عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 21:51
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية» (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم، وبيّنا أنه لا يصمد أمام مراجعة شاملة لأعمال محمود محمد طه، ولا أمام تتبع تصوره المتكامل لعوامل التخلف وشروط والنهوض. ونقف هنا، بإيجاز، عند إصلاح التعليم في رؤية المفكر محمود محمد طه؛ لأنه يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم موقفه من قضية التخلف والنهوض. فالتعليم عنده لم يكن مجرد قضية إصلاحية جزئية تتصل بالمدرسة أو المناهج، وإنما كان جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الإنسان، وتحرير عقله، وتهيئته للانتقال من طور التقليد والوصاية إلى طور المسؤولية والحرية. ومن هذه الزاوية، فإن حديث محمود محمد طه عن التعليم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حديثًا عن إصلاح النظام التعليمي في السودان وحده، ولا عن المجتمعات العربية أو الإسلامية أو الأفريقية وحدها؛ بل باعتباره جزءًا من تصور إنساني عام لشروط النهضة، وللدور الذي ينبغي أن يؤديه التعليم في صناعة الإنسان الحر المسؤول القادر على مواجهة تحديات العصر.
وعليه، فإن الوقوف عند رؤية محمود محمد طه لإصلاح التعليم يكشف جانبًا مهمًا من إجابته عن السؤال الذي نفى الدكتور أمين وجود إجابة عنه: ما أسباب التخلف، وما الشروط التي تُمكّن الإنسان والمجتمع من تجاوزه؟
إصلاح التعليم وإعداد الإنسان الحر
كذلك تناول المفكر محمود محمد طه موضوع التعليم على المستويين المحلي والعالمي، في العديد من كتاباته وأحاديثه. تناول راهن التعليم، وفصل في علله، وقدم حلولاً للتعليم الجديد وإعداد الإنسان الحر. ففي كتابه: قل هذه سبيلي: الاقتصاد، الاجتماع، التعليم، المرأة (1952)، تناول التعليم، وقال إن "التعليم الذي يراد به إلى تحرير المواهب الطبيعية محصوله مكارم الأخلاق وهو التعليم المقصود بالذات لأنه الوسيلة الوحيدة المفضية عن قرب قريب الي الحرية من الخوف التي بها وحدها يتمكن كل إنسان من تحقيق إنسانيته وفي تحصيله يستوي الرجال والنساء وتقع المسئولية عنه علي عاتق كل رجل بمفرده، وكل امرأة بمفردها" (ص 18).
ويؤكد هذا الطرح الوارد في كتاب: قل هذه سبيلي، أن المفكر محمود محمد طه لم يتناول التعليم بوصفه وسيلة لاكتساب المعرفة أو التأهيل الوظيفي فحسب، وإنما نظر إليه باعتباره مشروعاً لتحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته. فربطه بين «تحرير المواهب الطبيعية» و«مكارم الأخلاق» يكشف عن تصور للتعليم يتجاوز نقل المعلومات إلى بناء الشخصية القادرة على تجاوز الخوف واستثمار طاقاتها الكامنة. ويحتل التحرر من الخوف في هذا التصور موقعاً محورياً؛ إذ يجعله شرطاً سابقاً لتحقيق الحرية الفعلية، ومن ثم فإن قصور التعليم عن أداء هذه الوظيفة يسهم في إعادة إنتاج إنسان عاجز عن المبادرة والتفكير المستقل، وهو ما ينعكس بالضرورة على المجتمع في صورة جمود وتخلف. كما أن مساواته بين الرجال والنساء في حق التعليم ومسؤوليته ينطوي على رؤية اجتماعية متقدمة تجعل النهضة مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، ولا تقصرها على فئة أو جنس دون آخر. وبذلك يتضح أن حديث المفكر محمود محمد طه عن التعليم كان جزءاً من معالجة أوسع لأزمة المجتمع، وأن إصلاح التعليم عنده لم يكن إصلاحاً مؤسسياً محدوداً، وإنما تغييراً في وظيفة التعليم وغاياته، بحيث يصبح أداة لتحرير الإنسان من الخوف والقيود الموروثة، وإطلاق قدراته الأخلاقية والعقلية، وتمكينه من الإسهام الواعي في بناء مجتمع أكثر حرية واستقلالاً.
وفي الخطاب الذي بعثه إلى الدكتور توريز بوديت (1902- 1974)، مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهو أديب وروائي مكسيكي، شغل منصب مدير عام اليونسكو خلال الفترة (ديسمبر 1948- ديسمبر 1952). وقد نُشر الخطاب في الصحف السودانية في العام 1952، وفي العام 1954، بعنوان: "إعداد الإنسان الحر: خطاب إلى الدكتور توريز بوديت، مدير عام منظمة اليونسكو". تناول المفكر محمود محمد طه التعليم من عدة محاور، هي: إعداد الإنسان الحر، وثورة في الفكر، ووحدة جغرافيا، وحكومة عالمية، والتعليم الجديد. وكتب، قائلاً:
"إن التعليم الحالي مضلل أشد التضليل.. وتضليله نتيجة حتمية للنظرة المعاصرة للحياة، وغايتها... إن (التعليم الجديد) يجب أن يستمد من النظرة الجديدة إلى الغاية من الحياة الجماعية: (إعداد إنسان حر يعيش في مجتمع عالمي).. (إنسان حر) من هو؟ هو من حرر عقله، وقلبه، من رواسب الخوف، فنبه جميع القوى الكامنة في بنيته، فاستمتع بحياة الفكر، وحياة الشعور.. هذا هو الإنسان الحر، والتعليم المتوجه إلى إعداده يعني، في المكان الأول، بتحرير المواهب الطبيعية من الخرافات، والأباطيل الموروثة في العهود السحيقة".
يكشف هذا الخطاب بوضوح أن معالجة المفكر محمود محمد طه لأسباب التخلف لم تكن منفصلة عن رؤيته للتعليم ودوره في تشكيل الإنسان والمجتمع، بل جعل من إصلاح التعليم مدخلاً أساسياً للتحرر والنهضة. فهو لا ينظر إلى التعليم السائد بوصفه مجرد نظام يحتاج إلى تحسين في مناهجه أو وسائله، وإنما يراه مرتبطاً بـ«النظرة المعاصرة للحياة وغايتها»، ومن ثم فإن إصلاحه يقتضي تغييراً في الرؤية التي تحدد غايته ووظيفته. ويظهر ذلك في طرحه لمفهوم «الإنسان الحر» الذي يبدأ تحريره من تحرير العقل والقلب من رواسب الخوف، ومن الخرافات والأباطيل الموروثة، بما يعني أن التخلف، في نظره، ليس حالة مادية فحسب، وإنما هو أيضاً حالة من الجمود الفكري والنفسي تحول دون إطلاق الطاقات الكامنة في الإنسان. ومن هنا ربط بين التعليم وتحرير المواهب الطبيعية، وبين تحرير الإنسان وقدرته على المشاركة الواعية في بناء المجتمع. والأهم أن هذا الطرح صدر في وقت مبكر من خمسينيات القرن العشرين، وقبل استقلال السودان، وتجاوز في أفقه حدود الإصلاح التعليمي المحلي إلى تصور أوسع يقوم على «إعداد إنسان حر يعيش في مجتمع عالمي»، بما يكشف عن رؤية المفكر محمود محمد طه تجاه العلاقة بين التعليم والتحرر الفردي والاجتماعي، وبين أزمة الإنسان وأزمة المجتمع. وعليه، فإن القول بعدم تقديمه تفسيراً لأسباب التخلف، كما ذهب لذلك الدكتور أمين، يغفل أحد المحاور المركزية في طرحه الفكري؛ إذ إن نقده للتعليم الموروث، وتشخيصه لأثر الخوف والجمود والخرافة في تعطيل طاقات الإنسان، يمثل في جوهره محاولة لتفسير أحد الجذور العميقة للتخلف، من خلال مساءلة النظام المعرفي والتربوي الذي يعيد إنتاجه، وطرح تعليم جديد غايته بناء الإنسان الحر القادر على التفكير والمشاركة والإسهام في صياغة مستقبل مجتمعه.
ويمكن الاطلاع على نص الخطاب ضمن: محمود محمد طه: الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات، 1973.
إعداد الإنسان الحر- خطاب إلى الدكتور توريز بوديت، مدير عام منظمة اليونسكو"، بقلم محمود محمد طه، صحيفة الجمهورية، الاثنين 15 يناير 1954. (ملاحظة: هذه إعادة نشر فقد سبق وأن نشر الخطاب في صحيفة صوت السودان).
خطاب اليونسكو ومُساجلات التعليم بين محمود محمد طه ومحمد محمد علي
"آراء الأستاذ محمود مهما كان موضوعها تستحق المناقشة وإمعان النظر ". (12 فبراير 1954)
الشاعر محمد محمد علي (1922 -1970)
ساق نشر خطاب المفكر محمود محمد طه إلى الدكتور توريز بوديت، مدير عام منظمة اليونسكو، في الصحف السودانية، إلى مساجلة تمت بين المفكر محمود محمد طه والشاعر محمد محمد علي. كان من بين موضوع التعليم الجديد والتعليم المعاصر ومناهج التعليم. استهل السجال الشاعر محمد محمد علي المساحلات بمقال جاء بعنوان: "تكرموا بإنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض". وكتب ضمن خطابه للمفكر محمود محمد طه، قائلاً: "أنت ترى "أن التعليم الحالي مضلل كل التضليل، وتضليله نتيجة منطقية للنظرة المعاصرة للحياة وغاياتها...". وعبر الشاعر محمد محمد عن اختلافه، قائلاً: "على أنني لا وافقك، مع اعترافي بنقص وسوء مناهجه، على أن هذه صورة صادقة للتعليم والإنتاج في وقتنا الحاضر". ثم فصل في ذلك، وتناول واقع التعليم ورؤية المفكر محمود محمد طه... إلخ. رد المفكر محمود محمد طه بمقال، جاء بعنوان: "أوما علمت أن الأرض قد التحقت بأسباب السماء؟"، صحيفة الجمهورية، العدد رقم: 4، الجمعة 5 فبراير 1954. كتب المفكر محمود محمد طه، قائلاً:
"فقد قرأت لك كتابك القيم، الذي تعرضت فيه لمناقشة خطابنا إلى رئيس منظمة اليونسكو، ولقد طابت لك نفسك أن تسوق كتابك الضافي تحت عنوان طريف: "تكرموا بإنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض"، وهو عنوان بارع يدل، من الوهلة الأولى، على ما ينتظر القارئ من نظرة علمية، وواقعية.. ولست أريد أن أطيل وقوفي هنا، ولكني لا أحب أن أزايل مقامي هذا قبل أن أؤكد لك أن الأرض في تفكيري قد التحقت بأسباب السماء.. فلست أرى أرضا، ولا سماء، وإنما وحدة إتسقت فيها العوالم، من الدراري، إلى الذراري، في غير تفاوت نوع، وأكاد أقول: ولا تفاوت مقدار، وإنما هو التعاون المتضافر على الدلالة على وحدة المعاني، القائمة وراء تعدد الشخوص، وتلك دلالة يستوي فيها جبريل، وإبليس، في البلاغة، والتبليغ ".
ثم تناول بالتفصيل ما جاء في مقال الشاعر محمد محمد علي، فوقف عند موضوع التعليم ومناهجه، وأثر الالة في التعليم المعاصر، وغاية التعليم، كما فصل في قوله: "أصبح التعليم مهنيا في أكثر أساليبه". ويمكن الاطلاع على هذه النصوص ضمن (محمود محمد طه، *الكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات*، 1973). كذلك ضمن: محمد محمد علي، محاولات في النقد، 1958، ص 17-21. كما تناولت من جانبي هذه المساجلة ضمن: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، مرجع سابق، ص 187- 189.
تكشف هذه المساجلة عن جانب مهم في طبيعة التلقي المبكر لفكر محمود محمد طه، إذ لم يكن طرحه بشأن التعليم والفلسفة والتعليم الجديد يمر في المجال العام دون نقاش، وإنما استدعى سجالاً فكرياً اتخذ من الصحافة السودانية فضاءً للحوار والاختلاف. وتكتسب أهمية هذه المساجلة من أن محمد محمد علي لم يكتفِ بالاعتراض على بعض أفكار محمود محمد طه، بل ناقش مقدماته المتعلقة بالتعليم المعاصر ومناهجه ووظيفته، وهو ما أتاح للمفكر محمود محمد طه أن يوضح أسس رؤيته ويدافع عنها ويعيد تفصيلها. ويكشف رده، ولا سيما عبارته بأن «الأرض في تفكيري قد التحقت بأسباب السماء»، عن طبيعة المنظور الفلسفي الذي ينطلق منه؛ فهو لا يقيم قطيعة بين التفكير في الإنسان والمجتمع من جهة، وبين الأسئلة الفلسفية والروحية من جهة أخرى، وإنما ينظر إليها في إطار وحدة معرفية تتداخل فيها مستويات الوجود والمعنى. وعلى مستوى التعليم تحديداً، فإن عودته إلى مناقشة أثر الآلة، ومناهج التعليم، وتحول التعليم إلى طابع مهني، تشير إلى أنه كان يناقش وظيفة التعليم في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع الحديث، لا باعتباره عملية تلقين منفصلة عن غايات الإنسان وحاجاته. ومن ثم، فإن أهمية هذه المساجلة لا تقتصر على مضمون الخلاف بين الرجلين، وإنما تكمن أيضاً في أنها تقدم نموذجاً مبكراً للمناقشة النقدية لفكر محمود محمد طه داخل البيئة الفكرية السودانية، وتثبت أن أفكاره عن تشخيص وتشريح قضايا السودان، لا سيما عن التعليم، كانت مطروحة للنقاش والمساءلة منذ خمسينيات القرن العشرين. ويُبين هذا الطرح المبكر مع ما أوردناه في الحلقات السابقة، وما سنورده لاحقاً، عن تناوله لأسباب تخلف السودان، يضعف الحكم التقريري الذي أتى به الدكتور أمين في كتابه، أن المفكر محمود محمد طه لم يشرح أسباب تخلف السودان. ويضعف، من ناحية أخرى، التعميم القائل بغياب النقاش النقدي حول طرحه، ويجعل من الضروري التمييز بين وجود النقاش حول أفكاره وبين تراكم الدراسات النقدية المنهجية التي قامت بتحليلها وتقييمها؛ فالمشكلة التي يمكن الحديث عنها ليست انعدام التفاعل مع فكره، وإنما محدودية ما تلا ذلك من ضعف الاطلاع على مصادره، فضلاً عن ضعف الاشتغال النقدي العلمي والمنهجي على مجمل طرحه الفكري.
تشخيص واقع التعليم في السودان ورهانات إصلاحه
قراءة في خطاب المفكر محمود محمد طه إلى عميد معهد بخت الرضا (1958)
قدم المفكر محمود محمد طه تشخيصاً لمسألة التعليم في السودان ضمن خطاب وجهه بتاريخ 24 ديسمبر 1958 إلى الأستاذ عثمان محجوب (1905- 1982) أول عميد سوداني لمعهد بخت الرضا، جاء مع مرحلة السودنة، خلفاً للمستر روبن هودجكن Robin Hodgkin (1916- 2003)، ثاني وآخر عميد بريطاني لمعهد بخت الرضا (1950- 1955). وكان المستر فنست لورنس قريفث V. L. Griffiths (1902- 1984) العميد المؤسس للمعهد مع افتتاحه في 18 أكتوبر 1934 وغادر موقعه عام 1950 مديراً/ عميداً لكلية فكتوريا بالقاهرة. كتب المفكر محمود محمد طه في مستهل خطابه، قائلاً:
"وبعد، فبالإشارة للمحادثة، قبيل سفرك، فإني أرسل إليك ببعض ما أرى في مسألة التعليم، وأرجو أن يكون له في نفسك وقع حسن.. فإني أرى أنه لا بد، لتخطيط مناهج التعليم، من الرجوع إلى الأصول، إذا ما أردنا تعليمنا أن يكون مثمراً، ونافعاً.. والنظرة العجلى للأصل تدلنا على أن مناهج التعليم التي نرسمها يجب، قبل كل شيء، أن تهدف إلى تعليم الطالب كيف يعلم نفسه، وكيف يكلف بمواصلة هذا التعليم، طوال حياته، التعليم الذاتي"..
ثم تناول في خطابه التربية والتعليم، والرجوع إلى الأصول، والتعليم الذاتي، ونقد التعليم الجامعي، والتعليم الجامعي والأصالة السودانية، ووظيفة التعليم وفائدته، والتحذير من فصل التعليم إلى، تعليم ديني، وتعليم مدني، والتعليم المهني، والتعليم الأولي، والتعليم فوق الأولي، والتعليم الخلقي. وقد نشر الخطاب بعنوان: "خطاب إلى عميد معهد بخت الرضا الأستاذ عثمان محجوب-(24 ديسمبر 1958)" ضمن: محمود محمد طه، الكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات، 1973.
وسبق وأن تناول المفكر محمود محمد طه موضوع التربية في تعقيبه على مقال نشره الأستاذ أحمد لطفي السيد (1872- 1963) الملقب بأستاذ الجيل وأبو الليبرالية المصرية. جاء مقال الأستاذ أحمد لطفي بعنوان: "التربية بين السياسة والعلم" في صحيفة الشعب السودانية، بتاريخ السبت 13 يناير 1951. عقَّب المفكر محمود محمد طه بمقال موسوم بـ "التربية بين السياسة والعلم أيضا مع الأستاذ أحمد لطفي السيد"، صحيفة الشعب بتاريخ
السبت 27 يناير 1951. وتحدث في تعقيبه عن انشطار العالم إلى معسكرين الشرقي والغربي لا يكادان يتهادنان. أحدهما، كما يبدو للمراقبين، يمثل العدالة الاجتماعية، والآخر يمثل الحرية، وما تبع ذلك من نتائج مؤلمة تتمثل في هدر حق الفرد في الحرية في معسكر، وغياب العدالة الاجتماعية في المعسكر الآخر. ثم ذكر بأن هذه الحالة المؤلمة التي يعيش الناس فيها، لن تنتهي إلا إذا تم التوفيق بين العدالة الاجتماعية، والحرية، في نظام واحد، يخضع له العالم أجمع. وأوضح بأن "مسألة التوفيق بين العدالة الاجتماعية، والحرية الفردية المطلقة، هي قضية التربية.. وهي، بعد كل ما يقال، ليست أكثر، ولا أقل، من تنسيق ما هو وسيلة (المجتمع الصالح) مع ما هو غاية (الفرد السعيد)". يمكن الاطلاع على المقالين ضمن: (محمود محمد طه، الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات، 1973).
ويكشف هذا التعقيب المبكر أن محمود محمد طه كان ينظر إلى التربية بوصفها قضية تتجاوز التعليم المدرسي إلى بناء الإنسان والتوفيق بين حرية الفرد وعدالة المجتمع. ومن ثم، فإن حديثه عن التربية منذ عام 1951 يؤكد امتداد انشغاله المبكر بقضايا الإنسان والمجتمع، وارتباطها لديه بمشروع أوسع للإصلاح والتغيير.
التحذير من فصل التعليم إلى تعليم الديني وتعليم مدني
"لنا نحن الجمهوريين، رأي في التعليم الديني القائم الآن.. ورأينا فيه رأي سيء. في مستواه، ومحتواه وأغراضه، وأسلوبه، وأساتيذه".
محمود محمد طه، 1968
وفي إطار تشخيصه لقضايا التعليم في السودان، فلقد حذر المفكر محمود محمد طه من وقت مبكر عن خطر فصل التعليم إلى تعليم الديني وتعليم مدني. ففي خطابه إلى عميد معهد بخت الرضا الأستاذ عثمان محجوب، أنف الذكر، كتب المفكر محمود محمد طه، قائلاً: "ويجب الحذر، كل الحذر، من فصل التعليم إلى، تعليم ديني، وتعليم مدني، ينتظر فيه من رجال الدين، من استقامة الخلق، ما لا ينتظر من رجال التعليم المدني". وكان المفكر محمود محمد طه قد تحدث عن ثنائية التعليم هذه، ضمن تناوله لعيوب التعليم أيام تبني مؤتمر الخريجين الذي تأسس في العام 1938، للعلم. وقد نقد المفكر محمود محمد طه سير مؤتمر الخريجين على نهج الاستعمار في التعليم. وأوضح بأننا "لانزال نعاني من عدم توجيه التعليم بالصورة التي توائم بين المتعلم وبيئته، وتحفزه لحب العمل، وتبث فيه روح الخلق والإتقان". كما أثار ثنائية التعليم، بأن يكون هناك تعليم ديني وتعليم مدني كل في منطقة منعزلة عن الأخرى. ودعا إلى ضرورة ازالته، وهي "الثنائية التي لم تزل بقاياها تنفث ضررها على البلاد، ويتمثل ذلك في وجود جهاز (الشئون الدينية) و (جامعة أمدرمان الاسلامية)". للمزيد أنظر: (الإخوان الجمهوريون، معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الأول (1945- 1975)، أم درمان، 1976).
وظل موقف المفكر محمود محمد طه رافضاً لفكرة لما يسمى بالتعليم الديني، فقد دعا منذ أربعينات القرن الماضي، إلى إنهاء ازدواجية التعليم المتمثلة في التعليم الديني والتعليم المدني. كما ظل مناهضاً، على سبيل المثال، لفكرة المعهد العلمي بأم درمان (أزهر السودان)، الذي نشأ في العام 1912، قبل أن يصبح جامعة أم درمان الإسلامية في العام 1965، ورافضاً لدوره ونشاطاته، وكان يرى أن المعهد العلمي ما هو إلا ميدان للظلام والرمي بالتكفير والعجز عن المواكبة وتقديم سبل الرشاد، وأن ما يقدمه من إسلام صورة خالية من المحتوى والروح. كما عبر عن رأيه السيء في التعليم الديني القائم الآن، وهو سيء في مستواه، ومحتواه وأغراضه، وأسلوبه، وأساتيذه، كما ورد أعلاه. وكان يرى أن التعليم يجب أن يكون بالقدوة، لا بالكلام". وأشار إلى أن تعليم الدين يجب ألا يكون مستقلاً عن النشاط اليومي، في التعليم المهني، أو في الألعاب أو خلافه، وإنما يكون متلبسا بكل أولئك. ويرى بأن تعليم الدين يجب أن يكون بسير الصالحين، حتى ولو كانوا غير مسلمين، فبإبراز قيم السلوك الإنساني التي عاشها العظماء، من المسلمين وغير المسلمين، ترسخ في أذهان الطلاب النماذج البشرية الممجدة. للمزيد أنظر: (عبدالله الفكي البشير، صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، مرجع سابق ؛ عبدالله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، مرجع سابق ؛ عبدالله الفكي البشير، الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، مرجع سابق).
وتدل هذه النصوص أن إصلاح التعليم احتل موقعاً محورياً في طرح المفكر محمود محمد طه، باعتباره المدخل إلى بناء الإنسان الحر وإحداث النهضة، وليس مجرد قضية تربوية جزئية. وأن معالجته لمسألة التعليم لم تكن معالجة لإشكالات تربوية منفصلة عن قضايا المجتمع، وإنما كانت جزءاً من تصور أوسع لأسباب التخلف وسبل تجاوزه. فقد ربط بين طبيعة المناهج وقدرة المتعلم على مواصلة التعلم ذاتياً، وبين التعليم وملاءمته للبيئة السودانية وتحفيزه على العمل والإنتاج، كما انتقد الفصل بين التعليم الديني والمدني، لما يراه فيه من تكريس للازدواجية وإعاقة لتكوين شخصية متكاملة. ولم يقف نقده عند تشخيص الاختلالات، بل قدم تصورات بديلة تقوم على ربط التعليم بالحياة والعمل والأخلاق، وعلى جعل الدين قيمة سلوكية حاضرة في النشاط اليومي، لا معرفة منفصلة عن واقع الإنسان. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة لأنه يربط أزمة التعليم بأزمة أعمق تتصل بتكوين الإنسان السوداني، وبعلاقته ببيئته وبالعمل وبالموروث الديني والثقافي، وهي قضايا تتقاطع بصورة مباشرة مع أسئلة الاستقلال والنهضة والتحرر من آثار الاستعمار.
وعلى هذا الأساس، فإن الشواهد المتقدمة، الممتدة من أربعينيات القرن العشرين إلى ما بعد استقلال السودان، لا تقدم مجرد آراء متفرقة في التعليم، وإنما تكشف عن مسار فكري متصل شخّص المفكر محمود محمد طه من خلاله عدداً من العوامل المنتجة للتخلف، وفي مقدمتها طبيعة التعليم، والازدواجية الثقافية والدينية، وانفصال المعرفة عن البيئة والعمل، وآثار النموذج الاستعماري في تشكيل المؤسسات التعليمية. ومن ثم، فإن القول بأن المفكر محمود محمد طه لم يقدم تفسيراً لأسباب تخلف السودان يحتاج إلى مراجعة دقيقة، وإلى قراءة أوسع لمصادره ووثائقه المنشورة؛ إذ إن الخلاف، إن صح، لا ينبغي أن يكون حول وجود معالجة لهذه الأسباب من عدمها، وإنما حول مدى كفاية هذه المعالجة، واتساق عناصرها، وقدرتها على تقديم تفسير شامل للتخلف. وهذه التفرقة ضرورية في القراءة النقدية؛ لأنها تنقل النقاش من نفي وجود التفسير إلى فحصه وتحليله وتقويمه، وهو ما يبدو أكثر إنصافاً لطرح المفكر محمود محمد طه، وأكثر اتساقاً مع مقتضيات البحث العلمي.
نلتقي في الحلقة الخامسة (6- 9).
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟