|
|
مونودراما البوقالة روح التائه
منصور عمايرة
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 00:11
المحور:
الادب والفن
الشخصيّة: امرأة أربت على العشرين من عمرها (غرفة، صورة رجل بالأسود والأبيض تعلق على الحائط... منضدة في الطرف الأيمن من الغرفة، فوق المنضدة مرآة وعلبة تزيين للمرأة ومبخرة... خزانة ملابس قرب المنضدة... مدت على الأرض زربية، وضع فوقها بوقال وقَلال ودمية) امرأة: (تدخل مندفعة غاضبة، تتوقف أمام الصورة... بصوت عال وهي تحرك يديها) تبّت يداك... (لحظة صمت وهي ما تزال غاضبة، تتراخى يداها، تسبل يديها على جنبيها... بنبرة حزينة وصوت متهدج، وهي ما تزال واقفة أمام الصورة) ماذا ستكفيني اللعنات، التي أنزلها عليك صباح مساء؟ ماذا ستجدي تلك اللعنات، التي أسقطها عليك مثل حبات مطر عاشقة لأرض هجرتها منذ زمن بعيد؟ ماذا ستجدي كل اللعنات، التي أصبها عليك مثل أمواج البحر الغاضبة في يوم عاصف؟ (تسترق السمع) ماذا تقول؟ الذي يحب لا يلعن! لا...! (تغرق في الضحك وهي ما تزال واقفة أمام الصورة، وبصوت عال وهي تحرك يديها) خانتك ذاكرتك، أو خانك لسانك الذي بات سليطا، وتحدثني بأنانية...! (تدير ظهرها للصورة، تبتعد عن الصورة وهي تقول بصوت حزين) الذي يحب لا يلعن! (بصوت عال) لا يا عزيزي... (بصوت منخفض وحزين) ستكون اللعنات بقدر الحب الذي كان يجمعنا، وأنت تعتقد بأن حبي كان كبيرا، وأنا أدرك هذا؛ ولهذا السبب ستكون لعناتي عليك بكل الأحجام والمقادير، التي يعجز العقل عن تبيانها... (تمثل الأحجام والمقادير بفتح ذراعيها... تخطو بضع خطوات، تجلس متربعة على الزربية) تركتني وحيدة وسخرية للآخرين... كانت سخرية قاسية! ماذا تقول في سخرية الأم من ابنتها؟ إنها سخرية قاسية، إنها قاسية، إلى حد التوجع الذي يقهرني، وأحدث نفسي فقط... (تضغط بكلتا يديها على رأسها) رأسي تؤلمني... (تنهض مضطربة، تدور في المكان، تقف أمام الصورة وهي تسترق السمع، وبصوت حزين رقيق وهي تسرّح شعرها) ماذا تقول؟ ذهبت من أجلي! قلت لك لا تذهب، ابقَ هنا لنعش كما يعيش كل أبناء الوطن القابضين على جمر القسوة والحرمان، يكفينا الحب كي نبقى ونستمر بالحياة، هل هناك قوة رابطة أقوى من الحب بين شخصين، لتكون الحياة فرحة؟ أما الأرض ضاقت بك وأنت ضقت بها فلأنك لم تستطع أن تغمض عينيك عن " الحرّاقة "-! وحدثتني عن الحراقة التي ستفتح لك أبواب النعيم... (وهي تشير إلى الصورة وتبدو غاضبة) أرجوك أرجوك، لا تنكر! أنت حدثتني إلى حد الملل عن الحراقة، وقلت لي، الحراقة هي التي تصنع لنا وطنا لا يرفضنا، وتجعل لنا وطنا يحنّ علينا ويطعمنا الخبز، لا توجد هناك مسميات البطالة ولا "الحيطيست"، ولا توجد مسميات الكآبة والاكتئاب... (تضحك .. تدير للصورة ظهرها) أنت كذاب! كنت تريد الرحيل عن الوطن، تلك هي غايتك، أنت حدثتني عن تجربة حياة جديدة هناك... (تشير إلى البعيد) هناك وراء البحر، وراء تلك الجبال، وراء الأفق البعيد، الذي يرتطم بزرقة البحر... أرجوك لا تكذب علي! لم تكن المسميات الملعونة التي أسقطت عليها جام غضبك هي السبب... الوطن يتسع للجميع... (وهي تتحرك من مكان إلى آخر) الوطن يتسع للجميع... الوطن يتسع للجميع... الوطن يتسع للجميع... (بخطوات وئيدة تعود وتجلس على الزربية متربعة) لا تعذليه، إنه لا يسمع، لا يريد أن يستمع إليك، لا تعذليه، ليس جديرا بعتابك... (تصمت قليلا... تخاطب الدمية) أنت لم تكن تؤمن بتلك المسميات، نعم، وكنت مصرا على الرحيل من دون تأنيب... وها أنا ذي وحدي، وقررتَ كل شيء أردته، كانت أنانيتك طاغية إلى الحد الذي قررت الرحيل بمقابل مادي استدنته من معارفك... وأنا وهبتك إبريزة، تلك القطعة الصغيرة من الذهب، لقد كانت هدية من أمي، لتكون عونا لك في بلاد بعيدة... (تصمت قليلا وبصوت خفيض) مات! (تبكي) كنت أعتقد أن الإبريزة التي وهبتها لك ستكون لك تعويذة تحميك من حراس البحر، وتحميك من ماء البحر العرمرم، وتحميك من الحوت الصغير والكبير... (وهي تقف أمام الصورة مسترقة السمع) أسمعك، نعم أسمعك، قلت لي غير مرة بأن الإبريزة التي وهبتها لك ستكون حارسا لك، توقظك وأنت في الغفلة، تحرسك وتحميك من كل الخطوب، وستذكرني عندما تراها متدلية من عنقك، وقلت إنها هدية حب لا ينتهي ... مات! (تبكي... لا تزال واقفة أمام الصورة) أسمعك، نعم أسمعك، هم شركاء في الجريمة التي ألمت بك؟ ألمت بي!... لقد قرروا مصير الصغار، ليكونوا في الشوارع، وهناك ركنوا أجسادهم المتعبة من الحزن والملل والضيق إلى الجدران، نعم، كان الصغار تائهين في الطرقات... ولم تكن لدى أولئك الذين طردوك من الوطن رحمة، اللعنة على أولئك الذين طردوك من الوطن، اللعنة عليهم... (وهي تشير إلى الصورة) لماذا وقعت في حبائلهم الخبيثة؟ أكنت تفتقر إلى رؤية أخرى؟ نعم أسمعك، كانوا يسرقون لقمة الخبز من فيك؛ ليدفعوك إلى البحر... لقد كنت في عداد الموتى، وسجل اسمك في دائرة الحوادث... وتبجحوا بأن البحر هو القاتل، ومن يحاكم البحر؟ (بصوت عال) ومن يحاكم البحر؟ (تصمت قليلا ... وتبدو مضطربة) البحر هو القاتل؟ ومن يحاسب البحر؟! (تبدو مضطربة وهي تعبث بشعرها الذي تبعثر على وجهها في تلك اللحظة، وبصوت منخفض وحزين) من يحاكمهم؟ (تسير بخطوات قليلة وهي تردد) من يحاكمهم؟ هل سمعت أن أحدا حوكم بجناية البحر؟ (بصوت عال) من يحاكمهم؟ أنت الآن في سجل ورقي ستمشي عليه الأيام، وربما يفتح ذات يوم لمعرفة حقيقة البحر، فترتفع أصواتهم منددة بالبحر، وماء البحر، وحوت البحر، ولعنات البحر، ويركنون إلى قول واحد قديم جديد: البحر غدار! (بصوت أعلى وهي تتنقل في المكان) البحر غدار؟ وكأنهم وضعوا حجرا على عقول الناس وقلوبهم، وعلينا أن نصدق بأن القاتل الوحيد الذي لطخ اسمه بجثتك هو البحر وحده! (ترجع... تقترب من الصورة) ألم أقل لك بأن البحر غدار؟ لقد أخذك مني، وأنت تتشبث بأطراف أرض حسبتها ستكون لك المنجى الوحيد، لكي تكون... (تصمت قليلا) قالوا منذ زمن بعيد - أحاول تذكر ذاك الزمن البعيد، نعم، عندما كنا في حضن الأم، وعندما درجنا للمرة الأولى في الشوارع، وعندما وقفنا على شاطيء البحر نصنع أحلاما تتطاير فوق رؤوسنا مثل نوارس البحر - البحر غدّار... البحر غدّار... (بصوت عال) نعم، قالوا منذ زمن بعيد البحر غدّار... (بصوت حزين) وصدقنا إلى حد البلاهة، أن البحر غدّار، يمارس غواية الاستهواء، ليصنع الموت.. من يحاكمهم؟ (تصمت قليلا، تبتعد عن الصورة... بأسى) وقلت لي مرة وثانية وثالثة وعاشرة بصوت صاخب كل أبناء الوطن يرحلون... (بصوت عال) كل أبناء الوطن يرحلون، كل الشباب يرحلون، أرجوكِ اشحذيني بالقوة لألحق بهم... (تبدو منصتة) إني أسمعها، نعم أسمع أصوات الأمواج الهدارة، لقد أغوتك وأنت تنظر إلى البعيد، أسمعك تغني فرحا للوصول إلى الطرف الآخر من البحر... (تبدو مضطربة وكأنها تصارع الأمواج وبصوت منخفض وهي تجلس) شحذتك بالقوة، وألقيت في البحر حجارة صغيرة كثيرة كل يوم؛ لأقيك من الموت حتى جاءني خبرك... لم تكن الحجارة تعويذة، كان البحر لا يأبه بالتمائم، وصرت هدية لحوت البحر، وذات يوم سأشتري الحوت الطازج من البحر، وعندئذ أسائله هل تلذذ بجسدك الغضّ كما تلذذ المسؤولون الجناة برحيلك إلى غير رجعة؟ وهل تلذذ كما تلذذ الذين يبقون البلاد فاغرة فمها وهي تقذف بالصغار إلى البحر بحجج أزمات اقتصادية، واجتماعية، وبنية تحتية، وعجز في الميزانية، وخطط حماية الاقتصاد الوطني؟ ولكنهم لا يذكرون خطط أولئك الذين يمارسون علينا غواية استهواء لسرقتنا ليل نهار... لا يقولون بأن السبب في رحيل أبناء الوطن هم أنفسهم، نعم، أولئك الذين يريدون أن يأخذوا ويحرموا الآخرين... (تنهض، تقف أمام الصورة، وهي تتمايل) كم مرة وعدتني بيوم زفاف بهيج ويهيّج النفوس؟! ونفسي تهيج لزغرودة العرس المركونة في قلبي ورأسي وجسدي، وظلت روحي تنتظر بأنفاس لاهثة... (تبدو حزينة، تجلس على الزربية، تمد يدها في البوقال) وظلت نفسي تزغرد ليوم حب، وليلة حمراء ستكون لي وحدي... وأجمع كل نساء البيت ونلعب البوقالة، وأنا أضمر على حب خالص لك، وعلى يوم زفاف وحب لك، وعلى ليلة حمراء لي وحدي، وعلى فأل الرجل الذي سيكون لي وحدي، ولا تتلاعب في رأسه مآرب الرحيل والهجرة إلى بلاد الأمل والمجد... أسمعت؟ أنا قلت الأمل! نزعوا منك الأمل والمجد في بلادك؛ لترى المجد هناك بعيدا عن الوطن، وراء البحر والجبل، وراء الأفق البعيد... ثم قالوا البحر غدار، وهو الذي اغتال الأمل.. أسمعت؟ قالوا البحر غدّار، وهو الذي اغتال الأمل... ولم يكن ثمة مجد لك! (تخرج يدها من البوقال، وهي تنظر إلى كفها) فارغة... فارغة... فارغة... لا شيء... (وهي تخاطب الصورة) انظر، ألا ترى يدي فارغة؟ بلى... بقايا ماء، بقايا ماء فقط... (تنثر الماء بعيدا، وبصوت عال) كانت الأيام السالفة تغني لحب يجمعني بك وحدك، ولك وحدك، وها هي البوقالة تحرمني من الأحلام... (تصمت قليلا) مات، لم تعد هناك أحلام، لم تعد هناك أحلام...! ومنذ اليوم الذي جاءني فيه خبر موتك أدمنت البوقالة، ولكن لمن ستقرأ الحظ؟ البوقالة ملّت من قراءة حظ رهنوه بالبحر الغدار؟ (تسمع موسيقى فرح... تنهض، تقترب من الصورة، تقف أمامها صامتة، وهي تتحسس أطرافها تنظر في المرآة مبتهجة، وهي تخاطب الصورة) ها أنا ذي أعد العدة ليوم الزفاف... (تسرع إلى الزربيّة، تجلس وتضع الدمية في حضنها، وتبدأ بخياطة ثوب العرس) سأصنع لك ثوبا يليق بك، نعم، وسوف تجلس بالقرب مني وأنت ترتدي هذا الثوب الجميل... (تسمع موسيقى عرس) (تبدو مضطربة، الإضاءة خافته، تنهض وتسرع إلى خزانة الملابس، ترتدي ثوبا أبيض، تضع أكليلا على رأسها، تغني وهي تتمايل) "تمختري يا حلوة يا زينة... يا وردة جوا الجنينة..." (تلبس الدمية ثوبا أبيض، تمد يدها وكأن شخصا آخر يأخذ بيدها، تمشي متئدة بضع خطوات، تجلس على الزربية وبقربها الدمية، تنهض وبسرعة تحضر القلال، تجلس على الزربية، تضرب بأصابعها القلال، يصدر عن ضرب القلال إيقاع رتيب بطيء لموسيقى عرس... تزغرد) ماذا ماذا ماذا؟ (تردد ماذا بإيقاع من الأعلى للأدنى حتى يتلاشى صوتها تماما، وتبدو شفتاها مضطربة) لا لا، لم يمت، إنه يجلس إلى جواري، بل يلتصق بي، وفي هذا اليوم نفرح بزفافنا، لن يستطيع أحد أن يأخذه مني، سيبقى لي وحدي، ولم يكن هناك بحر غدار، لم يكن هناك بحر أصلا... (وهي تخاطب الدمية) أليس كذلك يا صغيري؟ بلى، لم يكن هناك بحر أصلا... ما بالك يا صغيري لا تجيب؟ في يوم العرس يتلاشى الخجل، ولِمَ الخجل يا حبيبي؟ إننا نشكل الحياة الجميلة؟ (تتوقف عن ضرب القلال... تهز الدمية، تهزها مرة ثانية بعنف) لا بأس عليك، ها أنا ذي أفرح من أجلك على طريقتي الخاصة... (تنهض، ترقص مضطربة وهي تضرب القلال... بصوت عال) أنا أعرف السبب الذي يجعلك صامتا، وربما غاضبا، فالصمت ليس دائما علامة الرضا، ولكنه علامة الغضب أيضا...! أنا أعرف، لا بأس عليك، أنا المذنبة، أرجوك حملني وحدي هذا القصور، المهم أن تبقى راضيا، لا أريدك أن تغضب مني، أنا لا أستطيع أن أراك غاضبا، صدقني سأصاب بالجنون لو بقيت غاضبا مني، أنا أعرف السبب، لا بأس عليك، ها أنا ذي أستدرك الأمر... أنا أعرف، لا بأس عليك، أنا المذنبة، أرجوك حملني وحدي هذا القصور، المهم أن تبقى راضيا، لا أريدك أن تغضب مني، أنا لا أستطيع أن أراك غاضبا، صدقني سأصاب بالجنون لو بقيت غاضبا مني، أنا أعرف السبب، لا بأس عليك ها أنا ذي أستدرك الأمر... أنا أعرف، لا بأس عليك، أنا المذنبة، أرجوك حملني وحدي هذا القصور، المهم أن تبقى راضيا، لا أريدك أن تغضب مني، أنا لا أستطيع أن أراك غاضبا، صدقني سأصاب بالجنون لو بقيت غاضبا مني، أنا أعرف السبب، لا بأس عليك ها أنا ذي أستدرك الأمر... (تتوقف عن ضرب القلال، تضع القلال على الزربية، تسرع إلى المنضدة، تنظر إلى صورتها في المرآة، تلتقط علبة التزيين بقوة، تبدأ بوضع المساحيق المختلفة ألوانها على وجهها، تمشط شعرها، تنثره... وهي تعود لتجلس قرب الدمية، يبدو وجهها ملطخا بألوان غير متناسقة) ها أنا ذي قد تغيرت الآن، وضعت الكثير من الألوان البراقة التي ستظهر عنفوانك، والذي سيكون ينبوع فخر لي وأنا أحدث بعضهن ذات يوم، وأنا أحدث نفسي عنه كل يوم فرحة به، وسيكون فخرا لك أيضا، وأنت تحدث نفسك عن الرجولة بكبرياء، وستفتخر أمامي بهذا دائما... (وهي تتحسس وجهها) أنا أعرف أن هذا الشيء هو ما كان ينقصني، وهو ما كان ينقص ليلة حمراء، وخاصة أنها أول ليلة حمراء، فالألوان الحمراء هي التي تفتح شهامة الفحولة والكبرياء، أعرف هذا، كان الحق كله معك، كل الحق كان معك، أنت من حقك أن تغضب لافتقاد أشياء تهيج الروح في ليلة فرح وحمراء، نعم، لا تتم إلا بألوان تزيد بهجة الحب... (وهي تنظر إلى الدمية) قل ما رأيك في هذه الألوان البراقة؟ (تهز الدمية، تهزها مرة ثانية... تسمع موسيقى بطيئة منخفضة) آه...! الآن عرفت ما الذي يغضبك، ولِمَ لا؟ من حقك أن تغضب، ومن حقك أن تلومني، ومن حقك أن تبقى صامتا، لتعبر عن غضبك ورفضك، لا بأس عليك، ها أنا ذي أتدارك الأمر، لا بأس عليك، لن أكون مجنونة؛ لأضيع أول ليلة حمراء في حياتي... (تلتقط القلال، تبدأ بالضرب على القلال وتغني) "ديروا للعريس الحنا، ريما الريمات ديروا للعريس الحنا، ريم الريمات" (تنهض، تدور حول نفسها، يتسارع الدوران بتسارع ضربات القلال، يبدأ الدوران بالتباطؤ مع تباطؤ ضرب القلال، تسقط على الزربية لاهثة وهي تنظر إلى الصورة) نعم، لعبنا البوقالة قبل رحيلك بأيام، كنت تستحثني على الرضوخ لما عزمت عليه، كان فأل البوقالة يستحثك على الرحيل دائما، وتؤكد لي أن أوراق البوقالة تحثك على الرحيل فقط... (صمت) وتنكر ما جاء في الأوراق إذا لم يعجبك، وبقيت تحبب الأمر لنفسك، لقد عزمت أمرك، نعم، لقد عزمت أمرك، وتردد بأنك محسود، ولن تسمع لما يقوله الحسد والحاسدون، وتمد يدك مرة ثانية في البوقال، عندئذ تفرح وأنت تقرأ ما فيها حينما يزغرد لها قلبك! ولكنك عزمت أمرك ليس إلا... (وهي تخاطب الدمية) الشيء الذي لم تكن تعرفه أنني كنت أعلم بإصرارك، وكنت أقول لك قلب المرأة دليل على ما يدور في عقل الرجل، وكنت تضحك ساخرا من قول امرأة تدغدغ رأسها الأحلام، لتبقى إلى جوارها، ومرة ثانية تتكئ على وعودك لها بأنك سترجع إلي كفارس فحل لم يغيره الزمن، وغنيت في ذاك اليوم الذي افترشنا فيه رمال البحر الذي بدأ صاخبا، وهناك أشعلنا موقدا نستدفئ بلون الجمر، وننثر البخور تعويذة تحميك، وتبين عن نصرك الأخير للرحيل، وغنيتَ الحراقة بعدما مددت يدك في البوقال، وأخرجت فألا واحدا لا تريد أن تغيره، وتردد على سمعي: روح يا وليدي حرّاقة شايف حياتك برّاقة وانس ما عملوا الفلّاقة- وتولي إلنا روحك عبّاقة... وبقيت تمد يدك في البوقال فرحا غير آبه بما يقرؤه لك الفأل، وكلما خرج الفأل عابسا في يدك ووجهك قلتَ - وأنت تنظر في وجهي لا تأبه بفزعه الذي تقابله بضحكة وأنت تردد - " اقصد الدار الكبيرة لا ما تعشيتش تبات دافي "! (تسرع إلى المنضدة وترجع مسرعة وهي تحمل المبخرة، تجلس وهي تحتضن الدمية، تنثر البخور فوق المبخرة، تضع الدمية قربها، تأخذ القلال، تضرب القلال، تتمايل، تغني وهي تنظر إلى الصورة مرة وإلى الدمية مرة أخرى) روح يا وليدي حرّاقة شايف حياتك برّاقة وانس ما عملوا الفلّاقة وتولي إلنا روحك عبّاقة... (تخاطب البوقال وهي تنظر إلى الدمية) هيا نلعب البوقالة، أتوافق؟ (تسترق السمع) يسعدني هذا... (تضحك) هاتِ يدك... (تمد يدها إلى الدمية) جميل وشاطر، جميل وشاطر، ادرج يا حبيبي على رسلك... ادرج يا حبيبي على أقل من مهلك، ادرج يا مدلل... (تقود الدميه رويدا رويدا... بصوت عال وهي غاضبة) أتحداك، وأنت لن تتغلب علي... (تبدو مسترقة السمع وبصوت منخفض) ماذا تقول؟ البوقالة بيننا، نعم البوقالة بيننا... (تبدو مضطربة) البوقالة بيننا، والشاطر يضحك بالتالي، مد يدك في البوقال... (تضع يد الدمية في البوقال، تخرجها) ماذا أخرجت من فأل؟ اقرأ فألك، أو دعني أقل لك إنك قررت أن يكون فألك ينضح بما تريد نفسك وبما عشش في رأسك دائما! سأمد يدي في البوقال... (تمد يدها في البوقال بعد قليل تخرجها) نعم ها هي يدي تخرج من البوقال... ماء، كل ما خرج ماء، أليس هذا دليلا واضحا على الصفاء والنقاء والطهارة؟ إنه ماء خالٍ من كل شيء، أواه أواه أيها الماء! تبخل علي بكلام البوقالة؟ قل لي فيمَ أعلل نفسي؟ لا بأس سأمد يدي مرة ثانية... (تمد يدها في البوقال، تخرجها) ها هو ماء مرة ثانية، إنه ماء أكثر صفاء من ماء المطر... (تصمت قليلا) كلهم يمدون أيديهم إلى جيوب هذه البلاد، فتخرج أيديهم ملأى بكل خيراتها، وتكتنز جيوبهم فجأة بخيرات البلاد! ويدي التي أمدها في البوقال - لأبحث عن حظ وفأل حسن تطمئن إليه نفسي - تخرج من البوقال صفرا وخائبة! (تصمت قليلا وهي تربّت على الدمية) ويمارسون علينا غواية الحرّاقة، يذهب الشباب ليضيع في البحر الكبير، يسمن الحوت، ومن ينجُ منهم يحرث أرض الآخرين كعبد... (بصوت عال) نعم، يحرث أرض الآخرين كعبد... (تخاطب الدمية بصوت حزين) وأنت احرث أرض غيرك كعبد... أتسمع؟ إياك أن تتوانى! احرث أرض غيرك كعبد. (وهي تنظر إلى الدمية مسترقة السمع) ماذا تقول؟ كنت في وطنك عبدا...؟! ليس عيبا ونقيصة أن تكون عبدا يخدم أهله ووطنه... وأنت في بلاد أخرى تكون عبدا للآخرين من دون وطن... (وهي تشير إلى البعيد) أنت عبد للآخرين من دون وطن... (تصمت قليلا) لا بأس، سأمد يدي مرة أخرى في البوقال... (تمد يدها، تخرجها وهي ترشح ماء) إنه ماء زلال أنظف من ماء الأنابيب في البيوت، لا فيه أليف، ولا يصدع بأمر... (تمد يدها في البوقال، يخرج الماء فقط، تتوهم أنها تسمع صوتا) ماذا أسمع؟ الميت لا يؤوب، الميت لا يؤوب... وأنتِ صرت وحيدة ...! هل أنا من دون أمل؟ (تمد يدها في البوقال... تخرجها) إنه ماء خال من كل شيء، البوقالة تقتل أحلامي...! روحي حرّى وتائهة...! (تخاطب الصورة) البوقالة روح التائه؟ لا لا... أنا الوحيدة التي تسمع هذا الصوت... (تخاطب الدمية) البوقالة روح التائه؟ كأني لست الوحيدة... أنت تقول هذا؟! لا أصدق، لا أصدق! ولِمَ لا أصدق؟ نعم، لا ذنب للبوقالة، حتام نبقي البوقالة متكأ لمآربنا؟ (تمد يدها في البوقال... تخرجها وتنثر الماء بعيدا) أريد أملا! (تمد يدها في البوقال... تخرجها وتنثر الماء بعيدا) أريد أملا! (تمد يدها في البوقال... تخرجها وتنثر الماء بعيدا) أريد أملا! (تمد يدها في البوقال... تخرجها وتنثر الماء بعيدا) أريد أملا، أريد أملا، أريد أملا! (تقف أمام الصورة وهي تحمل الدمية) أنا ضائعة...! ماذا تقول؟ أنت تخبرني عن الحقرة-، والشعب كله يريد الهجرة، وأنا الضائعة... (تلطم الدمية) أنت هرّاب. (وهي تبتعد من أمام الصورة تبدو مضطربة، تعبث بشعرها... وتخاطب الدمية) أنت انهزامي، هزموك، ليبقوا وحدهم، كرّهوك بالبلاد...! (تجلس على الزربية مضطربة، ولا تزال تعبث بشعرها) وأنا الضائعة...! (تضرب القلال مرتين، تنهض وتسرع إلى المرآة، تبدو منصتة وكأنها تسمع صوتا) أنت جميلة... (تبدو خجلى، تبتعد عن المرآة قليلا، ترجع وتنظر في المرآة، تسمع صوتا) أنت جميلة... (تبتعد عن المرآة وهي تنظر إلى الوراء، تعود وتنظر في المرأة خلسة، تسمع صوتا) أنت جميلة... (تضحك، تبدو معتدة بنفسها... تمد يدها إيماء وكأنها تراقص شخصا) أنا جميلة... أنا جميلة... ألست جميلة؟ (تضحك) لماذا رحلت؟ أنا جميلة، وماذا ستجد في بلاد الغربة؟ (تصمت قليلا) وهذا الوطن أليس جميلا؟! (تنظر في المرآة، وهي تسرح شعرها) كنت أريدك مثل طائر السنونو يلتصق بالبيوت لا يبرحها... تلتصق بالوطن... (تمثل طيران طائر السنونو وهي تدور من مكان إلى آخر) وأنت لم تلتصق بالوطن... الحرّاقة هي التي تشبع نهمك في هذه الدنيا... ستملأ جيوبك من هناك من بعيد من وراء البحر... (وهي تشير إلى البعيد) من هناك، من بعيد، من وراء الجبال، من هناك، من بعيد، من وراء الأفق البعيد الذي يرتطم بالبحر... رحلت... (تضحك، تبدو مسترقة السمع) تقول إنك ستملأ قلبك بحب لا يعرف الخيانة ولا يعرف الهزيمة؟! ولا يعرف كيف تغتال الأحلام؟ رحلت بعيدا، واغتلت أحلاما كنا نغنيها معا، نغنيها ليجمعنا بيت واحد، وتحت سقف واحد يعشش فيه طائر السنونو... (وهي تنظر في المرآة تمثل طائر السنونو) ولكنك رحلت... (وهي تبتعد حزينة) أنا طائر السنونو، أنا الوطن... (تصمت قليلا... تسرع إلى المنضدة وتقف مدة قصيرة أمام الصورة، تسرع إلى الزربية، تنظر إلى البوقال ثم تنظر إلى الدمية، تتوقف مدة قصيرة، يسمع صوت أمواج البحر، تضطرب، وهي تسرع إلى المنضدة تتعثر بالزربية، تقف ساكنة مندهشة) مات...! التهمه البحر...! (تنظر إلى الدمية، تلتقطها بعنف وهي تنظر إليها تضحك) لكنك فقأت عينيك، نعم أنت الآن فقأت عينيك... (تفقأ عيني الدمية... تضحك) ورغبت عني، لأنك لم ترد أن ترى إلا نفسك راحلا إلى البعيد، وسمحت لهم بأن يبعدوك عني، لم تتحدَ ولم تقوَ على مواجهة حبي لك، رحلت مهزوما... (تبدو مضطربة حزينة تجلس على الزربية وتضع الدمية بقربها) ورحلت بعيدا... (تنزع يدي الدمية وتلقي بها على الأرض) ورحلت فزعا مهزوما... (تنزع رجلي الدمية وتلقي بها على الأرض) وتهت هناك في البحر... (تنزع رأس الدمية وتلقي بها على الأرض) والميت لا يؤوب إلي... وأنا وحيدة... (تنتف ما بقي من الدمية) الميت لا يؤوب إلي... وأنا وحيدة... (تصمت قليلا، تنهض تجلس على الزربية، تمد يدها في البوقال) أتصدقين يا بوقالة؟ قالوا مات...! أنا لا أصدقكم، من غير المعقول أن تخون البوقالة أحلامي... (تضع يديها على أذنيها) لن أسمح لأحد أن يحطم البوقال... (تحتضن البوقال) ستبقى البوقاله روح التائه، ومهما كانت أصواتكم صاخبة في أذني وتفجّ سمعي فستبقى البوقالة روح التائه... (تصرخ وهي تضع يديها على أذنيها) لا أريد أن أسمع صخبكم، لا أريد أن أسمع صخبكم، سألعب البوقالة حتى يؤوب... (تنهض، تنظر في المرآة) الميت لا يؤوب، الميت لا يؤوب... (وهي تركض مضطربة) الميت لا يؤوب... (تجلس على الزربية، تنثر البخور فوق المبخرة، تمد يدها في البوقال) سأبقى ألعب البوقالة... (تضحك) سأبقى ألعب البوقالة... (إضاءة خافتة... تعتيم) انتهت هامش: *البوقالة/ البوقال: إناء فخاري. البوقالة: لعبة تلعبها النساء للتسلية تتضمن الحكمة والأمثال الشعبية وقراءة الفأل. - القَلال: آلة إيقاعية تشبه الدربكة/ الطبلة. - الحرّاقة: تسمية تطلق على المهاجرين غير الشرعيين. - الحيطيست: تسمية تطلق على الشخص العاطل عن العمل، من الحيط/ حائط. - الفلّاقة: تسمية تطلق على المقاومين ضد الاستعمار. - الحقرة: الظلم.
#منصور_عمايرة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المسرح لدى رفاعة الطهطاوي ومارون النقاش
-
المسرح النبطي قبل الميلاد Nabaeteane theater
-
أرشفة الثقافة المسرحية
-
كتاب مسرح القناع ل منصور عمايرة
-
المسرح في الوطن العربي
-
مسرحية حب وحال
-
مديريات الثقافة في وزارة الثقافة
-
العرض المسرحي ومسرح الصدفة
-
المسرح الطفلي
-
الثورة الجزائرية في المسرح، مسرحية أبناء القصبة
-
المسرح والهجرة
-
الجوقة المسرحية
-
1846م تاريخ المسرح العربي؟
-
نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح
-
المسرح المدرسي
-
جمالية الأداء والإخراج في المسرح الطفلي
-
من جماليات العرض المسرحي الطفلي
-
اللغة المسرحية
-
كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين
-
القسوة والقسوة مسرحية هاملت3D
المزيد.....
-
رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
-
البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ
...
-
-أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في
...
-
كلاكيت: عندما أفَلَ النجمُ عن عرش السينما
-
باسل خياط ومكسيم خليل وجها لوجه للمرة الأولى.. صراعٌ مرتقب ف
...
-
بيومي فؤاد يكشف تفاصيل حالته الصحية
-
-يا المقنين الزين-.. حين أنقذت أغنية جزائرية شهيدا من النسيا
...
-
التعليم العالي تعلن تفاصيل قبول الطلاب الحاصلين على الشهادات
...
-
التعليم العالي: «القاهرة 2026» تتجاوز حدود المنافسات الرياضي
...
-
تقرير: مسؤولون عسكريون يخشون تأثير نهج هيغسيث على جهود تحديث
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|