سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 18:48
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
جيف هالبر عالم انثروبولجيا في إسرائيل عمل في السايق رئيس منظمة مقاومة هدم بيوت الفلسطينيين. في بحثه الكاشف لمساعي اسرائيل جر الأنظمة العربية الى موقف الحياد السلبي حيال عدوانها على الشعب الفلسطيني تتجلى إشكالية المقاومة الفلسطينية. في ما يلي القسم الأول من البحث الهام .
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
“الرئيس ترامب وأنا غالبًا ما نقول: السلام من خلال القوة – تأتي القوة أولاً ثم يأتي السلام.”
– رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، 22/06/2025
الاستعمار الاستيطاني ظاهرة شائعة إلى حد ما، سواء في العصور القديمة أو الحديثة، كما يشهد التاريخ الحزين للشعب الأصلي في فلسطين. أول غزو استيطاني إسرائيلي لأرضهم حدث منذ حوالي 3500 عام. “عندما تعبرون الأردن إلى أرض كنعان”، يأمر الله موسى بأن يوجه شعب إسرائيل، “ستطردون جميع سكان الأرض من أمامكم…؛ ستسلبون سكان الأرض وتستقرون فيها، لأني قد أعطيتكم الأرض لتملكوا” (أعداد 33:50-53). أحدث غزو، كما قد يزعم الصهاينة بأن نفس الناس “عادوا إلى وطنهم”، بدأ في مطلع القرن العشرين وما زال مستمراً.
ومع ذلك، فإن الاستعمار الاستيطاني ليس مشروعًا يسهل مواصلته، تبريره او الحفاظ عليه، ناهيك عن إحالته أمرا عاديا على الدوام؛ السكان الأصليون دائمًا يقاومون استعمارهم ومحوهم ماديا وثقافيا. شارك الإسرائيليون القدامى والصهاينة المعاصرون هدفًا مشتركًا: تحويل فلسطين الكنعانية/العربية إلى أرض إسرائيل اليهودية. كلاهما غزا واستوطن فلسطين، وكل منهما أنشأ حكومة بمستوى الدولة. لكن كل منهما واجه أيضًا مقاومة طويلة من السكان المحليين ولم ينجح أبدًا في القضاء عليهم تمامًا. استمر حكم الإسرائيليين/اليهود في فلسطين حوالي 450 سنة فقط من أصل حوالي 5000 سنة منذ ظهور الحضارة الكنعانية. صحيح أن الانتشار في عالم الغرب وبلاد المسيحية الأوسع للرواية التوراتية بان الله "منح " أرض إسرائيل لإبراهيم يجعل مطالبة اليهود الصهاينة عقلانية إن لم تكن بدهية، وهذا أثبت أنه ينطوي على فائدة عظيمة في الترويج للاستعمار الصهيوني. لكن الهدف النهائي للصهيونية، "إقامة مجتمع في فلسطين بحيث تكون فلسطين يهودية كما إنجلترا إنجليزية، كما ابلغ حاييم وايزمن لمؤتمر فرسايل عام 1919 قد ثبت انه صعب التحقق.
وهذه هي المشكلة التي تشغل إسرائيل اليوم. لقد حقق الصهيونيون هدفهم الوطني: إقامة دولة يهودية في فلسطين خالية من العرب. ومع ذلك، فشلوا في جعل الإنجاز طبيعيا مقبولا، وجعل الدولة اليهودية في إسرائيل “يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية” حسب كلمات حاييم وايزمان، بحيث يغلقون الطريق على نضال التحرير الفلسطيني ويضمنون المشروعية للدولة، إقليمياً ودولياً. كان لدى السلطات الإسرائيلية ثلاث فرص للقيام بذلك. أولاً، من خلال الاستفادة من اتصالاتهم السرية مع المصريين في منتصف عقد الخمسينيات، بما في ذلك اتفاق جمال عبد الناصر في 1954 على إجراء محادثات رفيعة المستوى، وربما اجتماع وجهًا لوجه مع رئيس وزراء إسرائيل موشيه شاريت، الذي ألغاه شاريت[آفي شلايم: الجدار الحديدي- إسرائيل والعالم العربي ، نورتون2001، ص128-129]. ثانيًا، خلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وعملية أوسلو للسلام، وكلتاهما سبقهما قبول منظمة التحرير الفلسطينية لحل الدولتين واعترافها بـ “حق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمان. وهذه هي المشكلة التي تشغل إسرائيل اليوم.
الاستعمار الاستيطاني ظاهرة شائعة إلى حد ما، سواء في العصور القديمة أو الحديثة، كما يشهد التاريخ الحزين للشعب الأصلي في فلسطين. أول غزو استيطاني إسرائيلي لأرضهم حدث منذ حوالي 3500 عام. “عندما تعبرون الأردن إلى أرض كنعان”، يأمر الله موسى بأن يوجه شعب إسرائيل، “ستطردون جميع سكان الأرض من أمامكم…؛ ستسلبون سكان الأرض وتستقرون فيها، لأني قد أعطيتكم الأرض لتملكوا” (أعداد 33:50-53). أحدث غزو، كما قد يزعم الصهاينة بأن نفس الناس “عادوا إلى وطنهم”، بدأ في مطلع القرن العشرين وما زال مستمراً.
حققت الصهيونية هدفها الوطني: إقامة دولة يهودية في فلسطين خالية من العرب. ومع ذلك، فشلت في تطبيع هذا الإنجاز، وجعل الدولة اليهودية في إسرائيل “يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية” حسب كلمات حاييم وايزمان، مما أغلق الباب أمام نضال التحرير الفلسطيني وضمان مكانتها كدولة شرعية، إقليمياً ودولياً؛ منذ عام 1967فصاعدا، ولكن بشكل خاص خلال عملية أوسلو عندما كان من الممكن للدولة "اليهودية" إسرائيل أن تنال اعترافًا عالميًا مقابل دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة وعودة عدد محدود من اللاجئين بموافقة متبادلة – وهو عرض تكرر في مبادرة السلام العربية لعام 2002 والتي لم تعرها حكومة شارون أدنى اعتبار للرد عليها، الفرصة الضائعة الثالثة – أصبح واضحًا أن المشروع الصهيوني يحتاج إلى كل فلسطين التاريخية. مسألة كيفية تطبيع "إسرائيل الكبرى" تحصل على نفس الإجابة مثل الجهود لتطبيع إسرائيل قبل 1967 أو تطبيع استعمار الصهيونية قبل الدولة نفسها: "التطبيع من خلال القوة" جنبًا إلى جنب مع سياسة أمنية تعتمد على "خدمة قوى الهيمنة". بالنسبة للفلسطينيين، إقامة "جدار حديدي" كما وصفه زئيف جابوتينسكي في مقالته الأساسية عام 1923. ومع تطور المفهوم حتى اليوم، تقول العقيدة أن الجدار الحديدي يتألف من عناصر سياسية وعسكرية واقتصادية وسوف ترهق الفلسطينيين الى حد اليأس من فكرة فلسطين عربية ويرغمهم علىى التسليم. أما العالم العربي، فقد دفع الجدار الحديدي إسرائيل إلى دور المهيمن العسكري في المنطقة، مما ترك الدول العربية بلا خيار سوى تطبيع العلاقات، بشكل غير رسمي إن لم يكن رسميًا.
تتناول هذه الورقة سياسة الأمن الإسرائيلي ولكن بأجندة: ليس فقط لتقييم فعاليتها على مر الزمن، وحدودها وربما، منذ غزو لبنان عام 1982، مدى عدم إنتاجيتها، بل للسؤال عما إذا كان اعتماد إسرائيل على القوة العسكرية الصلبة يفتح فرصًا للفلسطينيين للمقاومة وفي النهاية التغلب على الاستيطان الصهيوني. أدت الأحداث الأخيرة، مع التطورات الجيوسياسية طويلة المدى وإعادة الترتيبات السياسية والاقتصادية الناشئة في المنطقة، إلى ظروف قد تكون أكثر ملاءمة لكفاحهم، إذا تم استغلالها استراتيجيًا.
سياسة الأمن الإسرائيلية: «خدمة قوى الهيمنة»
كل حركة استعمار استيطاني تحتاج إلى راعٍ من القوى المهيمنة، خاصة وأنها تواجه بلا شك مقاومة محلية وأحيانًا إقليمية قوية. جاء المقر الأولي للصهيونيين من المجتمع اليهودي المنظم في غرب ووسط أوروبا؛ تأسست المنظمة الصهيونية العالمية (WZO) في بازل عام 1897 كأداة سياسية ودبلوماسية لاستعمار فلسطين. ونظرًا لأنها لم تكن جهة حكومية، كان عليها أن تؤسس مؤسساتها الخاصة لتمويل شراء الأراضي والاستيطان، وكذلك حكومة وظيفية، وهي الوكالة اليهودية، التي كلفاها عصبة الأمم بموجب الانتداب في عام 1922 "لتأمين تعاون جميع اليهود الراغبين في المساعدة في إقامة الوطن الوطني اليهودي." لم تضيع المنظمة السهيونية WZO وقتًا في تقديم خدماتها لقوى الهيمنة التي يمكنها دفع المشروع الصهيوني قدمًا. بالفعل أيد المؤتمر الصهيونية الثاني عام 1898 الجهود الدبلوماسية للحصول على ميثاق من الإمبراطورية العثمانية للاستيطان اليهودي في الأرض المقدسة مقابل شطب الكثير من ديون الإمبراطورية المتعاظمة، بينما فشلت هذا المحاولة الأولى، التي خدمت القوة القادمة للحكم في فلسطين، تمكن البريطانيون من النجاح بشكل يفوق أحلام الصهاينة البمتوحشة. لم يحصلوا فقط على ما يشبه ميثاقًا لفلسطين في شكل وعد بلفور، بل أكّد تفويض عصبة الأمم أن "السلطة المنتدبة [البريطانيون] ستكون مسؤولة عن وضع البلاد تحت ظروف سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إقامة الوطن القومي اليهودي." وبحلول عام 1947، سمحت بريطانيا للصهاينة باكتساب أراضٍ استراتيجية وإنشاء سلطة حكومية فعّالة (الوكالة اليهودية وغيرها من "المؤسسات الوطنية") مدعومة بعسكرية مدرّبة. سحق الثورة العربية على يد القوات البريطانية واليهودية المشتركة بين 1936-1939 أضعف بشكل قاتل قدرة الفلسطينيين على مقاومة السيطرة الصهيونية في 1947-48.
«خدمة قوى الهيمنة» تتطلب بالطبع مقابلًا. بالنسبة للعثمانيين كان مادياً؛ أما بالنسبة للبريطانيين فكان مزيجاً من التلاعب بالحساسيات الدينية للصهاينة المسيحيين الذين شكلوا جزءًا رئيسيًا من المؤسسة البريطانية، والمبالغة في الفوائد السياسية التي يمكن أن يجلبها اليهود حول العالم للبريطانيين، ووضع الموارد الصهيونية في تصرف السلطات البريطانية في محاولاتهم للسيطرة على المقاومة الفلسطينية. ومع ذلك، كان استقلال إسرائيل يمثل معضلة كبيرة. فعلى الرغم من نجاحها في الحصول على وضع دولة ذات سيادة معترف بها من الأمم المتحدة، كانت إسرائيل لا تزال امتداداً للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. بالنسبة للفلسطينيين؛ اما الشعوب العربية والإسلامية التي بدأت تخرج لتوها من كفاحها المناهض للاستعمار أو ما زالت غارقة فيه، وكذلك معظم دول الجنوب العالمي، فكانت إسرائيل تمثل كيانا استعمارياً يجب تحرير الفلسطينيين المستعمَرين منه. الصهيونية كانت لا تزال بحاجة لحماة من القوى الكبرى. ولكن كدولة مستوطنة صغيرة في سياق جيوسياسي تنطوي على أهمية بالنسبة لمصالح الإمبريالية الغربية والطاقة، ما المقابل الذي يمكن أن تقدمه لقوة عظمى مستعدة لدعمها؟
قارب ديفيد بن غوريون هذه القضية على الفور. وحدد خمسة مصادر للنفوذ الإسرائيلي: (1) التفوق النوعي في وسائل الحرب التقليدية؛ (2) التهديد بالرادع النووي؛ (3) التفوق التكنولوجي والاقتصادي؛ (4) الصمود الوطني القائم على الهجرة اليهودية والاستيطان والدعاية (هاسباراكعلاقات عامة) تلعب دور اليهود الضحية والحساسية الدينية - وكل ذلك يؤدي إلى (5) علاقة خاصة مع قوة عظمى يكون لإسرائيل فيها مقابلها: تقديم براعتها في مجالات تطوير ونشر الأسلحة، مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب، المراقبة والتأمين الداخلي، فضلاً عن التكنولوجيا المتطورة، للمدينة الأم – حيث تكون إسرائيل أكثر من سعيدة للقيام بدورها كمنفذ إقليمي لها.
بسرعة عادت تلك الاستراتيجية بالثمار؛ في أوائل الخمسينيات، شرعت بريطانيا، التي كانت ترى في إسرائيل رادعا لمواجهة الجهود الروسية لطردها من الشرق الأوسط، تزودها بالأسلحة الثقيلة، كما فعلت الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وفرنسا التي غدت المزود الرئيس بالأسلحة لإسرائيل. لم تكتف بتقديم الأسلحة المتطورة بل قدمت لها أيضًا تكنولوجيا سمحت لإسرائيل لأن تطور بسرعة صناعة أسلحة خاصة بها. وبحلول منتصف خمسينيات القرن الماضي، أصبحت إسرائيل تؤخذ على محمل الجد كقوة عسكرية لدرجة أنها شاركت عام 1956 في الهجوم الفرنسي والبريطاني على مصر، حيث زودت فرنسا إسرائيل بشحنة ضخمة من طائرات ميستيري IV ودبابات سوبر شيرمان وناقلات الدبابات والشاحنات والمدرعات والأعيرة والأسلحة المتطورة الأخرى. ومن الجدير بالذكر أن فرنسا زودت إسرائيل أيضًا بأسس برنامجها النووي، الذي تم افتتاحه عام 1952[] Avner Cohen, Israel and the Bomb. Columbia University Press, 1998, Is
استمر تحالف إسرائيل مع فرنسا حتى عام 1967، عندما بدأت فرنسا بعد حرب الجزائر تسعى لاستعادة نفوذها في الشرق الأوسط، لتقطع أخيرًا علاقتها بإسرائيل بعد حرب1967، لتتحول إلى الحامي المهيمن التالي والحالي، الولايات المتحدة، بدأ في السنوات الأولى من إدارة كينيدي، عندما فتح قرار بيع نظام صواريخ هوك أرض-جو الطريق لنقل أسلحة متقدمة أخرى إلى إسرائيل؛ وفي النهاية إلى دمج صناعة الأسلحة الإسرائيلية فعليًا مع الأمريكية. (للاطلاع على استكشاف مفصل لهذه العلاقة، انظر كتابي (جيف هالبر)"حرب ضد الشعب: إسرائيل، الفلسطينيون والتسوية العالمية" -2015).
المنطق السياسي ونجاح سياسات إسرائيل الأمنية بالمنطقة: "التطبيع من خلال القوة"
إإذا كانت "خدمة الهيمنة" تتطلب من إسرائيل تحديد نوع من المقايضة يلبي المصالح الاستراتيجية للحليف المحتمل فإن المقايضة، كي تمضي باتجاهها الخاص، استمرت ثابتة ومركزة على الهدف القومي الواحد على مدار العقود. "التطبيع من خلال القوة" يعني أن تمكين إسرائيل من إكمال استيطانها لفلسطين من خلال جعل إسرائيل "أعظم" منعة من جهة ، ومن جهة أخرى، إقامة علاقات مبادلة مع خصوم محتملين تتجاوز الاعتراضات الأيديولوجية.
إذا حكمنا من خلال العلاقات المتطورة لإسرائيل مع الدول العربية والإسلامية، فإن سياساتها الأمنية حققت إنجازات مبهرة، رغم تقلباتها أحيانًا. كانت الفوائد السياسية للاعتراف الرسمي بإسرائيل، أو على الأقل تحديها مباشرة، اتضحت لدول المنطقة منذ البداية. فقد صوت كل من تركيا وإيران ضد خطة التقسيم عام 1947، ومع ذلك أقامت تركيا لاحقًا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أوائل عام 1949، وأحدثت إيران ذلك بعد عام، ولأسباب مشابهة إلى حد كبير.
في سياق الحرب الباردة، حاء الاعتراف بإسرائيل ااشارة للانحياز للغرب، بينما سعت تركيا للحصول على عضوية الناتو وإيران للمساعدات الاقتصادية والعسكرية – وكانت إسرائيل تعمل كحلقة وصل مع الإدارة الأمريكية والكونغرس والمنظمات اليهودية القادرة على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، لكي تغدو جزءًا حيويًا من سياسات أمنها. وباعتبارهما دولتين غير عربيتين، كانت لتركيا وإيران أيضًا مخاوف مشابهة لإسرائيل من القومية العربية المتطرفة ومن انتشار النفوذ السوفيتي في المنطقة، أصبح البلدان عنصرين هامين وأساسيين في تحالفات إسرائيل مع الدول المحيطة، لتكوين تحالفات مع سلسلة من الدول والشعوب المحيطة بالنواة العربية المعادية.
عام 1957، بعد وقت قصير من تأسيس شاه إيران منظمة سافاك الاستخبارية سيئة السمعة بمساعدة من المخابرات الأمريكية دعا رئيسها، الجنرال تيمور باختيار، جهاز المخابرات الإسرائيلي موساد للتورط في شؤونها، ما أفضى بسرعة إلى تعاون مفتوح وأوسع بكثير في المجال العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك بيع الأسلحة مثل الأوزي وأسلحة أخرى الحرس القومي الامبراطوري. في عام 1958، وقع الموساد رسائل تعاون رسمية مع جهاز المخابرات الوطني في تركيا ومع ساڤاك الإيراني. وسُمّي الاتفاق الثلاثي ثرايدنت، أو "ألترا-وات". في عام 1963، ساعدت إسرائيل في تقديم المشورة لعملية لمكافحة التمرد في إيران ضد القبائل المعارضة في الجنوب. بحلول السبعينيات، تقاربت المصالح الأمريكية وسياسات الأمن الإسرائيلي في مبدأ نيكسون، حيث اعتُبرت إسرائيل وإيران تحت حكم الشاه الشرطيين الرئيسيين لأمريكا في المنطقة. بالمقابل، لعبت إسرائيل دوراً رئيسياً في تنظيم وتدريب وتجهيز ساڤاك، جهاز الأمن المرعب الخاص بالشاه، الذي أصبح أيضاً مصدرًا هامًا للمعلومات الاستخبارية وشريكًا، إلى جانب أجهزة الأمن التركية، في عمليات تخدم كل هذه الدول وراعيها الأمريكي.[ Shlaim, Iron Wall, p. 196 Omid Voqoufi, The US, Israel and the Foundation of SAVAK. Islamic Revolution Document Center, Tehran, 2012. Retrieved
سقوط الشاه خلال الثورة الإسلامية عام 1979 لم يُنهِ العلاقات العسكرية بين إسرائيل وإيران. الثورة تركت إيران تمتلك أسلحة أمريكية لكنها بدون قطع غيار؛ علاوة على ذلك، حاولت حكومة إسرائيل الحفاظ على اتصالات سرية مع الجيش الإيراني، الذي كانت تعمل معه عن كثب وتدعمه ضد العراقيين في حربهم بين 1980 و1988، على أمل الإطاحة بخميني في نهاية المطاف (أو على الأقل تخفيف تأثيره). عندما اندلعت الحرب مع العراق في الثمانينات، قدمت إسرائيل سرًا أكثر من 30 مليون دولار من المعدات العسكرية وقطع الغيار لنظام الخميني، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الأمريكي. أثبتت القناة الإسرائيلية-الإيرانية لاحقًا فائدتها للأمريكيين فيما عُرف بفضيحة إيران كونترا عام 1986، عندما قامت إسرائيل، بناءً على طلب إدارة ريغان، بتوريد الأسلحة وقطع الغيار لإيران من مخزونها الخاص، والذي وعدت الولايات المتحدة بتجديده، في محاولة لتحرير الرهائن الأمريكيين. تم استخدام العائدات من تلك العملية لاحقًا لتجاوز الحظر الذي فرضه الكونغرس على تمويل الكونترا، باستخدام إسرائيل كوكيل. في الواقع، بعد أن أجبر الكونغرس إدارة ريغان على إنهاء مشاركتها مع الكونترا، حل المستشارون الإسرائيليون الذين قدموا التدريب والأسلحة الإسرائيلية محل الأمريكيين .
بحلول العقد الأخير من القرن الماضي كانت إسرائيل وتركيا تقتربان من بعضهما البعض، يوحدهما المخاوف المشتركة بشأن إيران وحليفتها سوريا، وكل منهما لاعب رئيسي في ترتيب واشنطن للشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة واندلاع حرب الخليج الأولى عام 1991. علاوة على ذلك – وهذا موضوع متكرر في سياسات الأمن الإسرائيلية – كانت إسرائيل تستطيع تقديم التكنولوجيا العسكرية التي تردد الغرب في بيعها لتركيا بسبب حربها ضد التمرد الكردي. في عام 1992 رفعت تركيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إلى مستوى السفراء، وفي عام 1996 وقعت الدولتان معاهدة عسكرية رس[Shlaim: The Iron Wall195-196
قال يعقوب مريدور، المنسق الاقتصادي الرئيسي في مجلس الوزراء الإسرائيلي آتذاك: «سنقول للأمريكان لا تتنافسوا معنا في جنوب أفريقيا [الفصل العنصري]، لا تتنافسوا معنا في الكاريبي أو في أي دولة أخرى لا يمكنكم العمل فيها علنًا. دعونا نحن نقوم بذلك.» وأستخدم حتى التعبير، «أنتم تبيعون الذخيرة والمعدات بالوكالة... إسرائيل ستكون وكيلكم،” وكان من المفترض أن يتم ذلك باتفاق معين مع الولايات المتحدة حيث سنحصل على أسواق معينة… والتي ستُترك لنا.” في الواقع، واصلت إسرائيل تزويد نظام الخميني بالمعدات العسكرية والذخائر على الأقل حتى عام 1987. [ ] Beit-Hallahmi, Connection, pp. 13-15.
تنسيق أمنى إسرائيلي -عربي
أما بالنسبة للعالم العربي، فيما يتعلق بسياسة الأمن الإسرائيلية، يبدو أن مفهوم الصراع الإسرائيلي-العربي أقل ثنائية وصلابة مما كان يُعتقد. وبينما رفضت جامعة الدول العربية أي روابط دبلوماسية مع إسرائيل بعد حرب 1967 (المعروفة بـ “الثلاث لاءات” في الخرطوم)، فإن إسرائيل ومعظم أعضاء الجامعة كانوا في الواقع يشاركون القلق حول النفوذ السوفييتي والقومية العربية والإسلام الراديكالي وحركات التحرير وحتى الانتفاضات المطالبة بالإصلاح الديمقراطي، مثلما كانت تفعل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. أصبحت إسرائيل، باعتبارها الحليف الموثوق (أو الوكيل) للغرب، القناة الرئيسية للمساعدات العسكرية الأمريكية والأوروبية والتدخل في المنطقة. وهكذا، بلم تمض سوى عقد او عقدين (وحربين)على مؤتمر الخرطوم حتى وقعت إسرائيل معاهدة سلام رسمية مع مصر (1979)، تلتها الأردن (1994) خلال عملية السلام في أوسلو، وصولاً إلى اتفاقيات إبراهام، ومعاهدة أمنية وشيكة مع سوريا والمفاوضات المستمرة للسلام مع لبنان. يمثل التطبيع مع المملكة العربية السعودية، فعليًا أو قانونيًا، الجوهرة الأخيرة في التاج. ومع ذلك، يمكن أن ينتظر ذلك. كما رأينا، فإن التعاون الأمني بين البلدين موجود منذ سنوات، ويتم توجيه الكثير منه عبر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، خاصة فيما يتعلق بالتهديدات من إيران والحركات الإسلامية المتطرفة. كما تدخلت إسرائيل بانتظام لحماية الأنظمة العربية المحافظة من التهديدات الخارجية والداخلية على حد سواء. لإعطاء بعض الأمثلة: في الخمسينيات والستينيات، دربت إسرائيل الأجهزة الأمنية لملك المغرب، مما مكنه من تثبيت موقعه كحاكم؛[ Bruce Maddy-Weitzman, Israel and Morocco: A Special Relationship. The Maghreb Review 21:1-2 (1996), pp. 36-48. Retrieved]. وخلال الحرب الأهلية اليمنية 1962-1970، انضمت إلى السعودية وإيران في دعم الملكيين ضد الجمهوريين المدعومين من ناصر؛[[20] Asher Orkaby, Beyond the Arab Cold War: The International History of the Yemen Civil War, 1962-68. Oxford University Press, 2017, pp. 169-177).
خلال عقد السبعينات ساعدت إسرائيل نظام السلطان قابوس بن سعيد الشمولي للتصدي لانتفاضة ظفار[Yossi Melman, The ‘Oman File’: Inside the Mossad’s Alliance with Muscat, Israel’s Window into Iran. Ha’aretz, November 26, 2020. Retrieved] ، وفي نفس السنة تدخلت إسرائيل لإنقاذ الأردن عندما واجه غزوًا سوريًا محتملاً خلال أحداث سبتمبر الأسود..[ Ziv Rubinovitz, Blue and White ‘Black September’: Israel’s Role in the Jordan Crisis of 1970. The International History Review 32(4), 687-706. عام 1976أنشأت جيش لبان الجنوبي تمهيدا لغزو لبنان عام 11982. مؤخرًا، قامت إسرائيل ببيع الأسلحة لنظام صالح الذي واجه ثورة شعبية منذ العام 2011، وتواطأت بنشاط مع السعوديين حول هجوم محتمل على إيران،[ Elizabeth Blade: The Unspoken Alliance: Israel and the House of Saud. Israel Today, 2012. Part 1. Retrieved] وساعدت الجيش المصري على الإطاحة بمرسي في عام 2013، ونفذت مئات الضربات الجوية ضد داعش في سيناء، بموافقة مصر.
Middle East Monitor MEMO), Israel General: Israel was Behind Coup Against Egypt’s Morsi, April 3, 2019
هناك عنصر أساسي آخر في سياسة إسرائيل الأمنثية تجاه الدول العربية (والدول الإسلامية وغيرها خارج المنطقة) يجب الإشارة إليه؛ وهو الدور الحاسم الذي تلعبه تقنيات الأمن الإسرائيلية في إبقاء الأنظمة الاستبدادية قائمة – وقد أطلق النشطاء العرب على ذلك اسم "دبلوماسية بيغاسوس" بسبب الدور المركزي لبرمجيات بيغاسوس الإسرائيلية وغيرها من تقنيات المراقبة الإسرائيلية، وبعضها تم تطويره ونشره وتسويقه بواسطة مشاريع مشتركة عربية-إسرائيلية. كما أن عقائد إسرائيل المتعلقة بالحرب غير المتكافئة، والحرب المضادة وضد الإرهاب التي تستهدف التهديدات الإسلامية من الخارج، باتت حاليا تتقدم المعلومات بعسكرة الأنشطة الأمنية للمقاربات الأمنية والبوليسية داخل أقطار عربية، فالطابع القمعي لدى غالبية االحكومات العربية يمنح إسرائيل فجوة أمنية، وإذا لم تخلق اعتمادًا على تقنيات الأمن الإسرائيلية، فهي على الأقل تحافظ على شروط نوع ما من التطبيع.
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟