أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهر خضرة - قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر لقمان ديركي















المزيد.....



قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر لقمان ديركي


شاهر خضرة

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 07:22
المحور: الادب والفن
    


2026

من الجهة الأخرى للستارة

عتبة
أسمّي هذه الكتابة «قراءة شاهرية». لا بوصفها منهجاً نقدياً، ولا طريقة تضع القصيدة تحت سلطة مصطلحات جاهزة. أقرأ النص بما يوقظه فيَّ، وأتتبع الأثر الذي تتركه صوره وكلماته في الذاكرة، حتى تتحول القراءة نفسها إلى حكاية.
أدخل قصيدة لقمان ديركي من صورة صغيرة: ستارة، أو مرآة، أو باب، أو عود ثقاب، أو جناح حجل. أترك الصورة تقودني إلى ما تخفيه، ثم أتابعها حين تعود في قصيدة أخرى وقد تبدل موضعها ومعناها. لذلك قد تظهر الستارة في أول هذه القراءة ثم تعود في آخرها، وقد يغادر عود الثقاب علبته ليصير مسرحاً، ويخرج الطائر العاجز من «حصن الكآبة» ليطل بجناحي الحجل القصيرين. هذه الروابط لا أفرضها على القصائد؛ ألتقط الخيط الذي أراه ممتداً بينها وأمضي وراءه.
الاقتباس هنا هو موضع البداية. أنصت إلى كلماته وصوره وترتيبها، ثم أكتب المسافة التي فتحتها في داخلي. هكذا تنشأ إلى جوار القصيدة حكاية لا تحل محلها، ولا تزعم امتلاك معناها الأخير؛ إنها سيرة أثرها في قارئ عبر أعمال لقمان الشعرية كما يعبر مكاناً مأهولاً، يرى شخوصه، ويسمع أصواتهم، ويتذكر ما مر به في الغرف السابقة.
لهذا سيجد القارئ لقمان في مركز هذه الصفحات، وسيجد شعره هو الذي يرفع الستارة ويمنح الشخوص أدوارها. أما أنا فأمشي من الجهة الأخرى للستارة، أتبع ما تتيحه القصيدة من ضوء، وأروي ما رأيته هناك.


الرجل الذي حجبته الستارة وحده
"وكنتِ تعتذرين منّي كلّما مدحك شخص
في يوم المسرح العالمي
أُسدلتِ الستارة
ولم تحجبْ من الممثلين سواي"
(الأعمال الشعرية "ضيوف يثيرون الغبار" ص 30)
أُسدلتِ الستارة، وبقي الممثلون جميعاً في أماكنهم.
اختفى رجل واحد.
لا أعرف كيف استطاعت ستارة مسرح أن تختار شخصاً من بين الواقفين، فتحجبه وتترك الآخرين ظاهرين. ربما لم تنزل على الخشبة كلها. ربما انحرفت قليلاً، بحثت عنه، ثم وقفت بينه وبين المرأة التي اعتادت أن تعتذر منه كلما مدحها شخص.
يقف خلف القماش، يسمع التصفيق ولا يرى الأيدي. يعرف أصوات الممثلين الذين ظلوا في الضوء. يعرف أين تقف هي، وأي وجه تتجه إليه، ومن يقترب ليقول لها كلمة جميلة. يستطيع أن يتخيل المسرح كاملاً لأنه كان فيه قبل لحظة. وحده صار خارج الصورة.
يوم المسرح العالمي.
اختار لقمان يوماً يحتفل فيه العالم كله بالخشبة، ثم ترك شخصاً واحداً محجوباً عنها. الناس يدخلون القاعات، تُضاء الواجهات، تُرفع صور الممثلين، وتُقال الكلمات عن الفن والحياة. وفي زاوية لا يراها الجمهور يقف رجل أخذت الستارة دوره وتركته يصغي.
توقفتُ عند كلمة "سواي".
مرّت الستارة بين الممثلين جميعاً، وتركتهم في الضوء، ثم استقرت أمامه. كأن القماش عرف موضع جرحه، ولم يحتج إلى إرشاد.
كل واحد منا حجبته ستارة مرة.
قد تهبط بين رجل وامرأة وهما في الغرفة نفسها. يسمع صوتها، ويراها تتحرك خلف الحاجز، ويعرف أنها قريبة. يستطيع أن يمد يده، لكن القماش يمنع الصورة من الاكتمال. وقد تهبط بين الصديق وصديقه، أو بين إنسان ومدينة عاش فيها طويلاً. لا يتغير المكان، ولا يغادر أحد، وتختفي الصلة.
كنتُ أظن أن الستارة تنهي العرض. في هذا المقطع بدأ العرض الحقيقي بعد نزولها.
قبلها كانت امرأة يمدحها الناس، ورجل يصله أثر المديح، واعتذار يحاول أن يعيدهما إلى موضعهما السابق. أحدهم يمدح، وآخر يتألم، وهي تحاول أن تعبر المسافة بينهما. بعد نزول الستارة انقطع الوجه عن الوجه، وصار على الرجل أن يكمل الحكاية من الصوت وحده.
هل واصلت المرأة التمثيل؟
هل التفتت نحوه حين اختفى؟
هل انتبه الممثلون إلى أن واحداً منهم صار خلف الستارة، أم تابعوا أدوارهم لأن النص لم يطلب منهم التوقف؟
لم يقل لقمان. ترك الرجل محجوباً، وأثبت تحت المشهد: دمشق، صيف 1990.
دخلت دمشق من السطر الأخير. لم تظهر في المشهد، ثم وضعت اسمها تحته مثل شاهد حضر الواقعة ورفض الكلام. فكرتُ في مسارحها، وفي الممثلين الذين يخرجون بعد العرض وتبقى على وجوههم بقية من الشخصيات التي لعبوها. فكرتُ في رجل يسير بينهم ولا يعرف إن كان خرج من المسرح أم أن المسرح خرج معه إلى الشارع.
بعض العلاقات تبدأ خارج الخشبة، ثم تتحول إلى عرض لا نعرف متى وافقنا على المشاركة فيه. نتعلم الجملة التي ينبغي أن نقولها، وننتظر دخول الشخص الآخر، ونغار من ممثل وقف في الضوء أكثر منا. وحين يصفق الجمهور، نبتسم جميعاً. لا أحد يعرف ما جرى في الكواليس.
المرأة في المقطع تعرف المديح. كلما مدحها شخص حدث شيء بينها وبين لقمان. اعتذار، أو محاولة لإبعاد أثر الكلمة، أو حركة تعيدهما إلى موضعهما السابق. المديح القادم من الآخرين يدخل العلاقة ويغير هواءها.
تذكرتُ كم كلمة قيلت لشخص وأصابت شخصاً غيره.
يمدح رجل امرأة، فيعود رجل آخر إلى مرآته. يثني شاعر على قصيدة، فيتذكر شاعر آخر صمته. للكلمات أهداف ظاهرة، ثم تمضي شظاياها إلى جهات لم يقصدها قائلها.
ربما كانت تعتذر منه لأنها ترى الشظية تصل. وربما كان اعتذارها يزيد الشظية عمقاً، لأن الجرح الذي يحتاج إلى اعتذار يعترف بوجوده كل مرة. لا أعرف. بقيت الجملة تتحرك في داخلي من دون أن تستقر على وجه واحد.
ثم جاء يوم المسرح العالمي، وتعب الاعتذار.
نزلت الستارة.
أحياناً تصل العلاقة إلى لحظة تعجز فيها الكلمات عن ترميم ما يحدث. يعتذر شخص، يقبل الآخر، ثم تتكرر الواقعة. مع كل تكرار يصبح الاعتذار أخف، ويصبح الألم أقدم. وفي يوم ما ينزل بينهما حاجز لا يحتاج أحد إلى إنزاله بيده.
"أُسدلتِ الستارة".
الفعل لا يخبرنا من أسدلها. لم تفعل المرأة ذلك، ولم يقل الشاعر إنه فعل. حدثت الحركة وحدها. كأن المسرح قرر أن ينهي الدور الذي كان يلعبه الرجل، أو أن الحياة سئمت إعادة المشهد.
ومع هذا لم ينته العرض. بقي الممثلون ظاهرين.
هذا أكثر ما آذاني في المقطع. حين ينتهي شيء عندنا، نتوقع أن يتوقف العالم احتراماً لخسارتنا. نريد أن تنطفئ الأنوار، وأن يصمت الممثلون، وأن يخرج الجمهور حزيناً. لكن الآخرين يتابعون أدوارهم. الشخص الذي غادرنا يضحك في مكان آخر. الشارع يزدحم. المقهى يفتح بابه. والمرأة التي انتهت في حياتنا تبدأ صباحاً جديداً في حياتها.
الستارة التي حجبتنا لا تحجب أحداً سوانا.
خلفها ظل لقمان يسمع امرأة تتلقى مديحاً، وممثلين يتبادلون الجمل، وتصفيقاً يأتي من جهة لا يراها.
ربما عرف أن ظهوره من جديد لن يعيده إلى دوره. وربما رأى، في عتمة المسافة القصيرة بينه وبين المسرح، شيئاً لم يستطع أن يراه وهو واقف تحت الضوء.
انتهى التصفيق، وغادر الجمهور، وأطفأت القاعة مصابيحها. بقيت الستارة في مكانها، وبقي الرجل خلفها، مع أن أحداً لم يعد على الخشبة.
عندها لم تعد الستارة تحجب وجهه عن الآخرين.
صارت تحجب الآخرين عنه.


العالم الضيق والرقعة الفضفاضة
"أنتظرك خارج الطرق ولا أرى في المسافرين سوى قامتك المائلة
عليّ، العالم ضيق عليّ"
(الأعمال الشعرية "ضيوف يثيرون الغبار" ص 99)
"أو هذه الرقعة الصغيرة تحت قدمي
فضفاضة عليّ
إنها الريح، صفير آخر مغنٍّ في هذه الرقعة
إنه الكلام
دونك ودونه
أضع رأسي على الوسادة
ولا أنام"
(الأعمال الشعرية "ضيوف يثيرون الغبار" ص 100)
كان العالم ضيقاً عليه، وكانت الرقعة الصغيرة تحت قدميه فضفاضة.
بين الجملتين جداران لا يعرف المرء أيهما يقترب منه. كيف يضيق العالم، ثم تتسع رقعة صغيرة على الجسد نفسه؟ كيف يعجز الإنسان عن إيجاد موضع له في المسافات كلها، ثم يعجز عن ملء قطعة أرض تحت قدميه؟
عدتُ إلى الصفحة السابقة، فوجدت الحرب.
دخلها لقمان وفي هيئته عشرون منتحراً. بحث عن غيره، ولم يحارب سواه. خرج مرة منتصراً وتحت إبطه عشرون رمحاً مكسّراً، وخرج مرة منهزماً وفي ظهره عشرون رمحاً وكلام.
من يحارب نفسه لا يجد جهة يقف فيها. إذا تقدم، واجه وجهه. إذا تراجع، تبعه. يحمل عدوه معه إلى السرير، ويستيقظ فيجده قد سبقه إلى المرآة. يستطيع الهرب من جيش كامل، ويعجز عن الهرب من شخص يسكن جلده.
العشرون منتحراً دخلوا معه. ربما كانوا أعماراً لم يعشها، أو رجالاً حاول أن يكونهم ثم تعب، أو وجوهاً خرجت منه كلما وقف أمام امرأة أو أب أو مدينة. كل واحد منهم أراد نهايته بطريقته، وكل واحد حمل رمحاً إلى الجسد نفسه.
حين خرج منتصراً، كانت الرماح مكسرة تحت إبطه.
صورة رجل يعود من الحرب حاملاً أسلحة خصومه المحطمة. لا يرون أن الذين هزمهم خرجوا من هيئته، وأن الانتصار وقع داخل جسد واحد.
وحين خرج منهزماً، كانت الرماح في ظهره. في الحالتين بقيت الحرب معه: مرة يحملها، ومرة تحمله.
أما الكلام، فظهر إلى جوار الرماح.
رمح وكلام. جرح يدخل من الحديد، وجرح يدخل من الفم. قد يُسحب الرمح وتبقى الكلمة. يلتئم اللحم حول أثرها، ويكبر الإنسان وهي في موضعها، ثم يأتي ليل هادئ فتتحرك في داخله.
ربما لهذا قال:
"في أوراقك تتجمع نهايتي، في حبرك يدور كلامي"
(الأعمال الشعرية ضيوف يثيرون الغبار" ص 99)
تتجمع نهايته في أوراق شخص آخر. لم تعد النهاية ملكه. صارت موزعة في كتابة لا يمسكها، وفي حبر يدور فيه كلامه بعيداً عن فمه.
من هذا المخاطَب الذي يحمل أوراق النهاية وحبر الكلام؟ امرأة؟ شاعر؟ شخص ورث مسافات الأرض ويخفي الطرق في جيوبه؟ تركه لقمان متحركاً بين الوجوه، وكلما اقترب منه السؤال ابتعد.
ثم ظهرت القامة بين المسافرين.
كان لقمان ينتظر خارج الطرق. لم يقف في محطة، ولم يقل إنه على رصيف. اختار مكاناً أبعد: خارج الطرق. مكان لا يصل إليه المسافرون عادة، ومع ذلك ظل يبحث بينهم عن قامة واحدة مائلة.
القامة المائلة لا تضيع في الحشد. يعرفها من بعيد. ربما مالها التعب، أو طريقة المشي، أو ميل الجسد نحو جهة اعتاد أن ينتظر فيها أحداً. حين نحب شخصاً طويلاً نتعرف إليه من انحناءة كتفه، ومن المسافة بين خطوتين، ومن طريقة حمله للحقيبة. لا نحتاج إلى الوجه.
يمر المسافرون أمامه. كل واحد يحمل وجهه وموعده وبلده، وهو يمحوهم جميعاً كي يبقي قامة واحدة. صار الحشد فراغاً متحركاً، وصارت الغائبة أكثر حضوراً من أجساد تعبر أمام عينيه.
انتظار شخص واحد يجعل العالم ضيقاً.
كل الطرق التي لا تقوده إلينا زائدة. كل المدن التي لا يقيم فيها بعيدة حتى لو كانت أمام البيت. وكل المسافرين الذين لا يحملون قامته يعبرون من دون أن يتركوا أثراً.
ثم قال: "أو هذه الرقعة الصغيرة تحت قدمي".
توقفتُ عند "أو". العالم ضيق عليه، أو الرقعة تحت قدميه فضفاضة. احتمالان لعجز واحد. قد يكون العالم هو الذي تقلص حوله، وقد يكون هو الذي صار أصغر من موضعه. لا يستطيع أن يقرر أين وقع التغير.
تحمل الرقعة مقاس شخص، أو حياة، أو جماعة غادرت، ويقف لقمان فوقها وحيداً. الأرض صغيرة، والوحدة تجعلها فضفاضة. يكفي أن يغيب شخص واحد كي تتسع المدينة كلها حول من بقي.
وجاءت الريح:
"إنها الريح، صفير آخر مغنٍّ في هذه الرقعة"
(الأعمال الشعرية ضيوف يثيرون الغبار" ص 100)
آخر مغنٍّ لم يكن رجلاً يحمل عوداً، كان صفير الريح. وصل بعد انتهاء الأعراس التي بدأت في الصفحة السابقة، وبعد أن هيأ الشاعر نفسه لقتله في كل عرس.
في الأعراس يغني الناس كي يعلنوا بداية حياة. أما هو فكان يتهيأ للموت. كل عرس يفتح باباً لاثنين، ويقيم بينه وبين نفسه موتاً لا يقتله. يخرج العروسان إلى حياتهما، ويعود هو إلى حربه الداخلية.
لهذا بقيت الريح آخر المغنين.
انتهت أصوات الأعراس، وعاد الناس إلى بيوتهم، وسكتت الآلات. عبرت الريح في الرقعة وجمعت ما بقي من الأصوات. صفّرت في موضع ضيق، فبدا صفيرها أغنية شخص لم يجد من يغني له.
ثم صار الصفير كلاماً:
"إنه الكلام، دونك ودونه".
الكلام يقف بين شخصين، وقد يقف دونهما معاً. يخرج من أحدهما فلا يصل إلى الآخر، ويظل عالقاً في المسافة. وفي الليل يعود إلى صاحبه. يضع الرجل رأسه على الوسادة، فتفتح الكلمات أفواهها.
ربما كان الأرق استمراراً للحرب.
في النهار يبحث عن غيره ولا يحارب سواه. في الليل يضع رأسه على الوسادة، فيدخل معه العشرون منتحراً، والرماح، والمسافرون، والقامة المائلة، والأعراس، والموت الذي ينتصب بينه وبين نفسه.
لا ينام لأن الرقعة فضفاضة حتى على جسده الممدد.
بقيت الجملة عند نهاية الصفحة: "العالم ضيق عليّ".
يمر أمام لقمان مسافرون كثيرون، ولا يرى وجوههم. يبحث بينهم عن قامة مائلة يعرفها.
ضاق العالم.
واتسعت الرقعة.
ولم ينم.


ثلاثة أيام بين الباب والوحشة
"لي الحق
أن يقودني أحد ما إلى الهاوية
أن تفوز روحي بالسماء
لي الحق
أن تطرقي الباب يوماً
فلا تجدينني
أن تضعي كفك على كتفي
فتجدي أنها على ماء"
(الأعمال الشعرية "كما لو أنك ميت" ص 149)
بعد ثلاثة أيام كتَبَ:
"هذه السماء الواطئة
والأشجار الكئيبة العارية لي
الشتاءات القاسية
الثلوج ووحشة البرد
الأرصفة والمقاهي الرخيصة
الحانات الصغيرة
والباصات المزدحمة
البشر الحزانى
وضجر الأيام لي
وفي أيامي السوداء
تمضي نضارتك وضحكاتك
فمك المرح
وعيناك المتألقتان إلى سواي
ولكن يكفيني
أن روحك المنكسرة
وشحوبك
ووحشة عينيك دائماً لي"
(الأعمال الشعرية كما لو أنك ميت ص 150)
احتاج لقمان إلى ثلاثة أيام كي ينتقل من الباب إلى السماء الواطئة.
في اليوم الأول أرادها أن تطرق فلا تجده. تخيل يدها على الباب، وانتظر أن تأتي متأخرة. لم يرد أن يفتح، ولم يرد أن يبقى خلفه. أراد غياباً كاملاً، غياباً يجعل الكف حين تبحث عن كتفه تقع على الماء.
في اليوم الرابع كان ما يزال في المدينة.
السماء فوقه واطئة، والأشجار عارية، والباصات مزدحمة، والمرأة نفسها تمضي بنضارتها وضحكاتها إلى سواه. لم تقده الهاوية بعيداً، ولم تفز روحه بالسماء. بقي على الرصيف، يحمل الشتاء والمقاهي الرخيصة وضجر الأيام.
ثلاثة أيام فقط فصلت بين الرجل الذي أراد أن يصير ماءً والرجل الذي قال: "يكفيني".
توقفتُ عند الباب في الصفحة الأولى.
الأبواب تعرف شكل الانتظار. لا تتحرك من مكانها، وتستقبل الطرقات كلها: يداً واثقة، أصابع مترددة، قبضة غاضبة، أو كفاً جاءت بعد زمن طويل لتتأكد أن صاحب البيت ما زال خلفها.
تصعد المرأة الدرج. قد تكون عرفت أنه ينتظرها، أو جاءت من مكان مضت فيه نضارتها وضحكاتها إلى شخص آخر. تقف أمام الباب، ترفع يدها، وتطرق.
لا يفتح أحد.
قد تنادي اسمه، ثم تصمت لتسمع حركة في الداخل. تضع أذنها قرب الخشب. لا صوت. تعود إلى الطرق، أخف هذه المرة، كأنها تخشى أن توقظ غيابه.
أما هو، فقد منح نفسه الحق في ألا يُوجد.
"لي الحق".
كررها مرتين. كأن الغياب يحتاج إلى دفاع، أو كأن الرجل مطالب دائماً بالبقاء في موضع تستطيع المرأة العودة إليه. منحها ضحكته ووقته وانتظاره، ثم طالب بحقه في لحظة تصل فيها فلا تجده.
انتقام صامت: أن تذوق فراغ المكان الذي تركته فيه، وأن تطرق باباً انتظرها خلفه طويلاً، ثم تسمع الصمت نفسه، وتمد يدها إلى كتفه فلا تجد جسداً.
لم يحوّل لقمان كتفه إلى حجر أو هواء.
حوّله إلى ماء.
الماء يُلمس ويفلت في اللحظة نفسها. تدخل الكف فيه، تشعر ببرودته، ثم تخرج خالية. لا تستطيع الإمساك بموضعه، ولا يبقى منه في اليد سوى البلل.
يذوب كتفه تحت كفها. الرجل الذي حمل الرماح والكلام والحروب الداخلية فقد صلابة جسده. صار ماءً كي لا يستطيع أحد أن يجرحه مرة أخرى. فالرمح يدخل اللحم، ويعجز عن تثبيت الماء في مكانه.
ثم جاءت الهاوية.
طلب أن يقوده أحد إليها، كما لو أنه تعب من اختيار الطريق. شخص ما يمسك بيده ويمشي أمامه، وهو يتبعه حتى الحافة. تسقط الروح إلى أعلى، ويفوز الجسد بالسقوط.
قال: "أن تفوز روحي بالسماء".
السماء هنا جائزة للروح، والهاوية طريق الجسد. يسقط المرء، وتصعد منه جهة أخرى. تتوزع نهايته بين أسفل لا قرار له وعلو لا تستطيع العين الوصول إليه.
أوقفه شيء.
بعد ثلاثة أيام كان تحت سماء واطئة.
السماء التي أراد لروحه أن تفوز بها اقتربت من رأسه، وصارت سقفاً ثقيلاً. نزلت إلى المدينة، فوق الأشجار الكئيبة والباصات والمقاهي. لم تفز روحه بشيء. بقيت معه، منكسرة مثل روح المرأة.
في الصفحة 150 من مجموعته "كما لو أنك ميت" قسم لقمان العالم بينه وبين رجل لا يظهر. أخذ لنفسه السماء الواطئة، والأشجار العارية، والشتاءات القاسية، والثلوج، ووحشة البرد، والأرصفة، والمقاهي الرخيصة، والحانات الصغيرة، والباصات المزدحمة، والبشر الحزانى، وضجر الأيام.
الرجل الآخر أخذ نضارتها وضحكاتها وفمها المرح وعينيها المتألقتين.
قِسمة يعرفها العشاق الذين يصلون متأخرين إلى الفرح، ومبكرين إلى الحزن.
تذهب المرأة إلى شخص بوجه مضيء، ثم تعود إلى شخص آخر حين يتعب الضوء. تمنح الأول ما يستطيع الناس رؤيته، وتضع عند الثاني ما تخفيه عنهم. واحد يعرف ضحكتها، وآخر يعرف سبب صمتها بعد الضحك.
قال لقمان: "يكفيني".
قبل ثلاثة أيام أراد ألا تجده، وأن يذوب كتفه تحت كفها. وبعد ثلاثة أيام رضي بروحها المنكسرة وشحوبها ووحشة عينيها.
هل طرقت الباب؟
هل وجدته رغم ما تمناه؟
هل وضعت كفها على كتفه، فوجدت بعض الماء وبعض الجسد، ثم جلست قربه؟
لا تخبرنا الصفحتان بما حدث بين الأول والرابع من تشرين الثاني. تركتا ثلاثة أيام بيضاء، تستطيع حياة كاملة أن تقع فيها.
قد تكون لم تأتِ. وقد يكون كتب غيابها في القصيدة الأولى، ثم رآها في القصيدة الثانية تمنح نضارتها لسواه. وقد يكون الباب تخيلاً، والكف أمنية رجل يريد منها أن تبحث عنه مرة واحدة.
نتخيل أحياناً عودة شخص لأننا لا نستطيع احتمال أنه لن يجرب الطريق. نرتب المشهد: ستطرق الباب، لن تجدنا، ستعرف قيمتنا، ستضع يدها على كتفنا، وسنكون قد صرنا ماءً. نصنع غيابنا بعناية كي تراه، ثم ننتظر.
نريد أن نغيب أمامها، لا بعيداً عنها.
لو كان الغياب غايته، لما احتاج إلى يدها على كتفه. كان يكفي أن يمضي. أرادها شاهدة على تحوله، وأراد كفها أن تعرف أنها تأخرت حتى صار جسده غير قابل للإمساك.
وفي الصفحة التالية صارت روحها المنكسرة له.
كأنه لم يستطع الاحتفاظ بكتفه ماءً. تجمد في الشتاء القاسي، أو أعادته المدينة إلى جسده. صار يمشي بين البشر الحزانى، يركب الباصات المزدحمة، ويجلس في المقاهي الرخيصة.
هذه الأشياء كلها "لي".
كرر الملكية وسط عالم لا يملك فيه المرأة كاملة. حين يعجز العاشق عن امتلاك ما يحب، يبدأ بجمع ما يشبهه. يأخذ الشتاء، والثلج، والرصيف، والحانة، والوجوه الحزينة. يقول: هذا لي، وهذا لي. يبني مملكته من الأشياء التي لا ينازعه عليها أحد.
لا أحد يطلب ضجر الأيام.
لا أحد ينافسه على السماء الواطئة.
أما نضارتها فضاعت في المنافسة.
تمضي بعينيها المتألقتين إلى سواه، ويتبعها لقمان بنظره من مقهى إلى مقهى، من دون أن يناديها. يعرف أن النداء لن يعيد الضحكة إلى جهته. ينتظر الجزء الذي يعرف طريقه إليه: الشحوب، والروح المنكسرة، ووحشة العينين.
"دائماً لي".
كانت "دائماً" أثقل من "لي".
كل ما هو مشرق فيها يعبر، وكل ما هو موحش يعود. صار بيتاً لحزنها. تدخل إليه حين تتعب من الحياة التي تعيشها عند الآخرين، وتترك عنده وجهها الخالي من الزينة والمرح.
قد يكون هذا قرباً نادراً، وقد يكون قدر رجل يتلقى من المرأة ما يتبقى منها بعد أن تنتهي أيامها مع سواه.
بقي حقه القديم في الغياب معلقاً تحت السماء الواطئة.
أين الهاوية؟
أين السماء التي ستفوز بها الروح؟
وأين الكتف الذي صار ماءً؟
كان الباب بعيداً. ربما انتظر طرقة لم تقع. وربما وقعت، ولم يستطع أن ينفذ ما كتبه.
ثلاثة أيام تكفي كي يتراجع الإنسان عن موته.
في اليوم الأول يقول: لي الحق أن تطرقي فلا تجديني.
وفي اليوم الرابع يقول: يكفيني أن تعودي إليّ مكسورة.
بقي الماء بارداً خلف الباب، وفوقه سماء واطئة لم تفز بها أي روح.


البُزُق في الزاوية
يقول لقمان:
"لم يعد هناك ما له ضرورة
ثيابي متسخة
ودفاتري مليئة
كل شيء ركام
البُزُق في الزاوية بلا أوتار
وامرأتي بلا مشاعر"
(الأعمال الشعرية، كما لو أنك ميت ص 170)
في الزاوية ثياب متسخة، ودفاتر مليئة، وبُزُق مطروح بلا أوتار، وامرأة جالسة في جسدها وقد غادرتها المشاعر. كل شيء موجود، وكل شيء فقد الصفة التي تجعله صالحاً للحياة. احتفظت الأشياء بأسمائها وأشكالها، ولم تعد الأسماء وحدها تكفي.
توقفت عند السطر الأول:
"لم يعد هناك ما له ضرورة"
(ص 170)
قالها لقمان، ثم بدأ يعدّد الأشياء.
إذا لم يعد لشيء ضرورة، لماذا بقيت الأشياء كلها؟ لماذا لم تختفِ الثياب والدفاتر والبُزُق والمرأة؟ كأن فقدان الضرورة لا يمحو الشيء، يتركه في مكانه كي يرى صاحبه ما صار إليه. تبقى الثياب شاهدة على الجسد الذي ارتداها، والدفاتر على اليد التي ملأتها، والآلة على الموسيقى التي كانت قادرة عليها، والمرأة على المشاعر التي خرجت منها.
يقف لقمان وسط ممتلكاته عاجزاً عن معرفة أيها يخصه. يمد يده إلى ثيابه فيجد ما علق بها من الأيام. يفتح دفاتره فلا يجد فراغاً لكلمة جديدة. يقترب من البُزُق، ثم يتذكر أن الأوتار غائبة. يلتفت إلى المرأة، فلا يسمع في وجهها ما يقوده إليها.
كل شيء قريب منه بمقدار ما هو بعيد.
الثياب أول ما يواجهه:
"ثيابي متسخة"
(ص 170)
لم يخلعها كي يغسلها، ولم يرمها. نسبها إلى نفسه: "ثيابي". الاتساخ لم يقطع صلته بها. ما زالت تخصه، ويحملها اسمه حتى وهي خارجة من صلاحيتها المؤقتة.
فكرتُ في الثياب التي تحتفظ بأثر من لبسها أكثر مما يحتفظ هو بأثرها. رائحة الجسد، غبار الطريق، بقعة طعام، عرق يوم طويل، دخان السجائر؛ أشياء تدخل القماش وتبقى فيه. يستطيع الإنسان أن ينسى يومه، وتحتفظ به أكمام قميصه.
ثياب لقمان متسخة لأنه عاش داخلها. نظافتها الأولى ذهبت في الطريق الذي عبره. صارت جلداً خارجياً تراكمت عليه الحياة.
بعدها تأتي الدفاتر:
"ودفاتري مليئة"
(ص 170)
كان يمكن لامتلائها أن يكون فرحاً. دفتر الشاعر يمتلئ بما كتبه، بما أنقذه من النسيان، بما استطاع أن يقوله. لكن امتلاء الدفاتر هنا يقف قرب اتساخ الثياب وركام الأشياء. صار عجزاً عن استقبال كلمة أخرى.
لا صفحة بيضاء في تلك الدفاتر. كل موضع فيها يحمل كلاماً سابقاً. الحروف متقاربة كأنها احتمت ببعضها من صاحبها. حتى الهوامش مستعملة، ولا مكان لعلامة جديدة تدل على مرور أحد.
ما الذي يفعله الشاعر حين تمتلئ دفاتره ويبقى الكلام داخله؟
قد يكتب على الغلاف. قد يضع جملة بين سطرين لا يتسعان لها. قد يمحو كلمة قديمة كي يمنح مكانها لكلمة وصلت متأخرة. وقد يغلق الدفتر ويترك الكلام يعود إلى جسده.
الدفتر الممتلئ يشبه قلباً لم يعد قادراً على استقبال خسارة جديدة. كل صفحة فيه مأخوذة، وكل سطر يحمل ثقله. وحين تأتي القصيدة التالية، تقف خارج الغلاف.
ثم يقول:
"كل شيء ركام"
(ص 170)
لم يقل إن الأشياء صارت ركاماً. قال إن كل شيء ركام، كأن الركام كان حقيقتها التي تأخر في رؤيتها. الثياب فوق يوم مضى، والدفاتر فوق كلام مضى، والآلة فوق موسيقى مضت، والمرأة فوق مشاعر مضت. لا نرى ما تحتها، ونعيش فوق طبقات ما انهار.
يحافظ بعض الخراب على توازنه بطريقة غامضة؛ قطعة تسند قطعة، وذكرى تسند ذكرى، وخيبة تمنع خيبة أخرى من الانهيار. إذا سُحبت واحدة تحرك البناء كله.
وفي الركام يظهر البُزُق:
"البُزُق في الزاوية بلا أوتار"
(ص 170)
لم يكن مكسوراً. جسده باقٍ، وعنقه باقٍ، والاسم باقٍ. الأوتار وحدها غابت. وهذا الغياب الصغير أطفأ الآلة كلها.
ماذا يفعل البُزُق بجسده حين لا يجد أوتاره؟
يحتفظ بهيئة الموسيقى، ويعجز عن إطلاقها. كل لحن كان ممكناً ما زال محبوساً في الخشب. الأصابع تمر على موضع الأوتار، ولن يصل منها صوت. قد يتذكر العازف حركة يده، وقد تتذكر الآلة الضغط الذي كان يوقظها، لكن الهواء بينهما لن يحمل شيئاً.
البُزُق في الزاوية، والزاوية مكان الأشياء التي نريد الاحتفاظ بها من دون أن تعترض طريقنا. لا نرميها، ولا نعيدها إلى الاستعمال. نضعها جانباً ونؤجل القرار. كلما مررنا بها قلنا: يوماً ما. ثم تطول الأيام، ويصير التأجيل غباراً آخر عليها.
ربما انقطعت الأوتار واحدة بعد أخرى. وربما نزعها لقمان كي لا تعود الآلة قادرة على تذكيره بما كانت تقوله. ما أعرفه أن الجسد الخشبي بقي ينتظر يداً لن تجد ما تعزف عليه.
ثم جاءت المرأة:
"وامرأتي بلا مشاعر"
(ص 170)
وضعها لقمان بعد البُزُق مباشرة. آلة بلا أوتار، وامرأة بلا مشاعر. جسدان احتفظا بهيئتيهما، وغاب عنهما ما يجعلهما قادرين على الاستجابة.
الأوتار موضع عبور صوت البُزُق، والمشاعر موضع عبور حضور المرأة إلى الآخر. حين تغيب الأوتار يبقى الخشب. وحين تغيب المشاعر يبقى الجسد. يستطيع الرجل أن يرى الآلة والمرأة، ولا يستطيع أن يصل إلى ما ينتظره منهما.
لم يقل: امرأة. قال: "امرأتي". مثلما قال: "ثيابي" و"دفاتري". ياء الملكية تجمع ما لم يعد قادراً على منحه شيئاً. ثيابه له، ودفاتره له، وامرأته له، والبُزُق قريب منه. الامتلاك لم ينقذ أي شيء.
ربما كانت المرأة تحمل صمتاً أثقل من صمت الآلة. يجمعهما غياب خفي: هي لا تشعر، وهو لا يعزف.
يمكن تخيل لقمان يمد خيطاً من البُزُق إليها. يريد أن يصنع وتراً واحداً يصل الخشب بالقلب. يشدّه قليلاً، يلمسه بإصبعه، فيخرج صوت ضعيف لا يعرف إن كان موسيقى أو أنيناً. تلتفت المرأة لحظة، ثم يعود وجهها إلى سكونه.
قد تكون المشاعر هي الأوتار التي انقطعت منها.
وقد يكون البُزُق صورتها الخشبية في الزاوية.
كلما أعدت قراءة الأسطر، شعرت أن الأشياء لا تتجاور صدفة. الثياب والدفاتر والبُزُق والمرأة أجزاء جسد واحد. الثياب جلده المتسخ. الدفاتر ذاكرته الممتلئة. البُزُق صوته الذي فقد طريقه إلى الهواء. والمرأة موضع الشعور الذي انطفأ. أما الركام فهو الجسد كله حين تتراكم أجزاؤه ولا تعود قادرة على العمل معاً.
لا شيء في هذا الجسد يمكن إصلاحه منفرداً. غسل الثياب ممكن، وفتح دفتر جديد ممكن، وتركيب أوتار جديدة ممكن. أما العودة إلى الضرورة فصعبة. الشيء الذي فقد ضرورته قد يستعيد وظيفته ولا يستعيد معناه.
يمكن للبُزُق أن يحمل أوتاراً جديدة. السؤال: هل بقيت يد تريد العزف؟
يمكن للدفتر أن يجد صفحة أخرى. السؤال: هل بقي كلام يريد أن يُكتب؟
يمكن للمرأة أن تستعيد مشاعرها. السؤال: هل ستعود إلى الرجل نفسه؟
في آخر المشهد يقترب لقمان من الآلة، يحملها، ويضعها على ركبته. يمرّر يده فوق الموضع الذي كانت فيه الأوتار. لا يخرج صوت.
ترفع المرأة رأسها.
للحظة قصيرة يخيل أنها سمعت.
يعيد البُزُق إلى الزاوية، وتبقى يداه في هيئة عازف.
الأشياء التي لا يخفق لها قلب
"على كل الأحجار
سأرى حروف اسمك
وعلى كل الوجوه
سأرى ملامحك
بعدك
سأحب الجدران والأشجار وإشارات المرور
بعدك
سأحب أي شيء
لا يخفق له قلب
وساعة يشاء
يتوقف عن الخفقان"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة" ص 210)
وبعد تسعة وثلاثين يوماً كتب:
"إلى عبد المنعم عمايري
تحت شجرة الورد
سأدمي أصابعي
وأنا أقطف الورد لك
تحت شجرة الورد
سألمّ باقة كبيرة
وأرميها أمام باب بيتك.. الخالي"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة" ص 211)
بدأتُ بالأحجار.
اختار لقمان أشياء لا تتحرك كي يرى عليها اسم شخص غادر. الحجر لا يلتفت، ولا يغير موضعه حين يضيق بصاحبه، ولا يستيقظ صباحاً ويقرر أن يحب شخصاً آخر. يبقى حيث وُضع، ويحمل ما يُكتب عليه حتى تمحوه الريح أو يدوسه العابرون.
تخيلتُه يكتب الاسم على حجر أول، ثم يرفع رأسه فيراه على حجر ثانٍ وثالث. لم يعد محتاجاً إلى الكتابة. العين التي فقدت شخصاً تتكفل بالباقي؛ تقرأ الحروف في الشقوق، وتجمعها من ظلال الأشجار وواجهات المحلات.
حين يغيب شخص، يتآمر التشابه علينا.
وجه عابر يحمل جبهته. امرأة تدير رأسها بالطريقة نفسها. كتف يظهر بين الناس، فنسرع خطوتنا، ثم يتغير الوجه لأننا صدقنا الرغبة أكثر مما صدقنا العين.
قال لقمان: "وعلى كل الوجوه سأرى ملامحك".
لم يعد للناس حق في وجوههم. صار كل وجه محاولة ناقصة لاستعادة وجه واحد. العينان من شخص، والفم من شخص آخر، وطريقة الابتسام من غريب يعبر الشارع. يجمع العاشق القطع، ولا يكتمل الغائب.
توقفتُ عند "بعدك".
كتبها وحدها، ثم تركها تسقط مرتين.
الكلمة قصيرة، وما يأتي بعدها طويل: الجدران، والأشجار، وإشارات المرور، وكل شيء لا يخفق له قلب.
ماذا يفعل القلب حتى يختار لقمان الأشياء التي لا تملكه؟
يخفق، ثم يتوقف ساعة يشاء.
الرجل لم يتعب من الحب. تعب من الحرية التي يملكها قلب الآخر: أن ينبض له اليوم، ثم ينسحب غداً؛ أن يعده بالبقاء في ساعة، ثم يتصرف في الساعة التالية كأن الوعد صدر من جسد آخر.
الجدار أرحم.
يمكن أن يسند ظهره إليه، فلا يبتعد. يكتب اسماً عليه، فيحفظه ما استطاع. لا يقول إنه تغير، ولا يحتاج إلى تفسير مشاعره.
والشجرة أرحم.
تسقط أوراقها في موعد تعرفه، وتعود إليها في موعد تعرفه. إذا عريت في الشتاء لا تدّعي أنها ما زالت خضراء. جذورها في الأرض، وتبدلاتها تحدث أمام العين.
أما إشارة المرور فتمنح ثلاثة ألوان ولا تخدع.
الأحمر يعني توقف. الأخضر يعني امضِ. الأصفر يطلب الانتباه. لو كانت العلاقات بهذا الوضوح، لما رأى أحد الأخضر في عينين ثم صدمه الأحمر بعد خطوة، ولما وقف أحد أمام شخص منحه الألوان الثلاثة في اللحظة نفسها.
لقمان، بعد الغياب، أراد أن يحب الإشارة.
تضيء وتنطفئ وفق نظام لا علاقة له بالملل أو الخوف أو وصول شخص جديد. يقف الناس أمامها، ثم يعبرون. لا تعد أحداً بأنها ستظل خضراء.
مع هذا، يصعب تصديقه حين يقول إنه سيحب الأشياء التي لا تخفق. الرجل الذي يرى حروف الاسم على كل حجر ما زال قلبه يعمل أكثر مما يحتمل. والرجل الذي يرى ملامح شخص واحد على وجوه الناس لم يصل إلى برودة الجدار. كان يبحث عن مخبأ لقلبه، فاختار الأشياء التي لا تستطيع تقليده.
بعد تسعة وثلاثين يوماً كان تحت شجرة ورد.
ترك الأحجار والجدران وإشارات المرور، وبدأ يقطف.
الورد كائن آخر. له عمر قصير، ويذبل في اليد التي تحمله. لا يمنح عاشقه ضمانة البقاء. ومع هذا مد لقمان أصابعه إليه، وهو يعرف أنها ستدمي.
كان يستطيع أن يختار وردة واحدة. أراد باقة كبيرة، فقبل أن يدفع من أصابعه ثمنها. كل وردة تضيف جمالاً إلى الباقة، وجرحاً إلى اليد.
"سأدمي أصابعي وأنا أقطف الورد لك".
الهدية تبدأ بالدم قبل أن تصل إلى صاحبها. من يستلم الباقة يرى الألوان، وقد لا يرى الوخزات التي صنعتها. يضع الورد في إناء، بينما يبقى أثر الشوك في أصابع شخص آخر.
كم هدية حملت جرحاً لم نره؟
قصيدة وصلت مرتبة، وخلفها ليالٍ من الأرق. باقة ورد وصلت برائحتها، وبقيت اليد التي دخلت بين الأغصان بعيدة عن العين.
لقمان لم يحمل الباقة إلى الداخل.
رماها أمام الباب.
والبيت خالٍ.
كان عبد المنعم عمايري مكتوباً في أعلى الصفحة، والباب في آخرها. بين الاسم والباب شجرة ورد، وأصابع تدمي، وباقة تكبر. وصل العطاء إلى مكانه، ثم لم يجد من يستقبله.
الورد ملقى على العتبة. لا يد ترفعه، ولا مزهرية تنتظره. الباب مغلق، والبيت يحتفظ بخلوه. ريح خفيفة تحرك الشريط الذي يجمع الباقة، وصاحب الاسم لا يظهر.
لماذا يقطف المرء ورداً لبيت يعرف أنه خالٍ؟
ربما لأن الهدية تحتاج إلى الوصول حتى في غياب صاحبها. وربما لأن الباب، مثل الحجر، قادر على حمل أثر من مر به. تُترك الباقة أمامه، وتقول للمكان: جئت.
بعدك سأحب الجدران.
وفي الصفحة التالية صار الجدار جدار بيت خالٍ. لم يعد مجرد شيء بلا قلب. صار آخر موضع يستطيع أن يستقبل الحب نيابة عن الغائب.
على سيقان الورد بعض قطرات الدم. لونان متجاوران: أحمر خرج من الزهرة، وأحمر خرج من اليد. يصعب أن نعرف أيهما كان الهدية.
الباب لا يخفق، لكنه حمل الغياب كله. الحجر لا يخفق، لكنه امتلأ بحروف الاسم. إشارة المرور لا تخفق، لكنها وقفت بين انتظار وعبور. الأشياء التي لجأ إليها كي ينجو من القلب صارت تحمل آثاره أكثر من البشر.
ربما لا نستطيع حب الأشياء وحدها. نحب ما وضعه الغائب فيها.
نحب الكرسي لأنه جلس عليه، والجدار لأنه أسند رأسه إليه، والطريق لأنه مشى فيه، وإشارة المرور لأنها أوقفته أمامنا لثوانٍ إضافية.
ومتى يختفي الغائب من الأشياء؟
قد يبهت الاسم على الحجر. قد تُطلى الجدران. قد تُقتلع الشجرة، وتتغير إشارات المرور. ومع ذلك يبقى شخص يقف في المكان ويقول: كان هنا.
لم يفتح أحد.
بدأ الورد يذبل، وجف الدم على أصابع لقمان. في المساء أضاءت إشارة المرور القريبة لونها الأحمر، مع أن الطريق كان فارغاً.
نظر إلى الحجر قرب قدميه.
كان الاسم مكتوباً عليه.


من يكسر الحصن من دون أن يكسرني
"إلهي.. الضعيف مثلي
الموحش مثلي
إلهي الذي يحبني
كي يجرّدني من كل شيء
ويأخذ مني كل شيء
ويرمي إلى الآخرين
كل ما هو عزيز عليّ"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص حصن الكآبة، ص 269)
في "حصن الكآبة" يجلس الإله قرب لقمان.
ضعيف مثله، موحش مثله، يحبّه بالطريقة التي تأخذ منه كل شيء. لا عرش ولا سماء ولا ملائكة. اثنان تجمعهما هشاشة واحدة، ويؤذي أحدهما الآخر لأنه يملك قدرة أكبر على الأذى.
قال لقمان: "إلهي الضعيف مثلي".
كرّرها في الشذرات، حتى صار النداء عاجزاً عن الصعود. بقي قرب الجسد، عند مستوى السرير والأسنان والكتف والجوع والبرد. الإله الذي يخاطبه ينام بجانبه، يطعمه، يجرّعه كأس المرارة، يضع ثقل حبّه على كتفه، ويغيب حين يحتاج إليه.
اقترب الإله من الإنسان حتى التبس الأمر: أيهما يواسي الآخر؟
حين نقول "إلهي" نمدّ أيدينا إلى قوة نريدها أن ترفعنا. لقمان مدّ يده فوجد ضعفاً يشبه ضعفه. كأن الواحد منهما نظر إلى الآخر وقال: من يحمل مَن؟
"إلهي الضعيف مثلي
ويحبني
فلا يترك أمامي
ولا خلفي
ولا يميني
ولا شمالي
ما يسندني
ما يجعل مني
من يسير دون أن يقع"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
"حصن الكآبة"، ص 270)
أحاطه الحب من الجهات الأربع، وسحب ما يسنده.
الحب هنا يد تفرغ الطريق حول من تحب، ثم تراقبه وهو يمشي بلا عكاز. الجهات موجودة، والدعامة غائبة.
يمشي الإله قرب لقمان من دون أن يمد يده. يعرف أن الرجل سيتعثر، ويعرف موضع الحجر، ويواصل السير. ربما كان ضعيفاً حقاً، عاجزاً عن حمل جسد آخر. وربما أحب سقوطه، لأن بعض المحبين لا يعرفون حضورهم إلا حين يحتاج إليهم من وقع.
ثم جاء العمر:
"إلهي الذي جعلني
أتخطى الثلاثين
دون ارتباك
ثم بعد ذلك.. أربكني"
(الأعمال الشعرية، وحوش العاطفة
"حصن الكآبة"، ص 271)
مرّت الثلاثون هادئة، ثم بدأ الارتباك بعدها. الرقم الذي يخشاه الناس لم يفعل شيئاً. انتظر الإله حتى اطمأن الرجل إلى عبوره، ثم خلط الطرق في رأسه.
لقمان يتحدث عن إله يعرف المزاح الثقيل. يتركه يعبر الحافة، حتى إذا وضع قدمه على الجهة الأخرى وأخذ نفساً، دفع إليه الحيرة. لا تأتي الضربة في موعدها المتوقع. تنتظر حتى يخلع الإنسان درعه.
في الصفحة التالية صار الجسد عجوزاً والروح نضرة. كسر الإله أسنانه ثم رمى إليه الطعام. ترك الرغبة في المضغ، وأخذ منه القدرة. الطعام أمامه، والجوع حاضر، والفم عاجز.
كم مرة وصلت الحياة بعد أن فقدنا العضو الذي يستقبلها؟
يأتي الحب حين يتعب القلب. يأتي البيت بعد أن يضيع الذين كنا نريد إسكانهم فيه. تصل الحكمة بعدما ننفق العمر في الأخطاء. يوضع الطعام أمام أسنان مكسورة، ويقال للجائع: كُل.
ثم صار لقمان طائراً:
"إلهي الذي يحبني
فأحالني طيراً بلا جناح
وأحالني طيراً
لا يجيد الغناء
إلهي الذي يظن بأنه أحالني طيراً"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص "حصن الكآبة"، ص 273)
توقفتُ عند ما يظنه الإله.
خلق طائراً بلا جناح ولا غناء، وظن أنه أكمل التحول. رأى الهيئة، ولم ينتبه إلى ما ينقصها. للطائر اسمه وشكله، لكنه لا يطير ولا يغني.
عاد البُزُق في الزاوية بلا أوتار. آلة تحتفظ باسمها ولا تعزف. طائر يحتفظ باسمه ولا يطير. رجل يحمل جسده ولا يعرف كيف يعيش فيه. الأشياء عند لقمان تصل إلى صورتها ثم تفقد الفعل الذي خُلقت من أجله.
الإله نفسه أخطأ في تقدير ما صنع.
خرجت هذه الجرأة من عتاب شخص يعرف مخاطَبه منذ زمن طويل. يستطيع أن يقول له: ظننتَ أنك جعلتني طائراً، وانظر إليّ الآن، أمشي على الأرض بجناح لم تمنحنيه وأغنية لم تعلمني إياها.
في الصفحة 274 ناوله كأس المرارة حين عطش، وطلب منه أن يرتوي. العطش يجعل اليد تقبل الكأس قبل أن تسأل عما فيه. يشرب الرجل، فيزداد عطشاً، ثم يسمع من سقاه يقول: ارتوِ.
الحب الذي يقدمه هذا الإله يمنح المحبوب نقيض حاجته: الطعام بعد كسر أسنانه، والمرارة عند العطش، وهيئة الطائر من دون جناح.
ومع هذا يقول لقمان إنه يحبه.
لماذا؟
جاء الجواب في صفحة قصيرة:
"أحبك يا إلهي
لأنك تعيس مثلي
وهش مثلي
أحبك
لأنك.. إلهي"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص"حصن الكآبة"، ص 280)
أحبّه لتعاسَته وهشاشته.
الحب صار تعرفاً بين كائنين مجروحين. لقمان يرى في إلهه شيئاً من نفسه، ويرى في نفسه شيئاً يجرؤ على الوقوف قرب الإله.
ربما غفر له قسوته لأنه تعيس. نفعل هذا مع من نحبهم. نفسّر أذاهم بجراحهم، ونضع الألم الذي صنعوه فينا قرب الألم الذي يسكنهم، ونحاول أن نجعل الجرحين يتفاهمان.
"أحبك لأنك إلهي".
وصلت العبارة بعد كل ما فعله به: أخذ أعز ما لديه، تركه بلا سند، أربكه، كسر أسنانه، سقاه المرارة، وجعله طائراً عاجزاً. ومع ذلك ظل الضمير متصلاً به: إلهي.
الياء آخر ما بقي للقمان.
أخذ منه كل شيء، ولم يأخذ ياء الملكية. بقي يستطيع أن يناديه وينسبه إلى نفسه. قد يكون قاسياً وغائباً وهشاً، لكنه إلهه.
في صفحة أخرى نام الإله قربه ملء جفنيه، وهو يعرف أن لقمان لا ينام. هما في سرير واحد: أحدهما غارق في نومه، والآخر يحدق في السقف. القرب كامل، والنجدة غائبة. لا أحد أبعد من شخص ينام قرب أرقك.
يتقلب لقمان، والإله لا يستيقظ. يعرف أن النائم يسمعه في مكان ما من نومه، ويعرف أنه اختار ألا يفتح عينيه.
وعندما وضع الإله ثقل حبه على كتفه، انهار لقمان وسقط، ولم يره. أما حين شرد عنه لحظة، رآه:
"إلهي الذي يضع بثقل حبّه على كتفي
فأنهارُ وأسقطُ.. ولا يراني
إلهي الذي
إذا ما شردتُ بغيره لحظة
.. يراني"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص "حصن الكآبة"، ص 277)
إله يغيب عن سقوطه، ويستيقظ على شروده.
يعرف الغيرة أكثر مما يعرف الإنقاذ. لا يرى الجسد تحت ثقل حبّه، ويرى العين حين تلتفت إلى جهة أخرى. يريد من لقمان أن يبقى له، حتى وهو يتركه وحده.
انعكست العلاقة السابقة: صار لقمان هو الذي ينظر إلى سواه لحظة، وصار الإله هو الغيور. ارتفعت العلاقة إلى السماء، ثم عادت تحمل الجرح البشري ذاته.
وفي وسط الحصن طارت العصافير من جوفه:
"تطير العصافير من جوفي
تطير من حصن الكآبة
إلى سمائها
وتنفض عن أجنحتها
رماد ألواني"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص "حصن الكآبة"، ص 278)
الطائر الذي جعله الإله بلا جناح ولا غناء ظهر مرة أخرى جماعة من العصافير. كانت مختبئة في الجوف، ثم وجدت منفذاً من حصن الكآبة. حملت ألوانه على أجنحتها رماداً، ونفضته وهي تصعد.
خرج ما بقي من ألوانه مع الطيور، وسقط رماداً في الطريق. وصلت العصافير إلى السماء أخف، وبقي داخل الحصن أقل لوناً.
في الصفحة التالية قال للإله:
"إلهي الذي تركتني وحدي
عندما أردتك
وعندما أردت أن أبقى لوحدي
وجدتك بين أسناني"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
نص "حصن الكآبة"، ص 279)
بين أسنانه.
دخل الإله إلى أكثر مواضع الجسد ضيقاً. حين طلبه لقمان لم يجده، وحين أراد الوحدة ظهر في فمه. ربما صار طعماً، أو كلمة لا يستطيع إخراجها، أو ألماً بين سنَّين.
الإله عند لقمان يختار وقت حضوره وأكثر الأماكن إزعاجاً. يغيب عن القلب، ثم يظهر بين الأسنان. ينام قرب الأرق، ويستيقظ على الخيانة.
في الصفحة 281 صار الإله معلّم البكاء، وسارق ثياب لقمان تحت المطر، ومطفئ النار. عذّبه وآلمه، وحين برد لم يدثره. جعله أمياً ولم يوحِ إليه.
وفي الصفحة التالية وضع لقمان موته بين يديه:
"بين يديك يا إلهي
بين كفيك المعروقتين
أنتشي وأنت تتلمّسني
تخرج روحي من بين أصابعك
وتضيع في الهواء
اقتلني يا إلهي
لأنني لا أستطيع الموت
إلا بين يديك
اقتلني
كي تعود روحي من الهواء
إلى رئتيك"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
"حصن الكآبة"، ص 282)
الموت هنا يعيد الروح إلى موضع لم يكن متوقعاً: رئتي الإله. له كفان معروقتان، وأصابع تخرج روح لقمان من بينها، ورئتان تنتظران عودتها. يتلمّسه فينتشي، ثم تضيع روحه في الهواء. يطلب لقمان منه أن يقتله كي تكتمل دورة الروح: تخرج من بين أصابعه، وتضيع، ثم تعود إلى رئتيه. يصير القتل عودة، والموت آخر هيئة للعناق.
ثم ظهرت الشام:
"وفي الشام ياسمينك
الذي ما قطفته لسواك
ووردك
الذي ما وضعته في كأس سواك
وفي الشام كل الذين يحبونني
ويصمتون
لأنهم يعرفون
أن قلبي لا يدق لسواك"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
"حصن الكآبة"، ص 283)
في الشام يحتفظ لقمان بياسمين الإله وورده للإله وحده، ويعرف الذين يحبونه أن قلبه محفوظ للجهة نفسها، فيصمتون. الياسمين والورد والكأس والناس الصامتون، والغيرة تدخل المكان مثل رائحة.
بعدها عاد لقمان إلى طفولة مشتركة مع الإله:
"إلهي الضعيف مثلي
الذي كان صغيراً مثلي
حبونا معاً
وشربنا الحليب معاً
تعثرنا معاً
إلهي الذي أفلح بخطوته الأولى دوني
فأغلق الباب عليّ وغاب"
(الأعمال الشعرية، "وحوش العاطفة"
"حصن الكآبة"، ص 284)
في الصفحة طفلان يحبوَان على الأرض، يشربان الحليب، ويتعثران. لا خالق ومخلوق، ولا قوي وضعيف. طفلان بدآ معاً. ثم وقف أحدهما قبل الآخر، خطا خطوته الأولى، خرج، وأغلق الباب.
بقي لقمان على الأرض. ربما حاول الوقوف فسقط، ونادى الطفل الذي سبقه فلم يسمع جواباً. ظل يسأل لماذا استخدم الآخر أول خطوة كي يغادر.
عند ذلك الباب بدأ "حصن الكآبة". كل حجر أضيف بعده كان محاولة لحماية الطفل الذي بقي في الداخل: حجر من الغياب، حجر من المرارة، حجر من الأرق، حجر من الأسنان المكسورة، حجر من الطائر العاجز، حجر من الشتاء بلا ثياب.
استغرق البناء عمراً:
"إلهي الذي طيلة العمر
كان يبني حصن الكآبة حولي
حجراً حجراً
وعندما أغلقه عليّ تماماً
أراد أن يراني
فلم يرَ سوى الكآبة
فضجر مني وتركني وحدي"
(الأعمال الشعرية، "وحوش الكآبة"
نص "حصن الكآبة"، ص 285)
بنى الحصن حوله، ثم نسي أن الجدران ستحجب الرجل.
حين اكتمل البناء، جاء الإله ليراه. نظر فلم يجد لقمان. رأى الكآبة التي بناها بيديه، فضجر من المشهد وتركه وحده.
قاسية فكرة أن يصنع شخص سجنك، ثم يلومك لأنه لم يعد يرى وجهك. يضع حجراً كل يوم حولك، يعلمك الخوف، يأخذ ما يسندك، يتركك في البرد، يثقل كتفك بحبه. وبعد أعوام يسألك: لماذا تغيّرت؟ أين الشخص الذي عرفته؟
ذلك الشخص داخل الحصن.
ربما يطرق الجدار من الجهة الأخرى. ربما صار صوته خافتاً. وربما التصقت الكآبة بوجهه حتى لم يعد قادراً على التمييز بين ما هو منه وما بناه الآخر حوله.
وفي الصفحة الأخيرة خرجت الأسئلة:
"من الذي سيأخذ بيدي
من الذي سيعرف مكاني
من الذي سيكسر حصن الكآبة حولي
دون أن يكسرني"
(الأعمال الشعرية،"وحوش العاطفة"
نص"حصن الكآبة"، ص 286)
هذا هو الخوف كله: أن تأتي النجدة متأخرة وقوية.
الحصن صار قريباً من الجسد. حجارته التصقت بالجلد، وربما دخل بعضها في العظم. من يحاول هدمه قد يهدم الرجل معه.
كيف نخرج شخصاً من حزنه من دون أن ننزع الأجزاء التي صارت منه؟
قد نقول له: انسَ، فتسقط ذاكرته مع الجدار. نقول: ابدأ من جديد، كأن عمره السابق غرفة يمكن مغادرتها. نفتح نافذة بالقوة، فيدخل الضوء على عينين اعتادتا العتمة وتؤلمهما الرؤية.
لقمان لا يطلب من يكسر الحصن فقط.
يطلب يداً تعرفه أولاً: "من الذي سيعرف مكاني؟"
يجب أن يعرف المنقذ أين يقف الرجل خلف الحجارة، حتى لا يهبط المعول على رأسه. يحتاج إلى الإصغاء قبل الهدم. يضع أذنه على الجدار، ينتظر طرقة من الداخل، ثم يزيل حجراً واحداً.
حجراً حجراً بُني الحصن.
وحجراً حجراً ينبغي أن يُفتح.
من داخل الجدار يأتي الصوت:
اكسر الحصن.
وانتبه إليّ.


الرجل الذي يحمل نفسه إلى البيت ويقتلها
تقف المرآة أمام لقمان. في زجاجها شخص يظهر حين يختفي الناس، يعرف مواضع الكسور فيه، ويحفظ الذين مرّوا ثم غادروا، ويعرف كم مرة حمل نفسه ومشى بها كي لا يلاحظ أحد أنها كانت تنزف.
يقول لقمان:
"نفسي.. من أرى في المرآة"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال" ص 315)
تأتي النفس أولاً، ثم تترك نقطتين قبل السؤال، كأن الجواب سبق سؤاله بأعوام. "نفسي.." ثم: من أرى في المرآة؟ يعرف الجواب قبل أن يكتمل السؤال، ومع ذلك تبدو النفس قريبة، وكلما اقترب من الزجاج ابتعدت. يرى وجهه، وآثار العمر، وعينين أنهكهما السهر، وفماً قال ما استطاع وابتلع ما عجز عن قوله. أما النفس فلا يعرف أين تقف داخل هذه الملامح. ربما تختبئ خلف العينين. ربما تقف وراء كتفه وتطل من خلاله. وربما تكون ذلك الغريب الذي يخفض نظره كلما التقت نظراتهما.
لقمان يعرف هذا الغريب. يعرف أنه رفيقه الأخير، ويعرف الثمن الذي دفعه حتى وصل إليه. جاء الآخرون وذهبوا، وبقيت النفس معلقة بالوجه، محكومة بصاحبها، عاجزة عن مغادرته مهما ضاقت به.
يفتح الشاعر نافذة في طابق عالٍ. لا يطل منها ليرى الشارع. يطل كي يرى مَن سيخاف عليه إذا وقع:
"وإذا وقعت من طابق عالٍ
لن يخاف علي أحد سواي"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال" ص 315)
الرجل سقط قبل أن يقف على الحافة. بدأ السقوط يوم اكتشف أن الخوف عليه صار مهمته الشخصية. يحتاج الإنسان إلى قلب يرتجف حين يتأخر، يرفع رأسه إلى نافذته، يتخيل جسده في خطر، ويمد إليه خوفاً يسبقه إلى الأرض.
لقمان يقف في الأعلى وفي الأسفل معاً. هو الجسد الذي سيقع، وهو الخوف الذي سيرتفع إليه. يتوزع بين رجلين كي يكتمل مشهد يحتاج في العادة إلى اثنين.
وحين يقع يرسل نفسه لتلتقطه:
"وإذا سقطت..
فلن يلتقطني.. سواي"
(ص 315)
توقفتُ عند الفراغ الذي صنعته النقطتان بعد "سقطت". السقوط يحدث داخلهما. لحظة قصيرة في الكتاب، طويلة في الجسد. يترك الشاعر نفسه معلقة بين الطابق والأرض، ثم يضع نقطتين أخريين قبل "سواي"، كأن الذي ينتظره في الأسفل احتاج إلى وقت كي يفتح ذراعيه.
كيف يلتقط المرء نفسه وهو الساقط؟
عليه أن يسبق جسده إلى الأرض. أن ينقسم وهو يهوي. أن يترك نصفه في الهواء ويرسل نصفه الآخر إلى الرصيف. وعندما يصل، يجد ذراعيه مفتوحتين له. يحتضن المصاب منقذه، ثم يكتشف أن اليد التي انتشلته تحمل أصابعه نفسها.
يكتب لقمان:
"وإذا ملت ستسندني نفسي
وإذا بكيت ستمسح نفسي دموعي"
(ص 315)
تخرج النفس من المرآة كلما مال، تضع كفها تحت ذراعه، تعيده قليلاً إلى وقفته، ثم تعود إلى الزجاج. وحين يبكي تمسح دموعه باليد التي بكى فيها كل هذا العمر.
كم نفساً يحتاج المرء كي يبقى حياً؟
واحدة تسير، وأخرى تسندها. واحدة تبكي، وأخرى تمسح دموعها. واحدة تخسر، وأخرى تربت على كتفها. واحدة تسكر، وأخرى تعيدها إلى البيت. يمتلئ النص بأشخاص يحملون الوجه ذاته، حتى تبدو وحدة لقمان مزدحمة به. تركه الغائبون مضطراً إلى أن يتكاثر في داخله كي يؤدي الأدوار التي فرغت من أصحابها.
يدخل سباقاً فيجد خصمه أمامه، وحين يدقق في ظهره يعرفه:
"لأنني إذا دخلت في سباق
لن أتمنى أن يسبقني أحد سواي
وإذا خسرت أمام نفسي
فلن يربت على كتفي سواي"
(ص 315)
يريد أن يسبقه أحد، شرط أن يكون هو. يريد أن يخسر أمام النسخة الأسرع منه، أمام لقمان الذي استطاع أن يصل، أمام الرجل الذي لم يتعثر في المواضع نفسها. المضمار دائرة مغلقة، والعدّاء يطارد ظهره، والجمهور غائب.
وعندما تنتهي الجولة ويخسر أمام نفسه، يعود الفائز إلى الخاسر ويربت على كتفه. اليد التي هزمته هي اليد التي تواسيه. كأن النفس تعرف أن انتصارها عليه يجرحهما معاً. تجتاز خط النهاية، تلتفت، تراه متعباً خلفها، فتعود إليه. لا تتركه ملقى على المضمار. تقول له من خلال التربيتة: خسرت أمامي، وأنا منك، فانهض كي نعود معاً.
ثم يسكر.
لا ينسى نفسه على طاولة في حانة، بين كأس فارغة وكرسي دفعه أحدهم إلى الخلف. النفس تصاحبه في سكره، تتحمل خطوه المضطرب، تضع ذراعه حول عنقها، وتقوده إلى البيت:
"وإذا سكرت
لن يوصلني أحد إلى البيت سواي
ولن ينام بجانبي أحد سواي"
(ص 315)
يمشي ليلاً في شارع. رجل يترنح، ورجل غير مرئي يمسكه. كلاهما لقمان. الأول أضاع الطريق، والثاني يحفظه. الأول يريد أن يجلس على الرصيف، والثاني يقنعه بأن الباب قريب. يصلان إلى البيت، فيبحث السكران عمن ينام بجانبه، فيجد الرفيق نفسه.
يصير السرير مرآة أفقية. يضع رأسه على الوسادة، فتستلقي صورته قربه. يمد يده في الظلام فلا تمسك سوى يده. يسمع تنفساً إلى جانبه، فيطمئن لحظة، ثم يعرف أن صدره هو الذي يرتفع وينخفض.
وفي نهاية الصفحة يدخل الدفء:
"ما من أحد أدخل الدفء إلي
سواي"
(ص 315)
صار الجسد بيتاً، وصارت النفس الشخص الوحيد الذي عرف بابه. حملت دفأها ودخلت. ربما وصلت متأخرة، وربما لم يكن ما تحمله كافياً، لكنها جلست قرب الموضع المرتجف فيه وأشعلت نفسها.
بدت هذه أقصى درجات الوحدة. جاءت الصفحة التالية وفتحت فيها قاعاً آخر:
"وما من أحد
قال لي كلمة حب واحدة سواي"
(ص 316)
هنا يظهر سبب وجود النفس أمام المرآة. كانت تقف كل صباح لتقول لصاحبها الكلمة التي لم تصل من أحد. يقولها للوجه المقابل، ثم يسمعها عائدة إليه من الزجاج. صار المتكلم محبوبه، وصار المستمع عاشقه. يعطي نفسه كلمة الحب ويتلقاها منها، ثم يعيش على صداها حتى اليوم التالي.
كلمة واحدة طوال عمر كامل. لم يطلب قصيدة، ولا رسالة طويلة، ولا اعترافاً يهز العالم. طلب كلمة واحدة، فاضطر إلى قولها لنفسه.
يقف لقمان خلف الزجاج ويحرك شفتيه. لا تصل الكلمة، ويظهر أثرها فقط: دفء صغير يعبر الوجه ثم يختفي.
بعد الحب يأتي الموت:
"لأنني إذا متّ
لن يبكي أحد علي سواي"
(ص 316)
كيف يبكي الميت على نفسه؟
من يبقى منه كي يبكي؟ أي جزء سيستلقي، وأي جزء سيجلس قربه؟ الجسد ممدد، والنفس عند رأسه تحمل ملامحه. تبكيه بعينيه، وتمسح دموعها بيده، ثم تمشي وراءه إلى مكان لا يستطيع أحدهما الرجوع منه.
لقمان لا ينتظر راثياً. يكتب مرثيته من داخل حياته، ويحتفظ بدموعه لموته. كأن كل بكاء سابق كان تدريباً على تلك اللحظة. النفس التي مسحت دموعه في الصفحة الأولى ستطلقها في الصفحة الثانية، بعد أن تفقد الشخص الوحيد الذي كانت تسنده وتحمله إلى البيت وتنام بجانبه.
ثم يصل النص إلى أكثر أبوابه قسوة:
"وإذا أردت الموت
فلن يقتلني.. سواي"
(ص 316)
الذي أنقذه من السقوط هو الذي سيقتله. الذي أسنده إذا مال، ومسح دموعه، وربت على كتفه، وأعاده من السكر، وأدخل الدفء إليه، وقال له كلمة الحب الوحيدة؛ يقف الآن أمامه حاملاً موته.
النفس صارت المنقذ والعاشق والقاتل. لا يدخل شخص جديد إلى المشهد. اليد نفسها تتبدل مهمتها. كانت مفتوحة لتلتقطه، ثم صعدت إلى كتفه كي تسنده، ثم مسحت وجهه، ثم قادته إلى البيت، ثم أدخلت الدفء، ثم أغلقت أصابعها على الأداة التي ستنهيه.
لو دخل شخص آخر القصيدة في هذه اللحظة، جار يسمع الحركة، عابر يطرق الباب، صديق يصل متأخراً، امرأة تقول كلمة الحب التي تأخرت، لاختل حكم "سواي". بقي الباب مغلقاً، وبقي لقمان وجهاً لوجه أمام نفسه التي لا يستطيع الهرب منها.
تاريخ النص: مرمر، 12 نيسان 2002. يوم عادي خارج الصفحة. الناس يعبرون الطرق، يفتحون الدكاكين، ينادون بعضهم بأسمائهم. وفي مكان ما يجلس رجل قبالة نفسه، يعدّد ما فعلته من أجله وما قد تفعله به.
في المرآة ترتفع يد. لا يُعرف إن كانت قادمة لتمسح دمعة، أم لتربت على كتف، أم لتلتقط جسداً بدأ يسقط، أم لتفعل الشيء الأخير الذي لا يقدر عليه أحد سواه.

كلُّ الذين اشتعلوا في عود ثقاب واحد
في الصفحة 317 كتب لقمان عنوان القصيدة وحده:
"عود ثقاب يحترق"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال" ص 317)

ثم ترك الصفحة 318 فارغة.
هذه المرة كان البياض حقيقياً. العود يحمل رأسه القابل للاشتعال، واليد قريبة، والعلبة تنتظر أن يُحكّ بها، لكن القصيدة تؤخر شرارتها صفحة كاملة-
-فهل لقمان أراد أن يمنحنا زمناً ننظر فيه إلى العود قبل أن يصير لهباً، أن نراه في هيئته الأولى: قطعة خشب صغيرة لا تلفت أحداً، يمكن أن تضيع بين الأصابع، ويمكن أن تُرمى قبل استعمالها إذا أصابها البلّ؟
في الصفحة التالية اشتعل العود.
لم يخرج منه نور واحد. خرجت وجوه وأشياء وحيوات كثيرة، وبدأ لقمان يسمي نفسه في كل ما تصادفه النار:
"أنا الراقصُ المرتبكُ
الذي نهض من أجلك"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 319)
أول الخارجين من اللهب راقص مرتبك. لم يتعلم الرقص، ولم يثق بقدميه، ونهض مع ذلك. يكفي أن يكون النهوض "من أجلك" حتى تصبح العثرة جزءاً من الرقصة. يقف بين الجالسين، يعرف أن العيون ستتجه إليه، وأن جسده سيفضحه، ثم ينهض. لا يرقص كي يبرهن أنه يجيد الرقص. يقدّم ارتباكه لمن يحب.
ما إن يعرّف لقمان نفسه حتى يغادر الراقص، وتظهر علبة سردين:
"وفي علبة السردين المصنوعة في المغرب
أنا رأس الفلفل الحار
الذي يرميه كل من يفتح العلبة في المشرق"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 319)
من رقصة الحب إلى علبة معدنية. يلتقي الراقص المرتبك ورأس الفلفل في مصير واحد: كلاهما انكشف أمام الآخرين، وكلاهما صار زائداً عما يريدونه.
قطع رأس الفلفل طريقاً طويلاً من المغرب إلى المشرق، وعندما وصلت العلبة وُجد داخلها شيء لا يرغب فيه أحد. كل يد تفتح الغطاء تلتقطه أولاً كي ترميه. قبل أن يأكلوا السردين يبعدون لقمان عن الطعام.

يصير عند حافة المائدة، صغيراً، حاراً، محمولاً بإصبعين، ثم ملقى في صحن جانبي أو في سلة. بقيت حرارته فيه، ولم تنفعه. رموه قبل أن يذوقوه.
ينتقل من العلبة إلى الباص:
"وفي الباص المزدحم
أنا الراكب الذي يرتجف خوفاً
عندما يصعد المفتش"
(ص 319)
لم يخبرنا إن كان يحمل بطاقة. الارتجاف وحده يكفي. قد تكون البطاقة في جيبه، وقد يكون دفع ثمن الرحلة، غير أن المفتش حين يصعد يوقظ فيه ذنباً أقدم من الباص. بعض الناس يخافون من السؤال قبل أن يُطرح، يفتشون جيوبهم وهم يعرفون ما فيها، ويشعرون أن وجودهم نفسه يحتاج إلى تذكرة.
يقف لقمان بين الركاب. الأجساد تلتصق به، والمكان لا يتسع لخوفه. يصعد المفتش فيبدأ قلبه بتفتيشه قبل أن تصل إليه اليد. ربما يخشى أن يكتشف الرجل أن وجهته غير مكتوبة على البطاقة، أن يسأله: إلى أين؟ فيعجز عن الإجابة. ربما كانت حياته كلها باصاً مزدحماً، يصعد إليه المفتش في كل محطة، ويبقى لقمان مرتجفاً لأنه لا يعرف في أي مكان يحق له النزول.
ثم يصير خشبة:
"في علبة الثقاب المبللة
أنا العود الجاف"
(ص 319)
وسط أعواد أصابها الماء، بقي وحده قابلاً للنار. كان يمكن أن تكون نجاته من البلل نجاة كاملة، لكنه نجا كي يُختار للاحتراق. اليد التي تفتح العلبة ستبحث عنه تحديداً، تترك الأعواد العاجزة عن الاشتعال، تأخذه، تحكه، تنتفع بناره لحظة، ثم تلقي سواده.
هنا يتضح العنوان. لقمان عود جاف في علبة مبتلة. اختلافه لا يمنحه امتيازاً؛ يرشحه للاحتراق قبل الآخرين.
لا يبقى العود في العلبة. يقفز إلى قافلة جمال:
"وفي قافلة الجمال العربية
أنا الجمل ذو السنامين
والكنغر الذي بلا كيس في بطنه"
(ص 319)
يحمل سناماً زائداً بين جِمال بسنام واحد، ثم ينتقل إلى جسد آخر فقد الكيس الذي يعرّفه. زائد هنا وناقص في مكان آخر.
أينما دخل حمل اختلافه معه. في القافلة يبدو جسده غريباً، وفي القارة الأخرى يبدو معطوباً. لا يجد جماعة يكتمل بينها.
بعدهما يخرج لاعب ببطاقة حمراء، وطالب ممنوع من دخول الصف، وزوج يطرق باب بيته:
"أنا اللاعب الذي يخرج بالبطاقة الحمراء
والطالب الممنوع من الدخول إلى الصف
والزوج الذي يطرق الباب"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 319 ـ 320)
ثلاثة يقفون خارج المكان الذي ينتمون إليه. اللاعب خارج الملعب، والطالب خارج الصف، والزوج خارج البيت. لكل واحد باب أُغلق في وجهه، ولكل واحد جماعة تستمر دونه. المباراة تتواصل، والدرس يبدأ، والبيت يحتفظ بصمته. يبقى لقمان في الخارج، ينتظر أن يتذكره أحد من الداخل.
ترتفع يده ليطرق مرة أخرى، فتتبدل إلى مخلب هرّ:
"أنا الهرُّ الواقف على المزبلة
بشممٍ وإباء"
(ص 320)
يقف الهر على المزبلة محتفظاً بإبائه. تحيط به الفضلات، وهو لا يتخلى عن وقفته. يراقب العالم من فوق ما رماه العالم، ويرفع رأسه كأنه يقف على عرش.
فيه شيء من لقمان داخل القصائد: رجل جريح لا يسمح لجرحه أن يحرمه السخرية، ومطرود يصنع من موضع طرده منصة، وهامشي ينظر إلى المركز بعينين تعرفان فضيحته.
ثم يقول:
"أنا الشاعر الذي يكرهه الشعراء والعشاق
وفي السر يقرأون قصائده"
(ص 320)
دخل لقمان اسمه من الباب الذي أُغلق في وجهه. يكرهه الشعراء والعشاق، ثم يعودون إليه سراً. يرفضونه في العلن ويأخذون كلماته إلى غرفهم. كأن قصيدته زجاجة ممنوعة يشربون منها حين تغيب العيون، ثم يخرجون في الصباح ويمسحون أثرها عن أفواههم.
يجلس خارج مجلسهم، ويسمع صوته يتسرب من الداخل. أحدهم يقرأ قصيدته بصوت خافت، والآخر يطلب منه أن يخفض صوته. يبتسم لقمان. يعرف أن الكراهية التي تتذكر قصائده هُزمت قبل أن تعترف.
يواصل تعريف نفسه:
"القبلة السريعة في المنعطفات
والبوح الفظ في البارات
وفي ساعات القيلولة
وأواخر الليالي
أنا العين التي.. لا تنام"
(ص 320)

القصيدة تتحرك في الأمكنة والأزمنة التي ترتخي فيها رقابة العالم: منعطف يخبئ قبلة، وبار يفتح الفم على اعتراف خشن، وقيلولة يتراجع فيها النهار، وآخر الليل حين تخفت الأصوات. وسط ذلك كله تبقى عين لقمان مفتوحة. تراقب ما يخفيه الناس، وتحرس الذين انكسروا بعيداً عن الضوء.
عين لا تنام لأن النوم يحتاج إلى أمان. من يترقب المفتش في الباص، وينتظر وراء باب البيت، ويعرف أن البطاقة الحمراء قد تخرج في أي لحظة، يصعب عليه أن يغمض عينيه.
وفي الصفحة التالية يعود الابن الذي ضل حتى عن صورته:
"أنا الابن الضال
الذي بلا صورة معلقة له في البيت
ولا مفتاح خاص به"
(ص 321)
قد يعود الابن الضال فيجد وليمة تنتظره. لقمان يعود فلا يجد صورته على الجدار، ولا يملك مفتاحاً يثبت أن الباب بابه. إذا دخل، دخل كضيف. وإذا وقف خارجاً، لم يستطع أن يقول إنهم تأخروا في فتح بيته.
الصورة الغائبة أقسى من الغياب. تعني أن البيت تدرب على العيش من دونه، وأن الجدار رتّب ذاكرته ولم يترك له مسماراً. والمفتاح الغائب يعني أن العودة تحتاج دائماً إلى شخص يسمح بها.
من هذا الابن يخرج الأسود في اسكندنافيا، والأبيض في أفريقيا، والأزرق في الصين. يحمل لوناً يجعله مرئياً أينما حاول الاختفاء. لا يذوب في المكان. يظل العلامة التي تلتفت إليها الرؤوس.
ثم يدخل الموت إلى القصيدة ولا ينجح في الخروج من مسدسه:
"أنا الطلقة الرحيمة
التي لا تخرج من المسدس"
(ص 321)
حتى الرحمة تعطلت. الطلقة موجودة، والمسدس موجود، والمتألم ينتظر، غير أن الخلاص عالق في الماسورة. لقمان هنا رحمة عاجزة عن بلوغ من يحتاجها. يحمل نهايته ولا يستطيع منحها.
بعدها يصير زجاجة بيرة فاسدة، ورغيف خبز محروقاً، وعود ثقاب:
"عود ثقاب تشعله الكف
ويطفئه الهواء"
(ص 321)
الكف تمنحه النار، والهواء يأخذها. ما بين الاشتعال والانطفاء عمر قصير يكفي كي يرى العود ما حوله، ولا يكفي كي يدفئه. اليد التي أشعلته تمضي، والهواء لا يحتاج إلى جهد كي يهزمه.
ثم يكبر عود الثقاب فجأة ويصير نهر الفرات:
"أنا نهر الفرات
عندما يقطع الأتراك عنه الماء"
(ص 321)
حتى النهر يمكن أن يعطش. حتى الذي منح البلاد ماءها قد يقف في مجراه يبحث عن نفسه. قاعه مكشوف، والأسماك تتذكر الماء، والضفتان تنتظران نهراً يعرف طريقه ولا يملك حق الوصول.
يعود لقمان من النهر إلى الرصيف:
"أنا دم الشعراء المرميين على الأرصفة
والطبيب الذي يبكي لأجلهم
وسريرهم النظيف في مشفى قذر"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 321 ـ 322)
صار الدم والطبيب والسرير في وقت واحد. يسيل، ثم ينحني على نفسه محاولاً إنقاذها، ثم يتمدد تحتها كي تستريح. يتكاثر كي يعوض الغائبين. الشاعر القتيل لا يجد طبيباً، فيخرج الطبيب من دمه، ولا يجد سريراً، فيتحول جزء منه إلى سرير نظيف داخل مشفى قذر.
كم شخصاً على لقمان أن يصير كي يعتني بلقمان؟
لا تتركه القصيدة طويلاً في السرير. تخلعه كضرس:
"أنا الضرس الذي يخلعه طبيب الأسنان
دون تردد
والطفل الذي تجهضه الأمهات
والكتاب الممنوع"
(ص 322)
الضرس يُقتلع لأن بقاءه يؤلم، والطفل يُخرج قبل أن يرى العالم، والكتاب يُمنع قبل أن يصل إلى قارئه. ثلاثة أشياء حُكم عليها بالإبعاد. لا أحد يسأل الضرس إن كان يريد البقاء، ولا الطفل إن كان يريد الولادة، ولا الكتاب إن كانت صفحاته قادرة على الدفاع عن نفسها.
عند نهاية القصيدة يعود العود الذي بدأ العنوان:
"أنا عود الثقاب المحترق
في علبة الثقاب المبلّلة
التي جفّت... الآن"
(ص 322)
هنا اكتملت قسوة النار.
كان العود الوحيد الجاف بين أعواد مبتلة، فاختارته اليد وأحرقته. وبعد أن احترق، جفّت العلبة. صار الآخرون قادرين على الاشتعال حين انتهى هو. منحهم احتراقه فرصة النار من بعده، وبقي سواداً بينهم.
الأعواد اليابسة مصطفّة، صالحة لنيرانها المقبلة. وفي زاوية العلبة عود أسود قصير، أنهى احتراقه قبل أن تبدأ فرصتها.
لم يضئ شيئاً.
وكانت العلبة كلها مضاءة به.


المخرج الذي وجد الموتى في الكواليس
يعود المسرح بعد ثلاثمئة وواحد وأربعين صفحة من الستارة التي حجبت لقمان وحده.
في الصفحة الثلاثين كان ممثلاً غاب خلف الستارة، وبقي الآخرون ظاهرين. في الصفحة 371 صار المسرح له، وصارت يده هي التي ترفع الستارة، وتمنح الأدوار، وترتب الشخوص، وتطلق المشهد. احتاج إلى كل هذه الصفحات كي ينتقل من الرجل المحجوب إلى صاحب الإشارة.
يقف وسط الخشبة قبل وصول الجمهور. الممثلون مبعثرون في الكواليس، بعضهم يراجع دوره، وبعضهم يفتش عن جملة، وبعضهم ينتظر أن يناديه لقمان باسمه.
يقرأ من نصه:
"أقنعُ الشخوصَ بي، أستدرجُ الثانويين إلى مسرحي
وأعلنُ فصولي المنكوبة"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال" ص371)

أعلن نكبة فصوله قبل أن تبدأ. كأن المسرحية تدخل الخشبة وهي تعرف نهايتها، ويحمل كل ممثل خسارته تحت ثيابه. أما الثانويون الذين يستدرجهم، فهم الذين لم تمنحهم الحياة دوراً يكفي لظهور أسمائهم على الملصق: أصحاب الجمل القصيرة، والعابرون خلف البطل، والواقفون عند حافة الصورة، والذين يموتون في الفصل الأول كي تستمر حكاية شخص آخر.
لقمان يستدرجهم إلى مسرحه لأنه يعرف مكانهم في قصائده. ظهر خلف ستارة حجبت شخصاً واحداً، وفي مقعد لم يُحجز له، وأمام باب لا يملك مفتاحه. حين صار له مسرح، لم يبحث عن النجوم. فتح الكواليس ونادى المنسيين.
يخرج الراقص المرتبك، ورأس الفلفل المرمي، والراكب الخائف من المفتش، والطالب الممنوع من الصف، والابن الذي لا صورة له في البيت، وعود الثقاب المحترق. صور الصفحات السابقة تجتمع في فرقة لقمان المسرحية، وتأتي كي تأخذ أدوارها.
الأحزاب تنظر إليه نظرة العارف، والملوك يترفعون عنه. هم في المقاعد العالية، يعرفون أن شخوصه إذا تكلموا ستصير المقاعد موضع اتهام. يديرون وجوههم، فيما تمضي الخشبة في كشف ما أخفوه.
ثم يأكل الخشب صاحبه:
"خشبي المتربّع عليَّ، الآكل رأسي وأطرافي،
يرهّل جسدي ويعلن إيقاعه الصاخب"
(ص 371)
المسرح الذي بناه صار جالساً فوقه. الخشبة تأكل رأس الكاتب وأطرافه، والعرض يأخذ من جسده كي يستمر. كل مشهد يُقام بنقص جديد فيه. كل شخصية يمنحها صوتاً تقضم جزءاً من صوته، وكل دور يكتبه للثانويين يقتطع شيئاً من حياته.
يعود عود الثقاب الذي جفف العلبة باحتراقه، وقد صار خشبة كاملة. في الفصل السابق كانت النار تأكل عوداً صغيراً. هنا يأكل المسرح جسد مخرجه. تتغير أحجام الأشياء، ويبقى لقمان وقودها.
تشتعل الستارة:
"فلتكن الستارة حارّة، فتلك نبوءتي"
(ص 371)
لم تعد ستارة من قماش. صارت جلداً محموماً، تحجب ما وراءها وتحرق من يقترب منها. ربما بقيت فيها حرارة الستارة الأولى، تلك التي أُسدلت في يوم المسرح العالمي وحجبت لقمان وحده. انتقلت حرارتها من الصفحة الثلاثين إلى مسرح الصفحة 371، وصار قادراً على مخاطبتها.
في الجانب الآخر يجلس الجمهور. يتلقى إشاراته كما يتلقى الممثلون أدوارهم:
"احتشموا في المشاهد الحزينة
وصفّقوا للعرفاء"
(ص 371)
يطلب منهم الحزن حين يدخل الحزن، ثم يدعوهم إلى التصفيق لمن سماهم العرفاء. ينال هؤلاء الضوء والتصفيق، فيما يبقى الشخوص المنسيون في الكواليس يتوسلون دوراً. هكذا يتوزع المشهد: أسماء في الواجهة، وإنسان كامل ينتظر خلف الستارة.
ثم يلتفت إلى الكواليس:
"شخوصي بائدون، منسيّون في الكواليس
وثانويّون يتوسّلون دوراً"
(ص 371)
كلمة "يتوسلون" تفتح باباً خلف المسرح. الممثلون متجمعون عنده، كل واحد يحمل وجهاً ويرجو أن يُسمح له باستعماله. بعضهم انتظر عمراً كاملاً كي يقول جملة. بعضهم مات قبل أن يأتي دوره. وبعضهم بقي في الكواليس حتى نسي أن الخشبة موجودة.
يرفع لقمان يده ويهتف:
"يا لأدوار أمنحها أنا
يا لشخوص أرتّبهم أنا
يا للمشهد يبدأ بإشارة مني
يا للمهزلة"
(ص 371)
في الأسطر الثلاثة الأولى يكبر المخرج حتى يكاد يصير ملكاً. هو الذي يمنح ويرتب ويشير. وفي السطر الأخير يهدم عرشه بكلمة: "المهزلة". يعرف أن سلطته مصنوعة من خشب، وأن الملوك الذين يترفعون عنه يملكون خارج المسرح وسائل أشد قسوة في ترتيب الشخوص. يبدأ المشهد بإشارة، ثم تنتهي الإضاءة، ويعود الممثلون إلى عتمتهم.
ما إن قال "يا للمهزلة" حتى تبدل المسرح.
هبطت الخشبة وصارت تراباً. انقلبت الكواليس قبوراً. والممثلون الذين كانوا يتوسلون دوراً تمددوا تحت الأرض. في الصفحة 372 ترتفع أصواتهم:
"غابرون، هزمنا التراب والحجر تحت رؤوسنا
غابرون، جاء أناس وأخذوا أماكننا
وما نظروا تحتهم"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 372)
جاء أناس وأخذوا أماكن الموتى من دون أن ينظروا تحت أقدامهم. المقاعد مبنية فوق جثث، والبيوت فوق جثث، والممالك فوق جثث. يمشي القادمون على أرض يظنونها خالية، بينما الذين سبقوهم يرفعون أصواتهم من الأسفل.
في نص "فاصل 1" كان الثانويون يتوسلون دوراً من الكواليس. في "الموتى" صارت الكواليس قبراً، وصار التوسل استغاثة:
"وما انتبهوا لاستغاثات جثثنا العظيمة"
(ص 372)
ما الذي جعل الجثة عظيمة؟ أكانت لملك؟ شاعر؟ محارب؟ أم أن الموت يمنح الأجساد عظمة متساوية حين تسقط عنها أسماؤها؟ تحت الأرض لا يبقى بطل وثانوي. تتجاور العظام، ويأكل الدود الأدوار كلها.
الموتى يرسلون رسولاً إلى الأرض، ثم ينسونه حماقاتهم بالهدايا والغنائم. حتى بعد موتهم يكررون اللعبة القديمة: يشترون الصمت، ويغطون خطاياهم بما نهبوه. يصعد الرسول وثيابه محملة بالذهب، وفمه خالٍ من الرسالة.
وفي نهاية النص جاءت الجملة التي أغلقت القبر:
"غابرون.. ودود قبورنا لا يدلّ علينا"
(ص 372)
حتى الدود لا يعرف الطريق إليهم. يعيش في أجسادهم، يأكلهم، ثم يعجز عن الدلالة عليهم. أي غياب هذا الذي لا يستطيع أقرب المخلوقات إلى الجثة أن يرشد إليها؟
من حركة خفيفة تحت التراب ينفتح نص "الملوك":
"هواءٌ لكم، تباعدوا قليلاً وأسندوا سقوطي،
هواءٌ لكم، تصلون لسمائي، تفرّقوا قليلاً ورتّبوا كلامي"
(ص 373)
يخاطب الملوك كأنهم مزدحمون حول سقوطه. يطلب منهم أن يتباعدوا كي يجد هواء، ثم أن يسندوا سقوطه. لا يريد عرشاً ولا مملكة. يريد مساحة تكفي لانهياره، ويداً تمنع جسده من الارتطام.
الملوك يصلون إلى سمائه. يحتلون الأرض ثم يصعدون، ويمدون أيديهم إلى كلامه كي يرتّبوه. يريدون من الشاعر أن يقول ما يليق بممالكهم، وأن يضع جمله في الصفوف التي رسموها.
يمنحهم لقمان هواء ساخراً:
"هواءٌ لكم، كلُّ قرن أهيّئ لكم البلاد
وأنتم بالدول البائدة غارقون"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
(ص 373)
كأنه يفتح نافذة في قبرهم ويقول: تنفّسوا إن استطعتم. يهيئ لهم البلاد، فيعودون حاملين ممالكهم القديمة على ظهورهم. لا يدخلون الزمن الجديد إلا بأثاث العرش السابق، وبالألقاب ذاتها، وبالخوف نفسه من الكلمة.
يمر كلامهم في النص مزيّناً، ثم يتساقط زينه: كلام مدهش لأمير طاعن، وأوراق لا تسودها عروش، وبرق لرعد، وذروة يتزاحم عليها الصاعدون، وكلام غيم للأرض، ومساومة على مطر قد يأتي. كل ملك يحمل لغته كأنها تاج، وكل تاج يخشى أول هبّة هواء.
ثم يقترب لقمان منهم ويهمس:
"ولكم أُفقُ التفاتته، حين تستيقظون وتحصون ممالككم،
حين تستيقظ الريح على غيم يستدرجها لشتاءاتكم"
(ص 373)
الريح هي الممثلة التي لم يستطع المخرج ترتيبها. لا تقبل دوراً ثابتاً، ولا تنتظر إشارة من ملك. تستيقظ وحدها، تدخل القصور، ترفع الستائر، تقلب الأوراق، وتبعثر الكلام المرتّب.
تتقاطع الفصول الثلاثة: في الأول مخرج يرتّب الشخوص ويبدأ المشهد بإشارة منه. في الثاني موتى جاء آخرون وأخذوا أماكنهم. في الثالث ملوك يحصون ممالكهم، وريح تستعد للدخول.
المسرح مملكة صغيرة، والمملكة مسرح كبير، والقبر كواليس الاثنين. المخرج يمنح الأدوار، والملك يمنح المناصب، والموت يسحبها جميعاً. يبقى الهواء خارج هذا الترتيب، حراً بما يكفي كي يمر فوق الخشبة والقصر والقبر.
في آخر سطر يقترب لقمان من ملوك العراء ويعدهم بالحكاية:
"وقتها يا ملوك العراء سأهدهدكم وأحكي لكم عن أباطرة خذلتهم
تيجانهم وعروشهم ذات يوم قبل الميلاد"
(ص 373)
الشاعر هو الذي يهدهد الملوك. صاروا أطفالاً في حضنه، وصارت تيجانهم ألعاباً فشلت في حمايتهم. يحكي لهم عن أباطرة سبقوهم، جلسوا على عروش ظنوها أبدية، ثم صاروا أسماء يختلف المؤرخون في نطقها.
يروي لقمان بصوت منخفض. خلفه ستارة حارة، وتحت قدميه موتى لا يدل عليهم دود قبورهم، وفوق رأسه ريح تجمع نفسها. يصل في الحكاية إلى اللحظة التي يسقط فيها العرش، ويرفع يده كي يعطي الإشارة.
تسبقه الريح.
قبل أن تسقط الإشارة من يد لقمان، تظهر الأحذية. الملوك ما زالوا جالسين في المشهد السابق، ثم يأتي صوت من مستوى أقدام الواقفين:
"ـ وها نحن جالسون وأنتم واقفون.
يا ولد اقترب من الملهاة قليلاً، سألبسك قناع الواقفين، تمدّد
على الطريق ذاتها واحذر المارة:
ـ حذاء يلمع وأنت ترى وجهك فيه ـ
ماسحو الأحذية يلمّعون الهواء، تخرج أنت علبة مطأطئة، ذريعة
مصبوغة، وأحذية تلمّع وجهك
أجوبتك كلها صندوق صغير تنام فيه
فلتكن كراسيك أخفض واقترب من منصّتي، سأجلب لك
إغماءات زبائنك تحت الشمس، سأغريك بمسرحي
على مسرحي سأجعلك تمسح الرؤوس."
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال" ص 374)
الجالس في هذا المشهد هو ماسح الأحذية، والواقفون هم أصحابها. يجلس عند أقدامهم، يرفعون إليه أحذيتهم، وتنخفض يداه إلى الغبار الذي لا يرونه. الوقوف هنا مرتبة قبل أن يكون هيئة جسد. الواقفون أعلى، مع أن الجالس هو الذي يجعل صورتهم قابلة للظهور.
يناديه الصوت: "يا ولد".
الطفولة نفسها جالسة وراء الصندوق. لا يختار لقمان رجلاً اكتملت قامته، بل ولداً ما زال جسده ينمو، وقد وجد أمامه أحذية الكبار. في النداء ذاكرة لا يشرحها النص. تكفي كلمة "ولد"، وكرسي أخفض، وطريق يطلب منه أن يتمدد عليها ويحذر المارة.
سيُلبسه "قناع الواقفين". يحتاج الجالس إلى قناع كي يشبه الذين تعلو أحذيتهم أمام وجهه. يقترب من الملهاة، فيُمنح هيئة من يمرون به، ثم يُطلب منه أن يتمدد على الطريق ذاتها. يمنحه القناع قامة مؤقتة، ويعيده الطريق إلى الأرض.
"حذاء يلمع وأنت ترى وجهك فيه".
يمسح الولد جلد الحذاء حتى يصير مرآة. الواقف لا ينظر إلى وجه الطفل؛ يرى وجهه هو في اللمعان الذي صنعته يداه. يضع قدمه أمامه، ثم يستعيد صورته من الحذاء. المرآة قريبة من الأرض، والصورة التي تعيدها إلى صاحبها صنعتها يد لا يلتفت إليها.
ماسحو الأحذية يلمّعون الهواء. تتحرك الفرشاة فوق الجلد، ويمضي أثرها إلى ما حوله. العلبة مطأطئة، والذريعة مصبوغة، والأحذية تلمّع وجه الواقف. كل شيء يكتسب لوناً ولمعاناً، ويبقى الولد عند موضعه المنخفض.
أما أجوبته فتنام في صندوق صغير.
إلى جانب الفرشاة والعلب وقطع القماش، يضع كل ما كان يستطيع قوله. يحمل الصندوق من شارع إلى شارع، ويحمل صوته مغلقاً داخله. إذا سأله أحد عن حياته، وجد الجواب نائماً قرب علبة البويا.
ثم يدعوه لقمان إلى منصّته:
"فلتكن كراسيك أخفض واقترب من منصتي".
لا يرفع كرسيه كي يصعد إلى المسرح. يدخل بالكرسي المنخفض نفسه، وبالصندوق نفسه، وباليد التي عرفت الأحذية. يجلب معه إغماءات زبائنه تحت الشمس، وكل الساعات التي بقي فيها جالساً وهم واقفون.
وعلى الخشبة يقلب لقمان موضع اليد:
"على مسرحي سأجعلك تمسح الرؤوس".
ترتفع الفرشاة من الأحذية إلى الرؤوس. الذين وقفوا أمام الصندوق يخفضون رؤوسهم، والولد الذي جلس عند أقدامهم يمد يده فوقهم. لا تتغير اليد، ويتغير ما يوضع أمامها. يمسح عن الرؤوس غبار علوّها، وبقايا الوجوه التي رأت نفسها في الأحذية.
حين فرغ، رفع الطفل أول رأس أمام الضوء.
لم ير وجهه فيه.
رأى حذاءه.


الحجل الذي فرَّ منه الفضاء والأرض
قبل ظهور الحجل، كان البياض الأول.
يبدأ لقمان:
"إذا احتكمتُ للبياض الأول
قلتُ كيف الهواء الباقي
لقد سقطت جحورنا في الجبال
أغمدتُ صوتي ـ إن الفم غمد مستحيل ـ
هيّأتُ ما تبعثر من هواء وأضرمته بالأجنحة
ستبدأ المهزلة وعلى الحجل السلام
من يذكر قامات الصيادين وهي تستحلفني ألّا أسرد
ها قد تبلّلت بالمطر الذي لم يهطل بعد
ها قد اكتشفت علوِّي"
(الأعمال الشعرية مجموعة "الأب الضال")
ص 391)
يحتكم لقمان إلى البياض الأول، كأن الكلام عاد إلى صفحة سبقت الكتابة، ثم يسأل عن الهواء الباقي. البياض بداية، والهواء ما نجا منها. بينهما ستظهر الأجنحة، وسيجد الحجل فضاءً لم يطمئن إليه بعد.
"لقد سقطت جحورنا في الجبال".
لا تسقط الطيور وحدها؛ تسقط جحورها أيضاً. المأوى الذي يفترض أن يستقبل الجسد شاركه مصيره. الجبال باقية، لكن مخابئ الحجل لم تعد ثابتة فيها. قبل أن يظهر الفخ والصياد، بدأ الخطر من البيت المحفور في الأرض.
وحين سيقول لقمان لاحقاً: "رفرف واحذر الأرض"، سيكون التحذير قد بدأ من هنا. الجحر جزء من الأرض، وهو أول ما سقط. لم يعد للحجل موضع يهبط إليه مطمئناً؛ السماء بعيدة، والمأوى نفسه دخل في السقوط.
ثم يغمد لقمان صوته.
الصوت سيف، والفم غمد مستحيل. يحاول أن يعيده إلى موضعه، فلا يتسع له الفم الذي أطلقه. ما خرج من الكلام لا يعود كما كان؛ يبقى في الهواء، يبحث عن جسد يصيبه أو جناح يحمله.
يجمع لقمان ما تبعثر من الهواء ويضرمه بالأجنحة. الأجنحة لا تمر في الهواء ساكنة؛ تشعله. ومن الهواء المبعثر والنار والريش يبدأ الحجل في التكوّن. لم يظهر جسده بعد، لكن الفضاء أخذ أثر رفرفته.
وقبل ظهور الصيادين يعلن لقمان:
"ستبدأ المهزلة وعلى الحجل السلام".
تبدأ المهزلة بتحية وداع. الحجل ما زال في أول السلسلة، وقد قيل عليه السلام. كأن النص يعرف نهايته قبل أن يفتح الطائر جناحيه. سيأتي الفخ، وستظهر البنادق، وستفر منه الأرض والسماء. كل ذلك مضمر في الجملة القصيرة.
عادت كلمة "المهزلة" من مسرح الصفحة 371. كان لقمان يرتّب الشخوص ويبدأ المشهد بإشارة منه، ثم يهتف: "يا للمهزلة". وفي الصفحة 391 تبدأ مهزلة جديدة، بطلها طائر لم يكتمل ظهوره. السفح خشبته، والصياد جمهوره، والطلقة تصفيقته الأخيرة.
لكن قامات الصيادين تستحلف لقمان ألّا يسرد. الذين يملكون الفخ والبندقية يخشون الحكاية. يستطيعون مطاردة الطائر، ويخافون أن تدخل قاماتهم القصيدة. فالسرد يعيد ترتيب المطاردة: يمنح الحجل صوتاً، ويترك الصياد واقفاً داخل ما فعل.
ثم يجيء المطر قبل أوانه:
"ها قد تبلّلت بالمطر الذي لم يهطل بعد".
ابتلّ قبل أن تمطر السماء. جسده يسبق الحادثة، كأن الخوف ماء يصل قبل الغيمة. يعرف الطائر البلل الذي سيصيبه، كما عرفت الستارة نبوءتها. يحمل أثر ما لم يقع، ويدخل الصفحات التالية وريشه مثقل بمطر مؤجل.
وفي آخر الصفحة يكتشف علوَّه. يصل إلى الجهة العليا منه قبل أن يكتمل جناحه، كأن الطيران بدأ معرفةً قبل أن يصير قدرة.
هكذا يبدأ "الحجل": بياض أول يُحتكم إليه، وهواء باقٍ، وجحور سقطت في الجبال، وصوت أُغمد في فم لا يصلح غمداً، وهواء مبعثر اشتعل بالأجنحة، وصيادون يخشون أن تُروى حكايتهم، ومطر ترك أثره قبل أن يهطل.
في الصفحة 392 يظهر الطائر قصير الجناحين. يأتي صوت لقمان من خلف السفح، مرة بصوت الصياد، ومرة بصوت الطائر، ومرة بصوت الهواء الذي يعرف أن جناحين صغيرين لن يكفيا للنجاة. أمام الحجل فخ، وخلفه فخ، وفوقه فضاء لا يطمئن إليه، وتحته أرض تحفظ مواضع سقوطه.
يقول له:
"كلُّ الذين سبقوك إلى الفخ ساقوك إليه"
(ص 392)
الذين سبقوه إلى الفخ هم الذين ساقوه إليه. كل حجل وقع قبله ترك أثراً في الطريق، واجتمعت الآثار حتى صارت درباً يقود من يأتي بعدها. لم تبدأ الحفرة به، لكنها تستقبل خطاه كما استقبلت خطى الذين سبقوه.
صف طويل من الطيور يمشي نحو الفخ. كل واحد يرى أثر الذي قبله، ثم يتقدم. لا يعرف إن كان يتبع رفيقه أم يعيد سقوطه. تلتقي الآثار كلها عند الحفرة، حتى يبدو الفخ نهاية توارثتها الأقدام.
يخاطب الحجل:
"أنت الرفرفة القصيرة، يريبك الدجاج والبيض الآمن"
(ص 392)
الرفرفة قصيرة، وما يريب الحجل هذه المرة ليس الصياد أو الفخ. يريبه الدجاج، ويريبه البيض الآمن. الأشياء المطمئنة في ظاهرها توقظ شكه، كأن الأمان نفسه يخفي وراءه خطراً لا تراه الطيور التي اعتادته.
الدجاج يقيم قرب طعامه وسياجه، والبيض يبقى آمناً في المكان المغلق. أما الحجل فيحمل ريبة البرية. ينظر إلى هذا الأمان ولا يثق به؛ فقد يكون السياج الذي يحفظ البيض هو نفسه ما يمنع الجناح من اختبار الهواء. لا يغريه الاطمئنان الكامل، لأن الطائر الذي يطمئن إلى القفص قد ينسى أن له سماء.
ثم يسأله لقمان أن يقرأ:
"اقرأ باسم الهواء الأليف
ـ ما أنا بطائر
اقرأ باسم الريح التي لا تواتيك
ـ ما أنا بطائر"
(ص 392)
رفض الحجل اسمه مرتين. الهواء أليف، وهو يقول: "ما أنا بطائر". الريح لا تواتيه، فيعيد: "ما أنا بطائر". كأنه يعرف أن الطائر يُقاس بما يستطيع قطعه من السماء، وأن جناحيه لا يمنحانه هذا الحق كاملاً.
توقفتُ عند "اقرأ". عادت إلى الإله الذي جعل لقمان أميّاً ولم يوحِ إليه في "حصن الكآبة". هنا يأتي الوحي من الهواء والريح، فيرفض الحجل النبوة لأنها تحتاج إلى طيران. يُطلب منه أن يقرأ باسم الهواء، فيجيب بأنه لا يملك الاسم الذي يليق بالقراءة.
يقول له الصوت:
"باللهاث الساخن اقرأ، بالجناح القصير أو رفرف حتى الأزل"
(ص 392)
أي أزل يحتمله جناح قصير؟
يرفرف الحجل كثيراً ولا يبتعد كثيراً. يبذل جسده كله كي يصنع مسافة صغيرة. يصير اللهاث هو الهواء الذي لم يستطع بلوغه. كل ارتفاع يتطلب منه عمراً، وكل هبوط يعيده إلى قرب الفخ. يرتفع إلى بداية الريح، فيجد الصياد فوقه. يخفض جناحه ناحية الأرض، فيجد الفخ. لا السماء ممر، ولا الأرض مأوى.
تأتي الصفحة التالية بجملتين قصيرتين:
"رفرف واحذر الأرض
إن الحجل على أشكالنا يقع"
(ص 393)
الحجل يقع على أشكالنا. يحمل هيئة من يظن أن جناحه يكفيه، ثم يكتشف قِصره. يهرب من صياد إلى صياد، يرفع قدميه عن فخ فيضعهما في آخر، ويبحث عن أرض لا تنقر بيضه.
"احذر الأرض" أشد قسوة من "احذر الصياد". يمكن أن يختبئ الطائر من بندقية، وأن يغير طريقه حين يرى الفخ، أما الأرض فهي الجهة التي لا يستطيع حذفها. يحتاج إليها كي يقف، ويخافها لأنها موضع وقوعه. يحمل نجاته في الجناح، ويحمل موته في الهبوط.
في النص الثالث يتبدل الحجل. يصير بداية القصيدة:
"حجل بداية القصيدة ينبئ بالأجنحة
وعلى مشارف اللغة يمتزج بالريش"
(ص 394)
لم تعد القصيدة تُكتب بالحبر. تبدأ بجناحين، وحين تقترب من اللغة ينبت لها الريش. الكلمات طيور لم يكتمل طيرانها، والحروف آثار أقدامها على التراب.
يضع لقمان الورقة أمامه، ثم يطلق حجلاً عليها ويتبع آثاره. إذا قفز الطائر قفزت العبارة، وإذا ارتبك انكسر السطر، وإذا سقط ظهرت النقطة في آخره.
الحجل تحت أعمارنا يهيئ للجبال قفزتها. الجبال نفسها تنتظر هذا الجسد الصغير كي تتعلم منه الحركة. ما يبدو ثابتاً يحتاج إلى طائر خائف كي يقفز، وما يبدو ضخماً يستعير خفته من جناحين قصيرين.
ثم يخاطبه:
"تقف أنت مكتظاً بصيادين أخفقوا فيك"
(ص 394)
لم يقل إن الصيادين يحيطون به. إنهم داخله. صار الحجل مكتظاً بمن حاولوا قتله ولم يصيبوه. كل طلقة أخطأته دخلت ذاكرته، وكل فخ نجا منه بقي معلقاً في جسده. نجاته لا تفرغه من الصياد؛ تزيد ازدحامه به.
كم صياداً يسكن الناجي؟
تظل اليد التي أطلقت النار حاضرة في ارتجافه. يمر الهواء قرب جناحه فيسمع الرصاصة القديمة. يرى حفرة طبيعية في الأرض فيظنها فخاً. ينجو جسده وتبقى المطاردة داخله.
ثم يصير الحجل:
"البسملة الأخيرة لسورتنا التي لا تبدأ"
(ص 394)
بسملة أخيرة لسورة لا تبدأ. يقف الدعاء عند نهاية نص لم يُكتب، وتأتي البركة بعد فوات الكلام. كأن الحجل وصل حاملاً مفتاح البداية، فوجد السورة قد انتهت قبل أن تبدأ.
البسملة واقفة خارج الصفحة، تحاول الدخول فلا تجد سطراً أول. يمسكها الحجل بمنقاره، يدور حول القصيدة، ثم يضعها عند آخر البياض.
خلفه تلهث رئة ثقيلة، وأمامه السفوح تستباح لتوضع فيها الفخاخ. الصياد لا يحتاج إلى مطاردة الطائر. يضع الفخ في طريقه ويجلس، عارفاً أن الأرض ستتعاون معه، وأن الجناح القصير سيعيد الحجل إليها.
ويكتب لقمان:
"بحكمة الصياد المترف تبدأ المهزلة
حجلٌ إلى الفخ يستدرج حجلْ"
(ص 394)
هذه المرة لا يقود الصياد الحجل إلى الفخ. حجل يقود حجلاً. صار الطائر يؤدي وظيفة مطارده، مختاراً أو مكرهاً. قد يكون وُضع في قفص كي يجذب طائراً حراً، أو نجا بشرط أن يسلّم الثاني. تبدأ المهزلة حين يصير المطارد دليلاً إلى المطاردة.
في مسرح الصفحة 371 كان لقمان يمنح الأدوار ويبدأ المشهد بإشارة منه، ثم يسميه مهزلة. هنا يبدأ الصياد المترف مهزلته ويوزع الأدوار: حجل في القفص، وحجل في الطريق، وفخ ينتظر الاثنين. يستمر العرض حتى تغلق الأرض بابها على الطائر.
في النص الرابع كان الهواء طازجاً:
"كان الهواء طازجاً لم تعكّره الأجنحة"
(ص 395)
هواء في أول العالم، قبل أن تمر به الطيور، وقبل أن تجرحه الطلقات. يدخل الحجل إليه، فتبدأ القصيدة بريشة وتنتهي بدم. بين الريشة والدم تقع حياته كلها: طيران قصير، ورصاصة، وريشة تهبط أبطأ من الجسد.
يقول لقمان:
"لقد غدت القصيدة في الفضاء"
(ص 395)
خرجت القصيدة من الورقة. لا يستطيع الشاعر أن يمسكها بعد الآن. صارت في المكان الذي عجز الحجل عن امتلاكه. الكلمات تطير أعلى من صاحبها، والريش الذي سقط منه يكمل رحلته وحده.
الحجل راقد منذ البيوض الأولى، متوّج بدهشة من رآه. تخرج القرى والتين اليابس وحليب الفجر منه. صارت البلاد خارجة من جسده: القرى تحت ريشه، والتين في دمه، والحليب في بياض بيضه. إذا أصابه الصياد، أصاب ما يحمله من أرض.
ثم يغمدونه في الفراغ:
"ثم يغمدونك في الفراغ ـ عار من الغمد أنت ـ"
(ص 395)
الفراغ غمده، وهو عار منه. حتى الموت لا يمنحه مكاناً يستقر فيه. لا أرض تضم جسده، ولا فضاء يحتفظ بجناحه. يبقى بينهما كطلقة لم تخرج من المسدس، أو كروح تحاول العودة من الهواء إلى رئتي الإله.
في الصفحة 396 تتسع البلاد حول الحجل:
"هذه مملكة التين، تحولات العنب إلى زبيب،
إمبراطورية الحليب الباكر"
(ص 396)
المملكة مصنوعة من أشياء تؤكل وتيبس وتتغير. التين يملك أرضه، والعنب يعبر إلى الزبيب، والحليب الباكر يقيم إمبراطوريته قبل أن تفسده الأيام. منذ حجل تمطّى على السفح وأعلن الريش بأجنحة قصيرة، بدأت المملكة تكشف ما فيها.
إعلان صغير من طائر صغير، فتخرج العربات، ويبدأ الحدادون، ويظهر الملوك بصولجاناتهم. رفرفة واحدة توقظ تاريخاً كاملاً. كأن الحجل حين فتح جناحيه أخرج الممالك المختبئة تحت السفح.
يكتب لقمان:
"والملوك يبدأون بالصولجانات ولا ينتهون"
(ص 396)
في الصفحة 373 كان الملوك يحصون ممالكهم والريح تستعد لشتاءاتهم. هنا يعودون بصولجاناتهم، يبدأون ولا ينتهون. ينامون على وسائد لا تنشقّ عن ريش، بعيداً عن الطائر الذي يُقتل كي تبقى وسائدهم ناعمة.
ثم يسمون الحكايات الشعبية سوداء ويقتلونها حتى تحترق. يخاف الملك من الحكاية لأنها تطير من فم إلى فم دون إذنه. لا يستطيع أن يضع لها فخاً واحداً؛ كلما قتل رواية خرجت من بيت آخر. الحجل يعرف هذا النوع من النجاة: يسقط الجسد، ويظل الريش في الهواء.
يلتفت إليه لقمان ويندبه:
"لم يكن جناحك طويلاً كي تمزّق الهواء"
(ص 396)
الجناح القصير الذي بدأ في الصفحة 392 وصل إلى نهايته. لم يطل خلال نصوص الحجل الأربعة، ولم يتعلم الحجل طيراناً جديداً. بقي رفرفة قصيرة أمام تاريخ طويل من الصيادين.
لم تكن له مدارج آمنة يضع فيها بيضه. الأرض تنقر البيض قبل أن يفقس، والفضاء بعيد عن الجناح الذي سيخرج منه. الحجل محاصر قبل الولادة، محاصر داخل القشرة.
ثم يقف أمام دجاج البيوت وديكتها، يندهش ويضحك. يرى الطيور التي قبلت السياج، وعاشت قرب الطعام، وتدربت على نسيان السماء. قد تكون أكثر أماناً منه، لكنها لا تعرف السفح. وقد يكون هو أقرب إلى الموت، غير أن ريشه ما زال يحمل رائحة البرية.
تأتي الجملة التي جمعت مصيره كله:
"لم يكن لك أن تثبت على الجناح أو القدم
ففرّ منك الفضاء والأرض لم تلامسك"
(ص 396)
حتى الجهات هربت منه. الفضاء لا يحمله، والأرض لا تلامسه. بقي معلقاً في موضع لا اسم له. لا هو طائر كامل في السماء، ولا كائن مستقر على التراب. جناحه لا يثبته، وقدمه لا تنقذه.
تعود الصفحة 100، حين كان العالم ضيقاً على لقمان والرقعة الصغيرة تحت قدميه فضفاضة. هنا اتسعت الرقعة حتى صارت فضاء وأرضاً، وبقي الجسد بلا موضع. مرة كانت الأرض فضفاضة، ومرة رفضت أن تلامسه.
في آخر السطر يمنحه الشاعر ما بقي له:
"فلتكن لهوائك سطوة الزغب ودخان البيوت"
(ص 396)
لا يمنحه عشاً، ولا جناحاً أطول، ولا نجاة من الصياد. يمنح هواءه سطوة الزغب ودخان البيوت. الزغب أخف ما يحمله جسد الطائر، والدخان ما تصعد به البيوت إلى السماء. يلتقيان في الهواء: ريش انفصل عن جسد، ودخان خرج من موقد.
صار لأضعف ما في الحجل سطوة. يحمل الهواء زغبه ودخان البلاد التي خرجت من جسده؛ بلاد التين والزبيب والحليب والملوك والحدادين والحكايات المحترقة.
عند نهاية الصفحة لا يظهر الحجل. تبقى ريشة واحدة تدور قرب الأرض، ترتفع قليلاً ثم تهبط.
كلما قاربت موضعاً فرّت منه.
واتجهت إلى الجهة الأخرى من الستارة.


الخاتمة:
الرجل الذي أعاد المنسيين إلى الخشبة
كنت قد وصلت في الكتاب إلى "نادي الصحفيين" قبل أن أتذكر أن لقائي الأول بلقمان وقع في ذلك المكان.
كان "عود ثقاب يحترق" مؤرخاً في نادي الصحفيين عام 2000، ثم دخلت أنا المقهى بعد ذلك بعامين أو ثلاثة، لا أجزم بالسنة. كنت برفقة صديقي الشاعر التونسي منصف الوهايبي. جاء منصف إلى دمشق، وخرجنا معاً كي نسهر في ذلك المقهى الذي كان مطعماً وباراً وملتقى للكتّاب والصحفيين والفنانين. وكانت دمشق ما تزال قادرة على جمع هؤلاء حول طاولة واحدة، ولو لساعات قليلة.
كنت أعرف لقمان من الصحافة والإعلام. أعرف حضوره وكتابته ونشاطه في السيناريو، وأعرف اسمه من دون أن أعرف اليد التي ستمتد إليّ بعد قليل. جاء إلى طاولتنا، سلّم علينا، وعرّف بنفسه. لحظة صغيرة إذا قستها بالسنوات التي أعقبتها، غير أن بعض الصداقات تبدأ من لقطة لا تحتاج إلى تمهيد طويل. رجل يقترب من طاولة، يقول اسمه، ويترك كرسياً مفتوحاً لأيام ستأتي.
ظن لقمان في البداية أنني مغترب في تونس. رآني برفقة شاعر تونسي، فبنى حكايتي بسرعة، وربما كان هذا جزءاً من طريقته في التقاط الناس وصنع المشهد حولهم. لم أكن مغترباً في تونس، وكان علي أن أعود إلى سوريا كي ألتقيه مرة أخرى في مكان صار يحمل بصمته كاملة: "بيت القصيد".
كانت فكرة "بيت الشعر" قد اصطدمت برفض السلطة السورية. الاسم نفسه أثار خوف الجهات التي كانت تخشى كل بيت لا تملك مفتاحه، وكل منبر لا تقرر مسبقاً مَن يقف عليه وماذا سيقول. لم يتوقف لقمان أمام الباب المغلق. غيّر الاسم وفتح باباً آخر. سمّى مشروعه "بيت القصيد".
كان ينتقل به بين فنادق دمشق، من فندق أمية إلى غيره. يتفق مع الفندق على صالة واسعة؛ لا يدفع أجرتها، ويكتفي الفندق بما يبيعه من مشروبات في البار. بهذه الحيلة صنع لقمان مكاناً يتسع لمئات الأشخاص. لم يحتج إلى مبنى يحمل لافتة رسمية، ولا إلى موظف يفتش القصائد قبل دخولها. أخذ صالة عابرة في فندق ومنحها ذاكرة.
حين عدت إلى سوريا وذهبت إلى "بيت القصيد"، تعرفت إلى لقمان من الجهة التي بقيت الأقرب إليّ. كان يدير الأمسية بذكاء ساخر، حاضر البديهة، قادراً على الإمساك بالصالة من دون أن يحولها إلى ثكنة. يعرف كيف يقدّم شاعراً، ويرد على مقاطعة، ويخفف ثقل اللحظة بكلمة، ويمنح المرتبك وقتاً كي يعثر على صوته.
الذي قرأته في نص عن الشخوص المنسيين في الكواليس والثانويين الذين يتوسلون دوراً، رأيته يومها حيّاً أمامي. لقمان الذي حجبته الستارة وحده في الصفحة الثلاثين، صار في "بيت القصيد" الرجل الذي يرفع الستارة للذين حجبتهم المنابر.
كان بإمكان شاعر أن يقرأ بالكردية، وكان بإمكان آخر أن يقرأ الشعر الشعبي، أو العامي، أو ما أسميه الشعر العامي الحداثي، ويسميه أهل لبنان الشعر المحكي. وكانت الفصحى تجلس بينهم من دون أن تطرد أحداً. لم تكن اللغة شرطاً للدخول إلى البيت. يكفي أن يحمل الداخل قصيدته وصوته.
خارج تلك الصالة كانت مؤسسات وزارة الثقافة تمنع الشاعر السوري من القراءة بغير العربية الفصحى. وكانت عين المنع متجهة في جوهرها إلى الأكراد ولغتهم القومية. وإذا جاء شاعر لبناني معروف مثل طلال حيدر، أو شاعر مصري مثل أحمد فؤاد نجم، صمت القانون وتراجعت شجاعته. كان المنع يعرف مَن يستطيع إيذاءه، ويختار ضحيته بعناية.
في "بيت القصيد" فقد هذا المنع سلطته لساعات. وجد الشاعر الذي لا تستقبله المؤسسة الرسمية كرسياً وميكروفوناً وجمهوراً. لم يكن لقمان يطلب من القصيدة بطاقة هوية قبل أن يسمح لها بالكلام.
الآن، بعد أن عبرت أعماله الشعرية، أفهم "بيت القصيد" بطريقة أخرى. كان واحداً من نصوصه التي خرجت من الورق. قصيدة بباب وفندق وبار ومقاعد ومنصة. شخوصها شعراء قادمون من لغات وهوامش وتجارب متباعدة، وكان لقمان يوزع عليهم الضوء من دون أن يحتفظ به كله لنفسه.
ربما لهذا امتلأ شعره بمن يقفون خارج الأبواب، وبالذين لا صورة لهم في البيت ولا مفتاح، وبالأصوات التي تبحث عن موضع في العالم. كان يعرف أن القصيدة لا تنقذ صاحبها من وحدته، لكنها تستطيع أن تهيئ له مقعداً بين وحيدين آخرين. وهذا ما فعله في "بيت القصيد": جمع الوحيدين حتى بدوا جماعة.
استمرت صداقتنا بعد ذلك. ثم غادر لقمان سوريا قبلي بنحو عام، واختار فرنسا، واخترت ألمانيا. حمل كل منا منفاه إلى جهة، وبقيت اللقاءات ممكنة في المناسبات التي تجمعنا. لم يتحول إلى اسم قديم في دفتر دمشق. بقي صديقاً أحمل له إعجابي بموهبته، وأعرف صوته حين يصلني من بلد آخر.
عندما بدأت قراءة هذه الأعمال، ظننت أنني سأدخل كتاباً. وجدتني أدخل الأماكن التي عبرناها معاً، وأعود إلى طاولة نادي الصحفيين، وإلى فنادق دمشق، وإلى صالة امتلأت بالشعراء، وإلى رجل يمسك الميكروفون ويطلق سخريته فتتغير حرارة المكان.
لهذا لم أستطع أن أقف خارج النص وأصفه. كنت أعرف بعض الهواء الذي كُتب فيه. أعرف المقهى الذي حمل تاريخ إحدى قصائده، والفندق الذي تحول على يديه إلى بيت، ودمشق التي ضاقت بمشروع ثقافي واتسعت له حيلة شاعر.
دخلت القصائد كما يدخل المرء مكاناً عاش فيه ثم هُدم. يتعرف إلى موضع الطاولة من رائحة بقيت، وإلى الباب من حركة يده، وإلى الغائبين من الفراغ الذي تركوه في المقاعد. كلما تقدمت في الصفحات، لم أكن أكتشف لقمان وحده؛ كان جزء من زمننا يخرج من اللغة، ينفض عنه الغبار، ويجلس معنا.
في أول الطريق وقفت أمام ستارة حجبت ممثلاً واحداً. وعند آخره تبعت ريشة حجل لم تقبله الأرض ولم يحتفظ به الفضاء. بين الستارة والريشة كان لقمان يتنقل في الأجساد والأمكنة، يحمل نفسه حين تسقط، ويمنح صوته لمن بقي في الكواليس، ويبني للكآبة حصناً ثم يسأل عمن يكسره من دون أن يكسره معه.
لم أعد أريد كسر الحصن. صرت أخشى على الرجل الذي في داخله من الحجارة المتساقطة. ولم أعد أريد رفع الستارة دفعة واحدة. قد يكون خلفها ممثل يحتاج إلى لحظة كي يعتاد الضوء. جلست في مكاني، وانتظرت أن يرفعها لقمان بالطريقة التي يعرفها.
رفعها قليلاً.
تهيأ الراقص المرتبك للنهوض. صعد طفل الأحذية إلى المسرح حاملاً صندوقه. اقترب الشعراء الذين كانوا ممنوعين من لغاتهم من الميكروفون. وفي آخر الخشبة كان الحجل يرفرف بجناحيه القصيرين، مكتظاً بالصيادين الذين أخفقوا فيه، ولا يزال يحاول أن يجد جهة لا تكون فخاً.
بحثت عن لقمان بينهم، فلم أجده.
عندها انطوى المسرح في خيالي، وعادت الطاولة الأولى في نادي الصحفيين. خُيّل إليّ أن صوته جاءني من خلفي، ساخراً كما عرفته في "بيت القصيد":
لا تنظر إلى الخشبة يا شاهر.
التفتُّ.
كان المشهد قد اكتمل في خيالي: لقمان جالس إلى الطاولة، وإلى جانبه منصف الوهايبي. وعلى الطاولة كرسي فارغ ينتظرني.
مشيت نحوهما من الجهة الأخرى للستارة.

كتبت خلال ربيع وصيف 2026
شاعر وكاتب سوري ـ ألمانيا



#شاهر_خضرة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الأعمال الشعرية – الجزء الأول – للشاعرالكردي السوري ...
- الطاغية في سقوطه الأخير
- قراءة في ديوان معجم الحواس الناقصة للشاعر عماد فؤاد
- ممحاة شاهر وما أدراك ....... لسان صدق
- يوميات مستهرب
- شعراء الأدعية والأذكار
- قصيدة النثر في مواجهة ديمقراطية مع الإسلامويين
- أسئلة وأنا متكئ
- قد سمع الطين
- محمود درويش شاعر فلسطيني عربي إنساني


المزيد.....




- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...
- مشاركة قطرية لافتة في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي للكت ...
- في مشهد يبرز ملامحها الثقافية.. السعودية في معرض موسكو الدول ...
- الثقافة العُمانية تتألق في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهر خضرة - قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر لقمان ديركي