أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهر خضرة - قراءة في الأعمال الشعرية – الجزء الأول – للشاعرالكردي السوري لقمان محمود















المزيد.....



قراءة في الأعمال الشعرية – الجزء الأول – للشاعرالكردي السوري لقمان محمود


شاهر خضرة

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 09:33
المحور: الادب والفن
    


في الجهات الأربع للروح
قراءة في الأعمال الشعرية – الجزء الأول – للشاعر لقمان محمود
بقلم شاهر خضرة

نبذة عن الشاعر لقمان محمود
لقمان محمود شاعر وناقد كردي سوري يحمل الجنسية السويدية، ويكتب باللغتين الكردية والعربية. وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب السويديين، وشارك في عدد من المهرجانات الشعرية والثقافية ومعارض الكتب داخل السويد وخارجها. ولد في مدينة عامودا السورية عام 1966، وعمل في الصحافة الثقافية محرراً في مجلة «سردم العربي» ومجلة «إشراقات كردية»، كما عمل محرراً في القسم الثقافي لجريدة «التآخي». أصدر حتى اليوم أربعين كتاباً توزعت بين الشعر والنقد والسيرة والمذكرات واليوميات والترجمة، وصدرت أعماله في عدد من البلدان العربية والأوروبية، ومن المنتظر أن يصدر الجزء الثاني من أعماله الشعرية الكاملة في نهاية هذا العام.

في الجهات التي تتقدّم وحدها
من الصفحات الأولى يشعر القارئ أن قصائد لقمان محمود لا تنتظر من يقودها إلى معناها. فيها حركة سابقة على التفسير، كأن النص يعرف وجهته من دون أن يرسم خريطة لها. شيء ما يدفع الجملة إلى الأمام ثم يعيدها إلى نفسها، ويجعل الصورة تتكوّن عند الحد الذي يلتقي فيه الإحساس بما يصعب تسميته. لهذا تبدو القصيدة في كثير من الأحيان أقرب إلى كائن يبحث عن هيئته أثناء نموه منها إلى بناء أُعدّ سلفاً ثم أُدخلت الكلمات فيه.
ليس الاستقرار من طبائع هذه الكتابة. حتى حين تهدأ العبارة، يبقى تحتها قلق خفيف يمنعها من التحول إلى يقين. ما يظهر واضحاً في بدايته قد ينتهي سؤالاً، وما يبدو هامشياً قد يستولي على مركز النص بعد سطور قليلة. وهذه الحركة لا تأتي من ولع بالتغيير لذاته؛ إنها متصلة بنظرة شاعر خبر أن المعنى لا يستقر طويلاً على صورة واحدة، وأن التجربة الإنسانية أوسع من الحدود التي تقيمها لها العبارة.
لهذا لا يسعى لقمان إلى البلاغة التي تلفت النظر إلى نفسها. لغته أقرب إلى جلد التجربة؛ تتلقى ما يصيبها وتحتفظ بعلاماته. قد تكون الجملة هادئة، لكن هدوءها لا يعني البرودة، وقد تكون الصورة بسيطة، غير أن بساطتها تخفي طبقات لا تظهر دفعة واحدة. الكلمات عنده لا تقف في صفوف أنيقة لتؤدي وظيفة محددة، وإنما تتجاور كما تتجاور الأشياء في الذاكرة: بعضها قريب وواضح، وبعضها لا يظهر إلا بعد أن يبتعد القارئ عنه قليلاً.
وهنا تتشكل واحدة من خصائص هذه الأعمال: القصيدة لا تكتفي بما تقوله، وإنما تراهن على ما يحدث للقارئ أثناء القراءة. هناك فرق بين معنى مكتوب أمام العين وبين معنى يبدأ في الداخل بعد انتهاء الجملة. لقمان يميل إلى الثاني. يترك للصورة وقتاً كي تعمل، وللعبارة فرصة كي تتجاوز معناها المباشر، حتى يصبح النص أقل تعلقاً بما يصفه وأكثر اتصالاً بما يثيره.
وإذا كانت هذه الأعمال تمتد على سنوات وتجارب وتحولات كثيرة، فإن ما يجمعها ليس موضوعاً واحداً يتكرر، وإنما مزاج شعري يرى العالم من جهة القابلية للتبدل. الأشياء لا تبقى على حالها، والإنسان نفسه يتغير وهو ينظر إليها. لذلك تحمل القصائد شيئاً من ارتباك من يعرف أن ما بين يديه مؤقت، وأن اللغة نفسها لا تضمن له الاحتفاظ بما يحب.
من هنا يمكن الدخول إلى هذا الجزء من الأعمال الشعرية من دون البحث عن مفتاح واحد يصلح لجميع أبوابه. لكل مجموعة نبرتها، ولكل مرحلة درجة مختلفة من الاقتراب من الذات والعالم، ومع ذلك يبقى خيط خافت يصل بينها: الرغبة في الإمساك بما يوشك أن يفلت قبل أن يتحول إلى شيء لا يمكن استعادته.
ليس الشعر هنا سجلاً لما جرى. إنه محاولة أخرى للعيش بعد أن يجري ما يجري. ولعل هذا ما يمنح النصوص توترها الداخلي؛ فهي لا تنظر إلى التجربة من خارجها، ولا تتحدث عنها بعد أن تبرد، وإنما تبدو في أحيان كثيرة كأنها تكتب وهي لا تزال تحت تأثيرها. ومن هذه المسافة القصيرة بين الجرح والعبارة يأتي ذلك الصدق الذي لا يحتاج إلى إعلان نفسه.
وحين يتهيأ القارئ للانتقال إلى الصفحات التالية يكون قد عرف شيئاً أساسياً: أنه لن يسير في خط مستقيم. هذه كتابة تتقدم بالالتفاف والعودة والانقطاع والاستئناف، وتطلب من قارئها ألا يطارد النتيجة، وإنما أن يصغي إلى ما يتغير أثناء الوصول إليها.

الصوت الذي يسبق اسمه
قبل أن تتحدد الموضوعات في شعر لقمان محمود، يبرز شيء أقدم منها جميعاً: الصوت. لا أقصد الصوت بمعناه الموسيقي وحده، وإنما تلك النبرة التي تجعل القارئ يعرف أن الكلام صادر عن صاحب تجربة مخصوصة حتى لو حُذفت الأسماء والعناوين. الصوت هنا لا يولد من اختيار المفردة وحدها، وإنما من الطريقة التي تنظر بها القصيدة إلى ما يحيط بها، ومن مقدار ما تسمح له بالدخول إليها.
في بدايات كثيرة من النصوص يبدو الشاعر كأنه لا يعرف مسبقاً ما ستقوله القصيدة. يبدأ من نقطة صغيرة، ثم يترك لها أن تقوده. وهذا يفسر ذلك الإحساس بأن العبارة تُكتشف أثناء كتابتها. لا نرى شاعراً يقف فوق نصه ويوزع المعاني على السطور، وإنما شخصاً يدخل معها إلى المنطقة نفسها ويقبل احتمال أن يخرج منها وقد تغيّر شيء فيه.
ذلك الصوت لا يحتاج إلى ارتفاع كي يُسمع. قوته في أنه يعرف متى يقترب ومتى يتراجع، متى يصرح ومتى يكتفي بالإشارة. أحياناً تكون الجملة أقرب إلى اعتراف، وأحياناً أخرى تبدو كأنها تحمي ما تقوله من الإفراط في الكشف. وبين الحالتين يتكوّن نوع من الثقة بين الشاعر والقارئ؛ ثقة لا تقوم على الشرح، وإنما على ترك مساحة مشتركة للفهم.
ولأن الصوت يتغير مع صاحبه، لا تبدو هذه الأعمال كما لو أنها كُتبت من عمر واحد. ثمة نبرة تتعلم من نبرة سبقتها، ووعي يراجع وعياً أقدم منه، وتجربة تعيد النظر في مفرداتها من غير أن تقطع صلتها بما كان. يستطيع القارئ أن يسمع داخل الكتاب أكثر من عمر، وأكثر من درجة في الاقتراب من النفس، ومع ذلك لا يفقد إحساسه بأن المصدر واحد.
وهذا ما يجعل السيرة حاضرة من غير أن يتحول الشعر إلى مذكرات. الحياة تدخل القصيدة بعد أن تفقد تواريخها وأسماءها المباشرة، وتصبح مادة شعورية يمكن أن تخص أكثر من شخص. الواقعة الفردية لا تبقى حبيسة صاحبها، لأنها تمر عبر اللغة فتتسع، وما بدأ تجربة خاصة يستطيع القارئ أن يجد فيه شيئاً من تجربته.
صوت لقمان لا يطلب أن يكون شاهداً محايداً. إنه متورط في ما يقوله، ولهذا يتغير بحسب قربه منه. حين يقترب من الألم تنخفض نبرته، وحين يقترب من السؤال يصبح أكثر حذراً، وحين تداهمه الدهشة تتسع العبارة كأنها اكتشفت فجأة أن العالم أكبر مما كانت تظن.
وفي هذا كله، لا أرى شاعراً يبحث عن «صوت شعري» بوصفه علامة شخصية ينبغي تثبيتها، وإنما أرى الصوت يتشكل طبيعياً من تراكم الحياة والقراءة والتجربة. إنه لا يسبق القصيدة فقط؛ يسبق الاسم نفسه، لأن الاسم يستطيع أن يعرّف صاحبه للآخرين، أما الصوت فيكشف الطريقة التي وُجد بها هذا الإنسان داخل العالم.
وحين يستقر هذا الصوت في ذهن القارئ، يبدأ التعرف إلى بقية الأعمال من خلاله. قد تتغير الموضوعات، وقد تتبدل كثافة اللغة وطريقة بناء الصورة، غير أن النبرة العميقة تظل موجودة، كخيط لا يُرى إلا إذا شددنا السمع. هناك، في تلك الطبقة التي لا تحتاج إلى عنوان، يبدأ لقمان محمود في أن يكون لقمان محمود حقاً.

ذاكرة مفتوحة على العابرين
في شعر لقمان محمود لا تقف الأمكنة في الخلفية بوصفها إطاراً للأحداث، وإنما تدخل في نسيج التجربة نفسها. البيت، الساحة، النافذة، الطريق، الحقول البعيدة، كلها لا تؤدي دور الديكور الذي تمر أمامه الشخصيات، بل تتحول إلى جزء من الإحساس الإنساني، وإلى مستودع خفي لما تراكم من أصوات وصور ووجوه. لذلك يبدو المكان في هذه الأعمال وكأنه كائن آخر يعيش إلى جانب البشر، يكبر معهم ويشيخ معهم ويحتفظ بما نسوه.
الأشياء الصغيرة هي التي تمنح هذا العالم حقيقته. ليس المشهد الواسع هو ما يرسخ في الذاكرة دائماً، وإنما التفاصيل التي تمر عابرة ثم تستقر طويلاً في الداخل. مقبض باب لامسته يد قديمة، ضوء يتسلل إلى غرفة في آخر النهار، مقعد خشبي بقي في زاوية البيت بعد رحيل أصحابه، نافذة مفتوحة على فراغ المساء. هذه الجزئيات لا تظهر بوصفها زينة وصفية، بل باعتبارها الشاهد الأخير على حياة عبرت من هنا وتركت أثرها.
لهذا السبب لا تبدو الذاكرة عند لقمان مستودعاً للماضي، وإنما طريقة أخرى للنظر إلى الحاضر. ما انقضى لا يعود في صورته الأولى، بل يعود محمولاً بما أضافته السنوات إليه من أسئلة وتأملات وخسارات. كل استعادة هي إعادة خلق جديدة، وكل رجوع إلى الوراء هو محاولة لفهم ما حدث أكثر من كونه حنيناً إلى استعادته.
وحين يقترب الشاعر من الناس الذين عبروا حياته، لا يقدمهم بوصفهم أبطالاً أو شخصيات مكتملة الملامح، وإنما يلتقط منهم ما بقي في الروح بعد انقضاء الزمن. قد تكفي حركة يد، أو عادة صغيرة، أو جملة قيلت مرة واحدة، كي تستعيد القصيدة إنساناً غاب منذ سنوات. البشر هنا لا يعيشون في النص بأسمائهم، بل بما تركوه من أثر في الذين عرفوهم.
وفي هذا العالم الشعري تحتل المرأة مكانًا خاصًا، لا بوصفها صورة عابرة للحب، بل بوصفها رفيقة الروح وشريكة المنفى والذاكرة. وفي أكثر من نص تبدو دلشا حاضرة في التفاصيل الصغيرة التي تمنح الأيام معناها وتخفف من قسوة الغياب.
ولكي لا أكتب إنشاءً أقول: في النصوص بدت لي المرأة التي تمرّ في هذا العالم ليست وجهاً يلمع ثم يختفي، وإنما طبقة من الروح تتحرّك كما تتحرّك الفصول حين تفقد انتظامها. تحمل معها رائحة الخبز، وارتعاشة اليد، وقلق الانتظار، وذلك الحزن الذي يهبط على القلب حين يعرف أن الأشياء الجميلة لا تبقى طويلاً. ليست امرأة واحدة؛ إنهن نساء كثيرات يتداخلن كما تتداخل المواسم حين تختلط عليها الجهات؛ نساء يحملن دفء الأم، وارتباك الحبيبة، ووحشة الغياب، وقلق الطريق حين يفقد ظله.
بينما الأرض التي يمشي عليها الشاعر ليست تراباً وحده، وإنما ذاكرة تتقدّم كأنها كتلة من الصعود والهبوط، تحمل في داخلها أثر سنوات لم تكتمل، وخطوات توقفت قبل أن تصل، ومسافات بقيت معلّقة بين بداية لم تُعلن ونهاية لم تُكتب. ليست حجارة صامتة، وإنما امتداد آخر للروح، تنهض حين يتعب الجسد، وتفتح أفقاً جديداً حين يضيق الدرب، وتترك في الهواء أثراً يشبه بداية الرحيل حين لا يعرف المسافر إن كان سيعود.
كما أنه في هذا العالم الشعري، لا تتقدّم اللغة بوصفها زينة، وإنما ككائن حيّ يتنفّس اليباس ويجرّ التراب خلفه كأنه ذاكرة لا تريد أن تُمحى. الجملة لا تأتي لتصف فقط؛ إنها تتعثّر وتنهض وتعيد ترتيب نفسها من جديد. كل صورة تحمل وزنها وحدها، تمشي على حدّها الخاص، وعلى ذلك الفراغ الذي يتركه الشاعر حين يرفع يده عن الورق. لا استعارة تتزيّن، ولا بلاغة تتفاخر؛ لغة تمضي كما يمضي إنسان خرج من حربه الداخلية وما عاد يعرف كيف يعود إلى صورته الأولى.
والطفل الذي يمرّ في هذه الأعمال لا يظهر كذكرى بعيدة، وإنما كخطوة صغيرة تمشي في الخلفية، تحمل في يدها حجراً، وفي قلبها خوفاً، وفي عينيها ذلك الأفق الذي يعرفه كل من خرج من مكانه الأول ولم يعد إليه كما كان. الطفل هنا ليس بداية مستقلة، وإنما امتداد لذلك الإنسان الذي يحاول أن يجد مكاناً يضع فيه قلبه المتعب؛ مكاناً يشبه بيتاً صغيراً في قرية بعيدة، بيتاً يعرف أن المسير إليه طويل، لكنه يواصل السعي نحوه لأن السير هو طريقته الوحيدة كي لا يفقد نفسه.
هذا العالم لا يقدّم نفسه بقدر ما يترك أثره؛ يترك ذلك الخط الرفيع الممتد بين الذاكرة والغياب، ويترك تلك الارتعاشة التي تشبه بداية سقوط جديد. هنا لا تتقدّم القصيدة كزينة لغوية، وإنما كتجربة إنسانية كاملة، تنهض من خساراتها ومن حنينها ومن أسئلتها المؤجلة. وهنا يبدأ النص من مكان لا يحتاج إلى مقدّمة طويلة، لأن الحياة نفسها هي المقدّمة، ولأن الحنين هو الهواء الأول الذي تتنفّسه هذه القصائد، ولأن المسار، مهما ابتعد، يظلّ يبحث عن خطوته الأولى.
ومن اللافت أن الذاكرة في هذه الأعمال لا تعمل وحدها، بل تتشابك دائماً مع الخيال. ما نتذكره لا يعود كما كان، وإنما كما أعادت الروح ترتيبه. لذلك يصعب أحياناً الفصل بين ما جرى فعلاً وما صنعته القصيدة من حوله. ليس لأن الشاعر يريد تضليل القارئ، وإنما لأن الحياة نفسها، بعد مرور الأعوام، تتحول إلى مزيج من الوقائع والانطباعات والظنون.
في هذا السياق تكتسب الأشياء المهملة قيمتها الخاصة. ما لا يلتفت إليه الناس في حياتهم اليومية يصبح في الشعر مفتاحاً لفهم عالم كامل. لقمان لا يبني نصوصه من الوقائع الكبرى وحدها، بل من الهامش أيضاً؛ من لحظة صمت بين شخصين، من ظل يتحرك على جدار، من كرسي فارغ في آخر الغرفة. وكأن القصيدة تقول إن ما يصنع الإنسان ليس ما يعلنه بصوت مرتفع، بل ما يتركه خلفه من دون أن ينتبه.
لهذا تبدو الذاكرة في هذه الأعمال مفتوحة على العابرين جميعاً. لا أحد يختفي تماماً، ولا شيء يزول نهائياً. الوجوه تتراجع إلى الخلف، لكنها تظل موجودة في طبقات الكلام، والأصوات التي صمتت منذ زمن طويل تعود أحياناً من أكثر الزوايا هدوءاً. وحتى الذين غادروا المكان يبقون فيه بطريقة ما، كما تبقى رائحة المطر في الهواء بعد أن تتوقف السماء عن الهطول.
والمنفى، الذي يرافق الشاعر منذ سنوات طويلة، لا يظهر عنده كمسافة بين بلدين فحسب، وإنما كحنين دائم إلى القرية الأولى؛ إلى رائحة الخبز الخارج من التنور، وإلى الأزقة والحقول والوجوه التي ما تزال تعيش في الذاكرة حتى بعد أن ابتعدت عنها الخطوات.
ولا تأتي هذه العودة بوصفها محاولة للهروب من الحاضر، بل كوسيلة لفهمه. الإنسان لا يحمل ماضيه على كتفيه كعبء دائم، وإنما يحمله لأنه جزء من تكوينه. السنوات الأولى، البيوت الأولى، الوجوه الأولى، كلها تستمر في العمل داخلنا حتى حين نظن أننا تجاوزناها. ولعل شعر لقمان محمود يذكّرنا، مرة بعد أخرى، بأن ما نسميه حاضراً ليس سوى طبقة جديدة تستند إلى طبقات كثيرة سبقتها.
في نهاية الأمر، لا تصبح الذاكرة عنده دفتراً للأحداث، بل مرآة واسعة يرى الإنسان فيها ما صار إليه، وما فقده في الطريق، وما بقي حياً فيه رغم تبدل الأمكنة والأزمنة. ومن هذه المسافة بين ما كان وما أصبح، تولد القصيدة؛ لا لتستعيد العالم كما كان، بل لتمنحه حياة أخرى داخل اللغة.غير أن الذاكرة في شعر لقمان محمود لا تعمل بوصفها قوة تعيد الإنسان إلى الوراء فقط، بل بوصفها قوة تعيد ترتيب علاقته بالعالم. فكل ما يمر في القصائد يخرج من وظيفته اليومية ليدخل في منطقة أخرى؛ الكرسي لا يعود قطعة أثاث، والنافذة لا تعود فتحة في جدار، والممر لا يعود مجرد مساحة للعبور. الأشياء كلها تكتسب حياة ثانية لأنها مرت مرة في قلب إنسان ثم استقرت هناك.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه التجربة أن القصيدة لا تقف خارج الحياة لتتأملها، وإنما تعيش في داخلها. المرأة ليست رمزاً مجرداً للحب، والقرية ليست استعارة للحنين، والمنفى ليس فكرة فلسفية عن الغياب؛ جميع هذه العناصر تتحرك داخل النصوص كما تتحرك داخل حياة الشاعر نفسها. إننا لا نقرأ صوراً منفصلة، وإنما نقرأ شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية التي تنمو بهدوء بين الأشياء، وتترك أثرها في اللغة كما تترك أثرها في الحياة.
في قصائد لقمان محمود تضيق المسافة بين ما هو شخصي وما هو جماعي. حزن الفرد يتحوّل إلى حزن مشترك، وذكرى واحدة تصبح ذاكرة لجيل كامل. حين يتحدث عن أم تنتظر، أو عن رجل يتعب، أو عن طفل يركض في طريق بعيد، نشعر أن الشاعر لا يكتب سيرته وحدها، وإنما يكتب سيرة بشر كثيرين مرّوا بالتجربة نفسها واحتفظوا بها في صمتهم الطويل. اللغة لا تنقل التجربة من الخارج، وإنما تعيشها وتعيد تشكيلها وتمنحها حياة أخرى داخل الكلمات.
الكتابة في هذا العالم ليست انتصاراً على الخسارة، وإنما طريقة للتعايش معها. القصيدة لا تمحو ما ضاع، لكنها تمنحه حياة أخرى داخل اللغة. ما اختفى من الواقع يعود في النص بصورة مختلفة، أقل وضوحاً وربما أكثر بقاءً. ولهذا يبدو الشعر عند لقمان محمود أقرب إلى محاولة دائمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الزمن، لا بمقاومته، وإنما بتحويله إلى كلمات تستطيع أن تعيش بعد أصحابها. اللغة هنا جسد يتذكّر، جسد يعرف أن ما يبقى في الكلمات قد يكون أصدق مما يبقى في الحياة.
وحين تنهض اللغة من خسارتها، تنهض معها الأشياء التي ظنّ الناس أنها انتهت. تنهض الأم التي انتظرت طويلاً، وينهض الرجل الذي تعب من الطرق البعيدة، وينهض الطفل الذي لم يجد مكانه في العالم، وتنهض القرية التي بقيت معلّقة بين الذاكرة والحنين. كل ما كان مهدداً بالغياب يجد في اللغة مكاناً جديداً، مكاناً لا يشبه الواقع، لكنه يشبه الحقيقة التي يحملها الإنسان في داخله حين يعجز عن الإفصاح عنها.
ومن اللافت أن هذه الأعمال لا تبني عالمها من الأحداث الكبرى، بل من الإشارات الصغيرة التي يوشك المرء أن ينساها. لقطة عابرة، التفاتة، باب نصف مفتوح، مصباح مضاء في آخر الليل، خطوات تتردد في درج قديم. هذه التفاصيل لا تأتي لتملأ الفراغ بين الأفكار، وإنما لتقول إن الحياة الحقيقية كثيراً ما تختبئ في ما نظنه هامشياً.
لهذا لا تبدو القصيدة عند لقمان مشغولة بإعادة بناء الماضي كما كان، بل باكتشاف المعنى الذي تركه الماضي في الأشياء. ما يهم الشاعر ليس ما حدث فعلاً، وإنما ما بقي منه بعد سنوات طويلة. فالزمن لا يمحو التجارب، بل يغيّر شكلها، ويجعلها أكثر هدوءاً وأكثر غموضاً في الوقت نفسه.
وتظهر هنا إحدى السمات الأساسية في هذه الأعمال: القدرة على تحويل الفردي إلى إنساني عام. فالتجربة الخاصة لا تبقى حبيسة صاحبها، بل تتحول إلى مساحة يستطيع الآخرون أن يجدوا أنفسهم فيها. حين يتحدث الشاعر عن بيت قديم، أو عن شخص غاب، أو عن لحظة انطفأت، فإنه لا يكتب سيرته وحدها، وإنما يوقظ في القارئ شيئاً يشبه سيرته هو أيضاً.
لهذا السبب لا يشعر القارئ بأنه يقرأ حياة شخص آخر، بل يشعر في لحظات كثيرة أنه يعثر بين السطور على أجزاء متناثرة من حياته الخاصة. تلك القدرة على نقل التجربة من دائرة الفرد إلى دائرة الإنسان هي ما يمنح هذه القصائد اتساعها الحقيقي، ويجعلها قادرة على تجاوز حدود المكان والزمان.
ومع تقدم القراءة، يتضح أن الذاكرة ليست الموضوع الوحيد في هذا العالم، بل هي الأداة التي يرى بها الشاعر كل شيء. من خلالها يفهم العلاقات، ويعيد النظر في الخسارات، ويختبر المسافة بين ما كان يحلم به وما آل إليه. إنها ليست صندوقاً يحتفظ بالصور القديمة، وإنما عين أخرى تنظر إلى الحياة من جهة مختلفة.
وهكذا تتحول القصيدة إلى محاولة مستمرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التبدد.
الكتابة هنا ليست انتصاراً على الخسارة، إنها طريقة للتعايش معها.
ليس إنقاذ الأشخاص أو الأمكنة من الفناء، فهذا مستحيل، وإنما إنقاذ اللحظة الإنسانية نفسها من الاختفاء الكامل. اللغة هنا لا تهزم الزمن، لكنها تؤجل انتصاره قليلاً، وتمنح ما يمر بنا فرصة ثانية كي يبقى حياً في الوجدان.
ومن هذه المنطقة تحديداً يبدأ عالم لقمان محمود في الاتساع. فكل صفحة لا تضيف حدثاً جديداً بقدر ما تضيف طبقة جديدة من الرؤية. القارئ لا ينتقل من حكاية إلى حكاية، بل من درجة إلى درجة في فهم الإنسان وهو يعبر حياته محاولاً أن يحتفظ بشيء مما أحب، وبشيء مما خسره، وبشيء مما لم يستطع أن يسميه حتى الآن.

حين تصبح القصيدة بيتاً للكائنات الهشّة
في جزء كبير من شعر لقمان محمود، لا يظهر الإنسان بوصفه كائناً منتصراً على العالم، ولا بوصفه بطلاً قادراً على تفسير ما يجري حوله. يظهر في هيئة كائن هشّ، يتعثر بأسئلته، ويبدل قناعاته، ويحاول أن يجد لنفسه موضعاً صغيراً وسط هذا الاتساع. الهشاشة هنا ليست ضعفاً أخلاقياً ولا استسلاماً، وإنما معرفة عميقة بأن الحياة أكبر من قدرتنا على الإمساك بها.
لهذا تمتلئ القصائد بالشخصيات التي تعيش على الحواف: إنسان ينتظر خبراً لا يصل، آخر يراقب الأيام وهي تمضي من نافذة ضيقة، شخص يعود إلى أوراقه القديمة بحثاً عن شيء لا يعرف اسمه، وآخر يكتشف متأخراً أن ما ظنه ثابتاً كان يتغير بصمت منذ زمن بعيد. هذه الكائنات لا تدخل النص لتؤدي أدواراً محددة، بل لتكشف جانباً من التجربة الإنسانية لا يظهر في لحظات القوة واليقين.
واللافت أن لقمان لا يتعامل مع الهشاشة بوصفها موضوعاً حزيناً فقط. ففي كثير من الأحيان تتحول إلى مصدر للرؤية نفسها. الإنسان القوي يمر فوق الأشياء سريعاً، أما الإنسان الذي عرف الخسارة والقلق والانتظار فإنه يتوقف طويلاً أمام التفاصيل الصغيرة، ويرى في أبسط الوقائع ما لا يراه الآخرون. من هنا تأتي حساسية هذه القصائد؛ من تلك القدرة على الإصغاء إلى ما يمر في الحياة من دون ضجيج.
ولذلك لا يكتب الشاعر عن الانكسار كما يكتب المؤرخ عن هزيمة وقعت وانتهت، بل يكتبه بوصفه حالة مستمرة ترافق الإنسان في علاقته بنفسه وبالآخرين. هناك دائماً شيء ناقص، شيء لم يكتمل، شيء كان يمكن أن يحدث ولم يحدث. والقصيدة لا تحاول سد هذه الفجوة، بل تجعلها جزءاً من جمالها الداخلي.
حتى العلاقات الإنسانية لا تظهر في هذه الأعمال بوصفها علاقات مستقرة ونهائية. الناس يقتربون ثم يبتعدون، يلتقون ثم يفترقون، يحمل كل واحد منهم جزءاً من الآخر ثم يمضي. لا توجد نهايات حاسمة بقدر ما توجد مسافات تتغير باستمرار. لهذا يشعر القارئ أحياناً أن الشخصيات لا تعيش داخل أمكنة محددة، بل داخل حالات من الشوق والانتظار والحيرة.
ومن أجمل ما يميز هذه التجربة أن الشاعر لا يفرض مشاعره على القارئ. إنه لا يقول له ماذا يجب أن يحزن عليه أو ماذا يجب أن يحب. يكتفي بأن يضعه أمام لحظة إنسانية عارية، ثم يترك له حرية الاقتراب منها أو الابتعاد عنها. وهذا ما يمنح النصوص طابعها الهادئ والعميق في الوقت نفسه.
في هذا العالم، لا تنتمي الكائنات إلى اليقين، بل إلى الاحتمال. كل شيء قابل للتبدل: الصداقات، الذكريات، الصور التي نكوّنها عن أنفسنا، وحتى اللغة التي نظن أننا نمتلكها. ولهذا يبدو الشعر عند لقمان محاولة دائمة للحفاظ على شيء من التوازن وسط هذا التحول المستمر.
فاللغة هنا ليست وسيلة، بل حياة أخرى تتحرك في مسارها الخاص، وتعيد تشكيل ما تبعثر في الروح. ومن هنا أيضاً تنبع إنسانية هذه الأعمال. إنها لا تحتفي بالبطولة الخارقة، ولا بالشخصيات التي تعرف كل شيء، وإنما تحتفي بالكائن العادي الذي ينهض كل صباح محاولاً أن يعيش يوماً آخر، وأن يفهم نفسه قليلاً، وأن يجد معنى لما يحدث حوله. القصيدة تصبح بيتاً لهؤلاء جميعاً؛ بيتاً لا يحميهم من الألم، لكنه يمنحهم مكاناً يعترفون فيه بضعفهم من دون خوف.
وحين يخرج القارئ من هذه الصفحات، لا يبقى في ذاكرته حدث بعينه، بل يبقى ذلك الإحساس الخفيف بأن الإنسان، على الرغم من كل ما يفقده، ما زال قادراً على أن يحمل هشاشته ويمضي بها في الطريق.
غير أن الهشاشة في عالم لقمان محمود لا تخص البشر وحدهم. اللغة نفسها تبدو هشة أحياناً، كأنها تعرف حدودها وتعترف بها. الجملة لا تدخل القصيدة بثقة المنتصر، وإنما بحذر من يدرك أن الكلمات، مهما بلغت دقتها، ستعجز عن الإمساك الكامل بما يريد قوله. لهذا نرى النص يعود إلى الفكرة الواحدة من أكثر من جهة، لا لأن الشاعر يكرر نفسه، بل لأنه يشعر أن المعنى الحقيقي يقف دائماً في مكان أبعد من العبارة.
في كثير من القصائد، لا تبدأ الكتابة من حدث كبير، وإنما من شرارة صغيرة: صوت في آخر الليل، ورقة قديمة تسقط من كتاب، حجر مهمل على جانب الطريق، أو ضوء يمر على الجدار ثم يختفي. من هذه التفاصيل المحدودة يبني لقمان عالماً كاملاً. إنه شاعر يعرف أن الحياة لا تتجلى دائماً في اللحظات الصاخبة، بل في تلك الوقائع الصغيرة التي تمر أمام الجميع ولا يلتفت إليها أحد.
ولهذا تبدو القصيدة عنده أقرب إلى عملية تنقيب طويلة. كل سطر يحاول أن يكشف طبقة أخرى من المشهد، وكل صورة تفتح باباً إلى صورة ثانية. القارئ لا يحصل على المعنى دفعة واحدة، بل يقترب منه بالتدريج، كما لو أنه يسير في بيت قديم، يفتح غرفة بعد أخرى، ويكتشف أن ما ظنه في البداية بيتاً صغيراً كان يخفي وراءه ممرات كثيرة.
هذه الحركة الداخلية تمنح النصوص إيقاعها الخاص. فالإيقاع هنا لا يولد من الوزن أو من الموسيقى الظاهرة فقط، وإنما من الطريقة التي تنتقل بها القصيدة من فكرة إلى أخرى، ومن ذكرى إلى أخرى، ومن سؤال إلى آخر. أحياناً تتباطأ الجملة حتى تكاد تتوقف، ثم تستعيد حركتها فجأة. وأحياناً تمضي بسرعة، ثم تعود إلى نقطة سابقة لتراها بعين مختلفة.
ومن يتأمل هذه الأعمال يكتشف أن الشاعر لا يبحث عن الإجابات بقدر ما يبحث عن الأسئلة التي تستحق أن تُطرح. الشخصيات التي تظهر في القصائد لا تعرف أكثر مما يعرفه القارئ، بل إنها تبدو، في أحيان كثيرة، أكثر حيرة منه. ولهذا تظل النصوص مفتوحة؛ لا تنتهي عند خاتمة حاسمة، ولا تغلق أبوابها أمام التأويل.
حتى الزمن لا يتحرك هنا بالطريقة المعتادة. السنوات لا تمر بوصفها أرقاماً متتابعة، وإنما بوصفها تحولات داخلية تصيب الإنسان والأشياء معاً. هناك أعمار كاملة تختبئ في جملة قصيرة، وأيام طويلة تختصرها صورة واحدة. الماضي لا يقف خلف الحاضر، بل يمشي إلى جواره، ويتدخل فيه، ويغير ملامحه.
وفي هذا كله، يحتفظ لقمان بمسافة واضحة بينه وبين الخطابة. إنه لا يحاول أن يقنع قارئه بحقيقة جاهزة، ولا يقدم له حكمة نهائية عن العالم. القصيدة عنده مكان للتأمل أكثر منها مكاناً للأحكام. إنها مساحة يمكن للإنسان أن يعترف فيها بجهله، وأن ينظر إلى حياته من دون أن يضطر إلى تفسير كل شيء.
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو هذه الأعمال قريبة من القارئ مهما اختلفت تجربته الشخصية. فكل إنسان يعرف، بدرجة ما، معنى الانتظار، ومعنى الخسارة، ومعنى أن يكتشف فجأة أن السنوات مضت أسرع مما كان يظن. وكل إنسان يحمل في داخله زاوية هادئة لا يراها الآخرون، زاوية مليئة بالأصوات القديمة والأسئلة المؤجلة. شعر لقمان يدخل إلى تلك الزاوية تحديداً.
إنه لا يكتب عن الإنسان في لحظة اكتماله، وإنما في لحظة تردده، ولا يلتقطه وهو يحقق انتصاراته الكبرى، وإنما وهو يحاول أن يفهم ما جرى له. ومن هنا تأتي قوة هذه التجربة؛ من قدرتها على أن ترى الهشاشة لا بوصفها نقصاً ينبغي التخلص منه، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من الكائن البشري.
لهذا يمكن القول إن القصيدة عند لقمان محمود ليست بيتاً للأبطال، بل بيت للعابرين والمترددين والحالمين والذين فقدوا شيئاً في الطريق وما زالوا يبحثون عنه. بيت لمن يعرفون أن الحياة لا تمنح أحداً يقيناً كاملاً، ومع ذلك يواصلون السير.
ومع ذلك، فربما لا تكمن خصوصية تجربة لقمان محمود في الموضوعات التي كتب عنها بقدر ما تكمن في الطريقة التي نظر بها إلى العالم. فالحب والخسارة والغياب والأسئلة الكبرى ليست ملكاً لشاعر واحد، وقد كُتب عنها منذ آلاف السنين، لكن ما يمنح الشاعر صوته الخاص هو الزاوية التي يقف فيها وهو يرى الأشياء، والمسافة التي يختارها بينه وبين ما يكتبه.

في هذه الأعمال لا نعثر على شاعر يسعى إلى إدهاش قارئه بالصور المتلاحقة، ولا إلى إغراق النص بالاستعارات الثقيلة. ثمة اقتصاد واضح في بناء الصورة؛ صورة تبدأ من شيء مألوف، من تفصيل يكاد يمر من دون أن يلفت الانتباه، ثم تتسع بهدوء حتى تصبح نافذة على معنى أبعد. كأن الشاعر لا يقتنص المشهد من ذروته، بل من لحظته الأكثر بساطة.
ولهذا لا تأتي الصور الشعرية في قصائد لقمان منفصلة عن حركتها الداخلية. إنها لا تُعرض أمام القارئ كما تُعرض اللوحات على الجدران، بل تتحرك معه داخل النص، وتتبدل كلما تبدلت الجملة التي تليها. وما يبدو في البداية وصفاً لمشهد عابر يتحول، بعد صفحات، إلى جزء من رؤية كاملة للحياة.
ولعل هذا ما يجعل القارئ يشعر، بعد مئات الصفحات، أنه لا يتذكر القصائد منفردة بقدر ما يتذكر المناخ الذي صنعته كلها مجتمعة. لا تبقى في الذهن أبيات بعينها ولا صور بعينها، وإنما تبقى نبرة كاملة، وطريقة خاصة في النظر، وإيقاع خافت يرافق القارئ حتى بعد أن يغلق الكتاب.
وحين نغادر هذه الأعمال الشعرية، بعد أربعمئة وثمانٍ وأربعين صفحة، لا نخرج منها حاملين خلاصة نقدية جاهزة ولا حكماً نهائياً على تجربة لقمان محمود. ما يبقى في الداخل شيء آخر؛ إحساس بأننا سرنا طويلاً إلى جانب إنسان كان يحاول، عبر اللغة، أن يفهم ما مر به وما مر أمامه، وأن يمنح أيامه شكلاً آخر من البقاء، اللغة هنا طريق للنجاة.
هذه ليست قراءة تقول ما هو شعر لقمان محمود، ولا تدّعي أنها أحاطت بكل ما في هذه الأعمال من طرق ومسالك. إنها محاولة قارئ دخل هذا العالم من الباب الذي رآه مفتوحاً أمامه، ومشى فيه كما يمشي المرء في مدينة لا يعرفها تماماً، متوقفاً أمام بعض نوافذها، ومكملاً طريقه أمام نوافذ أخرى.

آب أغسطس 2026
شاعر وكاتب سوري - ألمانيا



#شاهر_خضرة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطاغية في سقوطه الأخير
- قراءة في ديوان معجم الحواس الناقصة للشاعر عماد فؤاد
- ممحاة شاهر وما أدراك ....... لسان صدق
- يوميات مستهرب
- شعراء الأدعية والأذكار
- قصيدة النثر في مواجهة ديمقراطية مع الإسلامويين
- أسئلة وأنا متكئ
- قد سمع الطين
- محمود درويش شاعر فلسطيني عربي إنساني


المزيد.....




- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...
- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل
- مراجعات جديدة تكشف حقيقة فشل الاستخبارات الغربية في ألبانيا ...
- «لن نتخلى عن أي قطعة».. الثقافة تؤكد ملاحقة الآثار العراقية ...
- رائد فهمي: المدى منبر رائد للمهنية والثقافة والتنوير في العر ...
- مهرجان -يوم الهند- في موسكو يستعد لاستقبال مئات الآلاف من ال ...
- منتجه خدم بالجيش الإسرائيلي.. ما قصة حملة مقاطعة فيلم -سبايد ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهر خضرة - قراءة في الأعمال الشعرية – الجزء الأول – للشاعرالكردي السوري لقمان محمود