أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - إبراهيم السعدي - دبي بوصفها مرآة للعالم: قراءة في كتاب «الامتياز الغربي» لأميلي لو رونار















المزيد.....

دبي بوصفها مرآة للعالم: قراءة في كتاب «الامتياز الغربي» لأميلي لو رونار


إبراهيم السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 18:32
المحور: السياحة والرحلات
    


حين نتحدث عن دبي، غالبًا ما تتبادر إلى الذهن الأبراج الشاهقة، والفنادق الفاخرة، ومراكز التسوق، والسيارات الباهظة، ونمط الحياة الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالرفاه والنجاح. فقد استطاعت دبي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا أن تتحول إلى مركز اقتصادي وسياحي عالمي، وإلى وجهة يقصدها أشخاص من مختلف أنحاء العالم بحثًا عن العمل والفرص وحياة أفضل. لكن عالمة الاجتماع الفرنسية أميلي لو رونار Amélie Le Renard تحاول في كتابها «Le Privilège occidental. Travail, intimité et hiérarchies postcoloniales à Dubaï»، الصادر عن Presses de Sciences Po عام 2019، أن تنظر إلى دبي بطريقة مختلفة. فهي لا تبحث في ناطحات السحاب ولا في أسباب النجاح الاقتصادي للإمارة، بل تهتم بالأشخاص الذين يعيشون فيها، وبشكل خاص الغربيين والفرنسيين، وتسأل: ماذا يعني أن تكون غربيًا في دبي؟ وهل يمكن لجواز السفر والجنسية أن يمنحا الإنسان مكانة اجتماعية ومهنية مختلفة؟

اعتمدت لو رونار في بحثها على العمل الميداني وعلى عشرات المقابلات مع أشخاص يعيشون ويعملون في دبي، وكان الفرنسيون جزءًا مهمًا من هذه المقابلات. وهذا ما يجعل الكتاب مثيرًا للاهتمام، لأن الباحثة لا تتحدث عن دبي من بعيد، وإنما تحاول فهم الحياة اليومية للأشخاص الذين انتقلوا إليها: كيف يعملون؟ كيف يعيشون؟ كيف ينظرون إلى أنفسهم وإلى الآخرين؟ وكيف تتغير مكانتهم الاجتماعية عندما ينتقلون من فرنسا أو من بلد غربي إلى دبي؟

ومن الأفكار الأساسية التي يطرحها الكتاب أن جواز السفر ليس دائمًا مجرد وثيقة للسفر أو إثبات للجنسية. فأحيانا يمكن أن تتحول الجنسية نفسها إلى نوع من الامتياز الاجتماعي والمهني. فالفرنسي أو البريطاني، على سبيل المثال، قد يدخل سوق العمل وهو يحمل معه صورة مسبقة مرتبطة بالخبرة أو التعليم أو الكفاءة أو القدرة على الإدارة. وهذه الصورة يمكن في بعض الحالات أن تؤثر في التوظيف والراتب والترقية والمكانة داخل الشركة. فالجنسية واللغة والعلاقات المهنية والصورة المرتبطة بكل جنسية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يُنظر بها إلى الشخص. ومن هنا جاء عنوان الكتاب، «الامتياز الغربي». فالكاتبة تريد أن توضح أن بعض الغربيين قد يحصلون على امتيازات بسبب موقعهم داخل هذه التراتبية، وربما لا يشعرون أصلًا بأن ما يحصلون عليه امتياز، لأنهم اعتادوا عليه وأصبح بالنسبة إليهم أمرًا طبيعيًا. ومن الأفكار التي لفتت انتباهي أيضًا الفرق في استخدام كلمتي مغترب ومهاجر. فالفرنسي أو البريطاني الذي ينتقل إلى دبي من أجل العمل يُطلق عليه بالفرنسية غالبًا Expatrié، أي مغترب، بينما يوصف القادم من دولة فقيرة أو نامية في كثير من الأحيان بأنه Migrant أو عامل مهاجر. لكن إذا نظرنا إلى الأمر ببساطة، فكلاهما غادر بلده وانتقل إلى بلد آخر من أجل العمل. فلماذا نسمي الأول مغتربًا والثاني مهاجرًا؟


الباحثة لا تقول إن جميع الغربيين في دبي أغنياء أو يعيشون الظروف نفسها. على العكس، فهي توضح أن هناك اختلافات كبيرة بينهم أيضًا. فهناك من يأتي بعقد عمل دولي يمنحه راتبًا ومزايا عديدة، وهناك من يعمل بعقد محلي، وهناك اختلافات مرتبطة بالطبقة الاجتماعية والجنس والأصل والخبرة المهنية. أي أن الجنسية الغربية قد تمنح امتيازًا في بعض الظروف، لكنها لا تفسر كل شيء.ويتناول الكتاب أيضًا مسألة مهمة، وهي الشعور بالنجاح الذي يعيشه بعض الغربيين بعد انتقالهم إلى دبي. فبعض الأشخاص قد يكونون في فرنسا أفرادًا عاديين من الطبقة الوسطى، ثم ينتقلون إلى دبي ويجدون أنفسهم قادرين على الوصول إلى نمط حياة مختلف: سكن أفضل، خدمات أكثر، مطاعم وفنادق وسيارات وسفر واستهلاك، إضافة إلى الشعور بالأمان والراحة. وهكذا لا يكون الانتقال إلى دبي انتقالًا جغرافيًا فقط، بل قد يشعر الإنسان بأنه انتقل اجتماعيًا أيضًا.

وهنا يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا: من الذي يجعل هذا المستوى من الحياة ممكنًا؟

في الحقيقة ، خلف الفنادق والمطاعم والمنازل والخدمات توجد أعداد كبيرة من العمال القادمين من دول مختلفة، يعملون من اجل ادامتها وتأهليها. وهؤلاء يعيشون في المدينة نفسها، لكن حياتهم قد تكون مختلفة عن حياة المدير أو الموظف الغربي ذي الدخل المرتفع. وهذا ربما من أكثر الأشياء وضوحًا في دبي: انها مدينة رائعة وتجمع عدة ثقافات ، فيستطيع أشخاص من عشرات الجنسيات أن يعيشوا في المدينة نفسها، رغم اختلاف مستوى الدخل والمهنة والجنسية والوضع الاجتماعي. ولا يقتصر الكتاب على العمل والرواتب. فالباحثة تدخل أيضًا إلى الحياة الخاصة للأسر الغربية، وتتحدث عن العلاقات الزوجية وتقسيم الأدوار داخل الأسرة والعمل المنزلي وحياة العزاب. وهي تريد بذلك أن توضح أن الامتياز لا يتوقف عند الشركة. فقد يظهر أيضًا في القدرة على الاستعانة بعاملة منزلية، وفي طريقة تنظيم الحياة اليومية، وفي الترفيه والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية.

مع ذلك، لا أعتقد أن أطروحة الامتياز الغربي يجب أن تُقبل دون نقاش. فالجنسية مهمة بالتأكيد، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يحدد نجاح الإنسان. التعليم والخبرة والمهنة واللغة ورأس المال والعلاقات الاجتماعية والمهارات الشخصية عوامل مهمة أيضًا. ومن الممكن كذلك أن نتساءل عما إذا كانت الظاهرة التي تصفها لو رونار خاصة بدبي فعلًا أم أنها موجودة في مدن عالمية أخرى. هل يتمتع الفرنسي بالمكانة نفسها إذا انتقل إلى سنغافورة أو الرياض أو هونغ كونغ أو نيويورك؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فنحن ربما لا نتحدث عن ظاهرة خاصة بدبي، وإنما عن نظام عالمي أوسع يمكن ان يتمتع فيه بعض الاشخاص بقيمة اجتماعية واقتصادية أكبر من غيرها. وهذا يقودنا، في رأيي، إلى أهم ما في الكتاب. فعلى الرغم من أن دبي موجودة في العنوان وفي كل صفحات الدراسة تقريبًا، فإن الكتاب ليس عن دبي وحدها. إنه في الأساس كتاب عن العولمة والطبقة والهوية و المساواة. دبي مدينة مذهلة ومدينة عالمية تنافس اعرق واكبر مدن العالم. دبي هنا أشبه بمرآة تكشف هذه العلاقات بصورة أكثر وضوحًا، لأن عددًا كبيرًا من الجنسيات والطبقات الاجتماعية يعيش ويتفاعل في مساحة واحدة. فالكتاب يجعلنا نشعر بأن شخص ما قد يصبح أكثر نجاحًا بمجرد انتقاله من بلد إلى آخر، وان النجاح ليس فقط نتيجة للكفاءة الفردية وحدها، بل أن المجتمع الذي يستقبله قد يمنحه فرصة منذ البداية.



#إبراهيم_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون ...
- القيصر بوصفه مؤسسة فنية كاملة : قراءة في ظاهرة كاظم الساهر م ...
- سوسيولوجيا الوجدان العربي: هل كان كاظم الساهر راويًا للحب أم ...
- كاظم الساهر: قراءة سوسيولوجية في ظاهرة فنية عربية


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي ينتقد مخطط إسرائيل الاستيطاني في -إي-1-
- شلل متزايد في هرمز.. حركة الشحن تهبط إلى مستويات قياسية
- علماء روس يبتكرون مضادا جديدا للأكسدة
- غيابها عن السوشيال ميديا كان الإنذار.. عملية إنقاذ لفتاة مقي ...
- حريق -هوك- يجبر نحو 90 ألف شخص على إخلاء منازلهم في نيفادا ا ...
- -نوفوستي-: تركيا تتطلع لاستئناف المفاوضات بشأن أوكرانيا قبل ...
- طهران تحذر من تداعيات غياب رد الفعل الدولي على قصف منشآتها ا ...
- مكملات فيتامين (د) قد ترتبط بتحسن الوظائف الإدراكية
- تحذير من مخاطر السجائر الإلكترونية على الصحة النفسية والتنفس ...
- -4+4- توقع بالأحرف الأولى.. هل تبدأ الانتخابات أم معركة الشر ...


المزيد.....

- قلعة الكهف / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - إبراهيم السعدي - دبي بوصفها مرآة للعالم: قراءة في كتاب «الامتياز الغربي» لأميلي لو رونار