وهاب شاه محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 13:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
7تطرح قضايا الهوية والتاريخ للشعوب الأصلية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط أسئلة جوهرية تتجاوز السرديات التراثية التقليدية؛ فبين واقع الأرض وشواهد العمران الشامخة، وبين المرويات التي صِيغت تحت ظلال السلطة المتعاقبة، تتبدى الحاجة إلى قراءة نقدية تبحث في أصول الحضارات الإنسانية في هذه المناطق، والدور المحوري للشعوب الأصيلة في تشييدها، مع مراجعة سياسات التهميش والتغيير القسري للغة والثقافة عبر العصور.
1. الأرض والسكان الأصليون: مقاومة القسر العسكري
تمتد أراضي الشعوب الأصيلة لشمال أفريقيا (الأمازيغ) — وفي مقدمتها منطقة القبائل (Kabylie Region) شرق الجزائر العاصمة بطبيعتها الجبلية المنفتحة على البحر الأبيض المتوسط — من سيوة بمصر إلى المحيط الأطلسي لآلاف السنين كـ "سكان أصليين" (Indigenous People). تماماً كما امتدت ديار الكرد والقبط والسريان والشعوب الآرية والآسيوية في مواطنها التاريخية. شهدت هذه المناطق مواجهات عسكرية شرسة خاضها أبناؤها لحماية أرضهم وسيادتهم ضد الحملات الوافدة، قبل أن يشاركوا بفاعلية في صنع حضارة المنطقة وتأسيس دول مستقلة ذات سيادة (Sovereign States).
وفيما يخص الحراك العسكري التاريخي، يتجلى تباين في زوايا التأطير (Framing Perspective)؛ فبينما يُستخدم مصطلح "فتوحات" (Conquests) من منظور أيديولوجي وديني موروث، تُظهر القراءة الواقعية والنقدية أنها كانت حملات توسعية إمبراطورية واجهت مقاومة مسلحة عاتية من أبناء الأرض الدفاعيين.
2. آليات التغيير القسري: السيف، الجزية، وسلب الهوية
لم يكن التغير الثقافي واللغوي وليد تحول فكري مجرد، بل جاء نتيجة أدوات سلطوية صارمة اعتمدتها الإمبراطوريات المتعاقبة لتغيير الديموغرافيا والثقافة:
التخيير تحت حد السيف: فرض السيطرة السياسية والعسكرية مع التهديد المباشر بالقتال أو الاستعباد وسلب الممتلكات.
الإرهاق الاقتصادي (الجزية والخراج): استُخدمت المنظومة الضريبية كأداة ضغط قسرية يدفع بموجبها السكان الأصليون أموالاً باهظة للحفاظ على أرواحهم، مما اضطر قطاعات واسعة للتحول اللغوي والديني هرباً من الإذلال الطبقي والاقتصادي.
إزاحة اللغات الأصلية: فرض القسر اللغوي في الشأن العام وتهميش المكونات الثقافية التاريخية للشعوب الأصيلة.
3. التعريب الممنهج وإلغاء اللغات في المؤسسات
إن القرار بفرض لغة واحدة وتجريد المؤسسات الإدارية، العسكرية، الاقتصادية، والتربوية من اللغات الأصلية لم يكن مجرد إجراء تنظيمي يهدف إلى توحيد لغة المعاملات، بل كان إستراتيجية تعريب قسرية وممنهجة (Arabization Policies) أريد بها تجريف اللغات التاريخية للمنطقة وإلغاؤها تدريجياً حتى تختفي من الحياة العامة.
وقد أدت هذه السياسات القمعية إلى خلق تراتب اجتماعي وثقافي حاد؛ حيث جرى النظر إلى هذه اللغات الأصلية بعيون رديئة ونظرة ازدراء وتشكيك، ووُصمت بالجمود والقصور وعدم القدرة على مواكبة الإدارة والتعليم، مما فرض حظراً فعلياً على استخدامها وشل حركيتها وتطورها المؤسسي. ويمتد هذا المسار الممنهج عبر محطتين رئيسيتين:
تجريد الإدارة في العصور المبكرة:
بدأت هذه العملية تاريخياً مع قرارات "تعريب الدواوين" والإدارة في العصر الأموي [1]، حيث أُزيحت اللغات الوطنية والأصلية (كالبيزنطية، القبطية، السريانية، والأمازيغية) من المؤسسات الرسمية والمالية. تحوّل الامتياز الاقتصادي والوظيفي بالتالي إلى شرط لغوي، مما اضطر أبناء المنطقة للخلع عن لغاتهم هرباً من التهميش الوظيفي والاجتماعي.
سياسات الدولة الوطنية الحديثة وحظر الأسماء:
بلغ هذا المسار أوجَه في القرن العشرين عقب استقلال دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛ إذ تبنّت "الدولة الوطنية الحديثة" (Modern Nation-State) أيديولوجيا تعريبية أحادية فرضت التعريب الشامل في القضاء، والتعليم، والإعلام، والجيش [2]. وتصاعدت هذه السياسات لتصل إلى حد تجريم ومنع تسمية المواليد الجدد بأسماء أمازيغية أو كردية أو تاريخية غير عربية من خلال قوائم أسماء محظورة رسمياً في سجلات الأحوال المدنية [3]، في محاولة قسرية لقطع الامتداد الرمزي واللغوي بين الأجيال وتجريد العائلات من حقها الأولي في اختيار هويتها الثقافية.
4. القمع المعاصر: الشيطنة والتخوين وإرهاب الحقوق
ولحد اليوم، لا تزال تُمارَس سياسة تعريبية وسلطوية موسعة ضد هذه الشعوب وأبنائها؛ حيث تقف الأنظمة والمؤسسات بكل قوة أمام كل المحاولات المشروعة للحصول على الحقوق القومية، استعادة الأراضي، أو انتزاع الحقوق التربوية والتعليمية للغات الأصلية.
ولا يقتصر هذا الوقوف عند حدود المنع القانوني أو المالي، بل يتعداه إلى سلاح الشيطنة والتخوين الممنهج (Systematic Demonization)؛ حيث يُتَّهَم كل شخص، منظمة حقوقية، أو قوة سياسية تنادي بهذه الحقوق بالخيانة، المعاداة، والعمالة للجهات الخارجية أو التعاون مع أجهزة مخابرات أجنبية [4]. تُستغل هذه التهم الجاهزة للبطش بالمناضلين، وتشويه سمعة أصحاب الأرض الأصليين في الفضاء العام، ووصم مطالبهم بالانفصال أو المؤامرة، بهدف إدامة الهيمنة وتجريدهم من مشروعية الدفاع عن هوية أجدادهم وأرضهم التاريخية.
5. توظيف المقدس وتلفيق المرويات
اعتمدت السياسات الإمبراطورية عبر التاريخ إستراتيجية توظيف المقدّس الديني (Instrumentalization of the Sacred) كـ "أداة نفوذ وسيادة" (Tool of Influence and Dominance)؛ حيث جرى الترويج لمقولات مثل "العربية لغة الجنة" — وهي أحاديث صنفها كبار المحدثين كـ "أحاديث ضعيفة وموضوعة" (Fabrication Traditions) [5] — لتكريس تراتب ثقافي يُعلي من شأن القومية الفاتحة ويُهمش لغات الشعوب الأصلية.
وأدى خلط الترهيب الروحي بالتصديق القسري إلى جعل التهميش اللغوي يبدو لدى العامة وكأنه امتداد للدين، بينما كان يتأثر حركة "وضع الأحاديث" والمرويات الشفهية بالصراعات السياسية والعرقية بين صانعي القرار والدول المتنافسة (كالأمويين والعباسيين)، لتتحول بالتقادم من "خطاب سلطوي بشري" (Human Political Discourse) إلى جزء من الموروث المبرر للتغيرات الديموغرافية واللغوية (Demographic Changes).
6. العمران والآثار: إبداع أصيل لأصحاب الأرض
وعلى صعيد العمران والآثار (Architecture and Antiquities)، تُقدم الشواهد المادية والميدانية دليلاً قاطعاً على أن الصروح والقلاع المذهلة في الأندلس وشمال أفريقيا (مثل قصر الحمراء وصومعة حسان)، وكذا الشام وفارس، هي إبداع أصيل لسواعد وعقول الأمازيغ والسكان المحليين.
ويعود ذلك إلى قيام معظم هذه المعالم في عهود دول أمازيغية ومحلية مستقلة تماماً عن المشرق (كالمرابطين والموحدين والمرينيين) وبسيادة محلية (Local Sovereignty)، إضافة إلى الخبرة العريقة بالأرض والمقالع (Quarrying and Ecological Expertise). ويؤكد غياب هذا الطراز المعماري في مراكز السلطة الأولى بالجزيرة العربية والعراق (Absence of Middle Eastern Models) أن الحضارة لم تكن استيراداً من الخارج، بل كانت ابن بيئتها وصناعة أصحاب الأرض الأصليين.
7. الإنجاز العلمي واللغوي
ولا يقتصر هذا الإبداع على العمران، بل يمتد إلى الإنجاز العلمي واللغوي (Scientific and Linguistic Achievements)؛ إذ تشير الحقائق التاريخية الموثقة إلى أن معظم أئمة اللغة والنحو والحديث والفلسفة والعلوم في التاريخ الإسلامي كانوا من أصول غير عربية (Non-Arab Origins)، كـ "سيبويه، والبخاري، ومسلم، وابن سينا"، إضافة إلى أعلام الفكر والاجتماع الأمازيغ كـ "ابن أجروم وابن خلدون" [6].
يعود ذلك إلى أن الشعوب الأصيلة كانت تمتلك تقاليد كتابية ومؤسسية عريقة (Written and Scholarly Traditions)، واستطاعت بعقولها وعلومها أن تبدع وتُدوّن حين فُرضت العربية كلغة رسمية للإدارة، مما يثبت أن الحضارة كانت نتاجاً متعدد الشعوب والثقافات (Multicultural Synthesis).
8. الخاتمة واستعادة الحقوق
إن محاصرة لغات الشعوب الأصيلة وإبعادها عن الفضاءات التربوية والاقتصادية والإدارية، ومنع الأسماء القومية، وملاحقة النشطاء بتهم التخوين وشيطنة مطالبهم العادلة، لن ينجح في محو الذاكرة الجمعية أو ثني أصحاب الأرض عن حقوقهم التاريخية.
تخلص هذه القراءة النقدية للتاريخ إلى أن الشعوب الأصيلة — وفي مقدمتها الأمازيغ والكرد وغيرهم — كانت وما زالت الصانع الحقيقي للعمران والفكر والهوية، وأن الفصل الواعي بين "العقيدة الروحية" وبين "الممارسات الإمبراطورية والقسر اللغوي" هو الخطوة الأساسية لإعادة الاعتبار لأصحاب الأرض، وكسر خطابات التخوين والشيطنة، وبناء مستقبل قائم على الحقائق والعدالة الثقافية والدستورية (Constitutional and Cultural Justice).
#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟