Shaher Khadra- شاهر خضرة
الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 08:12
المحور:
الادب والفن
حين لا يبقى من الأشياء إلا أثرها
الشاعر المصري عماد فؤاد (1974) أحد الأصوات البارزة في قصيدة النثر المصرية والعربية خلال العقود الأخيرة. ويُعدّ ديوانه «معجم الحواس الناقصة»، الصادر عن دار ديوان للنشر بالقاهرة سنة 2025، أحدث محطات مشروعه الشعري الممتد منذ أواخر التسعينيات.
أغلقتُ الديوان، وبقي أثر لا أعرف له اسماً. لم يكن صورةً أستطيع استعادتها متى شئت، ولا جملةً أضع تحتها خطّاً وأشير إليها بإعجاب، ولا امرأةً خرجت من القصائد لترافقني إلى الخارج. كان شيئاً آخر، شيئاً يشبه الرائحة حين تعبر المكان بعد أن يغادره أصحابها. لا تُرى ولا تُمسك، لكنها تظل هناك، كأن الهواء نفسه يتذكّر.
لهذا، كلما حاولت أن أتذكر «معجم الحواس الناقصة» لم يحضر الديوان دفعة واحدة. لم تأتِ القصائد، ولم تأتِ الحكايات، بل جاءني أولاً ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأشياء حين تنسحب. كما يحدث بعد انطفاء الموسيقى بقليل، أو بعد مغادرة حبيبٍ لا يزال دفء يده عالقاً في يدك، أو بعد حجرٍ أُلقي في الماء واختفى بينما بقيت الدوائر تتسع على السطح.
وربما لهذا السبب لم أقرأ الديوان بوصفه كتاباً عن الحواس، بل بوصفه كتاباً عن حدود الحواس. عن اللحظة التي تتوقف فيها العين عن الرؤية ويبدأ شيء آخر، وعن اللحظة التي تعجز فيها اللغة عن الإمساك بما يحدث فيتقدم الجسد خطوة إلى الأمام. في هذا الديوان لا يقودنا عماد فؤاد إلى الأشياء بقدر ما يقودنا إلى آثارها. لا إلى الحب، بل إلى ما يتركه الحب وراءه. ولا إلى الجسد، وإنما إلى الرجفة التي تبقى فيه بعد أن يغادره اللمس. أما الرائحة فلا تظهر بوصفها أثراً حسياً فحسب، بل بوصفها ذاكرة تستيقظ لأن شيئاً ما مرّ من هنا.
لهذا شعرت، وأنا أمشي بين صفحاته، أنني لا أقرأ قصائد بقدر ما أتتبع أثراً يبدأ خافتاً ثم يتسع. أثراً يقود من جبلٍ يحدّق في البعيد إلى حجرٍ يغوص في الماء، ومن يدٍ تمتد ثم تتراجع إلى لحظةٍ صفر تفلت دائماً من القبض عليها، وصولاً إلى تابوتين فارغين يتركان العالم كله واقفاً أمام لغزٍ لا جواب له. وهكذا، بدل أن يشرح الحواس، أخذ الديوان ينزع عنها يقينها شيئاً فشيئاً، حتى وجدت نفسي في النهاية لا أسأل ماذا رأيت، ولا ماذا سمعت، ولا ماذا لمست، بل أسأل سؤالاً آخر: أيُّ جزءٍ من الإنسان يبقى حيّاً حين تخوننا الحواس كلّها؟
إذا كان ثمة خيط واحد يجمع الصور الكبرى في «معجم الحواس الناقصة»، فهو أن الأشياء لا تُمنح لنا كاملة. العالم في هذا الديوان لا يكشف نفسه دفعة واحدة، ولا يسلّم أسراره لمن ينظر إليه مباشرة. كل ما نحصل عليه هو إشارات متناثرة، وآثار تقود إلى آثار أخرى، وعلامات صغيرة تلمّح أكثر مما تصرّح. ولهذا يبدو القارئ، منذ الصفحات الأولى، أشبه بمتتبع أثر قديم لا يعرف إلى أين سيقوده في النهاية.
من أجمل الأمثلة على ذلك صورة الحجر التي توقفت عندها سابقاً. فالشاعر لا يلفت انتباهنا إلى لحظة إلقاء الحجر في الماء، ولا إلى الدوائر التي يصنعها على السطح، وإنما إلى لحظة غوصه. وقد بدا لي أن اختيار فعل الغوص هنا ليس تفصيلاً عابراً. فالسقوط حدث مرئي، أما الغوص فبداية اختفاء. وما إن يغوص الحجر حتى يبدأ عمل الخيال. العين تتوقف، لكن المخيلة تواصل النزول إلى الأعماق. وهذا ما يفعله الديوان مراراً. إنه يأخذنا إلى النقطة التي تنتهي عندها قدرة الحواس، ثم يتركنا نكمل الطريق وحدنا.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً حضور الرائحة بهذا العمق. فالرائحة هي الحاسة الأكثر غموضاً بين الحواس جميعاً. نحن نستطيع أن نصف ما نراه بدقة، وأن نشير إلى ما نلمسه بأصابعنا، لكننا نعجز غالباً عن وصف الرائحة إلا بالاستعانة بأشياء أخرى. ولهذا لم يكن مصادفة أن يقول الشاعر: «كي تصل إلى النهر في آخر الغابة يعني أن تتبع الرائحة». فالرائحة هنا ليست مجرد عنصر حسي، بل طريقة في المعرفة. إنها دليل يقود إلى شيء لا يزال بعيداً عن العين. والإنسان في هذا الديوان يعيش بالطريقة نفسها؛ يتبع ما يشعر به أكثر مما يتبع ما يراه، ويهتدي بما يلمحه من آثار أكثر مما يهتدي بالحقائق الواضحة. هنا تكتسب الغابة معناها الحقيقي، فهي ليست مكاناً جغرافياً بقدر ما هي صورة لعالم لا يمنح خرائط جاهزة، ولا يكشف مساراته كاملة، عالم تصبح فيه قيمة التتبع أحياناً أكبر من قيمة الوصول نفسها.
يتكرر هذا المعنى في أكثر من موضع، لكنه يبلغ ذروة خاصة في مقطع «اللحظة الصفر». فاللحظة التي يتحدث عنها الشاعر ليست لحظة يمكن الإمساك بها، بل لحظة تفلت في اللحظة نفسها التي نحاول القبض عليها. إنها المسافة الدقيقة بين الشيء ووعينا به، بين حدوث التجربة وإدراكها، بين ما كان وما سيكون. ولهذا تبدو «اللحظة الصفر» امتداداً طبيعياً للحجر الغائص والرائحة التي تقود إلى النهر. فجميعها تنتمي إلى العائلة نفسها من الصور: صور الأشياء التي نعرف أنها موجودة، لكننا لا نستطيع تثبيتها أمامنا بالكامل.
ولعل هذا ما يجعل كثيراً من قصائد الديوان تبدو وكأنها لا تروي ما حدث، بل ما كان يمكن أن يحدث. فالعلاقات فيه ليست أحداثاً مكتملة بقدر ما هي احتمالات مفتوحة، وليست حيوات منجزة بقدر ما هي ظلال حيوات أخرى كان يمكن أن تنشأ لو أن تفصيلاً صغيراً تغيّر في لحظة ما. كأن كل علاقة في هذا الديوان ليست قصة بقدر ما هي حياة موازية كان يمكن أن تحدث. ولهذا لا يبدو القارئ وكأنه يتابع قصة واحدة، بل مجموعة من الحيوات المتجاورة التي تتقاطع ثم تفترق، وتبقى معلقة في منطقة بين الواقع والاحتمال.
وإذا تأملنا الديوان من هذه الزاوية فسنكتشف أن الحبيبة نفسها تخضع للمنطق ذاته. فهي ليست شخصية مرسومة بحدود واضحة، بقدر ما هي أثر متحرك. أحياناً نعرفها من رائحتها، وأحياناً من غيابها، وأحياناً من شعرة بقيت على قميص، أو من ذكرى ترفض أن تغادر. ولهذا فإن قوة حضورها لا تأتي من كثرة ظهورها، بل من قدرتها على البقاء حتى حين لا تكون موجودة. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الديوان. فما يغيب لا يختفي، وما يحضر لا يكتمل. والحب نفسه لا يظهر بوصفه امتلاكاً للطرف الآخر، بل كمحاولة لا تنتهي للاقتراب منه. وكل ما هو حي يظل ناقصاً، وكل ما هو ناقص يظل في حالة بحث.
بهذا المعنى لا يبدو «معجم الحواس الناقصة» ديواناً عن الحب بقدر ما يبدو ديواناً عن المراوغة الإنسانية الكبرى؛ عن تلك المسافة التي تفصلنا دائماً عما نبحث عنه وتجعلنا نواصل السير نحوه من دون أن نصل إليه كاملاً. ولهذا لا يبقى في الذاكرة حجر ولا رائحة ولا لحظة صفر بوصفها صوراً شعرية فحسب، بل بوصفها علامات على شيء أعمق: ذلك النقص الذي يجعل الإنسان يمد يده دائماً نحو ما لا يستطيع امتلاكه كاملاً، ويواصل البحث عنه مع ذلك.
وإذا كان «معجم الحواس الناقصة» قد بنى عالمه على الأثر والاحتمال والبحث الدائم عما يتوارى خلف الأشياء، فإن الجسد يحتل في هذا العالم مكانة خاصة. فهو ليس مجرد موضوع من موضوعات الديوان، ولا مجرد مساحة تعبر من خلالها الرغبة أو الحب، وإنما هو الذاكرة الأكثر صدقاً بين جميع أشكال الذاكرة. فالعقل ينسى ويعيد ترتيب الوقائع، واللغة تضيف وتحذف وتجمّل، أما الجسد فيحتفظ بما مرّ به بطريقته الخاصة، ويخزن التجارب في طبقاته العميقة حتى حين نظن أننا تجاوزناها.
لهذا لا يكتب عماد فؤاد عن اللمس بقدر ما يكتب عمّا يبقى بعد اللمس، ولا يكتب عن الرائحة بقدر ما يكتب عن الذاكرة التي تستيقظ لأن رائحة ما مرّت من هنا. فالحواس في هذا الديوان لا تؤدّي وظيفة الإدراك وحدها، وإنما تتحول إلى مستودعات للزمن. كل لمسة تترك أثراً، وكل غياب يترك فراغاً، وكل لقاء يواصل حياته داخل الجسد حتى بعد انقضائه بوقت طويل.
ومن هنا تأتي كثافة التفاصيل الحسية في القصائد. ليست لأنها تفاصيل واقعية أو زخارف شعرية، وإنما لأنها تمثل الطريقة التي يحفظ بها الإنسان تاريخه الشخصي. فالحياة، في النهاية، لا تبقى في الذاكرة على هيئة أحداث كبرى بقدر ما تبقى على هيئة آثار صغيرة: رائحة عالقة، شعرة على قميص، أثر يد، رجفة مفاجئة، أو ذكرى تستيقظ بلا سبب واضح. وهذه العناصر التي قد تبدو هامشية في ظاهرها تتحول في الديوان إلى مفاتيح لفهم ما هو أعمق منها بكثير.
ولا يظهر الجسد هنا بوصفه نقيضاً للروح، كما جرت العادة في كثير من الكتابات، وإنما بوصفه أحد أشكالها. إنه المكان الذي تتقاطع فيه الرغبة والخوف، الحنين والندم، الحضور والغياب. وما يبدو في ظاهره إحساساً عابراً يكشف طبقة أخرى تحته، ثم طبقة ثالثة، حتى يشعر القارئ أن القصائد لا تتحرك على سطح التجربة، بل تنزل تدريجياً إلى أعماقها.
كثيراً ما شعرت أثناء القراءة أن الشاعر لا يكتب مشاهد بقدر ما يكتب طبقات؛ طبقة من اللمس فوق طبقة من الذكرى. طبقة من الرغبة فوق طبقة من الخوف. وطبقة من الحياة فوق طبقة من الحيوات التي لم تُعش. وكأن الإنسان، في هذا الديوان، ليس كائناً واحداً يعيش سيرة واحدة، بل مجموعة طبقات متراكمة من الاحتمالات والاختيارات والذكريات والندوب. وكلما تعمّقنا في القصائد ظهرت طبقة جديدة لم نكن نراها من قبل.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين الجسد والزمن. فالزمن لا يظهر بوصفه سنوات أو مراحل عمرية، بل بوصفه ما يتركه من أثر. نحن لا نشعر بمرور الزمن لأن الأرقام تغيرت، بل لأن شيئاً ما تغير فينا. لأن ذكرى فقدت وضوحها واكتسبت في الوقت نفسه قوة أكبر، أو لأن أثراً قديماً ما زال يقيم فينا رغم مرور السنين. الزمن في هذا الديوان لا يُقاس بالساعات، بل بعمق الأثر الذي تتركه التجربة في الجسد.
ولعل هذا ما يمنح كثيراً من القصائد تلك الحساسية الخاصة تجاه الأشياء العابرة. فالشاعر لا يطارد اللحظات الكبرى بقدر ما ينصت إلى ما يتسرب بينها؛ وكأن الحقيقة لا تسكن في الحدث نفسه، بل في ما يخلّفه وراءه.
لذلك يبدو الجسد في «معجم الحواس الناقصة» أشبه بأرشيف خفي للحياة. ليس لأنه يحفظ كل شيء، بل لأنه يحفظ ما تعجز اللغة عن الاحتفاظ به. وحين تتعثر الكلمات أو تتراجع الحواس أو تخون الذاكرة صاحبها، يبقى الجسد شاهداً أخيراً على ما جرى، وحاملاً للأثر الذي يجعل الإنسان يشعر، رغم كل شيء، أن ما عاشه لم يذهب هباءً.
إذا كان الجسد، كما بدا في قصائد «معجم الحواس الناقصة»، أرشيفاً خفياً للحياة، فإن خاتمة الديوان تدفع هذا التصور إلى أقصى حدوده. فبعد رحلة طويلة من اللمس والرائحة والغياب والذكرى والبحث، لا يضعنا الشاعر أمام يقين أخير، بل أمام تابوتين فارغين. وقد بدت لي هذه الصورة من أكثر صور الديوان كثافة وإثارة للتأمل. ليس لأنها تفاجئ القارئ فحسب، بل لأنها تعيد صياغة الأسئلة التي ظل الديوان يطرحها منذ بدايته. فمنذ الصفحات الأولى ونحن نلاحق آثار الأشياء أكثر مما نلاحق الأشياء نفسها، ونصغي إلى ما يتوارى أكثر مما نصغي إلى ما يظهر، ونحاول الإمساك بلحظات تفلت منا كلما اقتربنا منها. وحين نصل إلى النهاية لا نجد خاتمة تغلق هذه الأسئلة، بل صورة تفتحها على اتساعها.
فالفراغ هنا ليس نقيض الحضور، كما قد يبدو للوهلة الأولى. إنه شكل آخر من أشكاله. فالتابوت الفارغ لا يتحدث عمن بداخله، بل عمن كان يمكن أن يكون بداخله. لا يشير إلى نهاية مؤكدة، بل إلى احتمال غامض. وهنا يبلغ الديوان إحدى أكثر أفكاره إيلاماً وعمقاً: أن الإنسان لا يترك وراءه جسده فقط، بل يترك وراءه أيضاً الحيوات التي لم يعشها، والطرق التي لم يسلكها، واللقاءات التي لم تحدث، والكلمات التي بقيت عالقة في الحنجرة ولم تُقل.
ومن هذه الزاوية لا تبدو النهاية انقطاعاً عن بقية الديوان، بل تتويجاً طبيعياً له. فالحجر الذي غاص في الماء، والرائحة التي قادت إلى النهر، واللحظة الصفر التي استعصت على القبض، والحبيبة التي بقيت أثراً أكثر منها حضوراً، كلها تتجمع هنا في صورة واحدة. صورة عالم لا يُعطى كاملاً، وحياة لا تُفهم كاملاً، وإنسان لا يكتمل أبداً.
ولهذا لا أرى أن التابوتين الفارغين يعلنان انتصار الغياب، بل يعلنان انتصار السؤال. فبعد كل ما مررنا به في هذه الرحلة الشعرية يبقى شيء ما مفتوحاً، شيء يرفض أن يتحول إلى جواب نهائي. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للنقص الذي يتردد صداه في أنحاء الديوان كلها. ليس النقص هنا حرماناً، ولا عجزاً، ولا خللاً في الحواس أو في العالم، بل هو الشرط الذي يجعل البحث ممكناً أصلاً. ولعل الإنسان لا يستمر في السير لأنه وجد ما يبحث عنه، بل لأنه لم يجده كاملاً قط.
لهذا أغلقتُ الديوان كما أغلقته أول مرة: من دون يقين نهائي، ومن دون تفسير كامل. لم يبق في يدي حجر، ولا رائحة، ولا حتى قصة حب يمكن تلخيصها. ما بقي كان أثراً فقط. أثر ذلك السؤال الذي يظل يرافق القارئ طويلاً بعد الصفحة الأخيرة: أيُّ جزءٍ من الإنسان يبقى حيّاً في الأشياء بعد أن يغادرها؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟