أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم السعدي - لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون أن يفقد هويته














المزيد.....

لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون أن يفقد هويته


إبراهيم السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 07:49
المحور: الادب والفن
    


يرتبط بعض الفنانين بالمرحلة التي ظهروا فيها ارتباطًا وثيقًا؛ ينجحون مع موجة موسيقية معينة، ثم يخفت حضورهم حين تتغير الأذواق ووسائل الإنتاج والاستماع. وفي المقابل، هناك فنانون يتمكنون من عبور المراحل، لا لأنهم يلاحقون كل جديد، بل لأن أعمالهم تظل قادرة على مخاطبة الجمهور بعد انقضاء زمنها الأول. ويبدو كاظم الساهر واحدًا من أبرز هؤلاء في الأغنية العربية. بدأ الساهر مسيرته في زمن كانت فيه الأغنية تصل إلى الجمهور عبر الإذاعة والتلفزيون وأشرطة الكاسيت. وبعد ذلك عاصر انتشار الأقراص المدمجة والفضائيات والإنترنت، ثم وجد نفسه، مثل غيره من الفنانين، أمام عالم جديد تقوده منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي.
كان من الممكن أن تجعل هذه التحولات أغانيه جزءًا من ذاكرة جيل مضى، إلا أن ما حدث كان مختلفًا. فقد وجدت أعمال مثل «أنا وليلى» و«زيديني عشقًا» و«أكرهها» و«قولي أحبك» طريقها إلى مستمعين لم يكونوا قد وُلدوا عند صدورها. ولم تعد هذه الأغاني حبيسة الأشرطة القديمة أو برامج التلفزيون، بل أصبحت متاحة في أي وقت عبر المنصات الرقمية.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: كيف استطاع فنان تبلورت تجربته في زمن موسيقي سابق أن يحتفظ بمكانه لدى أجيال نشأت في بيئة مختلفة؟
ربما تكمن الإجابة في أن الساهر أدرك، بوعي أو بحكم التجربة، الفرق بين تغيير الوسيلة وتغيير الهوية. فقد انتقلت أغانيه من الكاسيت إلى الهاتف، ومن شاشة التلفزيون إلى المنصات الرقمية، لكن السمات الأساسية لمشروعه بقيت واضحة: العناية بالكلمة، وحضور القصيدة الفصحى، واللحن الممتد، والأداء العاطفي، والصورة المسرحية الهادئة.

* أغنيات قديمة بتجارب جديدة

منحت المنصات الرقمية الأغاني القديمة حياة لم تكن متاحة لها في السابق. ففي عصر الكاسيت، كان الوصول إلى أغنية مضى على صدورها أعوام يتطلب امتلاك الشريط أو انتظار بثها عبر الإذاعة والتلفزيون. أما اليوم، فيستطيع مستمع شاب الوصول إلى معظم أرشيف الساهر خلال لحظات.
الأهم أن المنصات لا تعرض الأغنية القديمة بوصفها أثرًا محفوظًا في متحف موسيقي. فقد تظهر أغنية من التسعينيات بجانب إصدار حديث في قائمة تشغيل واحدة، ويستمع إليهما المتلقي من خلال الجهاز نفسه وفي اللحظة نفسها. وبذلك تضعف الحدود التقليدية بين القديم والجديد.
تقدم «أنا وليلى» مثالًا واضحًا على ذلك. فالمستمع الذي يكتشفها اليوم لا يعيش بالضرورة الحنين نفسه الذي يشعر به من سمعها عند انتشارها الأول. إنها بالنسبة إليه أغنية جديدة من حيث الاكتشاف، حتى لو كان عمرها يقترب من ثلاثة عقود. وهنا ينفصل عمر العمل الفني عن عمر التجربة التي يصنعها لدى كل مستمع.
وهذا ما يميز الاستمرار الفني عن مجرد الحنين. فالفنان قد يبقى حاضرًا لأن جمهوره القديم يتذكر شبابه من خلال أغانيه، لكنه يكتسب حياة أخرى حين تصل أعماله إلى جمهور جديد ويعيد استخدامها للتعبير عن مشاعره وتجربته الخاصة.

* تجدد لا يقوم على ملاحقة الموضة

غالبًا ما يُفهم التجدد الفني باعتباره تغييرًا مستمرًا في الأسلوب أو محاولة لمجاراة الإيقاعات الرائجة. غير أن تجربة الساهر تقدم معنى آخر للتجدد: أن يحافظ الفنان على شخصيته، مع امتلاك المرونة اللازمة للوصول إلى الجمهور في ظروف متغيرة.
لم يتخلَّ الساهر عن القصيدة الفصحى، ولم يحاول تحويل مشروعه بالكامل لكي يشبه الأنماط الموسيقية الأكثر انتشارًا. وفي الوقت نفسه، لم ينعزل عن وسائل العرض والتوزيع الحديثة. حافظ على ملامحه الأساسية، لكنه ترك لأغانيه فرصة الانتقال عبر وسائط جديدة.
ولعل هذا الثبات النسبي هو ما جعل اسمه مرتبطًا لدى الجمهور بصورة فنية محددة. فعند ذكر كاظم الساهر تحضر القصيدة والرومانسية واللحن والحضور المسرحي، إضافة إلى الذاكرة العراقية والعربية التي تحملها أعمال كثيرة من أرشيفه. لقد أصبح الاسم يشير إلى أسلوب وتوقع جمالي، لا إلى صوت يؤدي مجموعة من الأغاني فحسب. لا يعني ذلك أن تجربته بقيت ثابتة أو أن جميع أعماله حققت المستوى نفسه من الحضور. فمسيرة تمتد عقودًا لا بد أن تمر بمراحل متفاوتة، وأن تتأثر بتحولات السوق والجمهور والإنتاج. لكن امتلاك هوية يمكن التعرف إليها منح الساهر قدرًا من الحماية من التغيرات السريعة في الذائقة الموسيقية.
حين يعمل الزمن لمصلحة الفنان

لم يقاوم كاظم الساهر الزمن برفض التطور، وإنما عبر الانتقال من وسيلة إلى أخرى من دون أن يقطع صلته بجوهر تجربته. والمفارقة أن التكنولوجيا التي كان يُخشى أن تدفع الأغاني القديمة إلى الهامش أسهمت في إعادتها إلى التداول، وفتحت أمامها أبواب أجيال جديدة.
لهذا لا يعود السؤال متعلقًا بكيفية بقاء فنان من جيل سابق في المشهد فحسب، بل بكيفية تحوّل أرشيفه إلى جزء من الحاضر. لقد غيّر الزمن شكل الاستماع إلى أغاني الساهر، لكنه لم يُلغِ الحاجة العاطفية والجمالية التي تلبيها.
الفنان الذي يبقى أسير أدوات عصره قد يصبح، مع مرور السنوات، شاهدًا على مرحلة انتهت. أما الفنان الذي يحافظ على صوته الخاص، ويسمح لهذا الصوت بالعبور عبر الوسائل المتغيرة، فيمكنه أن يتجاوز حدود جيله. وربما كان هذا هو سر استمرار كاظم الساهر: لم يحاول أن يبدو ابنًا لكل عصر، لكنه جعل أغانيه قابلة لأن تجد مكانًا في أكثر من عصر.



#إبراهيم_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القيصر بوصفه مؤسسة فنية كاملة : قراءة في ظاهرة كاظم الساهر م ...
- سوسيولوجيا الوجدان العربي: هل كان كاظم الساهر راويًا للحب أم ...
- كاظم الساهر: قراءة سوسيولوجية في ظاهرة فنية عربية


المزيد.....




- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم السعدي - لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون أن يفقد هويته