أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد لحدو - الهروب إلى الوطن














المزيد.....

الهروب إلى الوطن


سعيد لحدو
كاتب وباحث، شاعر

(Saied Lahdo)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 15:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قبل ثمانية وعشرين عاماً جرَّبتُ مختلف الأساليب والوساطات، ولأشهرٍعديدة، للحصول من الأجهزة الأمنية على ورقة (لا مانع من السفر)، للهروب من بلدٍ كنت أعتقده وطناً يحمي أبناءه من كل ما يسيء إلى حياتهم وكرامتهم، لكن نظام الديكتاتورية والمافيات وعصابات النهب والسلب لكل مافيه، جعل الفرار وخيانة هكذا نظام هي أفضل ما يمكن لمواطن أن يقدمه لوطنه ولمواطنيه. ولذلك بقيت ملاحقاً سياسياً وأمنياً طوال فترة حكم الأسدية. ولم يكن الخروج من هذه الزنزانة التي احتوت 23 مليون إنسان إلاَّ بإعجوبة تجسَّدت عندما خطرت لي فكرة اللجوء إلى أعنف وأوحش مراكز الأمن، وهو فرع المخابرات العسكرية في دمشق المعروف بـ (فرع فلسطين)، عندما تقدمتُ إلى حارس البوابة الرئيسية وعرضتُ عليه مبلغاً من المال مقابل الحصول على ما أريد. وخلال ساعتين كانت الورقة المطلوبة في جيبي.
هنا أدركت، رغم علمي المسبق، بأنه (هكذا يُبنى أو بالأحرى يُباع الوطن، في عُرف هكذا نظام). ومن هذه التجربة القاتلة للروح والمعنى، كان عنوان كتابي الأخير (وطن بالمزاد العلني).
بعدها مباشرة غادرت دمشق مع عائلتي ولم أجرؤ على العودة إليها إلأ قبل أيام. وكان همِّيَ الأول إجراء مقارنة مع الوضع الحالي، والشوق إلى مقابلة بعض الأصدقاء ممن عملنا معاً في تنظيمات المعارضة في الخارج.
الانطباع الأول كان عند نزولي من الطائرة في مطار دمشق الدولي، حيث تقدم أحدهم إليَّ، عندما رآني أمشي بعكازة، وأجلسني بكرسي للمقعَدين وجهَّز لي ناكسي هاتفياً ودفعني مروراً بكل سهولة عبر حاجز التفتيش.
نحن السوريون لم نكن معتادين على هذا النوع من المعاملة عند حواجز الأمن في هكذا مواقع ، وبخاصة للسوريين القادمين من الخارج، باعتبارهم الصيد الأثمن لأفراد الأجهزة الأمنية والجمارك ، بغض النظر عما يحملونه أو لا يحملونه. وتجاربي السابقة بالسفر في المطارات والمراكز الحدودية السورية، قبل الملاحقة الأمنية، تذكّرني بأسوأ الأحوال وأبشعها. زهذا ما عاناه كل سوري قادم أم مغادر.
كانت هذه الخطوة الأولى الصحيحة التي لم أكن أتوقعها في أفضل مطارات العالم التي زرتها. لكن عند الوصول إلى دمشق ودخول الفندق، وبداية التعرُّف على أحوال الناس العاديين، كانت الأمور مختلفة كثيراً.
شوارع وأرصفة تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم والصيانة. وأبنية ومحلات شبه متداعية. تزاحم غير معقول في حالة المرور للآليات والمشاة وغيرها. لكن ماكان ملفت للنظر هو المرأة وحريتها في التعبير عن وجودها بالشكل الذي تراه مناسباً لها. وذلك بعكس ما توقعته من تطبيق أفكار ونظرة نظام أصولي متطرف مع خلفية جهادية على المجتمع السوري المشهور بتمدنه رغم تدينه المعتدل عموماً.
لاشك أن النظام البائد ومخلفات سلوكياته الوحشية ترك وراءه من المخلفات المقززة التي تحتاج لعشرات السنين لمحو آثارها السيئة. لكن وبالمقارنة مع قصر المدة للنظام الجديد، هناك إيجابيات لا يمكن التغاضي عنها، وبخاصة حرية التعبير عن الرأي ووجهات النظر المختلفة عما يسعى إليه النظام الحالي.
لقاء الأصددقاء القدامى والتحدث معهم عن مختلف الأمور في قلب دمشق، كان أجمل ماعشته في العقود الثلاثة الأخيرة من عمري، عندما التقيت بقلبي المخطوف ومشاعري المرحَّلة قسراً. هناك معهم، تحت سماء دمشق وعلى ضوء قمرها المشع، وجدت الحياة من جديد.
وأملي الكبير أن يستمر هذا التطور بأسرع وتيرة لتعود دمشق كما كانت، أفضل مدينة في الشرق الأوسط. ولتغدو زيارتي التالية، هروباً حقيقياً من الاغتراب إلى الوطن، ليس لي فقط وإنما لكل سوري أُجبر على الاغتراب.



#سعيد_لحدو (هاشتاغ)       Saied_Lahdo#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أكيتو الأسطورة وفلسفة الوجود
- الابن العاق بين الهلوسة والنفاق
- عندما يهرب الأسد
- المضامين الإنسانية في ملحمة كلكامش
- السريان الآشوريون: القدر التاريخيّ وثورات الحاضر
- المطران المُغيَّب في عيد ميلاده الـ75
- سؤال المصير ورؤية برهان غليون في مناهج الحداثة والممانعة وال ...
- البطريك لويس ساكو... إن لا ماصت تاوت ككوا...!!
- معارضة البيانات والترقيع في ظلال ربيع التطبيع
- عندما يغادرنا مبدعٌ كالموسيقار جورج جاجان
- كلمة ورد غطاها
- حكاية حفار القبور وابنه والوضع السوري
- المعارضة السورية وفقدان البوصلة
- أمير المؤمنين بشار بن أبيه يتحدث....
- الحرب العالمية الجديدة
- خطاب الكراهية وسبل مواجهته
- عودة الحاج رامي مخلوف
- عطب الذات أم عطب المنظومة...؟ قراءة في كتاب الدكتور برهان غل ...
- كردستان التي تأخرت مائة عام
- (غودو) الحل السوري


المزيد.....




- بوتين: مصر من أهم شركاء روسيا الاستراتيجيين في إفريقيا ومشرو ...
- بوتين يجري مباحثات مع السيسي في الكرملين على هامش قمة روسيا ...
- السيسي: مصر حريصة على توطيد الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التع ...
- انقسام أوروبي بشأن الحوار مع موسكو
- الرئيس الإسرائيلي واختبار ما بعد الانتخابات.. هل ينجح في فكّ ...
- نتنياهو وآيزنكوت يواجهان طرقاً صعبة للوصول إلى السلطة في إسر ...
- واشنطن تقترح إطاراً دفاعياً جديداً مع آسيان لمواجهة تنامي نف ...
- انتخابات إسرائيل تضع نتنياهو أمام مأزق.. هل تنجح المعارضة في ...
- إعلام حوثي يفيد بسقوط قتلى جراء ضربات سعودية غربي اليمن.. وق ...
- ترامب يثير مخاوف أزمة انتخابية جديدة في أميركا.. هل يعيد سين ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد لحدو - الهروب إلى الوطن