عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:05
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الأحكام التقريرية للدكتور أمين في مواجهة شهادات بعض دارسي فكر محمود محمد طه
"إن هؤلاء يتعجلون النتائج ويريدوننا أن نكسب الجماهير بالتودد لها واقتيادها من عواطفها، ونحن نعمل لكسبها عن طريق عقولها... وأن العقول لابد أن تتفتح وتأخذ الأمور مجراها الطبيعي المحضر لها... فنحن قوم وطّنا النفوس على العمل الجاد لهذه الدعوة والموت في سبيلها. وتزداد الدلائل كل يوم أمامنا، وضوحاً، وها نحن في كل خطوة نخطوها، نجني كسباً جديداً وننال عضداً وتأييداً... فإلى هؤلاء المتشائمين أقول نحن.. الغد.. ولنا في النهاية النجاح".
عبد اللطيف عمر (1933- 2015)، من أبكار تلاميذ محمود محمد طه وأحد الأربعة الكبار. جاء حديثه ضمن مقاله: "لنا الغد"، الثلاثاء 22 يونيو 1954
يكشف استعراض شهادات عدد من المفكرين والباحثين الذين درسوا فكر محمود محمد طه أن الأحكام التقريرية التي أطلقها الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، لا تنسجم مع تقييمات العديد من الدارسين لفكر طه من مختلف أنحاء العالم. ففي حين وصف الدكتور أمين فكر محمود محمد طه بأنه طغت عليه "النزعة التوفيقية والتلفيقية"، خلص عدد من المفكرين والمفكرات والباحثين والباحثات إلى أن "محمود محمد طه من أكثر المفكرين أصالة في القرن العشرين"، وهو ما ستوضحه التفاصيل والشواهد الواردة أدناه، ورأوا في طرحه إسهاماً جاداً في إعادة قراءة الإسلام في الأفق الإنساني، وتأصيل الصلة بين الإسلام وقيم التحرر والتغيير والحداثة والديمقراطية والاشتراكية والحرية والتسامح والتعايش والسلام، فضلاً عما رأوه في طرحه من قدرة على مواجهة متطلبات العصر واحتياجات الإنسان المعاصر. كما ذهب المفكر التونسي يوسف الصديق إلى النظر إليه بوصفه منقذًا للمسلمين وللإنسانية جمعاء. ونستعرض فيما يلي، بإيجاز، شهادات نحو ستة عشر مفكرًا وباحثًا من اتجاهات وبلدان مختلفة، من خلال الإشارات والمحاور الآتية:
الدكتور سمير أمين (مصر): تجديد إسلامي يذكِّرنا بالتجديد الذي جاء به لاهوت التحرير المسيحي
كورنيل وست (الولايات المتحدة): ينظر طه إلى الإسلام باعتباره أسلوب حياة شامل ينمي الحرية من أجل حياة كريمة تسودها المحبة
توماس شميدينغر (النمسا): هل كان محمود محمد طه ليبراليًا أم اشتراكيًا؟"- "كان محمود محمد طه بلا شك واحدًا من أكثر المفكرين أصالةً"
يوسف الصديق (تونس): محمود محمد طه هو المنقذ للمسلمين وللإنسانية
علي مزروعي (كينيا) وأد أجاوي (نيجيريا): محمود محمد طه أكثر المفكرين الإسلاميين أصالة في إفريقيا
الزبير عروس (الجزائر): محمود محمد طه كأنه كان مسيح عصره.. مسيح المستقبل.. مسيح الإنسان هو المخلص
سلمان البدور (الأردن): خلق طه منهجاً جديداً في التأويل فأثر في كثير من المفكرين لكنهم للأسف لم يشيروا إليه
فوزية مراد (ليبيا): طه أسس منهجًا تأويليًا تجديديًا.. وأفكاره تلتقي مع مطالب النسوية الإسلامية المعاصرة
إيرنست جونسون (الولايات المتحدة): منهجية إسلامية تجمع بين التربية الفكرية والتجسيد الأخلاقي والانضباط الذاتي
ستيف هوارد (الولايات المتحدة): المطلق [أو اللانهائي]، عند محمود محمد طه، هو الأساس في الإسلام، لأن الإسلام يعتبر الفرد قادراً على التطور اللامحدود. إنه ينطلق من المحدود إلى المطلق، من النقص إلى الكمال
منصور خالد (السودان) والإشارة لتأثير محمود محمد طه في الصادق المهدي وحسن الترابي
محمود شعراني (السودان): حاج حمد أقتبس حرفياً ونصياً من أفكار الأستاذ محمود محمد طه
إبراهيم محمد زين (السودان): أطروحة طه حاضرة في نص العالمية الثانية، أخذت منها وتبنت بعض خلاصتها العلمية
السيد كمال الحيدري (العراق): من هنا جاءت نظرية محمد شحرور
حيدر حب الله (لبنان): وجدنا انعكاسات فهم طه للشريعة عند كثير من المفكرين مثل نصر حامد أبو زيد
أصالة أفكار محمود محمد طه: عمليات النهب والقرصنة والانتحال
عن رصد الدراسات العلمية والكتابات عن فكر محمود محمد طه
الدكتور سمير أمين: تجديد إسلامي يذكِّرنا بالتجديد الذي جاء به لاهوت التحرير المسيحي
"الفرق بين المتعلم والمثقف: المتعلم كبائع الزهور، يقتطف الزهور ليقدمها لك في شكل بوكيهات، أما المثقف فهو كالنحلة تمتص رحيق الزهور وتخرجه لك شهداً وليس زهوراً".
محمود محمد طه
من أبرز هذه الشهادات شهادة المفكر المصري سمير أمين (1931–2018)، الذي درس فكر محمود محمد طه وكتب عنه. ففي كتابه ما بعد الرأسمالية المتهالكة (2003)، تحدث قائلًا: "إن المحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام في اتجاه التحرر كانت تلك الخاصة بالمفكر الإسلامي السوداني محمود طه". وتكشف هذه الشهادة عن خصوصية طرح محمود محمد طه، حيث تقديم قراءة للإسلام من منظور ينسجم مع قيم الحرية والتحرر والتغيير الاجتماعي، كما تبرز الشهادة مدى المفارقة بين القيمة الفكرية التي حظيت بها تجربته وأفكاره لدى بعض المفكرين، وبين الصمت الذي قوبلت به من جانب كثير من التيارات الإسلامية، ومن المهتمين بمسألة النهضة الإسلامية، ومن المثقفين كذلك. ويواصل سمير أمين حديثه عن هذه المفارقة قائلًا: "ولم تحاول أية حركة إسلامية، لا "راديكالية" ولا "معتدلة"، أن تتبنى أفكار محمود طه الذي أعدمه نظام النميري في الخرطوم بعد اتهامه بالردة. كذلك لم يدافع عنه أي من المثقفين الذين ينادون "بالنهضة الإسلامية" أو الذين يعبرون عن الرغبة في التحاور مع هذه الحركات". ولم يكتفِ سمير أمين بإبداء هذا التقييم، وإنما ارتبط بفكر طه ارتباطًا بحثيًا وترجميًا، إذ بذل جهودًا كبيرة، بمعاونة المفكر المصري الدكتور حلمي شعراوي (1935–2023)، في سبيل ترجمة كتاب الرسالة الثانية من الإسلام إلى اللغة الفرنسية، حتى صدر الكتاب مترجمًا بعنوان : Mahmoud Mohamed Taha, Un Islam à vocation libératrice، بترجمة محمد البرودي وكارولين باييه، عن دار L’Harmattan، باريس، عام 2002. كما كتب سمير أمين تقديمًا للترجمة الفرنسية، قامت الأستاذة نجاة محمد علي بترجمة هذا التقديم إلى العربية، واستهل أمين مقدمته بطرح سؤال دال حول طبيعة الطرح الفكري لطه: "هل تعلن أعمال محمود محمد طه عن مولد لاهوت تحرير إسلامي؟"
ثم بيّن أمين أن قناعة طه العميقة بالإسلام، ومعرفته المتبحرة بالدين، وقوة حجته في سبيل تقديم تفسير جذري جديد للإسلام، تمثل جميعها شاهدًا على أهمية إسهامه في التجديد الإسلامي، بما يذكّر، في كثير من أوجهه، بالتجديد الذي جاء به لاهوت التحرير المسيحي. كما أشار أمين إلى أن هذا الطرح يؤسس لقطيعة مع تيار التعصب الديني المحافظ الرسمي المسيطر.
وتكتسب شهادة سمير أمين وزنًا خاصًا، ليس فقط لأنها صادرة عن مفكر معروف درس طرح محمود محمد طه، وإنما أيضًا لأنه تعامل معه من خلال الدرس والترجمة والتقديم والتعريف به في المجال الفكري الفرنسي. ومن ثم، فإن موقفه لا يبدو مجرد حكم عابر على فكر طه، بل نتيجة اهتمام مباشر بطرحه وحرص على إتاحته لقراء اللغة الفرنسية، فضلًا عن وضعه في سياق أوسع من محاولات التجديد والتحرر الديني. وهذا ما يجعل شهادته ذات دلالة خاصة عند مقارنتها بالأحكام التقريرية التي تختزل طرح محمود محمد طه في خلاصات عامة، دون الوقوف بالقدر الكافي على مجمل الطرح الفكري ومصادره، على النحو الذي فعله الدكتور أمين حامد زين العابدين، وكذلك معظم الكُتّاب السودانيين.
دراسات عن رؤية محمود محمد طه تجاه الديمقراطية
كورنيل وست: ينظر طه إلى الإسلام باعتباره أسلوب حياة شامل ينمي الحرية من أجل حياة كريمة تسودها المحبة
"الديمقراطية وسيلة لإنجاب الأحرار من العبيد والفوضويين، وهي صنو الاشتراكية، ولا خير في أيهما من غير الأخرى، فإن الاشتراكية إذا طبقت تحت حكم دكتاتوري، لا تربى غير العبيد، والديمقراطية إذا حاولنا تطبيقها تحت نظام اقتصادي متخلف، وهو النظام الرأسمالي، في أي صورة شئت، فإنها تكون قبض الريح ومجرد لعب على العقول".
محمود محمد طه، 1964
وتأتي شهادة المفكر الأمريكي كورنيل وست لتضيف بُعدًا آخر إلى هذا التقييم؛ إذ قرأ طرح محمود محمد طه باعتباره تصورًا للإسلام بوصفه أسلوب حياة شامل ينمي الحرية ويهزم الخوف، من أجل حياة كريمة تسودها المحبة. كما وضع وست فكر طه ضمن الجهود الإسلامية الرامية إلى بناء رؤية ديمقراطية جديدة للعالم الإسلامي، مؤكدًا أن الحوار بين الغرب الحديث والعالم الإسلامي ينبغي ألا يقوم على صدام الحضارات أو فرض إحدى الحضارتين على الأخرى، وإنما ينبغي أن يكون حوارًا سقراطيًا يفحص الماضي الغني بالتلاقح والتفاعل الثقافي، ويستفيد من الطاقات النبوية في التقاليد الدينية المختلفة، بما يفتح المجال أمام إمكانات ديمقراطية جديدة. وضمن دراسته بعنوان: " Forging New Jewish and Islamic Democratic Identities""بلورة هويات ديمقراطية يهودية وإسلامية جديدة"، في كتابه: Democracy Matters: Winning the fight against Imperialism الديمقراطية همنا: كسب الصراع ضد الإمبريالية (2005)، وضع وست وهو يتناول الديمقراطية محمود محمد طه ضمن كوكبة من المفكرين المسلمين الذين سعوا إلى مساءلة التقاليد الإسلامية والحداثة الغربية معًا، بغية بلورة رؤية ديمقراطية جديدة للعالم الإسلامي، فذكر إلى جانب محمود محمد طه عددًا من المفكرين، منهم: فاطمة المرنيسي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكريم سروش، ومحمد أركون، ونوال السعداوي، وأنور مجيد، وطارق رمضان، وخالد أبو الفضل، وأضاف وست، قائلاً:
"وفوقهم جميعًا محمود محمد طه" and, above all, Mahmoud Mohamed Taha”"
وتكتسب شهادة وست أهمية خاصة؛ فهو لا يتعامل مع محمود محمد طه بوصفه مجرد مفكر إسلامي ذي اجتهاد خاص، وإنما يضع طرحه ضمن سياق أوسع من محاولات التجديد الإسلامي وإعادة بناء العلاقة بين الإسلام والحرية والديمقراطية، كما يضعه في سياق الحوار الحضاري بين العالم الإسلامي والغرب. ومن ثم، فإن شهادته تقدم قراءة تتجاوز الحكم على بعض آراء طه إلى النظر في الطرح الكلي الذي سعى من خلاله إلى تقديم فهم جديد للإسلام في مواجهة تحديات العصر ومطالب الإنسان المعاصر. وهذا ما لم يستطع أن ينفذ إليه الدكتور أمين، كونه، كما تبين لدينا، لم يطلع على فكر محمود محمد طه وآرائه بالقدر الكافي، كما أنه لم يدرس المصادر بالصبر الوافي.
وهنا تبرز مفارقة لافتة بين ما خلص إليه وست في تقديره لكتابات محمود محمد طه، ورؤيته تجاه الديمقراطية، وما ذهب إليه الدكتور أمين من حكم تقريري على الطرح الفكري، ووصفه له بأنه طغت عليه "النزعة التوفيقية والتلفيقية"، واستلافه لقيم الحضارة الغربية، لا سيما الديمقراطية، من دون أن يستند إلى دراسة كافية أو تمحيص مباشر لطرح طه ومصادره وأصوله الفكرية. فبينما رأى وست في كتابات طه محاولةً "ثورية وثرية" لإعادة التفكير في مستقبل الإسلام وعلاقته بالديمقراطية، واعتبرها آخر الجهود الرئيسة التي بذلها مسلمون من داخل العالم الإسلامي في سبيل دمقرطته، جاء حكم الدكتور أمين أقرب إلى إصدار نتيجة مسبقة لا تكشف عن معرفة تفصيلية بمكونات الطرح الفكري لطه ومساراته النظرية. وتزداد أهمية هذه المفارقة حين نضع في الاعتبار أن تقييم المفكر لا ينبغي أن يقوم على الانطباع أو الحكم التقريري، وإنما على قراءة نصوصه ودراسة مفاهيمه ومقارنتها بسياقاتها الفكرية والتاريخية؛ وهو ما يجعل شهادة وست، في هذا السياق، ذات دلالة خاصة، لأنها تقوم على الاقتراب من الطرح الفكري لطه ومحاولة فهمه في سياقه، لا على اختزاله في حكم تقريري، بلا حق وبلا ورع علمي، على نحو ما فعل الدكتور أمين.
لابد من وقفه عند حديث طه عن العبد والفوضوي والحر، كما ورد أعلاه في صدر هذا المحور. فالعبد، عند طه، هو الذي يترك حرية عمل ما يريد خوف المسئولية التي تترتب على الخطأ، وأما الفوضوي فهو الذي يحب أن يعمل ما يريد ولكنه عند الخطأ يحاول جاهداً أن يخدع القانون ويتهرب من تحمل مسؤولية عمله، وأما الفرد الحر فهو الذي يقول ويعمل ما يريد ويتحمل مسؤولية عمله وقوله. (9 ديسمبر 1964).
دراسات عن رؤية محمود محمد طه تجاه الاشتراكية
توماس شميدينغر: هل كان محمود محمد طه ليبراليًا أم اشتراكيًا؟"- إن لاهوته يمثل لاهوت التحرر
توماس شميدينغر: "كان محمود محمد طه بلا شك واحدًا من أكثر المفكرين أصالةً"
"لكي يحقق كل فرد فرديته لا بد من الحرية وعلي رأسها الحرية من الخوف. والحرية من الخوف تقوم على حريتين إثنين هما الحرية من الفقر، والحرية من الجهل، ولكفل هاتين الحريتين اللتين هما إرهاص للحرية من الخوف، وجب أن تكون الحكومة اشتراكية، ديمقراطية. فالاشتراكية للحرية من الفقر، والديمقراطية للحرية من الجهل".
محمود محمد طه، 1952
"إن المدنية الغربية الآلية الحاضرة... قد عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والجماعة، كما عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والكون، وهي من جراء هذا العجز قد منيت بالقصور العملي عن الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية وذلك أكبر مظاهر فشلها".
محمود محمد طه، 1967
كان الباحث النمساوي توماس شميدينغر Thomas Schmidinger، أستاذ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جامعة فيينا وجامعة العلوم التطبيقية في النمسا العليا، والمهتم بالإسلام السياسي والسودان والشرق الأوسط، قد تناول فكر محمود محمد طه في عدة دراسات. ففي العام 2000 نشر دراسة بعنوان: "الرسالة الثانية من الإسلام: تصور لحقوق الإنسان والاشتراكية من السودان"Die zweite Botschaft des Islam: Eine Menschenrechts- und Sozialismuskonzeption aus dem Sudan. وفيها تناول أفكار طه بوصفها طرحًا إصلاحيًا إسلاميًا ذا توجه يساري، وركّز بصورة خاصة على تصوراته للاشتراكية وحقوق الإنسان، ومناهضة الاستعمار. كما قدم دراسة أخرى بعنوان: "هل كان محمود محمد طه ليبراليًا أم اشتراكيًا؟" (Was Mahmud Muhammad Taha a liberal´-or-a socialist? ، تناول فيها بصورة أكثر تفصيلًا علاقة الاشتراكية بالديمقراطية والثورة والتطور في فكر محمود محمد طه.
استهل شميدينغر دراسته بوصف طه بقوله: "كان محمود محمد طه بلا شك واحدًا من أكثر المفكرين أصالةً الذين أنجبهم السودان في القرن العشرين". ويحدد شميدينغر هدف دراسته بوضوح، إذ يقول إنه يريد "التذكير بأن محمود محمد طه كان رجلًا يساريًا، واشتراكيًا، وأن فكره الإصلاحي اقترن بأفكار اقتصادية واجتماعية-سياسية اشتراكية واضحة". ومن هذا المنظور، يرى أن لاهوته، أو تفسيره للإسلام، لا يمثل مجرد ليبرالية إسلامية، وإنما يمثل مقاربة يمكن وصفها بدرجة أكبر بأنها "لاهوت تحرر"، على غرار لاهوتات التحرر الاشتراكية في المسيحية بأمريكا اللاتينية، أو الاشتراكية الشيعية لدى علي شريعتي. ويربط شميدينغر بين هذا التصور وبين نظرية طه في الرسالة الأولى من الإسلام والرسالة الثانية من الإسلام؛ فالمجتمع في عهد النبي محمد لم يكن، وفق تصور طه، قد بلغ من التطور ما يؤهله لتطبيق المبادئ الإسلامية في صورتها النهائية، ولذلك جاءت الرسالة الأولى من الإسلام متناسبة مع مستوى ذلك المجتمع. أما المجتمع الحديث، وقد تطور وأصبح أكثر استعدادًا، فإن الرسالة الثانية من الإسلام تقتضي، بحسب طه، الانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية والاشتراكية الحقيقية.
ومن خلال تتبعه لهذا الجانب من طرح طه، يخلص شميدينغر إلى أن عمل طه الفكري يكشف عن ترابط وثيق بين الفكر التقدمي والديمقراطية والاشتراكية. ففي تصور طه، كما يبين شميدينغر، لا توجد اشتراكية حقيقية من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية حقيقية من دون اشتراكية؛ فهما متلازمتان، ويمثلان، بحسب تعبير طه، "جناحي" المجتمع. وكما ذهب شميدينغر فإن طه عبّر عن ذلك بوضوح في كتابه: الرسالة الثانية من الإسلام، حيث كتب طه، قائلاً: "والديمقراطية صنو الاشتراكية.. وهما معًا يمثلان جناحي المجتمع.. فكما أن الطائر لا يستقل في الهواء على جناح واحد، فكذلك المجتمع، لا يستقل بغير جناحين من ديمقراطية واشتراكية". ويبلغ شميدينغر بهذه القراءة إلى خلاصة أكثر تحديدًا، حين يقول: "بالنسبة إلى محمود محمد طه، كان الالتزام بالاشتراكية والديمقراطية متجذرًا في الإسلام نفسه. ولذلك، فإن آراءه السياسية والدينية تشبه، من جوانب عديدة، لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية".
تكشف قراءة شميدينغر لفكر محمود محمد طه، ولا سيما في جانبه المتصل بالاشتراكية والديمقراطية، عن فارق منهجي واضح بين الدراسة التحليلية للنصوص وإصدار الأحكام العامة عليها. فشميدينغر لم يكتفِ بوصف طه بأنه اشتراكي أو ديمقراطي، وإنما تتبع تصوره للاشتراكية وعلاقته بالديمقراطية، وربط ذلك بمفهوم الرسالتين وبالأسس الأخلاقية والسياسية لطرحه، ثم انتهى إلى تصنيف أكثر تحديدًا لطه باعتباره مفكرًا ذا رؤية تجاه الديمقراطية والاشتراكية، وذا نزعة تحررية، ثم وضع طرحه في سياق لاهوت التحرر. وعند مقارنة ذلك بما أورده الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حيث وصف فكر محمود محمد طه بأنه طغت عليه «النزعة التوفيقية والتلفيقية»، تظهر مفارقة جديرة بالتوقف. فبينما أقام شميدينغر حكمه على تتبع مفاهيم طه وقراءة تصوره للاشتراكية والديمقراطية وعلاقتهما بطرحه الإسلامي، لم يقدم الدكتور أمين، في الموضع المشار إليه، دراسة مماثلة لمضمون مفهوم الديمقراطية والاشتراكية عند طه، ولم يناقش، بالقدر نفسه من التفصيل، الأسس التي قام عليها هذا التصور.
ومن ثم، فإن المقارنة بين الدراستين لا تهدف إلى المفاضلة بين باحث وآخر بقدر ما تكشف عن أهمية المنهج الذي يُتَّبع في الحكم على المشاريع الفكرية. فالحكم على فكر محمود محمد طه، سواء بالقبول أو النقد أو الرفض، يقتضي أولًا قراءة مفاهيمه في سياقها، والوقوف على نصوصه المؤسسة، وفهم العلاقة بين عناصر مشروعه المختلفة؛ ولا سيما العلاقة بين الإسلام والديمقراطية والاشتراكية والحرية. ومن خلال المقارنة مع دراسات مثل دراسة شميدينغر، يتضح أن بعض الأحكام التي تبدو حاسمة على فكر طه، لا سيما أحكام الدكتور أمين، تحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر وتمحيص، خاصة عندما لا تستند إلى المام ومعرفة بالمصادر، ولا تستند إلى تحليل مباشر وكافٍ للمفاهيم التي يُبنى عليها الحكم. وهنا تكمن أهمية المقارنة بين الدراسات المختلفة؛ إذ إنها تتيح الانتقال من الحكم التقريري على فكر محمود محمد طه إلى اختباره من خلال نصوصه ومفاهيمه وشهادات الباحثين الذين درسوا طرحه دراسة مباشرة. وتكشف هذه المقارنة، في الوقت نفسه، أن اختزال طرح طه في «التوفيقية والتلفيقية» يتجاهل جانبًا أساسيًا من بنيته الفكرية، يتمثل في محاولته إقامة صلة عضوية بين التجديد الديني والحرية والديمقراطية والاشتراكية، وهي الصلة التي دفعت شميدينغر إلى وضع طرح طه ضمن أفق أوسع هو أفق لاهوت التحرر.
يوسف الصديق: محمود محمد طه هو المنقذ
"إن ما جئت به هو من الجدة بحيث أصبحت به بين أهلي كالغريب وبحسبك أن تعلم أن ما أدعو إليه هو نقطة التقاء الأديان جميعها، حيث تنتهي العقيدة ويبدأ العلم، وتلك نقطة يدخل منها الإنسان عهد إنسانيته، ولأول مرة في تاريخه الطويل".
محمود محمد طه، 1970
في الاتجاه نفسه الذي عبّر عنه المفكر والأستاذ الجامعي الأمريكي كورنيل وست في تقديره لطرح محمود محمد طه، وصف المفكر التونسي يوسف الصديق محمود محمد طه بأنه «المنقذ للمسلمين وللإنسانية». ولا يبدو هذا الوصف، في سياق قراءة مشروع طه، مجرد مديح لشخصية فكرية أو دينية، وإنما هو تعبير عن تقدير لمشروع إصلاحي حاول أن يعيد صياغة علاقة المسلم بالدين والحرية والعقل والإنسان. فقد انطلق محمود محمد طه من رؤية ترى أن أزمة المجتمعات الإسلامية لا تكمن في الإسلام من حيث هو دين، وإنما في طرائق فهمه وتطبيقه وفي انتقال الخطاب الديني من فضاء القيم الروحية والأخلاقية إلى فضاء السلطة والإكراه. ومن هنا جاءت دعوته إلى قراءة جديدة للقرآن والسنة، وإلى الانتقال من مستوى التشريع الذي ارتبط بظروف تاريخية محددة إلى مستوى أرحب من القيم الإنسانية التي رأى أنها تمثل جوهر الرسالة الإسلامية في مرحلتها الأكثر نضجاً. وبذلك يصبح «الإنقاذ» الذي ينسبه إليه يوسف الصديق مفهوماً فكرياً وأخلاقياً قبل أن يكون مفهوماً دينياً؛ أي إنقاذاً للإسلام من القراءات التي تحصره في الماضي، وإنقاذاً للإنسان من توظيف الدين لتقييد حريته أو مصادرة كرامته. وهذه القراءة تضع محمود محمد طه ضمن تيار واسع من المفكرين الذين سعوا إلى إقامة مصالحة بين الإيمان والعقل، وبين الخصوصية الدينية والقيم الإنسانية المشتركة، وبين الالتزام الروحي ومبادئ الحرية والمساواة.
نلتقي مع الجزء الخامس (5 ب- 5 ج) من هذه الحلقة (9- 9).
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟