|
|
حين يسافر الوطن في أغنية: كاظم الساهر والذاكرة العراقية
إبراهيم السعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 22:17
المحور:
قضايا ثقافية
هناك فنانون يحملون وطنهم في أعمالهم بشكل مباشر، فيغنون عنه ويذكرون مدنه وأنهاره وتاريخه، وهناك فنانون يحملون وطنهم بطريقة أقل وضوحًا؛ فلا يظهر الوطن دائمًا في كلمات أغانيهم، لكنه يبقى حاضرًا في اللغة والصوت والذاكرة وطريقة النظر إلى العالم. ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر إلى تجربة كاظم الساهر، فهو ليس مجرد فنان عراقي استطاع أن يحقق انتشارًا عربيًا واسعًا، بل يمثل حالة ثقافية تستحق التأمل: كيف يمكن لفنان أن يخرج من فضاء وطني محدد إلى فضاء عربي واسع، من دون أن يفقد جذوره الثقافية؟
بالطبع، لا يعني هذا أن كل أغاني كاظم تتحدث عن العراق، فهذا غير صحيح. لكن العراق حاضر في تجربته بوصفه خلفية ثقافية وذاكرة، وليس بالضرورة موضوعًا مباشرًا للأغنية. نشأ الساهر داخل الثقافة العراقية، لكنه لم يبقَ فنيًا داخل حدودها. ومع اتساع تجربته، أصبح جمهوره موزعًا بين بلدان عربية مختلفة، من الخليج إلى بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، ثم بين الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا وغيرها. وهنا تظهر مسألة مهمة: ماذا يحدث عندما يتحول الفنان من فنان ينتمي إلى ثقافة محلية إلى فنان يصبح جزءًا من ثقافة عربية أوسع؟
انا اعتقد أن الوصول إلى جمهور عربي واسع يتطلب من الفنان أن يتخلى تدريجيًا عن هويته المحلية، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. ففي بعض الأحيان تكون الخصوصية المحلية نفسها أحد أسباب التميز. فالفنان الذي يتخلى عن جميع ملامحه الأصلية حتى يصبح عربيًا بصورة عامة قد يفقد شيئًا من شخصيته، بينما يستطيع فنان مثل كاظم أن يكون عراقيًا وعربيًا في الوقت نفسه، من دون أن تكون هناك بالضرورة مشكلة أو تناقض بين الهويتين. وحين نتحدث عن حضور العراق في تجربة فنان، لا ينبغي أن نبحث فقط عن الأغاني التي تحمل أسماء المدن العراقية أو التي تتحدث عن الوطن بصورة صريحة. فالهوية أكثر تعقيدًا من ذلك. قد تظهر في اللهجة، وفي طريقة نطق الكلمات، وفي الأداء، وفي الذاكرة الشعرية والموسيقية، وحتى في علاقة الفنان بالمكان والحنين إليه. ولهذا يمكن للعراق أن يكون حاضرًا في تجربة كاظم حتى عندما لا يغني عنه. إنه حضور أقرب إلى الذاكرة منه إلى الموضوع المباشر. فالإنسان قد يغادر مدينته، لكنه لا يغادر بسهولة الطريقة التي ساهمت بها تلك المدينة في تشكيل وعيه وشخصيته. ومن هنا نصل إلى فكرة الاغتراب. فالاغتراب أوسع من مجرد الهجرة الجغرافية. قد يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه سنوات طويلة ويبقى مرتبطًا به بشدة، وقد يعيش شخص آخر داخل وطنه ويشعر بأنه غريب عنه. ولهذا فإن الاغتراب في الفن لا يتعلق فقط بمغادرة البلد، وإنما بالطريقة التي يعاد بها بناء الوطن داخل الذاكرة والمخيلة. عندها لا يعود الوطن مجرد أرض يعيش عليها الإنسان، بل يصبح مجموعة من الأصوات والصور والروائح والكلمات والذكريات. وقد تكفي أغنية أو لهجة مألوفة حتى يشعر الإنسان بأنه عاد، ولو لدقائق قليلة، إلى عالم تركه منذ سنوات.
وهذا الأمر لا يتعلق بالعراقيين وحدهم. فعندما ينتقل فنان عراقي إلى فضاء عربي أوسع، فإنه لا يصل إلى جمهور لا يعرف شيئًا عن العراق، بل يصل إلى جماهير تحمل أصلًا صورًا مختلفة عنه. فهناك من يرى العراق بوصفه بلد الحضارات والشعر والموسيقى، وهناك من ارتبط العراق في ذاكرته بالحروب والأزمات والأخبار السياسية. أما العراقي نفسه فقد يحمل تجاه بلده خليطًا معقدًا من الحب والألم والحنين والغضب في الوقت نفسه. وفي وسط هذه الصور المختلفة، يستطيع الفنان أن يقدم صورة أخرى عن بلده. العراق هنا ليس البلد الذي يظهر في نشرات الأخبار فقط، وإنما بلد الشعر والموسيقى واللغة والذاكرة. ومن هذه الناحية يمكن للفنان أن يقوم بدور يشبه دور السفير الثقافي غير الرسمي، حتى وإن لم يقصد ذلك ولم تكن هذه وظيفته. لكن انتشار القيصر عربيًا لا يعني بالطبع أن الجمهور العربي أصبح عراقيًا. فالثقافة لا تنتقل بهذه الطريقة البسيطة. المصري يسمع كاظم انطلاقًا من تجربته وذاكرته المصرية، واللبناني يسمعه من خلفيته اللبنانية، والمغربي من خلفيته المغربية، بينما قد يسمعه العراقي بطريقة مختلفة لأنه يجد في صوته أو لهجته أو بعض أغانيه شيئًا مرتبطًا بذاكرته الخاصة ، وهكذا - برأيي - تصبح الأغنية مكانًا تلتقي فيه هويات مختلفة، من دون أن تذوب واحدة منها في الأخرى. وربما تكون هذه إحدى خصائص الثقافة العربية نفسها؛ فهي ليست ثقافة واحدة متطابقة في كل مكان، وإنما فضاء واسع تلتقي داخله لهجات وذكريات وتجارب محلية متعددة.
- القيصر والجاليات العربية في الخارج
تبدو لي هذه المسألة أكثر وضوحًا عندما نتحدث عن العرب الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا وغيرها. فالمهاجر يعيش غالبًا بين عالمين: المكان الذي يعيش فيه الآن، والمكان الذي جاء منه أو الذي بقي مرتبطًا به ثقافيًا وعاطفيًا. في هذه الحالة قد تصبح الموسيقى أكثر من مجرد وسيلة للترفيه. قد تساعد على الاحتفاظ باللغة، وقد تكون وسيلة لتذكر الوطن، وقد يستخدمها الآباء بطريقة غير مباشرة لنقل جزء من ثقافتهم إلى أبنائهم. فيمكن مثلًا أن يولد شاب عراقي أو عربي في باريس أو لندن أو برلين، ولا يعرف بلد والديه إلا من خلال الزيارات القليلة أو القصص العائلية، ومع ذلك يعرف أغاني معينة لأن والديه كانا يسمعانها في المنزل أو السيارة. هنا تتحول الأغنية إلى نوع من الذاكرة المحمولة. لا تحتاج إلى حقيبة سفر أو جواز حدود، بل تنتقل من جيل إلى آخر عبر الهاتف والمنزل والسيارة والحفلات. وهنا تظهر فكرة أجدها مثيرة للاهتمام، وهي أن الفنان نفسه قد يتحول أحيانًا إلى نوع من الوطن الرمزي. فالإنسان لا يستطيع دائمًا العودة إلى الوطن الذي يتذكره، حتى لو عاد جغرافيًا إلى المكان نفسه. المدينة تتغير، والناس يتغيرون، والأصدقاء يرحلون، والأحياء القديمة تتبدل. لكن بعض الأشياء الصغيرة تبقى قادرة على إعادة ذلك العالم فجأة: أغنية قديمة، لهجة، رائحة، مزحة، أو لحن مألوف. وعندما يسمع الإنسان هذه الأشياء، قد يشعر للحظات بأنه عاد إلى مكان لم يعد موجودًا بالطريقة التي يتذكرها.
من هنا يمكن للفنان أن يتحول إلى وطن رمزي، ليس لأنه يحل محل الوطن الحقيقي، وإنما لأنه يحمل بعض عناصره معه. ولهذا قد يكون لفنان عراقي مثل كاظم تأثير خاص في عراقي يعيش منذ سنوات بعيدًا عن العراق، حتى عندما لا تكون الأغنية وطنية ولا تتحدث عن بغداد أو دجلة أو الفرات. فما يبحث عنه المستمع أحيانًا ليس أغنية عن العراق، وإنما ذلك الإحساس الذي يجعله يشعر بالعراق. والذاكرة هنا مهمة جدًا. فهي ليست تسجيلًا دقيقًا ومحايدًا للماضي، وإنما يعيد الإنسان بناءها باستمرار. والفن يشارك بقوة في هذه العملية. فعندما نسمع أغنية ارتبطت بمرحلة معينة من حياتنا، نحن لا نستعيد الأغنية وحدها، بل نستعيد معها أشخاصًا وأماكن وأحداثًا وربما نسخة قديمة من أنفسنا. ولهذا يمكن لأغنية واحدة لكاظم الساهر أن تحمل ذاكرة شخصية جدًا لدى شخص ما، لكنها في الوقت نفسه جزء من ذاكرة جيل كامل. فكل شخص لديه قصته الخاصة معها، ومع ذلك يعرفها آلاف أو ملايين الأشخاص. وهنا تلتقي الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية.
** هل يمثل كاظم الساهر العراق أم يمثل العرب؟
ربما تكون المشكلة في السؤال نفسه. لماذا يجب أن نختار بين الاثنين؟ يمكن للفنان أن يكون عراقيًا في جذوره وعربيًا في امتداد تجربته، من دون تناقض. فالهوية العربية لا تعني بالضرورة إلغاء الهويات المحلية. العراقي يستطيع أن يكون عراقيًا وعربيًا، والمصري مصريًا وعربيًا، واللبناني لبنانيًا وعربيًا. وبالتالي فإن نجاح كاظم خارج العراق لا يعني أن هويته العراقية ذابت، كما أن تمسكه بجذوره لا يعني أنه بقي محصورًا داخلها. وربما تكمن خصوصية تجربته تحديدًا في هذه المنطقة الوسطى: أن تحمل هويتك المحلية معك إلى فضاء أكبر، من دون أن تضطر إلى التخلي عنها كي يقبلك الآخرون.
ولا يعني ما سبق أن علينا اختزال كاظم الساهر في صورة الفنان المغترب، فهذه التسمية وحدها لا تفسر تجربته. الأهم أن تجربته تسمح لنا بطرح مجموعة من الأسئلة حول العلاقة بين الوطن والانتشار، وبين الهوية المحلية والفضاء العربي، وبين الهجرة والذاكرة والمكان والحنين. فالفنان لا يحمل وطنه كما هو، وإنما يعيد بناءه داخل الفن والذاكرة. والعراق الموجود في ذاكرة فنان أو مستمع ليس بالضرورة العراق الجغرافي نفسه، وإنما قد يكون عراقًا متخيلًا، مصنوعًا من ذكريات وأصوات وأشخاص وأماكن وربما أشياء لم تعد موجودة أصلًا. وهذا العراق يستطيع أن يسافر مع الإنسان أينما ذهب. لذلك لا تكمن أهمية كاظم الساهر فقط في أنه فنان عراقي أصبح مشهورًا في العالم العربي، وإنما في أن تجربته تفتح سؤالًا أوسع: **ماذا يحدث لهوية الإنسان عندما يغادر المكان، لكنه لا يستطيع أن يغادر ذاكرته؟
استطيع ان أقول انه في حالة كاظم، لا يظهر العراق دائمًا في صورة أغنية وطنية أو خطاب مباشر عن البلاد. أحيانًا يكون حضوره أكثر هدوءًا؛ في اللغة، والصوت، والذاكرة الشعرية، وطريقة الأداء، وفي العلاقة التي تنشأ بين الأغنية والمستمع.ولهذا يستطيع فنان عراقي أن يصبح جزءًا من ثقافة عربية أوسع من دون أن يفقد جذوره العراقية. فهو لا يطلب من المصري أو اللبناني أو المغربي أن يصبح عراقيًا كي يفهمه، وإنما يقدم له تجربة فنية يستطيع كل واحد أن يستقبلها من موقعه وذاكرته الخاصة.أما بالنسبة إلى العراقي الذي يعيش بعيدًا عن وطنه، فقد تكون العلاقة مختلفة وأكثر تعقيدًا. فقد لا تكون الأغنية بالنسبة إليه مجرد أغنية، بل مكانًا يعود إليه. قد تكون شخصًا يتذكره، أو شارعًا، أو مرحلة من حياته، أو لغة يخشى أن تبتعد عنه، أو لحظة قصيرة يشعر فيها أن المسافة بينه وبين وطنه أصبحت أقل. وهنا يصبح الفنان، بصورة رمزية، حاملًا للذاكرة عبر الحدود. وربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ تجربة كاظم الساهر باعتبارها قصة نجاح فنان عراقي وصل إلى الجمهور العربي فقط، بل أيضًا بوصفها مثالًا على قدرة الثقافة على السفر مع الإنسان، وعلى قدرة الفن على الاحتفاظ بشيء من المكان حتى بعد مغادرته. فالأوطان لا تسافر دائمًا على الخرائط؛ أحيانًا تسافر في أغنية.
#إبراهيم_السعدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دبي بوصفها مرآة للعالم: قراءة في كتاب «الامتياز الغربي» لأمي
...
-
لماذا لا يشبه كاظم الساهر أبناء عصره؟ فنان قاوم الزمن من دون
...
-
القيصر بوصفه مؤسسة فنية كاملة : قراءة في ظاهرة كاظم الساهر م
...
-
سوسيولوجيا الوجدان العربي: هل كان كاظم الساهر راويًا للحب أم
...
-
كاظم الساهر: قراءة سوسيولوجية في ظاهرة فنية عربية
المزيد.....
-
أرقام الدين الأمريكي تتضاعف خلال 10 سنوات.. فكم بلغ في 2026؟
...
-
الصين تحذّر: العقوبات الجديدة على إيران ستؤدي لـ-زيادة التوت
...
-
هل حذفت مصر اسم إسرائيل من مناهجها التعليمية؟.. خارطة تثير
...
-
لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالم
...
-
الولايات المتحدة تستعد لإلغاء نحو 200 ألف تأشيرة.. من المسته
...
-
شاهد: إعادة صنع مرساة من عصر الفايكنغ بالمطرقة والمنفاخ في ا
...
-
حصيلة ضحايا زلزالَي فنزويلا تتخطى 6500 قتيلًا.. والحكومة تسل
...
-
الشرع: سوريا -تمزّق صفحة من ماضيها الأليم- بعد شطبها من قائم
...
-
قاليباف: لا أحد يصدق هراءات الأمريكيين
-
بوتين يعين سفيرا روسيا جديدا في العراق
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|