أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إبراهيم السعدي - المكان الذي يسكننا: حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة














المزيد.....

المكان الذي يسكننا: حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة


إبراهيم السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 22:01
المحور: قضايا ثقافية
    


قد نغادر بعض الأماكن، لكن بعضها لا يغادرنا. قد نترك بيتًا أو شارعًا أو مدينة سنوات طويلة، ثم نعود فنجد الطريق نفسه وربما المبنى نفسه، لكننا نشعر بأن المكان تغيّر. وربما تكون الحقيقة أن المكان تغيّر فعلًا، وأننا نحن أيضًا لم نعد الأشخاص الذين رأيناه بأعينهم الأولى.
لهذا لم يكن المكان عند الفلاسفة والأنثروبولوجيين مجرد مساحة تحددها الخرائط، بل سؤالًا عن الذاكرة والهوية والزمن والانتماء، وعن العلاقة الخفية بين الإنسان وما يحيط به.

كتب غاستون باشلار في «جماليات المكان» عن البيت بوصفه أكثر من جدران وسقف؛ إنه مستودع للذاكرة والخيال. الغرفة، والنافذة، والسلم، والممر، وحتى الزاوية الصغيرة التي كنا نختبئ فيها، تتحول مع الزمن إلى أجزاء من عالمنا الداخلي. لذلك قد نشتاق إلى بيت قديم أكثر مما نشتاق إلى أشخاص عاشوا فيه. لكننا في الحقيقة لا نشتاق إلى الجدران وحدها، بل إلى الزمن الذي كان يسكنها: طفولتنا، ووجوهًا غابت، وطمأنينة لم تعد ممكنة، ونسخة قديمة من أنفسنا.

أما مارتن هايدغر، فرأى أن الإنسان لا يوجد في العالم كما توجد الأشياء داخل صندوق، بل «يسكن» العالم. والسكن ليس امتلاك منزل فحسب، بل إقامة علاقة مع الأشياء والأشخاص والطبيعة. نحن لا نمر بالمكان فقط، بل نمنحه معنى، وهو بدوره يترك أثرًا فينا.
وذكّرنا موريس ميرلو-بونتي بأن علاقتنا بالمكان ليست ذهنية فقط، بل جسدية أيضًا. نتعلم الأمكنة بأقدامنا وعيوننا وحواسنا؛ نحفظ الطريق إلى البيت، ونعرف صوت باب، ورائحة شارع، وطريقة سقوط الضوء في غرفة. هناك أمكنة يعرفها الجسد قبل أن تستدعيها الذاكرة.
لكن المكان لا يحمل الذكريات وحدها، بل يحمل المجتمع أيضًا. رأى هنري لوفيفر أن الفضاء ليس محايدًا، بل تنتجه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالمدينة يمكن أن تُقرأ مثل نص: أين يعيش الأغنياء والفقراء؟ أين توجد الحدائق والمدارس والمستشفيات؟ ومن يملك الوصول إليها؟ يكشف توزيع المكان غالبًا عن توزيع القوة والموارد داخل المجتمع.

ومن زاوية قريبة، درس ميشيل فوكو علاقة المكان بالسلطة. فالسجن والمدرسة والمستشفى والثكنة ليست مباني فقط، بل فضاءات صممت للمراقبة والتنظيم وضبط الأفراد. أحيانًا تكون السلطة مكتوبة في الجدران والممرات والنوافذ أكثر مما هي مكتوبة في القوانين.
أما الأنثروبولوجيا، فقد نظرت إلى المكان بوصفه مرآة للثقافة. أظهر كلود ليفي-شتراوس أن توزيع البيوت وتنظيم القرى ليسا عشوائيين؛ فشكل القرية قد يكشف نظام القرابة والانقسامات الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات، وكأن المجتمع يرسم نفسه على الأرض.
وبيّن بيير بورديو، في دراسته للبيت القبائلي في الجزائر، أن المنزل قد يكون خريطة رمزية للثقافة. فالأعلى والأسفل، والداخل والخارج، والمضيء والمظلم، تحمل معاني تتجاوز وظيفتها المادية. البيت صورة مصغرة عن النظام الاجتماعي والثقافي.
ومع المدن الحديثة ظهر سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تصبح الأماكن بلا ذاكرة؟ قدّم مارك أوجيه مفهوم «اللامكان» لوصف المطارات ومحطات القطارات والطرق السريعة والمراكز التجارية. إنها فضاءات يعبرها ملايين الناس من دون أن يبنوا معها علاقة حقيقية؛ نستخدمها ثم نغادرها، فهي أماكن للحركة أكثر من كونها أماكن للانتماء.

في المقابل، رأى الجغرافي الإنساني يي-فو توان أن الفضاء يصبح مكانًا عندما تمنحه التجربة معنى. فالشقة الفارغة ليست سوى مساحة، لكنها بعد سنوات من الضحكات والأحاديث والأعياد والخصومات والوداع تصبح مكانًا. لذلك لا تكفي الخرائط لفهم علاقتنا بالمدن والبيوت، لأن أهم ما فيها لا يظهر عليها.
لهذا تكون العودة إلى الأماكن القديمة مربكة. نبحث عن الشارع والمقهى والجيران والشجرة، لكننا في الحقيقة نبحث عن زمن كامل. قد نجد المكان نفسه ولا نجد الشعور نفسه، لأن العودة إلى المكان ممكنة، أما العودة إلى الزمن فليست كذلك.
المكان الذي نحمله في الذاكرة ليس بالضرورة المكان الموجود في الواقع. بين الاثنين سنوات من التغير، وفي المسافة بينهما يقيم الحنين والخيبة والدهشة. فالمكان ليس جغرافيا نعيش فوقها، بل طبقات من الذاكرة والعلاقات والرموز. نحن نصنع الأماكن حين نعيش فيها، ثم تحملنا هي بعد أن نغادرها.
بعض المدن نتركها إلى الأبد، لكنها تظل حاضرة فينا، وبعض البيوت تُهدم، ومع ذلك يبقى بابها وممرها ورائحة غرفها أوضح في الذاكرة من أماكن نعيش فيها اليوم. وربما لهذا لا يكون السؤال الأجمل: أين عشنا؟ بل: أي الأماكن ما زالت تعيش فينا؟



#إبراهيم_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملاحظاتٌ على هامشِ القيامة
- حين يزهر الطريق
- قراءة في كتاب المملكة العربية السعودية: من الذهب الأسود إلى ...
- حين يسافر الوطن في أغنية: كاظم الساهر والذاكرة العراقية
- دبي بوصفها مرآة للعالم: قراءة في كتاب «الامتياز الغربي» لأمي ...
- لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون ...
- القيصر بوصفه مؤسسة فنية كاملة : قراءة في ظاهرة كاظم الساهر م ...
- سوسيولوجيا الوجدان العربي: هل كان كاظم الساهر راويًا للحب أم ...
- كاظم الساهر: قراءة سوسيولوجية في ظاهرة فنية عربية


المزيد.....




- الملكة رانيا تعزي في ضحايا هجوم الكرك.. وولي عهد الأردن: موا ...
- حتى بلا فوز.. الجمود الانتخابي يمنح نتنياهو أشهرا لتوجيه ضرب ...
- الحوثيون: 56 غارة جوية سعودية على اليمن خلال 24 ساعة
- إيران تحذر ألمانيا من الانخراط في النزاع العسكري ضدها
- غزة وإيران والحوثيون.. الجامعة العربية تفتح ملفات ملتهبة أما ...
- بيسكوف: بوتين وترامب قد يعقدان لقاء ثنائيا على هامش قمة آبيك ...
- نتنياهو ينشر صورة لانفجار نووي فوق تل أبيب والمعارضة تتهمه ب ...
- سالفيني: إيطاليا لم تعد قادرة على مواصلة تقديم الأموال والأس ...
- بوتين: اتهام أوروبا لنا يعكس ضعف قادتها
- إسرائيل تمنع عودة المئات مع أهالي الخليل


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إبراهيم السعدي - المكان الذي يسكننا: حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة