايزيدية
يعتقد الإيزيديون أن روح الإنسان تنبع من (بذرة إلهية). وهذا التعبير يضع وجود الروح في موقع يسبق العالم المادي ويتجاوزه، فهي ليست نتاجًا تابعًا للجسد، بل طاقة مقدسة مُودَعة داخل الجسد. فالجسد مكوّن من مادة (تراب، ماء، هواء)، وبعد الموت تعود إلى الدورة الطبيعية؛ أما الروح فهي "نور" أو طاقة لا تفنى ولا تُستحدث، وهي إشارة إلى دقة المنطق الجوهري للاعتقاد الإيزيدي في أبدية الروح.
يعتبر التناسخ من المبادئ الراسخة في المعتقد الإيزيدي، ويقوم على الأصل الإلهي للروح، إذ تنبع الروح من بذرة إلهية.
التجسد المادي: دخول الروح في جسد مادي كمرحلة ضرورية لدورة التطور، في انتقال الروح بعد الموت إلى عالم الأرواح ثم العودة في ولادة جديدة.
تمثل التناسخ "كراس كهورين" مراحل للترقية الروح، حيث تشكل كل مرحلة درجة من الكمال تتقدم فيها الروح في مسيرتها نحو التكامل وفرصة للتعلم. تتيح للروح اكتساب خبرات جديدة للتطهير التدريجي من الشوائب المادية والارتباطات الدنيوية.
لا يمكن اختزال "كراس كهورين" الإيزيدي في حديث عام عن "خلود الروح" أو "تناسخ الأرواح". فهو منظومة عقائدية ثلاثية البنية:
1ـ المستوى اللاهوتي يعتبر الروح منبثقة من بذرة مقدسة، ولها إمكانية إلهية كامنة، ولا تفنى بفناء الجسد.
2 ـ المستوى الأخلاقي يعتبر التناسخ آلية لتجسيد النتائج الأخلاقية. فالسلوك يحدد المسار الروحي، والشكل الجسدي هو تعبير خارجي عن حالة الروح.
3 ـ المستوى الغائي يعني الغاية وثبوت الدليل الالهي، في نهاية التناسخ ليست دورانًا أبديًا، بل تطهيرًا نهائيًا للروح، أي عودةً الروح إلى الأصل نحو الملكوت الالهي.
ويكمن مفتاح فهم هذه العقيدة الايزيدية في إدراك تعريفها الجذري للحياة: فالحياة الجسدية ليست الوجود الحقيقي للروح، بل هي مرحلة مؤقتًة في التناسخ وليست معاناة متكررة للروح، بل هو تطور تدريجي نحو الملكوت الإلهي.
العلاقة بين التناسخ والخير والشر
يرتبط التناسخ ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الخير والشر، حيث الأفعال تحدد المسار، ونتائج أفعال الإنسان في حياته تحدد طبيعة تناسخه القادم. كل حياة تمثل فرصة لتطهير الروح من الشر والانحراف التدريجي في التوازن الكوني، حيث يعيد التناسخ التوازن الذي أخلته الأفعال الشريرة.
تكشف فلسفة التناسخ في الديانة الإيزيدية عن تصور عميق للحكمة الإلهية في التناسخ، حيث العدالة الإلهية تتحقق من خلال دورات متعددة من الحياة، وكذلك الرحمة الإلهية تتجلى في منح الروح فرصاً متكررة للتطور في الكمال التدريجي لتصل الروح إلى الكمال عبر مراحل متعددة تنتهي في الملكوت الإلهي.
يقدم المنظور الإيزيدي رؤية متكاملة للوجود الإنساني، حيث لا تنفصل الروح عن الجسد، فهما مترابطان في مسيرة التطور الإنساني في الكون، فكل روح جزء من النظام الكوني الشامل بين الروح والمادة، فالحياة المادية هي ميدان للتطور الروحي.
يؤكد الفكر الإيزيدي على المسؤولية الفردية الكاملة، حيث إن الإنسان مسؤول عن اختياراته وأفعاله في كل حياة، والنتائج حتمية تترتب على الأفعال بشكل طبيعي. والتغيير ممكن عبر الاختيار الواعي للخير في كل لحظة.
على الرغم من وجود الشر، يتبنى الفكر الإيزيدي نظرة تفاؤلية للكون، حيث الشر مؤقت بينما الخير هو الجوهر الأصلي للوجود، والروح في مسيرة تطورية نحو الكمال في الملكوت الإلهي، إذ تصل الأرواح في النهاية إلى النور الإلهي بحسب أعمالها عبر مراحل التناسخ.
الخاتمة
يمثل المنظور الإيزيدي للخير والشر والتناسخ رؤية فلسفية متكاملة تتجاوز الثنائيات التقليدية وتقدم فهماً عميقاً للوجود الإنساني. فمن خلال فهم الخير والشر كقوتين متكاملتين في النفس البشرية، والتناسخ كمسار للتطور الروحي، يقدم هذا الفكر إجابة شاملة عن أسئلة الوجود والمعاناة والتطور الروحي، مما يجعله جديراً بالدراسة والفهم العميق في سياق الفلسفات الدينية المقارنة.
ويكمن مفتاح فهم العقيدة الإيزيدية في إدراك تعريفها الجذري للحياة، فالحياة الجسدية ليست الوجود الحقيقي للروح، بل هي مرحلة او مراحل مؤقتًة ينبغي أن يجتازها الروح رغم معناتها في التناسخ، وهي ليست معاناة متكررة للروح، بل هو تطور وترقية تدريجية للروح نحو الخلود في الملكوت الإلهي.
المصادر :
1 ـ جةند تكستين بيروز يين ئؤلا ئيزديان / النصوص الدينية الايزيدية / الجزء الاول والثاني -------------------- جمع واعداد/ شمو قاسم الدناني
2 ـ كتاب/ الرؤية الكونية والوجودية في الفلسفة الايزيدية ----------- تأليف / قاسم مرزا الجندي
#قاسم_مرزا_الجندي (هاشتاغ)
Qasim_Algindy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟